(شَرْطُ الْجُمُعَةِ: وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ 1 وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ) لا خلاف أن الجمعة فرض عين، وشرطها 2 أن تقع هي وخطبتها في وقتها، فلو خطب قبل وقتها ثم صلى في وقتها، أو أوقع الخطبة في الوقت والصلاة خارجه 3 لَمْ تصح، وقد اختلف في آخر وقتها، ولا خلاف أن أوله زوال الشمس، قاله غير واحد 4، والمشهور امتداده إلى الغروب وهو مذهب المدونة، قال فيها: وإن أخر الإمام الصلاة حتى دخل وقت العصر، فليصل الجمعة بهم ما لَمْ تغرب 5 الشمس، وإن كان لَمْ يدرك بعض العصر إلَّا بعد الغروب 6، وفي الأمهات: وإن كان لا يدرك العصر إلَّا بعد الغروب 7.
عياض: وهذا يبيِّن 8 أن النهار كله وقتها.
وكذا في رواية ابن عتاب، وهو مثل 9 قول مطرف عنه أيضًا نصَّ عليه غير واحد، في 10 غير رواية ابن عتاب: وإن لَمْ يدرك بعض العصر إلَّا بعد المغرب، وكذا في أصل ابن المرا بط، قال: وهذه الرواية أصح
الجزء: 1 - الصفحة: 486
وأشبه برواية ابن القاسم عن مالك 11. وهذا معنى قوله: (وَهَلْ إِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً 12 مِنَ الْعَصْرِ وَصُحِّحَ، أَوْ لا؟ رُوِيتْ عَلَيْهَما) أي: رويت 13 المدونة على القولين، وأشار بقوله: (وصحح) إلى ما قاله القاضي 14 عياض 15 في رواية غير ابن عتاب: وهذه الرواية أصح.
وقال الأبهري: آخر وقتها إذا دخل وقت العصر 16. وذُكر عن ابن القاسم 17.
وقيل: حتى يبقى للغروب أربع ركعات بعد الجمعة، وهو قول سحنون 18.
وقيل: تصلي 19 ما لَمْ تصفر الشمس، وقاله أصبغ 20.
قوله: (بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ، لا خِيَمٍ) أي: شرطها 21 وقوعها 22 كلها بخطبة مع استيطان وهو الأصح، وقيل: لا يشترط 23 الاستيطان بل يكفي في ذلك مجرد الإقامة، ولا فرق على الأول بين أن يستوطنوا بناء أو أخصاصًا؛ لأن الثَّواء ممكن فيهما، بخلاف الخيم إذ لا يمكن فيها الثَّواء 24 غالبًا.
قال في الذخيرة: منع مالك ذلك في الخيم، وجوزه ابن وهب، والفرق بينهما وبين الخص أن الخص يشبه السكن 25،
الجزء: 1 - الصفحة: 487
وهي تشبه السفن 26 لانتقالها 27.
وعن يحيى بن عمر أنَّها لا تقام إلَّا في المصر 28.
قوله: (وَبجَامِعٍ 29) أي: وشرط الجمعة وقوعها 30 كلها بخطبتها في جامع، ولا إشكال أن الجَامع شرط فيها إلَّا على ما استقرئ من قول مالك أن الأسارى 31 يقيمونها 32 إذا مكنهم العدو منها وبمثلهم 33 تقام الجمعة؛ إذ 34 من المعلوم أن سجن العدو لا مسجد فيه، واختلف هل هو شرط وجوب أو شرط صحة؟ على قولين، وقيل: هو من شرائط الوجوب والصحة جميعًا.
قوله: (مَبْنِيٍّ) أي: لا يكفي المسجد حتى يكون مبنيًا، وحكاه في الجواهر 35 وغيرها.
قوله: (مُتَّحِدٍ) أي: ويشترط أيضًا 36 أن يكون الجامع متحدًا فلا يجوز تعدده 37 بالبلد الواحد على المشهور، رعاية لما كان عليه السلف وجمعًا للكلمة، وأجازه يحيى بن عمر 38.
قوله: (وَالجمعَةُ لِلْعَتِيقِ) أي: فإن أقيمت في البلد الواحد جمعتان فأكثر، فالجمعة تصح 39 لأهل الجامع العتيق دون غيرهم، قال علماؤنا: ولو سبق في الفعل وهو معنى
الجزء: 1 - الصفحة: 488
قوله: (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً) أي: وإن أبى أهل الجديد صلاتهم قبل العتيق.
قوله: (لَا ذِي بنَاءٍ خَفَّ) أي: فإنه إذا كان فيه من البنيان ما لا يقع عليه اسم مسجد فإنه لا تصح فيه الجمعة، وقاله 40 الباجي 41، وهو واضح.
قوله: (وَفي اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ، وَقَصْدِ تَأبِيدِهَا بِهِ، وَإِقَامَةِ الخَمْسِ تردُّدٌ) الذي أفتى به الباجي أن المسجد 42 إذا انهدم 43 سقفه لا تقام فيه الجمعة، واستبعده ابن رشد 44، وذهب أيضًا الباجي إلى أنه يشترط في الجامع العزم على إيقاع الجمعة فيه 45 على التأبيد، قال: ولو أصاب الناس 46 ما يمنعهم من الجامع لعذر لَمْ تصح لهم الجمعة في غيره إلَّا أن يحكم له 47 الإمام 48 بحكم الجامع وتنقل 49 الجمعة إليه على التأبيد فيبطل حكم الجمعة في الجامع الأول وينتقل إلى هذا الثاني 50 ووافقه ابن رشد مرّة 51 في الأجوبة 52 وخالفه في المقدمات، قال: وقد أقيمت الجمعة بقرطبة في مسجد أبي عثمان دون أن تنقل 53 إليه الجمعة على التأبيد والعلماء متوافرون 54، قال: ولو نقل الإمام الجمعة في جمعة من الجمع 55
الجزء: 1 - الصفحة: 489
من المسجد الجامع إلى مسجد (1) من المساجد من غير (2) عذر، لكانت (3) الصلاة مجزئة (4). واشترط ابن بشير (5) في الجامع أن يكون مما يجمع (6) فيه الصلوات في كلّ الأوقات (7)، ولم يشترط ذلك غيره من الأشياخ (8).
(المتن)
وَصَحَّتْ بِرَحَبَتِهِ وَطُرُقٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ إِنْ ضَاقَ أَوِ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ.
لَا انْتَفَيَا، كَبَيْتِ الْقَنَادِيلِ وَسَطْحِهِ، وَدَارٍ وَحَانُوتٍ.
وَبِجَمَاعَة تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ، أَوَّلًا بِلَا حَدٍّ، وَإِلَّا فَتَجُوزُ بِاثْنَي عَشَرَ بَاقِينَ لِتَمَامِهَا بِإِمَامٍ مُقِيمٍ - إِلَّا الْخَلِيفَةَ يَمُرُّ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ - وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَبِغَيْرِهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَبِكَوْنِهِ الْخَاطِبَ إِلَّا لِعُذْرٍ وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الأَصَحِّ، وَبِخُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَّاةِ مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً، تَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ، وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ.