قوله: (وَحَوْلُ الْمُتَمِّ مِنَ التَّمَامِ) يريد: أنه إذا اقتضى من دينه دون النصاب ثم اقتضى بعد ذلك ما يكمل به النصاب، فإن حول الأول -وهو المتم اسم مفعول- من يوم اقتضى تمام النصاب فيزكيهما جميعًا ساعتئذٍ، وهو المشهور خلافًا لأشهب فإنه قال: إذا اقتضى عشرة دنانير ثم عشرة أخرى فإنه يزكي الأولى والثانية وتصير كل واحدة على حولها.
قوله: (لا إِنْ نَقَصَ بَعْدَ الْوُجُوبِ) أي: فإن الأولى تبقى على حولها ولا تنتقل، ومراده أنه إذا اقتضى 1 من دينه عشرين دينارًا مثلًا فزكاها ثم اقتضى عشرة 2 أخرى فزكاها، ثم حال حول الثانية وليس في الأولى نصاب لكنها مع الثانية نصاب فإن الأولى تبقى على حولها 3 ولا تنتقل ويزكيها عند حولها، وهو المشهور خلافًا لابن مسلمة فإنه قال: تعود الأولى يوم اقتضاء الثانية، واعلم أنه أهمل هنا قيدًا لا بد منه وهو أن يكون المقتضى الأول فيه مع الثاني نصاب فلو قصرا معًا عنه فليس الحكم كذلك.
قوله: (ثُمَّ زَكَّى الْمَقْبُوضَ وَإِنْ قَلَّ) يريد: أن المقبوض بعد كمال النصاب يزكى وإن قل، وهكذا قال في المدونة 4.
قوله: (وَإِنِ اقْتَضَى دِينَارًا فَآخَرَ فَاشْتَرَى بِكُلٍّ سِلْعَةً، بَاعَهَا بِعِشرِينَ، فَإِنْ بَاعَهُمَا معا أَو إحداهُمَا بَعْدَ شِرَاءِ الأُخْرَى يُزَكِّي الأَرْبَعِينَ، وَإِلا إحدى وَعِشْرِينَ) يريد: إذا كان له دين لا يملك غيره أو يملك ما لا يكمل 5 به النصاب فاقتضى من دينه دينارًا بعد دينار فابتاع بكل منهما سلعة باعها بعشرين دينارًا، فإن باعهما في وقت واحد أو إحداهما بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 75
شراء الأخرى 6 فإنه يزكي الأربعين، ولا إشكال فيما إذا باعهما معًا في وقت واحد أنه يزكي الأربعين، واختلف إذا باع إحداهما بعد شراء الأخرى، فذهب أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه يزكي إحدى وعشرين دينارًا وهو المبيع مع الدينار الذي هو ثمن السلعة الباقية، ورأى أن المذهب كله على ذلك، وقال غيره: اتفق على تزكية الأحد والعشرين، واختلف في تزكية التسعة عشر الباقية على قولين، وهذه طريقة ابن بشير 7، والمشهور تزكية الأربعين، وكذا ذكر ابن شاس 8 والقرافي 9 ولم يذكر اللخمي غيره، ولهذا اقتصر هنا عليه.
وقوله: (وإلا أحدًا وعشرين) أي: وإن لم يبعهما معًا ولا باع إحداهما بعد شراء الأخرى بل باعها قبل شراء الأخرى فإنه يزكي إحدي وعشرين.
قوله: (وَضُمَّ لاخْتِلاطِ أَحْوَالِهِ آخِرٌ لأَوَّلَ) يريد: أنه إذا اقتضى من دينه نصابًا فزكاه فصار يقبض 10 شيئًا فشيئًا وهو يزكي ذلك، ثم جاء في الحول الأخير 11 فأراد أن يزكي كل مال في رأس حوله فلم يدرِ تلك الأحوال في أي وقت هي بل اختلطت عليه، فإنه يضم الجميع إلى الأول ويجعل حولها منه احتياطًا للفقراء.
قوله: (عَكْسُ الْفَوَائِدِ) يريد: أن الفوائد إذا اختلطت أحوالها ضم الأول منها للآخر 12 وهذا هو المشهور، وسوى ابن حبيب بين البابين فضم آخر الفوائد لأولها كالاقتضاء 13، قال: وهو قول مالك 14، ووجه المشهور 15 أن الأصل في الدين أن
الجزء: 2 - الصفحة: 76
يزكى بمرور الحول، وإنما منع من تزكيته خيفة ألا يقتضي منه شيئًا، فإذا قبض انبغى 16 أن يرجع إلى حوله 17 الأول الذي كان عليه وهو على المديان، وفي الفوائد الأصل براءة الذمة وعدم الزكاة، فإذا اختلطت أحوالها انبغى أن يرد الأول للآخر 18.
قوله: (وَالاقْتِضَاءُ لِمِثْلِهِ مُطْلَقًا، وَالْفَائِدَةُ لِلْمُتَأَخِّرِ مِنْهُ) هكذا قال المازري أنه الذي يلهج به المدرسون فيقولون: إن الاقتضاءات تضاف بعضها إلى بعض، وأن الفوائد تضاف إلى ما بعدها من الاقتضاءات ولا تضاف 19 لما 20 قبلها، ومراده بالإطلاق؛ أي: سواء تقدم أو تأخر بخلاف الفوائد كما تقدم، وقد أوضح ذلك بالمثال الذي أشار إليه بقوله: (فَإِنِ اقْتَضَى خَمْسَةً بَعْدَ حَوْلٍ، ثُمَّ اسْتَفَادَ عَشَرَةً وأَنْفَقَهَا بَعْدَ حَوْلِهَا، ثُمَّ اقْتَضَى عَشَرَةَ زَكَّى الْعَشَرَتَينِ 21، والأُولَى إِنِ اقْتَضَى خَمْسَةً)، ولا إشكال أنه إذا 22 اقتضى أولًا خمسة دنانير ثم استفاد عشرة دنانير فحال حولها عنده ثم أنفقها، ثم اقتضى عشرة أخرى - أنه يزكي العشرتين 23 الفائدة 24 والعشرة التي اقتضاها 25 بعدها؛ لأنها تضم لما بعدها كما علمت، ولا يزكي الخمسة الأولى؛ لأن الاقتضاءين لم يكمل بهما النصاب والفائدة التي بعدها لا تضم إليها، فإن اقتضى خمسة أخرى زكى الخمسة الأولى معها.
وإليه أشار بقوله: (وَالأُولَى إِنِ اقْتَضَى خَمْسَةً) أي: وزكى الخمسة الأولى أيضًا إذا اقتضى خمسة؛ يريد: مع ما اقتضى؛ لأن الاقتضاءات حصل من مجموعها نصاب فقد خوطب بزكاتها.
الجزء: 2 - الصفحة: 77
فصل في زكاة العروض
(المتن)
وَإِنَّمَا يُزَكَّى: عَرْضٌ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ.
مُلِكَ بمُعَاوَضَةٍ بِنِيَّةِ تَجْرٍ أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّةٍ أَوْ قِنْيَةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْمُرَجَّحِ، لَا بِلَا نِيَّةٍ, أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ.
أَوْ غَلَّةٍ أَوْ هُمَا، وَكَانَ كَأَصْلِهِ، أَوْ عَيْنًا وَإِنْ قَلَّ، وَبِيعَ بِعَيْنٍ، وَإِنْ لاِسْتِهْلَاكٍ فَكَالدَّيْنِ إِنْ رَصَدَ بِهِ السُّوقَ وَإِلَّا زَكَّى عَيْنَهُ وَدَيْنَهُ النَّقْدَ الْحَالَّ الْمَرْجُوَّ، وَإِلَّا قَوَّمَهُ، وَلَوْ طَعَامَ سَلَمٍ، كَسِلْعَةٍ وَلَوْ بَارَتْ، لَا إِنْ لَمْ يَرْجُهُ، أَوْ كَانَ قَرْضًا، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِتَقْوِيمِ الْقَرْضِ وَهَلْ حَوْلُهُ لِلأَصْلِ، أَوْ وَسَطٍ مِنْهُ وَمِنَ الإِدَارَةِ؟ تَأْوِيلَانِ.