قوله: (وَبِرُجُوعٍ فِيهَا وُإِنْ 3 بِمَرَضٍ) يريد: أن الوصية أيضًا تَبطل برجوع الموصي فيها، ولو كان رجوعه في المرض.
بعض الأشياخ: وأجمعوا على أن له الرجوع عنها، سواء كانت بعتق أو غيره، كانت في سفر أو مرض 4. الباجي وغيره 5: وله ذلك ما لم يمت 6. ثم أخذ في بيان ما يدل على الرجوع، فقال: (بقول أو بيع وعتق وكتابة وإيلاد)، ونبه بذلك على أن الدال على الرجوع إما قول وإما فعل، فالأول كقوله: بطلت وصيتي أو رجعت عنها، أو لا تنفذوها أو ادفعوها لغيره من الفقراء ونحو ذلك.
قال في الوثائق المجموعة: إذا قال: اشهدوا أني قد أبطلت كل وصية لي 7 تقدمت فإنها تبطل إلا وصية قال فيها 8: لا رجوع لي فيها، فإنها لا تبطل حتى ينص12
الجزء: 5 - الصفحة: 534
عليها، وأما الفعل: فكالبيع والعتق والكتابة والإيلاد، فإذا أوصى بأمة لرجل 9 ثم أعتقها أو كاتبها أو أولدها كان ذلك رجوعًا لخروجها عن ملكه.
قوله: (وحَصْد زَرْع) هو أيضًا من الأفعال الدالة على الرجوع، فإذا أوصى لرجل بزرعه ثم أمر بحصده 10 بطلت، ولم يجعل ابن القاسم الحصد وحده رجوعًا، وإنما قال ذلك فيما إذا حصده ودرسه 11، وهكذا قال الباجي 12.
قوله: (ونَسْجِ غَزْلٍ وصَوْغِ فِضَّةٍ، وحَشْوِ قُطْنٍ، وذَبْحِ شَاةٍ وتفصيل شقة) هذه أيضًا من الأفعال الدالة على الرجوع، وقد نص ابن القاسم وأشهب على مسألة الغزل.
قال أشهب: لأنه بعد النسج لا يقع عليه اسم الغزل الذي أوصى به 13. الشيخ 14: وينبغي أن يقيد حشو القطن بأن يكون في الثياب، وأما في مثل المخدة ونحوها فلا 15. ولا إشكال في ما إذا صاغ الفضة أو ذبح الشاة 16 أن ذلك يعد منه رجوعًا.
ابن القاسم: ولو أوصى لزيد 17 بشقة ثم قطعها قميصًا أو سراويل كان ذلك رجوعًا، ولو قال: ثوبي له، ثم قطعه قميصًا أو لبسه في مرضه فليس برجوع 18، يريد: لأن القميص يسمي ثوبًا فلم ينقله التفصيل عن الاسم الذي أوصى به، وأما الشقة فقد انتقل حكمها عما كان 19؛ إذ لا يسمى القميص شقة.
الباجي: واتفق ابن القاسم وأشهب على مراعاة
الجزء: 5 - الصفحة: 535
الاسم 20 الذي أوصى به 21.
قوله: (أَوْ إِيصَاءٍ بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ انْتَفَيَا، قَالَ: إِنْ مِتُّ فِيهِمَا، وإِنْ بِكِتَابٍ ولَمْ يُخْرِجْهُ) أي: وكذلك تبطل الوصية إذا كانت مقيدة بمرض أو سفر ثم زالا، مثل أن يقول: إن مت من مرضي 22 أو سفري 23 فعبدي فلان لزيد أو الثوب الفلاني ونحوه، ثم برئ من مرضه أو رجع من سفره ذلك، ولهذا قال): (انْتَفَيَا) أي: السفر والمرض، أي: زالا عنه، وانفصلا، ولا خلافَ في بطلانها إذا زالا عنه وكانت بغير كتابة أو كانت بكتابة ولم يخرجها ولا 24 في إمضائِها إن حصل الموت فيهما 25، وإن كانت 26 بكتاب ولم يخرجه ومات من غير ذلك المرض أو ذلك السفر فإنها أيضًا تبطل، كما قال هنا 27، ظاهره سواء أشهد فيه أم لا، وحكي الباجي وغيره فيما إذا أشهد 28 ولم يخرجه قولين؛ البطلان إن لم يمت 29 في ذلك المرض أو السفر، وبه قال ابن القاسم وابن عبد الحكم وسحنون 30 وهو القياس عند أشهب.
الثاني: أنها تنفذ واستحسنه أشهب، وهما قائمان من المدونة، ولأشهب ثالث: إن مات في مرض آخر أو سفر آخر صحت، وإن مات في غير المرض أو سفر بطلت 31، وهو مروي عن مالك، فإن لم يشهد 32 ولم يخرجه من يده 33 ففي العتبية والمجموعة: لا
الجزء: 5 - الصفحة: 536
يجوز ذلك ولو شهد عدلان أنه خطه حتى يشهدهما عليها، قال: وقد يكتب ولا يعزم 34. عياض 35: إذا كتبه ليشهد فيه، وأما إذا كتبه وقال: إذا مت فلينفذوا 36 ما كتبت بخطي، فلينفذ ذلك إذا عرف أنه خطه كما لو أشهد، فإن أخرجه من يده ثم استرده بعد برءه أو بعد رجوعه من سفره فلا خلاف في البطلان 37، ولهذا قال: (أو أَخْرَجَهُ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَهما 38). قوله: (ولو أطلقها) أي: فلو لم يقيد ذلك بمرض ولا سفر، بل قال: أعطوا زيدًا كذا أو الشيء الفلاني أوله من عبيدي كذا ونحو ذلك 39 وكتبه في كتاب وأخرجه ثم استرده فإنها تبطل أيضًا، قال في المقدمات: بلا خلاف 40. وذكر القاضي عياض 41: أن ابن شبلون وغيره تأولوا الكتاب على ذلك 42، وأن ظاهر تأويل أبي محمد أنه إنما يضر 43 استرجاع المقيدة لا المبهمة 44، وإن أبا عمران تردد في ذلك 45. قوله: (لا إِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ) أي: فإن أخرج الكتاب من يده ولم يسترده 46 حتى مات فإن الوصية تمضي، ونقل عياض اتفاق عليه في المقيدة 47، وظاهر كلامه: أن ذلك فيها وفي المطلقة، وهو صحيح، فقد حكي 48 الاتفاق في المطلقة أيضًا غير واحد.
الجزء: 5 - الصفحة: 537
قوله: (أَوْ قَالَ: مَتَى حَدَثَ الْمَوْتُ) 49 هو معطوف على ما قبله، والمعنى: أن الوصية أيضًا تمضي إذا قال: متى حدث الموت ونحوه مثل 50: إن مت أو إذا مت وظاهره كانت بكتاب أم لا، أخرجه أم لا 51، استرجعه 52 أم لا 53، لكن قد تقدم حكم ما إذا كانت بكتاب أخرجه ثم استرده وهي الصورة التي حملنا كلامه عليها وكذا حكم ما إذا لم يسترده على ظاهر كلامه 54، وأما إن كانت بغير كتاب، فقال غير واحد: بأنها نافذة لا ينقضها إلا تغييرها عن حالها 55 في المرض أو الصحة.
قوله: (أَوْ بَنَى الْعَرْصَةَ، واشْتَرَكَا) 56 أي: وكذلك تمضي الوصية ولا تبطل إذا أوصى له بعرصة، أي: ساحة من الأرض ثم عمرها 57 الموصي بعد ذلك دارًا أو نحوها، ولكن يكونان شريكين 58 بقيمة البناء والعرصة، وهو قول ابن القاسم وقال أشهب: لا شيء للموصى له ويعد ذلك رجوعا من الموصي 59، قيل: وهو الظاهر لانتقال الاسم 60.
قوله: (كَإِيصَائِهِ بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ، ثُمَّ بهِ لِعَمْرٍو) أي: فإنهما 61 يشتركان فيها، ولا يعد رجوعًا منه، وسواء كان ذلك بكتابين 62 أم لا،
الجزء: 5 - الصفحة: 538
ابن المواز 63: إلا أن يقوم دليل على رجوعه بلفظ أو معنى 64، انظر كلامه هنا مع ما قال في المدونة 65. وإن قال: العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان 66 آخر، كان رجوعًا أو كان جميعه للآخر، أبو محمد 67 ولو قال: بيعوه أو بيعوه من فلان كان رجوعًا 68، اشتراه أو لم يشتره سمَّى ثمنًا أم لا 69. قوله: (وَلا 70 بِرَهْنٍ، وتَزْوِيجِ رَقِيقٍ، وتَعْلِيمِهِ، وَوَطْءٍ) أي: وكذا تمضي الوصية في هذه المسائل الأربع، ولا يكون فعله فيها رجوعًا، لأنها لم تنقل الملك، ولم تغير الاسم، وعلى الورثة خلاص الرهن، ومراده بالتعليم تعليم الصنعة أو الكتابة، أو نحوهما، ففي العتبية لأصبغ: إذا علمه الكتابة لا يكون رجوعًا، ويكون الورثة شركاء بقدرها 71. ابن القاسم في المجموعة 72: ومن أوصى لرجل بجارية فله وطؤها ولا يعد رجوعًا، ورواه عنه أصبغ وأبو زيد في العتبية 73، وحكى ابن رشد الخلاف على أن الوطء ليس برجوع 74. قوله: (ولا إِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فبَاعَهُ) أي: وكذا إذا أوصى له بثلث ماله ثم باعه 75 فإن
الجزء: 5 - الصفحة: 539
بيعه لا يبطل الوصية ولا يعد رجوعًا 76، إذ لا يختص ثلث المال بما عنده حال الوصية، بل المعتبر ما يملكه حال الموت سواء زاد أو نقص، وقاله في النوادر 77. قوله: (كَثيَابِهِ واسْتَخْلَفَ غَيْرَهَا) أي: وكذا تمضي الوصية إذا أوصى له بثيابه، ثم باعها 78 واستخلف غيرها، ويأخذ الموصى له ثيابه التي استخلفها، وقاله ابن الجلاب، ثم قال: إلا أن يتبين أن ماله غير تلك الثياب الأولى، وأن مراده 79 بأعيانها فلا يكون للموصى له شيء مما استخلفه 80. قوله: (أَوْ بِثَوْبٍ فباعَهُ واشْتَرَاهُ) ابن عبد السلام: والذي نص عليه ابن القاسم وأشهب وأصبغ، ولا أعلم فيه خلافا أنه يعود 81 إلى الوصية كما أنه لا خلاف إذا عين الموصى به فباعه واشترى مثله أن الوصية لا تعود فيه، وقيل تعود 82 وكذا لو لم يعينه ولكن وصفه بصفة ثم هلك 83 أو باعه واستحدث مثله 84 عند 85 ابن القاسم، وقيل: تعود فيه الوصية و 86 بالجملة فيما باعه ثم اشترى مثله، لا تعود الوصية عند ابن القاسم 87، وإليه أشار بقوله: (بخلاف مِثْلِهِ) 88 وحكي في البيان فيما 89
الجزء: 5 - الصفحة: 540
إذا عين الوصى به كقوله: هذا (1) عبدي فلان (2) لفلان أو درعي أو سيفي ثم باعه (3)، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الوصية تعود إن استبدل غيره.
الثاني: أنها لا تعود وتبطل (4).
الثالث: عودها في بدل السيف والدرع لا بدل العبد (5)، وانظر هذا مع قول ابن عبد السلام: لا خلاف، والعذر له أنه لم ينف الخلاف مطلقًا وإنما نفي عدم العلم بوجوده إذ لم يطلع عليه (6).
قوله: (ولا إن جصص الدار وصبغ الثوب ولت السويق فللموصى له بزيادته) أي: وكذا لا تبطل الوصية في هذه المواضع، وذلك كله للموصى له مع ما زاد فيه، وهو قول ابن القاسم وأشهب، وقيل (7): الورثة شركاء بقيمة تلك الصنعة إذ الأصل بقاء تلك الزيادة على ملك الموصي، فلا تخرج عنه إلا بدليل (8).
(المتن)
وَفِي نُقْضِ الْعَرْصَةِ قَوْلانِ.
وَإِنْ أَوْصَى بوَصِيَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى فَالْوَصِيَّتَانِ، كَنَوْعَيْنِ، وَدَرَاهِمَ وَسَبَائِكَ، وَذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ، وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمَا وَإِنْ تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَوْصَى لِعَبْدِه بِثُلُثِهِ عَتَقَ إِنْ حَمَلَهُ، وَأَخَذَ بَاقِيَهُ وَإِلَّا قُوِّمَ فِي مَالِهِ، وَدَخَلَ الْفَقِيرُ فِي الْمِسْكِينِ كَعَكْسِهِ، وَفِي الأَقَارِبِ، وَالأَرْحَامِ، وَالأَهْلِ أَقَارِبُهُ لِأُمِّهِ، إِنْ لَم يَكُنْ أَقَارِبُ لِأَبٍ، وَالْوَارِثُ كَغَيْرِهِ؛ بخِلافِ أَقَارِبِهِ هُوَ.
وَأُوثِرَ الْمُحْتَاجُ الأَبْعَدُ، إِلَّا لِبَيَانٍ.
ويُقَدَّمُ الأَخُ وَابْنُهُ، على الْجَدِّ، وَلا يُخَصُّ، وَالزَّوْجَةُ فِي جِيرَانِهِ لا عَبْدٌ مَعَ سَيِّدِهِ، وَفِي وَلَدٍ صَغِيرٍ وَبِكْرٍ قَوْلانِ، وَالْحَمْلُ فِي الْجَارِيَةِ إِنْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ، وَالأَسْفَلُونَ فِي الْمَوَالِي، وَالْحَمْلُ فِي الْوَلَدِ.