قوله: (وَذُو ثَمَانِينَ خَالَطَ بِنِصْفَيْهَا 3 ذَوَيْ ثَمانينَ، أَوْ بِنِصْفٍ فَقَطْ ذَا أَرْبَعِينَ كَالْخَلِيطِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ شَاةٌ، وَعَلَى غَيْرِهِ نِصْفٌ بِالْقِيمَةِ) ذكر رحمه الله مسألتين: الأولى: إذا كان له ثمانون من الغنم خالط بأربعين منها صاحب أربعين، وبالأربعين الأخرى صاحب أربعين أيضًا، وهو مراده بقوله: (خالط بنصفيها) أي: بنصفي الثمانين -وهي أربعون وأربعون 4 (ذَوَيْ ثمانين)؛ أي: صاحبي ثمانين، ومذهب ابن القاسم وأشهب عند ابن شاس 5 وابن راشد 6 وغيرهما أن الخليطين كالخليط الواحد بناء على أن خليط الخليط خليط 7، فالواجب شاتان على صاحب الثمانين شاة؛ لأنه له نصف12
الجزء: 2 - الصفحة: 37
الماشية وعلى كل واحد من خليطه نصف شاة بالقيمة، وهذا معنى قوله: (كَالخلِيطِ الْوَاحِدِ ... إلى آخره) وفيها ثلاثة أقوال أخر، انظرها في الشرح الكبير.
الثانية: إذا خالط من الثمانين بأربعين رجلًا له أربعون شاة، وهو معنى قوله: (أَوْ بِنِصْفٍ فَقَطْ ذَا أَرْبَعِينَ) أي: صاحب أربعين وأبقى الأربعين الأخرى بغير خليط، ومذهب عبد الملك وسحنون: أن على صاحب الثمانين شاة وعلى صاحب الأربعين 8 نصف شاة 9، ومذهب المدونة أن على صاحب الثمانين ثلثي شاة وعلى صاحب الأربعين ثلثها، فالذي ذكره في هذه خلاف مذهب المدونة 10، وفيها أيضًا ثالث: وهو 11 أن على صاحب الأربعين نصف شاة وعلى الآخر ثلثا شاة.
قوله: (وَخَرَجَ السَّاعِي وَلَوْ بِجَدبٍ طُلُوعَ الثُّرَيَّا بِالْفَجْرِ) يريد: أن خروج السعاة في الصيف 12 حين تطلع الثريا بالفجر 13 ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم، وقاله في المدونة وزاد: لأن في ذلك رفقًا بالناس في اجتماعهم وعلي السعاة لاجتماعهم 14، والمشهور أنهم يخرجون في سنة الجدب كما قال ابن عبد السلام وهو الأصل 15 ويؤخذ منهم كما تقدم، والباء في (بجدب) يحتمل أن تكون للمعية وأن 16 تكون للظرفية، وأما
الجزء: 2 - الصفحة: 38
في 17 (بالفجر) فللمعية؛ أي: مع، كما قال في المدونة: طلوع الثريا مع الفجر 18.
قوله: (وَهُوَ شَرْطُ وَجُوبٍ، إِنْ كَانَ، وَبَلَغَ) يريد: أن الساعي شرط في وجوب زكاة الماشية إن كان ثَمَّ سعاة، ويمكنهم الوصول، فلو لم يكن ثَمَّ سعاة أو لا يمكنهم الوصول وجبت بمرور الحول.
قوله: (وَقَبْلَهُ يَسْتَقْبِلُ الْوَارِثُ) أي: أن رب الماشية إذا مات قبل مجيء الساعي فإن وارثه لا يخاطب بزكاتها حينئذٍ، ويستقبل بها حولًا.
قوله: (وَلا تُبدَّى إِنْ أَوْصَى بِهَا) يريد: أن رب الماشية إذا أوصى بزكاتها ثم مات فإنها لا تبدى بل تكون من الثلث غير مبداة، قال في المدونة: وإنما يُبَدَّى في الثلث ما فرط فيه من زكاة العين 19. ولا تجزئ إذا أخرجها، وللساعي أخذها منه 20 أيضًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلا تُجْزِئُ) أي: وَلا تُجْزِئُ 21 إن أخرجها؛ أي: قبل مجيء الساعي.
قوله: (كَمُرُوره بِهَا نَاقِصَةً، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ كَمُلَتْ) يريد: أن الساعي إذا مر بالماشية فوجدها ناقصة عن نصاب الزكاة ثم رجع إليها فوجدها قد كملت وصارت نصابًا فإن رب الماشية يستقبل بها حولًا؛ لأن حول الماشية إنما هو مرور الساعي بها بعد الحول، قال في الموازية 22: فإن رجع على 23 الماشية فوجدها قد ولدت وتكمل النصاب فلا يأخذ منها شيئًا 24. ابن عبد الحكم: ولا أدري ما 25 وجه قول مالك هذا وعليه أن يزكي 26، وصوبه اللخمي قال: لأنه نصاب حال عليه الحول 27.
الجزء: 2 - الصفحة: 39
قوله: (فَإِنْ تخلفَ وَأُخْرِجَتْ أَجْزَأَ عَلَى المُخْتَارِ) يريد: أن الساعي إذا تخلف عن رب الماشية وأخرج هو زكاتها فإنها تجزئ عنه، وقال ابن الماجشون: لا تجزئ.
اللخمي: والأول أحسن وإليه أشار بقوله: (عَلَى الْمُخْتَارِ).
اللخمي: وإذا أجزأت على قول ابن القصار إذا لم يتخلف؛ لأنها من الأموال الظاهرة كان إذا تخلف أحرى 28 في الإجزاء 29.
قوله: (وَإِلا عُمِلَ عَلَى الزَّيْدِ وَالَّنقصِ لِلْمَاضِي) أي: وإن لم يكن ربها قد 30 أخرج زكاتها فإن الساعي يعمل على الزائد 31 والنقص للماضي من الأعوام، مثاله: إذا تخلف عن الإبل وهي خمس أربعة أعوام ثم جاء فوجدها عشرين أو تخلف عنها وهي عشرون ثم وجدها خمسة، ففي هذه يأخذ منه أربع شياه عن السنين الأربع، وفي الأولى يأخذ منه ست عشرة شاة اعتبارًا بالزائد فيما مضى من الأعوام، وهذا هو المشهور، وهو قول ابن القاسم وأشهب ومحمد وابن حبيب وسحنون، وعليه عمل أهل 32 المدينة 33، وقال ابن الماجشون: إنما يؤخذ في كل عام مضى على ما قال صاحبها إنها كانت عليه، وَصُوَّبَ 34.
قوله: (بِتَبْدِئَةِ الْعَامِ الأَوَّلِ) يريد: أن الساعي إنما يبدأ بالأخذ من العام الأول ثم بما بعده.
قوله: (إِلا أَنْ يُنَقِّصَ الأَخْذُ النِّصَابَ أَوِ الصَّفَةَ فَيُعْتَبرُ) أي: كما إذا غاب عنه وعنده مائتان من الغنم أربع سنين ثم جاء 35 فوجدها اثنتين وأربعين فإنه يأخذ شاة للعام الأول ثم شاتين للثاني والثالث، وينقص 36 العام الرابع لقصور الماشية 37 حينئذٍ عن
الجزء: 2 - الصفحة: 40
النصاب، ولا خلاف أن الأخذ هنا للأول فالأول، قاله اللخمي، ومثال تغيير الصفة ما إذا غاب عنه وله ستون من الإبل أربعة أعوام، ثم جاء فوجدها سبعًا وأربعين فإنه يأخذ حقتين عن العام الأول والثاني، ثم بنتي لبون عن الثالث والرابع 38؛ لقصور النصاب عن سن الحقاق حين أخذ منها الحقتين، إذ تصير 39 خمسًا وأربعين والواجب 40 في ذلك ونحوه بنات لبون.
قوله: (كَتَخَلُّفِهِ عَنْ أَقَلَّ فكَمُلَ، وَصُدِّقَ) يريد: أن الساعي إذا غاب عنه وماشيته دون النصاب كثلاثين مثلًا من الغنم ثم جاء فوجدها بعد أربعة أعوام ستين شاة، فإنه لا يأخذ إلا عن الأعوام التي كمل النصاب فيها، وهو قول مالك وابن القاسم 41. الباجي: وهو مصدق في ذلك، وألحقها أشهب في الأعوام كلها بالكاملة 42.
قوله: (لا إِنْ نَقَصَتْ هَارِبًا) أي: فإنه يأخذ منه 43 عما مضى من الأعوام وإن وجدها قد 44 نقصت عن النصاب، نعم يصدق في العام الأخير 45 فلا يؤخذ منه شيء؛ لقصور ما بيده عن النصاب حينئذٍ، وهذا الكلام يحتمل أن يكون مخرجًا من قوله: (عمل على الزيد والنقص 46 للماضي) في تخلف الساعي، أي: وأما هنا فيأخذ لماضي السنين 47 مطلقًا، ويحتمل أن يكون مخرجًا من قوله: (بتبدئة العام 48 الأول)، وهو معنى ما ذكره اللخمي فانظره، و (هاربًا) حال حذف صاحبها للدلالة عليه، والتقدير: لا إن نقصت 49 ماشية الهارب في حال هروبه 50.
الجزء: 2 - الصفحة: 41
قوله: (وَإِنْ زَادَتْ لَهُ فَلِكُلٍّ مَا فِيهِ بِتَبْدِئَةِ الأَولِ) أي: فإن هرب بماشية (1) وهي قليلة، ثم وجده الساعي وقد زادت فإنه يأخذ عن (2) كل عام بما كانت عليه ماشيته.
اللخمي: وهو قول جميع أصحاب مالك إلا أشهب فإنه قال: يأخذه بالأكثر عما مضى من الأعوام (3)، وإذا فرعنا على المشهور فهل يصدق، وهو قول سحنون، إذ هو الأصل في الزكاة، أو لا وهو قول عبد الملك (4)؟ وإلى هذا (5) أشار بقوله: (وَهَلْ يُصَدَّقُ؟ قَوْلانِ) أما إذا قامت (6) له بينة عمل عليها.
(المتن)
وإِنْ سَألَ فَنَقَصَتْ أَوْ زَادَتْ، فَالْمَوْجُودُ إِنْ لَم يُصَدِّقْ، أَوْ صَدَّقَ وَنَقَصَتْ.
وَفِي الزَّيْدِ تَرَدُّدٌ.
وَأُخِذَ الْخَوَارِجُ بِالْمَاضِي، إِنْ أَنْ يَزْعُمُوا الأَدَاءَ، إِلَّا أَنْ يَخْرُجُوا لِمَنْعِهَا.