قوله: 3 (وإنْ الْتبَسَتْ وَظَن شَهْرًا صَامَهُ) أي: فإن أشكل عليه أمر المشهور بالتباسها فإن ظن شهرًا صامه، ولعل مراده بالالتباس عدم 4 التحقق، وإلا فلا لبس 5 مع الظن.
قوله: (وإلا تخيَّرَ) أي: وإن لم يحصل عنده ظن ولكن تساوى عنده 6 الأمران، ولم يجد أمارة يستند إليها ولم يستطع الوصول إلى الظن بوجه، تخير شهرًا وصامه وهو الصحيح، وقيل: يصوم جميع شهور السنة.
قوله: (وَأَجْزَأَ مَا بَعْدَهُ بِالْعَدَدِ لا قَبْلَهُ) أي: فإن التبست عليه الشهور فصام شهرًا ينوي به رمضان، فإن كان قبل رمضان لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه، وهكذا قال في المدونة 7. ابن رشد: ولا خلاف في ذلك، ثم قال: وإن علم أنه أصابه12
الجزء: 1 - الصفحة: 643
لم يجزئه 8 عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب على مذهب ابن الماجشون 9 وسحنون 10، ولم يحكِ اللخمي 11 خلاف هذا الثاني.
ابن رشد: وإن بقي على 12 شكِّه لم يجزئه على مذهب ابن القاسم، ويجزئه على 13 مذهب ابن الماجشون وسحنون 14، ورجح ابن يونس قول عبد الملك 15 هذا، ونسبه لأشهب، وإلا هذا وما قبله 16 أشار بقوله: (أَوْ بَقِيَ عَلى شَكهِ، وفي مُصَادَفَتِهِ ترَدُّدٌ).
قوله: (وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا) أي: فرضًا كان 17 أو نفلًا معينًا كان أو غير معين.
قوله: (بنيةٍ) يريد: لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات" 18، ولأن 19 النية إنما شرعت لتميز 20 بين العبادات وبين غيرها 21، أو تمييز 22 بعضها عن 23 بعض.
قوله: (مُبَيَّتةٍ) أي: فلا تصح نهارًا لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صيام لمن لم 24 يبيت الصيام من الليل" 25،
الجزء: 1 - الصفحة: 644
ونص عبد الوهاب على أن 26 النية يصح أن تكون مقارنة للفجر 27، وعليه نبه بقوله: (أَوْ مَعَ الْفَجْرِ).
ابن رشد: وقيل: إيقاعها مع الفجر لا يصح، قال: والأول أصح.
قوله: (وَكَفَتْ نيةٌ لما يَجِبُ تَتَابُعُهُ 28) أي: كصيام رمضان وصيام كفارة الظهار والقتل والنذر الذي أوجبه على نفسه متتابعًا 29، ومراده أن النية الواحدة تكفي في كل 30 عبادة يجب تتابعها كالأمور التي ذكرت، وهو المشهور، وعن مالك من رواية ابن عبد الحكم: وجوب التبييت 31 في كل ليلة 32.
قوله: (لا مَسْرُودٍ وَيوْمٍ مُعَيَّنٍ) أي: فلا بد من التبييت 33 في كل ليلة 34 لمن كان يسرد الصوم، ولمن نذر يومًا معينًا يصومه في بقية عمره كما لاثنين والخميس دائمًا.
الأبهري: وهو القياس 35. وحكاه في البيان عن ابن القاسم 36، قال: وهو الصحيح، وقيل: = 3/ 108، في باب لا صيام لمن لم يعزم من الليل، من كتاب الصوم، برقم: 730، والنسائي: 4/ 196، في باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، من كتاب الصيام، برقم: 2334، وابن ماجه: 1/ 543، في باب ما جاء في فرض الصوم الليل ... ، من كتاب الصيام، برقم: 1700. قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، ومال النسائي والترمذي إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبان.
انظر: الدراية: 1/ 375، وبلوغ المرام: 1/ 243.
الجزء: 1 - الصفحة: 645
يكفي في ذلك النية الواحدة إلحاقًا لهما 37 بصيام رمضان، وقد وقع هذا في بعض روايات المدونة، وإليه أشار بقوله: (وَرُوِيتْ عَلى الاكْتِفَاء فِيهِما) أي: في السرد ويوم معين، واقتصر في المقدمات على هذا القول 38.
قوله: (لا إِنِ 39 انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بكَمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ) هو راجع إلى قوله: (وكفت نية لما يجب تتابعه)، أي: إلا أن يقطع 40 ذلك التتابع بفطر لمرض أو سفر 41 أو حيض أو نفاس، فلا تكفي النية 42 الواحدة، ولا بد من التجديد، وهذا هو 43 المشهور، وقيل: لا يحتاج إلى التجديد، وقيل: إن انقطع بحيض أو نفاس جدد وإلا فلا.
قوله: (وَبِنَقَاءٍ) هو معطوف على قوله: (بنية) أي: صحة الصوم مطلقًا بنية ونقاء من 44 الحيض والنفاس؛ يريد 45: جميع النهار.
قوله: (وَوَجَبَ إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ) يريد: أن الحائض أو النفساء إذا طهرت 46 قبل طلوع الفجر، فإن الصوم يجب عليها 47 في ذلك اليوم، وأشار بقوله: (وَإِنْ لحظَةً) إلى أنه لا يشترط في الزمن أن يكون متسعًا للاغتسال، فإن ظاهر المذهب عند ابن يونس وغيره: أنه لا يراعى فراغها من الاغتسال الذي الصوم 48، وعن عبد الملك 49: أن 50 الزمن إن اتسع 51 للغسل فالحكم ما تقدم، وإن لم يتسع فحكم الحيض باقٍ،
الجزء: 1 - الصفحة: 646
وهو مروي عن مالك وابن مسلمة 52. ابن عبد السلام: والأول هو المشهور.
وحكى ابن شعبان مراعاة حصول الغسل 53.
قوله: (وَمَعَ الْقَضَاءِ إِنْ شَكتْ) هو كقوله في المدونة: وإن أصبحت فشكت هل هي 54 طهرت قبل الفجر أو بعده فلتصم يومها ذلك وتقضه 55.
قوله: (وَبِعَقْلٍ) هو أيضًا معطوف على قوله: (بنقاء) أي: وصحة 56 الصوم مطلقًا بنية ونقاء وعقل؛ وذلك لأن من لا عقل له كالصبي والمجنون والمغمى عليه غير مكلف في تلك الحال، فالصوم 57 وغيره ساقط عنه.
قوله: (وإنْ جُنَّ وَلَوْ سِنينَ كَثيرَةً) 58 يريد: أن من ذهب عقله بجنون ثم عاد 59 إليه ولو بعد سنين كثيرة فإنه يقضي ما مضى له 60 من الصيام في حال جنونه، وإليه أشار بقوله: (فَالْقَضَاءُ) وهو جواب عن مسألتي 61 الجنون والإغماء الآتية على ما يذكره 62 وهو المشهور، وقيل: إن قلت السنون فالقضاء، وإلا فلا، وقيل: إن بلغ مجنونًا فلا قضاء، وإلا فالقضاء.
ابن 63 الجلاب: وأظنه قول عبد الملك 64.
قوله: (أَوْ أُغْمِيَ يَوْمًا أَوْ جُلَّهُ أَوْ أَقَلَّهُ وَلم يَسْلَمْ أَوَّلَهُ) هذه هي 65 المسألة الثانية،
الجزء: 1 - الصفحة: 647
وهي مسألة المغمى عليه، وقد أشار إن أن المغمى عليه 66 له 67 ست حالات: الأولى: أن يتمادى به الإغماء من قبل طلوع الفجر إن الغروب، وهو معنى قوله: (يومًا).
الثانية: أن يتمادى به 68 أكثر النهار 69، وهو مراده بـ (جله).
الثالثة 70: أن يتمادى به 71 نصف النهار ثم يفيق النصف الآخر.
الرابعة: أن يتمادى به أقل النهار ثم يفيق.
وإلى حكم هذه الأربعة أشار بقوله: (فَالْقَضَاءُ).
وقوله 72: (وَلم يَسْلَمْ أَولَهُ 73) أي: إن 74 طلع عليه الفجر 75 وهو مغمى عليه، ثم أشار إلى الحالتين الباقيتين 76 بقوله: إلا إِنْ 77 سَلِمَ وَلَوْ نِصْفَهُ) يريد: أن الفجر إذا طلع وهو صحيح ثم أغمي عليه أقل النهار أو نصفه فلا قضاء عليه 78، ولا خلاف في الحالة الأولى، نصّ عليه غير واحد من الأشياخ، وما ذكره في الثانية هو مذهب المدونة 79، واستحب له 80 أشهب القضاء 81، ومذهب المدونة الإجزاء في النصف إذا كان أول النهار سالمًا لا إذا طلع الفجر وهو مغمى عليه، وقال ابن حبيب: لا يجزئه
الجزء: 1 - الصفحة: 648
ولو كان أوله سالمًا 82، ونص عليه 83 في المدونة في الرابعة على عدم الإجزاء، وفي سماع أشهب عن مالك الإجزاء 84، واتفق فيما إذا كان الإغماء أقل النهار وأوله سالم، وهو ظاهر كلام اللخمي 85.
قوله: (وَبِتَرْكِ جمَاعٍ، وإخْرَاجٍ مَنِي، وَمَذْي، وَقَيْءٍ) أي: وصحة الصوم أيضًا بترك الجماع؛ أي: الإمساك عنه، وعن إخراج مني أو مذي أو قيء، فإن خالف في شيء من ذلك وجب عليه القضاء والكفارة على تفصيل يأتي.
قوله: (وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ) أي: وصحته أيضًا بترك إيصال متحلل من طعام أو شراب أو إدام مائع أو جامد، واختلف في الحصاة والدرهم ونحوهما مما لا 86 يتحلل منه في المعدة شيء 87، فقال ابن عبد الحكم 88: له 89 حكم 90 الطعام، وقال ابن 91 القاسم: لا قضاء عليه إلا أن يتعمد فيقضي لتهاونه بصومه.
اللخمي: والأول أشبه؛ لأن الحصاة تشغل المعدة إشغالًا ما وتنقص من 92 كلب الجوع 93، وإليه أشار بقوله: (أَوْ غيرهِ عَلَى المخْتَارِ).
قوله: (لمعِدَتِهِ) هو متعلق بـ (إيصال 94) أي: إيصال 95 متحلل وغيره لمعدته 96.
الجزء: 1 - الصفحة: 649
قوله: (بحُقْنَةٍ بِمائِعٍ) أي: بسبب حقنة من مائع 97.
قوله: (أوْ حَلْقٍ) هو 98 معطوف على قوله: (لمعدته) 99 أي: وإيصال 100 متحلل أو غيره إلى المعدة 101 أو الحلق 102.
قوله: (وإنْ مِنْ أَنْفٍ، وَأُذُنٍ، وَعَينٍ) 103 يريد: أنه لا فرق على المشهور فيما يصل إلى الحلق بين 104 أن يكون قد وصل من منفذ واسع كالفم أو غيره كالأنف 105 وما بعده.
قوله: (أَوْ بَخُورٍ 106) هو معطوف على قوله: (متحلل) أي: إيصال متحلل أو غيره أو بخور 107، ونحوه في السليمانية، وقال ابن لبابة 108: يكره استنشاق البخور 109.
قوله: (وَقَيْءٍ أَوْ بَلْغَمٍ 110 إِنْ أَمْكَنَ طَرْحُهُ 111) أي: وصحته بترك 112 إيصال 113 قيء وبلغم إلى آخره، واحترز بقوله: (إن أمكن طرحه) مما إذا لم يمكن، فإنه يكون كحكم ما 114 في المعدة من الطعام، أو الصدر أو الرأس من البلغم.
الجزء: 1 - الصفحة: 650
قوله: (مُطْلَقًا) يحتمل أنه يريد: سواء كان القيء من أصله مستدعى (1) أم لا، أو كان البلغم من الرأس أو الصدر، ويحتمل أن يريد: سواء جاوز (2) طرف لسانه أم لا مع إمكان طرحه.
قوله: (أَوْ غَالِبٍ مِنْ مَضْمَضَةٍ أَوْ سِوَاكٍ) يحتمل كونه معطوفًا على متحلل، والمعنى: وصحة الصوم بترك إيصال (3) شيء لمعدته أو حلقه بسبب داخل بحقنة أو غلبة، وهذا (4) أظهر (5)، قال في المدونة: ومن تمضمض لوضوء (6) صلاة (7) أو لعطش فسبقه الماء إلى حلقه فليقضِ في الفرض الواجب، لا في التطوع، ولا كفارة عليه (8)، وعن مالك قول بعدم القضاء.
(المتن)
وَقَضَى فِي الْفَرضِ مُطْلَقًا، أَوْ بصَبٍّ فِي حَلْقِهِ نَائِمًا، كَمُجَامَعَةِ نَائِمَة، وَكَأكْلِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ، أَوْ طَرَأَ الشَّكُّ، وَمَنْ لَم يَنْظُر دَلِيلَهُ اقْتَدَى بِالْمُسْتَدِلِّ، وَإِلَّا أَحْتَاطَ؛ إِلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ، أَو حَيْضٍ أَوْ نِسْيَانٍ.
وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلاقٍ بَتٍّ؛ إِلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ، وَشَيْخ وَإِنْ لَم يَحْلِفَا، وَكَفَّرَ إِنْ تَعَمَّدَ.