(جاز كراء حمام ودار غائبة كبيعها) لا خصوصية لهما بذلك، بل وكذلك يجوز كراء غيرهما من الحوانيت والرِّباع والأرضين الغائبة، وإنما ذكرهما على سبيل التمثيل، قال في المدونة: ومن اكترى دارًا بإفريقية وهو بمصر، جاز ذلك كالشراء 1؛ أي: فلا بد من تقدم 2 رؤية أو وصفها له، وإلا لم يجز.
قوله: (أو نصفها) أي: وكذلك يجوز كراء نصف الحمام أو الدار؛ هذا إذا قرأنا نصفها بالنون، ويحتمل أن يقرأ بالياء- باثنتين من أسفل 3 - من الصفة، وقد يكون نبه به 4 على ما تقدم من عدم الجواز إلا برؤية أو وصف، ويكون حذف قوله: (برؤية) لدلالة (أو يصفها) عليه أو للعلم به، والأول أظهر؛ لأن قوله: (كبيعها) يغني عن ذلك كله.
قوله: (أو نصف عبد) أي: وكذلك يجوز كراء نصف عبد، قال في المدونة: ويكون للمستأجر يومًا، وللذي له النصف الآخر يومًا كالبيع 5.
قوله: (وشهرًا على إن سكن يومًا لزم إن ملك البقية) أي: وجاز الكراء شهرا، أي أن يكتري منه شهرًا، على أنه إن سكن منه يومًا لزمه بشرط أن يكون المكتري يملك
الجزء: 4 - الصفحة: 595
الانتفاع منه بقية ذلك الشهر، فإن لم يملك ذلك، أو يملك بعضه فلا، وقاله في المدونة 6. ابن يونس عن بعض القرويين: ظاهره أن العقد جائز، وأنه بالخيار ما لم يسكن، فإذا سكن انعقد الكراء في الشهر، فإن أراد إن سكنت فالكراء لي لازم وليس لي أن أكري من غيره كان هذا من بيع الشروط التي يبيع 7 منه على أن لا يبيع ولا يهب، فهذا لو أسقط الشرط على أحد القولين تم الكراء، وأما إن شرط إن خرجت عاد السكن إلى المكري وعليك جملة الكراء، فهذا فاسد لا بد من فسخه؛ لأنه غرر.
قوله: (وعدم بيان الابتداء، وحمل من حين العقد) أي: وكذلك يجوز الكراء وإن لم يذكر ابتداء السكنى، وحمل 8 أول ذلك يوم العقد.
قوله: (ومشاهرة، ولم يلزم لهما) أي: يقول له: أكتري منك كل شهر بكذا، وكذا مساناة 9، أي: بأن يقول له: كل سنة بكذا، ثم لا يلزمهما ما ذكر، وسواء سكن المكتري بعضه أم لا، وهو قول مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة 10، وروى عنه مُطَرِّف وابن الماجشون اللزوم في أقل ما سمى، فإذا قال: كل شهر بكذا.
لزمه شهرا، أو كل سنة بكذا لزمه سنة، وبه قال ابن حبيب، واختاره اللخمئ 11، واختار ابن يونس الأول، وفي المسألة قول ثالث بعدم اللزوم إن لم يشرع في السكنى، وإلا لزم أقل ما سمي، وهو مروي عن مالك أيضًا 12.
قوله: (إلا بنقد فقدره) يريد: أن ما تقدم من عدم اللزوم مقيد بما إذا لم ينقده شيئًا من الأجرة، أما إذا نقده شيئًا من ذلك فإنه يلزم فيما يقابله.
قوله: (كوجيبة بشهر كذا، أو هذا الشهر، أو شهرًا، أو إلى كذا) أي: وهكذا يلزمهما العقد في كراء الوجيبة، وهو أن يقول: أكتري منك شهر كذا، أو هذا الشهر، أو شهرًا،
الجزء: 4 - الصفحة: 596
أو إلى شهر كذا، ومثله سنة كذا، أو هذه السنة، أو سنة، أو إلى سنة كذا، ونص عليه في النوادر (1).
قوله: (وفي سنة بكذا: تأويلان) فقيل: هي وجيبة، وعليه حمل أكثرهم المدونة، وهو مذهب العتيبة، وحمل أبو محمد صالح المدونة على أنه غير لازم.
قوله: (وأرض مطرٍ عشرًا إن لم ينقد وإن سنةً، إلا المأمونة كالنيل والمعينة فيجوز) قال في المدونة: ولا بأس بكراء أرض المطر عشر (2) سنين إن لم ينقد (3)، فإن شرط النقد فسد؛ أي: وإن سنة واحدة، إلا في الأرض التي تروى من النيل أو العيون، فيجوز النقد فيها لا منها.
وقاله في المدونة في أرض النيل (4)، وقيد مالك المعينة (5) بأن لا يكون ماؤها يقل ويخاف أن لا يقوم بها.
(المتن)
وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إِذَا رَوِيَتْ، وَقَدْرٍ مِنْ أَرْضِكَ إِنْ عُيِّنَ، أَوْ تَسَاوَتْ، وَعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلاثًا، أَوْ يُرَبِّلَهَا، إِنْ عُرِفَ.
وَأَرْضٍ سِنِينَ لِذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، وَإنْ لِغَيْرِكَ، لا زَرْعٍ، وَشَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ، وَتَطْيِينٍ مِنْ كِرَاءٍ وَجب، لا إنْ لَمْ يَجِبْ، أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي، أَوْ حَمِيمِ أَهْلِ ذِي الْحَمَّامِ، أَوْ نُورَتِهِمْ مُطْلَقا، أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ بِنَاءٌ وَغَرْسٌ وَبَعْضُهُ أَضَرُّ، وَلا عُرْفَ.
وَكِرَاءٌ وَكَيلٍ بِمُحَابَاةٍ أَوْ بِعَرْضٍ، أَوْ أَرْضٍ مُدَّةً لِغَرْسٍ فَإذَا انْقَضَتْ فَهُوَ لِرَبِّ الأَرْضِ، أَوْ نِصْفُهُ.