12345 الجزء: 5 - الصفحة: 236
قوله: (وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُباشِرُ، فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الجْمِيعُ) يعني: أن الجماعة إذا باشروا قتل رجل فضربه واحدٌ بعد واحد 6 أو جرحوه كذلك- فإن كانوا متمالئين فإنهم يقتلون جميعًا، وهو ظاهر 7، وينبغي أن يقيد بما إذا مات في الحال، وإلا فمتى عاش وأكل وشرب فإنه لا يقسم في العمد إلا على واحد منهم فقط.
قوله: (وَإِلَّا قُدِّمَ الأَقْوَى) أي: وإن لم يكن ذلك عن ممالأة، بل قصد 8 كل واحد منهم الضرب ولم يرد ضرب القتل فحصل عن ذلك الموت؛ أي: فإن الأقوى -أي: من كان القتل عن ضربه أكثر- فإنه يقدم بأن يقتل وحده، يريد: ويقتص من غيره في الجرح، ويعاقب من لم 9 يجرح كما إذا ضربه بعصا فلم يجرحه بها، وذلك كله إذا تميزت الضربات، وأما إن لم تعرف ضربة كل واحد منهم ففي النوادر عن مالك: إن مات مكانه قتلوا كلهم، وإن لم يمت مكانه ففيه القسامة 10، وعند اللخمي: إذا أنفذ أحدهم مقاتله 11 ولم يُدْرَ من هو ولا من أي الضربات مات 12 - فإن القصاص يسقط 13.
قوله: (وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهًا بِعِتْقِ، أَوْ إِسْلامِ) يريد: أن القاتل والمقتول إذا كانا متساوين حين القتل في الدين وغيره، فإن القصاص لا يسقط بزوال تلك المساواة بعد ذلك، كالكافرين يقتل أحدهما الآخر، ثم يسلم القاتل، وكالعبدين ثم 14 يعتق القاتل؛ إذ لا أثر للمانع بعد ترتب الحكم.
قوله: (وَضَمِنَ وَقْتَ الإِصَلابةِ، والْمَوْتِ) أشار بهذا إلى أن المساواة إذا زالت بين حصول السبب والمسبب كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي وقبل
الجزء: 5 - الصفحة: 237
الإصابة وبعد الجرح، وقبل الموت فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة والموت، فالمعتبر حال الإصابة 15 وهو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب وسحنون: المعتبر حال الرمي، ثم رجع سحنون لقول ابن القاسم واتفقوا على أن المعتبر في القصاص حال الإصابة 16، والمراد بالضمانِ ضمانُ دية الحر وقيمة العبد.
قوله: (وَالْجرْحُ كَالَّنفْسِ فِي الْفِعْلِ، والْفَاعِلِ، والْمَفْعُولِ، إِلا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا) يريد: أن ما تقدم في النفس من الأحكام يجري فيما دونها إلا في مسألة ما إذا جرح الناقص كاملًا كالعبد يقطع يد حر، وكافر يقطع يد مسلم؛ فإنه لا يقتص منه له على المشهور، الأستاذ أبو بكر 17: وهو ظاهر المذهب 18، وقال ابن نافع وابن عبد الحكم: المسلم يخير إن شاء اقتص أو أخذ الدية وخرَّج مثله في العبد 19، وقيل: يجتهد السلطان في ذلك 20، وروى ابن القصار وغيره عن مالك القصاص في ذلك، وعنه أيضًا أنه توقف 21.
قوله: (وَإِنْ تَميَّزتْ جِنَايَاتٌ بِلَا تَمَالُؤٍ فَمِنْ كُلٍّ كَفِعْلِهِ) أي: إذا جَنَا جماعة على شخص وتميزت جناية كل واحد ولم يتمالؤوا على قتله، فإن كل واحد يقتص منه بقدر جنايته بالمساحة، وهو مراده بقوله: (كَفِعْلِهِ).
قوله: (وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرأسِ والْجبْهَةِ وَالخَديْنِ وَإِنْ كَإِبْرَةٍ، وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ وحَارِصَةٍ شَقَّتِ الجْلْدَ، وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَّتِ اللَّحمَ، وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدِ، وَملْطَاةٍ قَرُبَتْ للْعَظْم) يحتمل أن تكون (من) من قوله: (مِنْ مُوضِحَةٍ) بمعنى (في) أي: واقتص في الموضحة وسابقها في العمد.
قوله: (أوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأسِ وَالجْبْهَةِ وَالخدِّيْنِ) هو بيان الموضحة، والواو من
الجزء: 5 - الصفحة: 238
قوله 22: (وَالْجبْهَةِ) للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد كل موضع من هذه المواضع الثلاثة إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئًا من عظمه تسمى موضحة، ولهذا عطف ابن شاس الجبهة بأو لا بالواو 23.
ومعنى: (أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرأسِ) أي: أظهرته، وأزالت الساتر الذي يحجبه وهو الجلد وما تحته من اللحم، ولا يشترط في كونها موضحة أن توضح ماله قدر وبال، بل لو أوضحت منه مقدار إبرة كفى في تسميتها موضحة، كما قال.
والمراد بـ (سابقها)؛ أي: سابق الموضحة من الجراحات وهي ستة: ثلاثة في الجلد، وثلاثة في اللحم؛ ففي الجلد: الدامية: وهي التي يسيل منها الدم، ولم يفسرها استغناءً بلفظها، أو يقال لها دامعة بعين مهملة؛ لأن الدم يندفع 24 منها كالدمع، ثم الحارصة بألف وغيرها: وهي التي شقت الجلد، ثم السمحاق: وهي التي كشطت الجلد 25، ومنهم من جعل الحارصة مرادفة الدامية، وذهب بعضهم إلى أن الحارصة هي السمحاق، والصحيح ما تقدم.
وأما المتعلقة باللحم؛ فالباضعة: هي التي شقت اللحم؛ أي: بضعته 26، ثم المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم في غير موضع، ولهذا قال: (وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ 27)، وقيل: هي مرادفة الباضعة، ثم الملطاة بهاء وغيرها: وهي التي يبقي بينها وبين العظم ستر رقيق.
قوله: (كضَرْبَةِ السَّوْطِ) أي: فإن فيها القصاص وهو المشهور، وقاله في المدونة، وقيل: لا قصاص في ذلك كاللطمة 28، ويعسر 29 الفرق بينهما.
الجزء: 5 - الصفحة: 239
قوله: (وَجِرَاحِ الجَسَدِ، وإنْ مُنَقِّلَةً بِالمسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ) يريد: أن جراح الجسد من الهاشمة والمنقلة ونحوهما فيها القصاص بالمساحة، فيقاس طول الجرح وقصره 30 بذلك، وهو قول ابن القاسم، وصوبه ابن رشد لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] 31، واعتبر أشهب في ذلك نسبة العضو 32، وإليه رجع ابن القاسم في الموازية 33، فيقتص من الجاني بنسبة ذلك من رأسه إن ربعًا فربعًا، وإن نصفًا فنصفًا إلى غير ذلك، ابن المواز: وبه أقول 34، ويشترط في كون القصاص بالمساحة الاتحاد في العضو الواحد، فلهذا لو عظم عضو المجني عليه حتى كان القدر الذي جرح منه يزيد على المماثل له من الجاني؛ فإنه لا يكمل من غيره بلا خلاف.
قوله: (كطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا) أي: فإنه يقتص منه بمقدار ما زاد على القدر المطلوب، وقاله غير واحد.
قوله: (وَإِلَّا فَالْعَقْلُ) أي: فإن كانت زيادته خطأ وجب العقل وهو الدية أو بعضها، فإن كان دون ثلث الدية ففي ماله، وإلا فعلى عاقلته.
قوله: (كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وَبِالْعَكْسِ) أي: وكذلك يتعين العقل دون القصاص إذا قطع صاحب يد شلاء عدمت النفع يدًا صحيحة والعكس لعدم المماثلة التي هي شرط في قصاص الأطراف ونحوها، واحترز بـ (عَدِمَتِ النَّفْعَ) من التي فيها منفعة فإنها تقطع بالصحيحة، والعكس إذا رضي المجني عليه، قاله ابن شاس، وفي كتاب أسد: ليس له إلا العقل، وكذا ذكر ابن عبدوس، وقال أشهب: إن كانت شلاء شللًا فاحشًا أذهب أكثر منافع يده، وأما في الخفيف فله أن يقتص.
ابن شاس: والذكر المقطوع الحشفة والحدقة العمياء ولسان 35 الأبكم كاليد الشلاء، وإليه أشار
الجزء: 5 - الصفحة: 240
بقوله: (وَعَيْنِ أَعْمَى، وَلسَانِ أَبكَمَ) أي: كذلك (1).
(المتن)
وَمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ: مِنْ مُنَقِّلَةٍ طَارَ فِرَاشُ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَآمَّةٍ أَفَضْتْ لِلدِّمَاغِ، وَدَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ، كَلَطْمَةٍ، وَشَفْرِ عَينٍ وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ إِلَّا فِي الأَدَبِ، وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا كَعَظمِ الصَّدْرِ، وَفِيهَا أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ، وَإنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ، وَإِلَّا فَدِيَةُ مَا لَمْ يَذْهَبْ.
وَإنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ، وَإنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَمَاوِي، أوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ؛ فَلا شَيءَ لِلْمَجْنِي عَلَيهِ، وَإِنْ قَطَعَ أَقْطعُ الْكفّ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِي عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ.
وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ بِلا غُرْمٍ، وَخُيِّرَ -إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ- فِيهِ وَفِي الدّيَةِ.