(تَجِبُ زَكَاةُ نِصَاب النَّعَمِ) الزكاة في اللغة: النمو والزيادة.
وفي الشرع: عبارة عن مال مخصوص يؤخذ من مال مخصوص إذا بلغ قدرًا مخصوصًا في زمن مخصوص يصرف في جهات مخصوصة.
وهي واجبة 2 بالكتاب في غير آية.
وبالسنة لقوله عليه الصلاة والسلام: "بُنِيَ الإسلامُ على خمس" 3، وذكر منها الزكاة، ولقوله في حديث معاذ حين أرسله إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب"، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قال له 4 "فأخبرهم أن 5 الله قد أوجب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" ثم1 = 2047، ومسلم: 2/ 1141، في باب إنما الولاء لمن أعتق، من كتاب العتق، برقم: 1045، ومالك: 2/ 780، في باب مصير الولاء لمن أعتق، كتاب العتق والولاء، برقم: 1477.
الجزء: 2 - الصفحة: 19
ذكر 6 صوم رمضان، ثم الحج، ثم قال: "فإن هم 7 أطاعوك فأخبرهم أن الله قد أوجب عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد 8 على فقرائهم" الحديث 9.
وبالإجماع لاتفاقهم على تكفير من جحدها.
وتجب بخمسة شروط: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، ومرور الحول فيما لا يخرج من الأرض 10، ومجيء الساعي في الماشية، وعدم الدين في العين.
والمأخوذ منه الزكاة ثلاثة أنواع: ماشية، وحرث، وعين.
وقد بدأ من ذلك 11 بالكلام على الماشية، وهي 12 مراده بالنعم 13، وذلك يتناول الإبل، والبقر، والغنم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، واحترز بقوله: (نصاب) مما إذا كان عنده دون نصاب 14 فإنه لا يخاطب بزكاته 15 كما سيأتي.
قوله: (بِمِلْكٍ) احترازًا مما إذا كان بيده نصاب وديعة أو نحو ذلك من الوجوه التي لا يكون بها مالكًا لذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
قوله: (وَحَوْلٍ) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" 16.
قوله: (كَمُلا) أي: الملك والحول، احترازًا من ملك العبد فإنه غير كامل 17؛ إذ لسيده في كل وقت انتزاعه، ومما إذا لم يحل عليه 18 الحول كما سيأتي.
قوله: (وَإِنْ مَعْلُوفَةً وَعَامِلَةً) هذا مذهبنا خلافًا للشافعي وأبي حنيفة، والاحتجاج على ذلك مما يطول ذكره فانظره في الكبير، ولا خلاف في وجوب زكاة السائمة 19 وهي التي ترعى إذا توفرت فيها الشروط.
قوله: (وَنِتَاجًا) أي: وكانت وحدها أو مع الأمهات؛ لقوله في المدونة: وإذا كانت الغنم سخالًا كلها 20 أو كانت البقر عجاجيل كلها والإبل فصلانًا كلها، وفي عدد كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة، كلف ربها أن يشتري ما يجزئه 21.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
قوله: (لا مِنْهَا وَمِنَ الْوَحْشِ) أي: لا من 22 المتولد من النعم ومن 23 الوحش، ومعنى ذلك أن فحول الظباء إذا ضربت إناث الغنم 24، أو العكسى فإن المتولد منها لا زكاة فيه، وكذلك حكم المتولد منها لا زكاة فيه 25 من بقر الوحش والإنسي، وهذا الذي ذكره قول 26 ابن عبد الحكم، وصححه ابن عبد السلام 27 وغيره، ونسب بعضهم لابن القصار الوجوب مطلقًا، ونسب له ابن شاس التفرقة بين أن تكون 28 الأمهات من النعم فتجب وإلا فلا، ثم قال: وحكى ابن بشير 29 قولًا بوجوبها مطلقًا 30.
قوله: (وَضُمَّتِ الْفَائِدَةُ لَهُ، وإنْ قَبْلَ حُلُولِهِ 31 بِيَوْمٍ لَا لأقَلَّ) الضمير في الموضعين راجع إلى النصاب، ومراده أن من كانت له ماشية، ثم أفاد ماشية أخرى فإن الفائدة تضم لما بيده إن كان نصابًا ولو قبل الحول بيوم، فإن كان ما بيده أقل من نصاب استقبل بالجميع حولًا من يوم أفاد الثانية، وهكذا قيل في المدونة 32 وغيرها.
قوله: (الإِبِلُ في كُل خَمْسٍ ضَائِنَةٌ) يريد: أن الإبل لا زكاة فيها حتى تبلغ خمسًا فإذا بلغتها كان فيها 33 شاة من الضأن وهو ظاهر، و (ضائنة) بتقديم الياء على النون مهموز ممدود.
قوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ جُلَّ غَنَمِ الْبَلَدِ المَعْزُ، وإِنْ خَالَفَتْهُ) يريد: أن أخذ الضائنة مشروط
الجزء: 2 - الصفحة: 22
بألا يكون جل غنم أهل 34 البلد المعز، فإن كان جلها ذلك 35 أخذ منها شاة وإن خالفت غنمه؛ لأن الحكم للغالب، ولو كلف الضأن 36 مع كون جل غنم أهل 37 البلد المعز لشق ذلك عليه.
قوله: (وَالأَصَحُّ إِجْزَاءُ بَعِيرٍ) أي: إذا دفعه رب الإبل عن الخمس عوضًا عن الشاة، وهذا ظاهر، لأنه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه، وهو قول ابن عبد المنعم القروي 38 من أصحابنا، وصححه ابن عبد السلام كما قال هنا 39، وحكي ابن شاس عن الباجي والقاضي أبي بكر عدم الإجزاء 40.
قوله: (إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَبِنْتُ مُخَاضٍ) يريد أن الإبل لا تزال تزكي من غير جنسها في كل خمس شاة إلى أن تبلغ خمسًا وعشرين فحينئذٍ تزكي من جنسها فيكون فيها بنت مخاض، وهكذا ورد عنه عليه الصلاة والسلام في كتابه لعمرو بن حزم وفيه: "ليس فيما دون خمسة ذود من الإبل صدقة، فإذا بلغت خمسة ففيها شاة إلى تسع، فإذا بلغت عشرة ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع 41 شياه إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون
الجزء: 2 - الصفحة: 23
ذكر" (1)، وإلى هذا أشار بقوله: (فَإنْ لم تكُنْ لَهُ سَلِيمَةٌ فَابْنُ لَبُونٍ) أي: فإن لم يجد رب المال (2) بنت مخاض أو وجدها إلا أنها (3) لم تكن له خالصة، ووجد ابن لبون أخرجه ثم قال في بقية الحديث: "فما زاد إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فما زاد إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فما زاد إلى خمس (4) وسبعين ففيها جذعة، فما زاد إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فما زاد إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" (5)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَفي كُلِّ ست وَثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونِ وَستٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّة وإِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ وسِتّ وَسَبْعِينَ بِنتا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتسْعِينَ حِقَّتَانِ).
(المتن)
وَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إِلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ حِقَّتَانِ أَوْ ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ: الْخِيَارُ لِلسَّاعِي، وَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا، ثُمَّ فِي كُل عَشْرٍ يتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَبِنْتُ الْمَخَاضِ الْمُوَفِّيَةُ سَنَةً، ثُمَّ كَذَلِكَ.
الْبَقَرُ فِي كُل ثَلاثِينَ: تَبِيعٌ ذُو سَنَتَيْنِ وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنةٌ ذَاتُ ثَلاثٍ، وَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ كَمِائَتَيِ الإِبِلِ.