قوله: (وَالأَولَى بِالصلاةِ وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُهُ) يريد: لأن ذلك من حق الميت؛ إذ هو أعلم بمن يشفع له عند ربه 1. مالك: إلا أن يعلم أن ذلك من الميت كان لعداوة بينه وبين الولي، وإنما أراد أن يغيظه 2 فلا يجوز وصيته 3. اللخمي: يريد: إذا كان الولي له فضل ودين، وإلا فالموصى إليه أولى 4. قوله: (ثُم الخلِيفَةُ) أي: فيقدم على الأولياء لقوله عليه السلام: "لا يؤمَنَّ أحدكم في سلطانه" 5. قوله: (لا فَرْعُهُ، إِلا مَعَ الْخُطْبَةِ) المرا د بالفرع 6 النائب؛ أي: أن نائب الخليفة إذا حضر مع الولي فإنه لا يقدم على الولي إلا أن يكون صاحب الخطبة، وهو قول ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 616
القاسم وروايته عن مالك وبه قال سحنون 7، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا حق في الصلاة على الجنائز لأحد من الولاة سوى الأمير المؤمر الذي تؤدى إليه الطاعة 8.
قوله: (ثُم أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ) أي: فإن لم يوجد الخليفة ولا نائبه الذي له الخطبة قدم 9 الأقرب من عصبة الميت.
اللخمي: وأولاهم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب، ثم ابنه وهو الأخ، ثم ابن الأخ، ثم الجد، ثم ابنه وهو العم، ثم ابن العم وإن سفل، ثم المولى الأعلى، وكل هؤلاء أول من الزوج، والزوج أولى بغسلها وإنزالها في قبرها، وهو قول مالك وأصحابه 10.
قوله: (وَأَفْضَلُ وَليٍّ، وَلَوْ وَلي المرْأَةِ) يعني: فإن اجتمعت جنائز ولها أولياء فإنه يقدم الأفضل من الأولياء، ولا خلَاف أن ولي الذكر يقدم 11 إذا كان أفضل من ولي المرأة، واختلف إذا كان ولي المرأة أفضل، فالمنقول عن مالك أنه يقدم على ولي الذكر 12، وقال 13 عبد الملك: يقدم ولي الذكر عليه 14.
قوله: (وَصَلَّى النِّسَاءُ دُفْعَةً وصحح ترتيبهن 15) أي: إذا لم يكن ثم من يصلي على الميت إلا نساء صلين عليه أفذاذًا، وقاله في المدونة 16، واختلف هل يصلين دفعة واستظهره الشيخ، ولهذا اقتصر عليه هنا أو يصلين واحدة بعد واحدة، وصححه ابن الحاجب وغيره 17، ولهذا قال: (وَصُحِّحَ تَرَتُّبُهُنَّ 18) ورد هذا بأن
الجزء: 1 - الصفحة: 617
ترتبهن 19 في معنى تكرار الصلاة وهو خلاف المذهب، وأيضًا فإنه يؤدي إلى تأخير الميت، والسنة التعجيل.
قوله: (وَالْقَبْرُ حُبُسٌ لا يُمْشَى عَلَيْهِ، وَلا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ) يعني أن الميت إذا دفن صار قبره حبسًا عليه 20 فلا يباع ولا يمشي عليه ولا يتصرف فيه بوجه غير الدفن، ولا ينبش القبر 21 ما دام الميت به إلا لوجه 22 من الوجوه التي ذكرها.
ابن شاس: لأنه قال: 23: ولا ينبش القبر إلا إذا كان هو أو شيء من الكفن 24 مغصوبًا، وشح ربه فيه أو نسي معه مال في القبر 25. ولهذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَشِحَّ رَبُّ كَفَنٍ غُصِبَهُ، أوْ قَبْرٍ بِمِلْكِهِ 26 أَوْ نُسِيَ مَعَهُ مَالٌ) و (غصبه) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والضمير فيه عائد على الكفن.
قوله: (وإنْ 27 كَانَ ممَّا يَمْلِكُ فِيهِ الدَّفْنَ بَقِيَ وَعَلَيْهِمْ قِيمَتُه 28) أي: فإن حفر شخص قبر الميت في مكان غير مملوك لأحد، بل يملك فيه الدفن كل من أراد فدفن 29 فيه ميت تعديًا، فإن الميت يبقى على حاله ولا يخرج، ولكن يلزم المتعدي قيمة الحفر وهو أصل المذهب، قاله ابن بشير 30، وحكى سحنون: أن عليه حفر قبر مثل الأول في ذلك الموضع 31، وقال 32 القابسي: عليه الأقل مما يحفر به
الجزء: 1 - الصفحة: 618
الأول 33، أو قيمة الأول.
وقال 34 اللخمي 35: القياس أن يكون عليه 36 الأكثر من قيمة الأول أو ما يستأجر به الثاني؛ لأنه بتعديه أدخله في الأجرة الثانية 37.
قوله: (وَأَقَلُّهُ مَا مَنَعَ رَائِحَتَهُ، وَحَرَسَهُ) أي: وأقل الحفر ما منع رائحة الميت وحرسه من السياع، ونحوه لابن حبيب، قال: ويستحب أن لا يعمق القبر، ولكن 38 قدر عظم الذراع 39 وقد تقدم 40.
قوله: (وَبُقِرَ عَنْ مَالٍ كَثُرَ) البَقْر: عبارة عن شق الجوف، ومعنى كلامه: أن من ابتلع مالًا ثم مات فإنه ينظر فيه، فإن كان مالًا كثيرًا شق عنه وأخرج وإلا فلا.
أصبغ: وسواء كان المال له أو لغيره، وهكذا عن ابن القاسم فيما إذا ابتلع جوهرًا لنفسه أو غيره، وقال مرة يشق 41 فيما له بال، ومرة لا يشق وإن أكثر.
قال ابن حبيب: لا يشق ولو كانت جوهرة تساوي ألف دينار 42، وهذا كله مقيد بما إذا قامت على ذلك بينة، فلو شهد عدل بذلك فأجراه أبو عمران على الخلاف في القصاص في الجراح بالشاهد واليمين 43، ابن يونس: والصواب البقر؛ لأنه عليه السلام نهى عن إضاعة المال 44، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ].
قوله: (لا عَنْ جَنِينٍ) أي: فإنه لا يبقر بطن الحامل عنه إذا ماتت، وهو المشهور خلافًا لأشهب وسحنون وأصبغ فيما إذا تيقنت حياته، وحمل عبد الوهاب قول
الجزء: 1 - الصفحة: 619
سحنون على التفسير وأن ابن القاسم إنما قال ذلك فيما إذا لم يتيقن (1) حياته (2)، وإليه أشار بقوله: (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْبَقْرِ إِنْ رُجِيَ).
قوله: (وإنْ قُدِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مَحَلِّهِ فُعِلَ) هكذا قال مالك (3) في المبسوط (4). اللخمي: وهو مما لا يستطاع (5).
(المتن)
وَالنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أكلِهِ لِمُضْطَرٍّ، وَصُحِّحَ كلُهُ، وَدُفِنَتْ مُشْرِكَةٌ حَمَلَتْ مِنْ مُسْلِمٍ بِمَقْبَرَتِهِمْ، وَلا يَسْتَقْبِلُ بِهَا قِبْلَتَنَا وَلا قِبْلَتَهُمْ، وَرُمِيَ مَيِّتُ الْبَحْرِ بِهِ مُكَفَّنًا إِنْ لَمْ يُرْجَ الْبَرُّ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ.
وَلا يُعَذَّبُ بِبُكَاءٍ لَمْ يُوصِ بِهِ، وَلا يمرَكُ مُسْلِمٌ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ وَلا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ أَبًا كَافِرًا وَلا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ إِلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ فَلْيُوَارِهِ، وَالصَّلاةُ أَحَبَّ مِنَ النَّفْلِ إِذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إِنْ كَانَ كَجَارٍ أَوْ صَالِحًا.