قوله: (ولعَاصِبٍ وَرِثَ الْمَالَ أَوِ الْبَاقِي بَعْدَ الْفُرُوضِ) الوارث تارة يرث بالفرض وحده كما سبق، وتارة بالفرض والتعصيب كما سيأتي، وتارة بالتعصيب 1، وهو مراده هنا، وعرف العاصب هنا بأنه: الذي يرث المال كله؛ أي: إذا انفرد، أو الفاضل بعد إخراج الفرض.
ثم أخذ في تعدد 2 العاصب، فقال: (وَهُو الابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ، وعَصَّبَ كُلٌّ أُخْتَهُ، ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ، والإِخْوَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، ثم الشَّقِيقُ، ثُمَّ لِلأَبِ، وهُو كالشقيق عند عَدَمِهِ) وهذا ظاهر؛ لصدق الجد على كل واحد منهم؛ لأنه يستحق جميع المال إذا انفرد، ويأخذ الباقي بعد الفروض، والأخ للأب في عدم الشقيق كهو، والظاهر أن قوله: (وعَصَّبَ كُلٌّ أُخْتَهُ) تكرار مع قوله فيما تقدم: (وَعَصَبَ كُلًّا أَخٌ يُسَاوِيهَا وَالْجَدُّ)، ثم أشار إلى أن للأخ أيضًا حالة لا يكون فيها عاصبًا بقوله: (إِلا فِي الْحِمَارِيَّةِ والْمُشْتَرَكَةِ: زَوْجٌ، وأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ، وأَخَوَانِ فَصَاعِدًا لأُمٍّ، وشَقِيقٌ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ) إنما سميت الحمارية لأن عمر -رضي الله عنه-: "قضى فيها مرة بإسقاط الأشقاء، ثم نزلت به مرة أخرى؛ فأراد إسقاطهم، فقال له الشقيق: هؤلاء استحقوا الثلث بأمهم، وهي أُمُّنَا أيضًا، فهب أن أَبَانَا كان حمارًا أليس الأم تجمعنا؟ ! فقضى بينهم بالاشتراك، ثم قال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا".
وتسمى أيضًا المشتركة؛ لاشتراكهم فيها، وقد أثبت 3 مالك والشافعي وجماعة الاشتراك فيها، ونفاه أبو حنيفة وجماعة، ومال إلى مذهبه بعض مَنْ أَلَّفَ في الفرائض
الجزء: 5 - الصفحة: 598
من أصحابنا.
قوله: (فَيُشَارِكُونَ الإِخْوَةَ لِلأُمِّ الذَّكَرُ كالأنثى) أي: فيستوي في ذلك الشقيق والذي للأم، والأنثى كالذكر سواء؛ لأنهم إنما دخلوا لكونهم إخوة للأم، ولهذا سقط الأخوة للأب، لأنهم لا حجة لهم كالأشقاء في جمعية الأم.
قوله: (وَأَسْقَطَهُ أَيْضًا الشَّقِيقَةُ الَّتِي كَالْعَاصِبِ لبِنْتٍ، أَوْ بِنْتِ ابْنٍ فَأَكْثَرَ) يريد: أن الأخت الشقيقة التي كالعصبة تسقط الأخ الذي للأب؛ أي: تحجبه عن الميراث؛ لأنها تزيد عليه بولادة الأم بعد أن تساويه في القرب من جهة الأب؛ فحالها حينئذ معه كحال الأخ الشقيق، فوجب أن تحجبه كما حجبه الشقيق 4، وكذلك تحجبه أيضًا البنت وبنت الابن واحدة كانت أو متعددة، وكذلك الابن وابنه.
قوله: (ثُمَّ بَنُوهُمَا، ثُمَّ الْعَمُّ الشَّقِيقُ، ثُمَّ للأَبٍ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ، الأَقْرَبُ فالأقرب، وإِنْ غَيْرَ شَقِيقٍ، وقُدِّمَ مَعَ التَّسَاوِي الشَّقِيقُ مُطْلَقًا) قد تقدم هذا 5، والضمير المثنى راجع إلى الأخ الشقيق والأخ للأب، والمعنى: أن ابن الأخ -شقيقًا كان أو لأب- يكون عند عدم الحاجب عاصبًا؛ يأخذ المال أو ما بقي منه، ثم العم كذلك شقيقًا كان أو لأب، ثم عم الجد، الأقرب فالأقرب، ولو كان غير شقيق؛ فالأخ للأب يحجب ابن الأخ الشقيق 6 لأنه أقرب 7 بدرجة 8، وابن الأخ للأب يحجب العم الشقيق، وكذلك العم للأب يحجب ابن العم الشقيق، وعلى هذا فإن تساويا -أي: في القرب- أو أحدهما شقيق، قُدِّمَ الشقيق على غيره، فلذلك يُقَدَّمُ الأخ الشقيق وابن الأخ الشقيق والعم الشقيق وابن العم الشقيق على الذي لأَبٍ في الجميع، وهو مراده بالإطلاق.
قوله: (ثُمَّ الْمُعْتِقُ كَما تَقَدَّمَ) أي: وكذا يكون المعتق عاصبًا عند عدم الحاجب من النسب؛ فيأخذ جميع المال، أو ما بقي بعد ذوي الفروض، وهو مراده بما تقدم.
قوله: (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ، ولا يُرَدُّ) أي: فإن لم يكن من يرث بالنسب ولا بالولاء؛ فبيت
الجزء: 5 - الصفحة: 599
المال وارثٌ، وهو المشهور، وهو كالعاصب يأخذ المال كله، أو ما بقي منه بعد الفرض.
قوله: (ولا يُرَدُّ) أي: لا يرد لذوي الفروض ما فضل عنهم، ونَبَّهَ به على خلاف 9 من يقول: إن بيت المال لا يرث شيئًا، بل يُرَدُّ الفاضل إلى ذوي الفروض.
قوله: (ولا يُدْفَعُ لِذَوِي الأَرْحَامِ) هذا هو المشهور.
وقيل: يدفع لهم ذلك.
وهو مقيد بما إذا لم يكن الإمام عدلًا، وعن ابن القاسم: إنه يتصدق به، إلا أن يكون الوالي كعمر بن عبد العزيز 10.
الأستاذ: وينبغي إذا كان الإمام غيرَ عادل أن يدفع لذوي الأرحام أو يرده على أهل السهام 11.
قوله: (وَيرِثُ بِفَرْضٍ وعُصُوبَة الأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ، مَعَ بِنْتٍ أَوْ بِنْتِ ابْنٍ 12 وإِنْ سَفَلَتْ؛ كَابْنِ عَمٍّ أَخِ لأُمٍّ) يريد: أن هؤلاء الثلاثة دون غيرهم 13 يرثون بالفرض والتعصيب معًا 14، وهم الأب والجد وابن العم إذا كان أخًا لأم، وللأب ثلاثة حالات: بالفرض فقط مع ابن ابن 15، أو بالتعصيب فقط كانفراده 16، أو بهما معًا 17 كمثل أن يكون معه بنت أو بنتُ ابن؛ فيفرض له أولًا السدس، ثم يأخذ الباقي بالتعصيب.
وللجدِّ أيضًا أحوال ثلاثة، وقد تقدمت.
وأما ابن العم إذا كان أخًا لأم؛ فإنه يأخذ أولًا -بأخوة الأمومة- السدس، ثم يأخذ
الجزء: 5 - الصفحة: 600
الباقي بالتعصيب (1)، أو ما فضل عن ذوي الفروض (2)، ولكن هذا لا يرث بالفرض والتعصيب إلا باعتبار جهتيه، بخلاف الأب والجد؛ إذ يرثان بهما مع اتحاد جهتيهما، وهي الأبوة (3) والأمومة.
(المتن)
وَوَرِثَ ذُو فَرْضَيْنِ بِالأَقْوَى، وَإِنِ اتَّفَقَ فِي الْمُسْلِمِينَ، كَأُمٍّ، أَوْ بِنْتٍ أُخْتٌ.
وَمَالُ الْكِتَابِيِّ الْحُرِّ الْمُؤَدِّي لِلْجِزْيَةِ لِأَهْلِ دِينِهِ مِنْ كُورَتِهِ.
وَالأُصُولُ اثْنَانِ، وَأَرْبَعَةٌ، وَثَمَانِيَةٌ، وَثَلَاثَةٌ، وَسِتَّةٌ، وَاثْنَا عَشَرَ، وَأَرْبَعَةٌ وَعُشْرُونَ، فَالنِّصْفُ مِنَ اثْنَيْنِ، وَالرُّبُعُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَالثُّمُنُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَالثُّلُثُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالسُّدُسُ مِنْ سِتَّةٍ، وَالرُّبُعُ وَالثُّلُثُ أوِ السُّدُسُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، وَالثُّمُنُ وَالسُّدُسُ أَوِ الثُّلُثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَمَا لَا فَرْضَ فِيهَا فَأَصْلُهَا عَدَدُ عَصَبَتِهَا.
وَضُعِّفَ لِلذَّكَرِ عَلَى الأُنْثَى.
وإِن زَادَتِ الْفُرُوضُ أُعِيلَتْ،