الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، والمختارُ من الأقوال: أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعًا لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لما قام حتى تفطرتْ قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" 2.1
الجزء: 1 - الصفحة: 61
والحمد يختص بالقول؛ فإن نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصة كان الحمد أخص من الشكر، وإن نظرنا إليهما بالنسبة إلى الإحسان الصادر من المحمود كان الحمد أعم من الشكر 3؛ فلهذا جمع المصنف -رَحِمَهُ اللهُ- بينهما إشعارًا بأن الحمد والشكر له واجبان مترادفان في حقِّ الله تعالى، ودلَّ على ذلك بقوله أولًا: (حمدًا يوافي ما تزايد من النعم) لأنه سبحانه ابتدأ بالنعم، إذ أَوْجَدَنا بعد العَدَم، ومَنَّ علينا بالإسلام والإيمان في سالف القِدَم، ثم أَهَلنا ووفقنا لسلوك سُنن العلماء المقتدين بسيد العرب والعجم، سيدنا محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وشرَّفَ وكرَّمَ.
والحمد والشكر عند ثعلب مترادفان؛ وهو موافق لظاهر قول سيبويه.
قال أبو الحسن بن أبي الربيع -رَحِمَهُ اللهُ-: "وأكثر اللغويين فرقوا بينهما" وأشار إلى ما قدمناه، ثم قال: "ولعل التفرقة إنما جاءت بعُرْفِ الاستعمال؛ وفي أصل اللغة هما بمعنى واحد وهما مَصْدَرَان، والأصل في المصدر ألا يُجْمَع".
وحكى ابن الأعرابي جمع الحمد على أَحْمُد فقال:
وأملح 4 محمود الثناء خصصته ... بأفضل أقوالي وأفضل أَحْمُدي
والظاهر أن قوله: (حمدًا) معمول بفعل 5 مقدر مدلول عليه بما تقدم فهو مَصْدَرٌ؛ أي: أحمده حمدًا، ويحتمل أن يكون معمولًا للمقدر الذي تعلق به الجار والمجرور، أي: الحمد ثابت لله حالة الحمد الموافي المتزايد من النعم.
ويكون قوله: (ما تزايد من النعم) مشيرًا به إلى ثبوت الحمد لله تعالى واستمراره له في سائر الأحوال.
ومعنى يوافي: يلاقي؛ ما تزايد من النعم أي: فتحصل معها، وقد سلك في هذا ما قاله المتأخرون من أصحاب الشافعي الخراسانيين رضي الله تعالى عنهم وعن العلماء أجمعين: لو حلف إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد - ومنهم من قال بأجل التحاميد - فطريقه في بر يمينه أن يقول: الحمدُ لله حمدًا يوافي نِعَمَهُ ويكافئ مزيده 6. = المنافقين وأحكامهم، برقم: 2819. من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -.
الجزء: 1 - الصفحة: 62
فاختصر المصنف -رَحِمَهُ اللهُ- ذلك وأتى بمعناه فأحسن؛ إذ معناه: يلاقي نعمه فيحصل معها، ومعنى يكافئ بهمزة في آخره أي: يساوي مزيد نعمه؛ ومعناه ليقوم بشكر ما زاده من النعم والإحسان، ولما قالوا: لو حلف ليثنين على الله تعالى أحسن الثناء فطريق البر أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك أنت كا أثنيتَ على نفسك.
قال الشيخ محيي الدين النواوي 7 رحمه الله تعالى ونفعنا به: وزاد بعضهم في آخره: فلك الحمد حتى ترضى، وصوَّر أبو سعيد المتولي المسألة فيمن حلف ليُثْنِيَنَ على الله بأجمل 8 الثناء وأعظمه 9، وزاد في أول الذكر: سبحانك.
وعن أبي نصر التمار عن محمد بن النضر: قال: "قال آدم - صلى الله عليه وسلم -: شَغَلْتَني بِكَسْبِ يَدَي فَعَلِّمْنِي شَيْئًا فِيهِ مَجَامِعُ الحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ، فَأَوحَى اللهُ تبَارَكَ وَتَعَالَى إِليهِ: يَا آدَمُ، إِذَا أَصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلاثًا لَماِذَا أَمْسَيتَ فَقُل ثَلاثًا الحمْدُ للهِ رَبَّ العَالمينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ؛ فَذَلِكَ مَجَامِعُ الحمْدِ وَالتسْبِيحِ" والله تعالى أعلم وبه التوفيق 10.
ولا خلاف 11 أنَّ العلماءَ رضي الله تعالى عنهم استحبوا البداءة في كل مصنَّف وبين يدي الأمور المهمة بالحمد لله تعالى لقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
الجزء: 1 - الصفحة: 63
اصْطَفَى} [النمل: 59]، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النمل: 93]، ولما في سنن أبي داود - وابن ماجه 12 ومسند أبي عوانة الإسفراييني المخرج عن صحيح مسلم رحمهم الله، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للهِ أَقْطَعُ".
وفي رواية: "بِحَمْدِ اللهِ"، وفي رواية: "بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَعُ"، وفي رواية: "كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ بِهِ بحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ".
وفي رواية: "كُلّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْطَعُ" 13. هذه الألفاظ مووية في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي.
قال الشيخ محيي الدين: وهو حديث حسن 14.
وحسن من المصنف: هذا الابتداء إذ فيه الجمع بين التسمية، والثناء، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولفظ (الحمد) أولى من لفظ (حمد) و (أحمد)؛ لأن (أل) في (الحمد) لتعريف الجِنْس وكذلك في الشكر؛ فدل بالمطابقة على استغراق حمد كل حامد وشكر كل شاكر، وفيه إشعار باستغنائه سبحانه وتعالى عن حمد عبيده.
وعن تقدير (حمدت) أو (أحمد) قبل قوله: (حمدًا) لكون المصنف -رَحِمَهُ اللهُ- قصد الجمع في لفظه بين (الحمد) و (حمده) و (أحمد).
وقوله: (يوافي ما تزايد من النعم وعلى ما أولانا) فيه مناسبة لما يقصده من تصنيف
الجزء: 1 - الصفحة: 64
هذا المختصر؛ إذ هو من تزايد النعم لله تعالى عليه وإيلائه الفضل والكرم.
وحسن أيضًا قوله: (لا أحصي ثناء عليه) إلى آخره.
للاقتداء بسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولئلا يتوهم متوهم من مساواة الحمد لما تزايد من النعم عدم الاعتراف بالعجز عن الشكر، فصرح بالاعتراف بالعجز عن (1) شكر الله تعالى، وعجز الإنسان عن شكر الله تعالى ثابت لا شك فيه؛ إذ الحمد له سبحانه هو بتوفيقه، وتوفيقه نعمة متجددة وهو بتوفيقه كما أن السابقة بتوفيقه، وتوفيقه للشكر أيضًا نعمة يستوجب بها الشكر، وكذلك الشكر نعمة؛ لأنَّه بتوفيقه.
وقد دخل بعضهم الجنة بقوله: الذي حمده نعمة من نِعَمِهِ يستوجب عليها شكرًا.
وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34] ولما كان هذا الأمر الذي قصده المصنف -رَحِمَهُ اللهُ- من أجلّ الأمور التي لها بال سأل الله تعالى اللطف به، والإعانة في جميع الأحوال؛ التي من جملتها الحالة التي يختصر فيها المسائل الفقهية على مذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - وعن سائر العلماء؛ وصرح بقوله: (وحال حلول الإنسان في رَمْسِه)، أي؛ في قبره، وإن كانت هذه الحالة داخلة في قوله: (جميع الأحوال) إلا أن ذلك أحسن؛ إذ هو كمالٌ في الخضوع والتذلل والخشوع؛ إذ هذه الحالة أول أحوال الآخرة، فإذا حصل للإنسان اللطف فيها، والإعانة سهل عليه ما عداها، وحصل له كل خير، وأَمِنَ من كل ضُرٍّ، جعلنا الله تعالى ممن لطف به وأعانَهُ في ذلك، وفيما قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
(المتن)
وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلىَ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَم، الْمَبعُوثِ لِسَائِرِ الأُمَمِ.
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى الِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأُمَّتِهِ أَفْضَلِ الأُمَمِ.