قوله: (وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى 1 وَلَوْ مُقَوَّمًا، إِنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ بِبَينةٍ) أي: ورجع الضامن على الغريم بما أدّى عنه إن ثبت الدفع 2 ببينة أو بإقرار صاحب الدين؛ لأن الحق سقط حينئذ، ولا يكفي في ذلك إقرار الغريم؛ لأن الضامن في أدائه كالوكيل عنه، ويرجع بمثل المقوم لا بقيمته؛ لأنه كالسلف وهو المشهور، وقاله ابن القاسم وأشهب ونحوه في الواضحة، وفي سماع أبي زيد أن المطلوب بالخيار إن شاء دفع مثله 3 أو قيمته، وهذا ما لم يشتر 4 العرض 5 لذلك، فإن اشتراه له ولم يحاب في ثمنه فلا خلاف أنه يرجع بثمنه الذي اشتراه به، ولا يرجع بالزيادة إن حابى، ولا إشكال أنه يرجع بمثل ما أدّى 6 إن كان مثليا 7. قوله: (وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ على الأَصَحِّ) يريد: أن الضامن يتنزل في صلحه منزلة الغريم، فما جاز للغريم أن يدفعه عوضا عن ما عليه جاز للضامن وما لا فلا، فلو ضمنه في عروض له عليه من سلم لم يجز أن يصالح عنها قبل الأجل بأدنى صفة أو قدرًا 8؛ لئلا يدخله: ضع وتعجل، ولا بأكثر لئلا يدخله: حط عني 9 الضمان وأزيدك، ويجوز أن يصالح بعد الأجل عن دنانير طيبة بدنانير أدنى
الجزء: 4 - الصفحة: 216
منها؛ لأنه يعلم أن الغريم إنما يدفع الأدنى، وكذلك العكس؛ لأنه إنما يدفع ما عليه، وقيل: يجوز صلحه عنه مطلقًا؛ لأنه مكارمة، وقيل: يمنع صلحه مطلقًا للجهالة فيما يرجع به، وقيل: يجوز أن يصالح بمقوم لا بمثلي؛ لأن المقوم يرجع فيه إلى القيمة وهي من جنس الدين، وحكى في البيان رابعا بالجواز فيما تجوز فيه النسيئة في المبايعة لا فيما لا تجوز، كأن يؤدي دنانير عن دراهم أو قمحا عن تمر 10، ولا خلاف في جواز الصلح إذا دفع الضامن من الصنف الذي على الغريم.
قوله: (وَرَجَعَ بِالأقَل مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ) يريد: إذا صالح بمقوم، لأن الرجوع بالأقل من الدين أو القيمة إنما يكون في ذلك، لأن المثلي لا يدخله تقويم هنا.
قوله: (وَإِنْ بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ لا عَكْسُهُ) يريد: أن الغريم إذا برئ من الدين بأن يكون الطالب قد وهب له أو دفعه له عنه أحد 11 أو نحو ذلك فإن الضامن يبرأ؛ لأن طلب الضامن متفرع عن ثبوت الدين على الغريم، فإذا ارتفع الأصل ارتفع فرعه بخلاف العكس، فإن الطالب إذا أبرأ الضامن لا يبرأ بذلك الغريم 12، وقاله في المدونة 13: أي لأن الدين مرتب في ذمة الغريم كما 14 كان، وإنما يسقط عن الضامن من التحمل، قال 15 الباجي: وإذا وهب الطالب حقه للغريم برئ الحميل ولو وهب الحق للحميل لم يبرأ الغريم، وعليه أن يؤدي 16 للمتحمل له 17.
قوله: (وَعُجِّلَ بمَوْتِ الضَّامِنِ، وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ) يريد: أن الحق وإن كان مؤجلًا فإنه يعجل 18 بموت الضامن، ولربه أن يعجله من تركته إن شاء ويرجع وارثه على الغريم بعد الأجل، وذكر في المدونة أن له التعجيل، ولو كان الغريم حاضرًا
الجزء: 4 - الصفحة: 217
مليًّا 19، وفي المذهب رواية أن الحق يؤخذ من تركته، ولا يدفع للطالب بل يوقف إلى الأجل، فإن لم يكن الأصل مليًّا أخذه الطالب، وإلا أخذه الورثة، وهي رواية ابن وهب 20 وبها قال عبد الملك 21، وحكى اللخمي والمازري عن ابن نافع قولًا بالفرق بين أن تكون تركة الحميل مأمونة فلا يأخذ الدين منها معجلا، ولا يوقف وإلا وقف 22.
قوله: (أَوِ 23 الْغَرِيمِ إِنْ ترَكَهُ) يريد: أن الحق أيضًا يعجل بموت الغريم إن تركه مُقَوَّمًا 24، قال في الجواهر: فإن كان الدين مؤجلا فمات الأصل 25 يعجل للطالب حقه من ماله، فإن لم يترك مالا لم يطالب الكفيل بشيء حتى يحل الأجل 26.
قوله: (وَلا يُطَالَبُ، إِنْ حضَرَ 27 الْغَرِيمُ مُوسرًا) يريد: أن الحميل لا يطالب والغريم حاضر ملي، وهذا هو المشهور، وإليه رجع مالك، وكان يقول: له أن يأخذ من شاء 28 منهما، والقولان في المدونة، وأشار بقوله: (أَوْ لم يَبْعُدْ إِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ) إلى أن الغريم إذا غاب وله مال يعدى فيه ولم يبعد إثباته على الغريم 29 ولا النظر فيه، فإنه يكون بمنزلة الحاضر المليّ فيؤخذ الحق من ماله، وهذا تقييد الغير في المدونة.
ابن رشد في الأجوبة: وهو تفسير لا خلاف، وكذلك حمله من أدركناه من الشيوخ، وبه جرى العمل 30.
قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ في مَلائِهِ) يريد: أن الطالب إذا قام يطلب حقّه من الحميل 31
الجزء: 4 - الصفحة: 218
وادّعى أن الغريم معدم، وقال الحميل: بل هو مليّ، فإن الحميل يصدق، يريد: إلا أن يقيم ربّ الدّين بينة بعدمه بعض الأشياخ: وهذا القول هو الأظهر 32، وعزاه ابن زرقون لابن القاسم، وحكى في المقدمات عن سحنون أن الطالب يصدق إلا أن يقيم الحميل بينة بما 33 على 34 الغريم، ونسبه ابن زرقون أيضا لابن القاسم 35.
قوله: (وَأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيهما شَاءَ) يريد: أن الطالب إذا اشترط أن يأخذ بحقه من شاء من الضامن أو الغريم فله ذلك.
ابن رشد: وهو المشهور عن ابن القاسم 36، وقيل: لا يفيده، وهو قول أشهب وابن كنانة وعبد الملك، ومثله عن ابن القاسم أيضًا، والقولان عن مالك.
قوله: (وَتَقْدِيمِهِ) أي: وكذا يفيده شرط تقديم الحميل على الغريم، قال في المقدمات: واختلف إن شرط على الحميل أن حقّه عليه، وأنه أبرأ الغريم، فظاهر قول ابن القاسم: أن الشرط جائز، ولا رجوع له على الغريم، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا رجوع له 37 عليه إلا أن يموت الحميل أو يفلس، وروى مطرف عن مالك أن له الرجوع إن شاء، وقال ابن الماجشون أنه شرط باطل 38، وقيل بإعمال الشرط في السيئ المطالبة أو ذي السلطان، ونسب لابن القاسم، وقيل بإعماله مطلقًا إن كان 39 في أصل البيع، وإن كان بعده نفعه في سيئ القضاء وذي السلطان، وعزاه ابن رشد أيضا لابن القاسم 40.
قوله: (أوْ إِنْ مَاتَ) يحتمل أن يكون المشترط هنا هو الحميل، أي اشترط على
الجزء: 4 - الصفحة: 219
صاحب الدين أنه لا يرجع عليه إلا عند موت الغريم، ولا خلاف في إعمال هذا الشرط، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى رواية ابن وهب، والمعنى 41 وأفاد شرط تقديمه مطلقًا، ولا رجوع له على الغريم، أو لا رجوع له عليه إلا أن يموت، ولهذا حمل بعضهم رواية ابن وهب على التفسير لقول ابن القاسم، قال: ومعنى ما ذهب إليه ابن القاسم أنه لا رجوع للطالب على الغريم الأول إلا أن يموت أو يفلس 42.
قوله: (كشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ) أي: وأفاد الكفيل 43 شرط سقوط الدين عنه في ضمان الوجه، قال في الموازية: وإذا قال حميل الوجه لست 44 من المال في شيء.
محمد: وقال: لا أضمن إلا الوجه، فهذا لا يضمن إلا الوجه، غاب الغريم أو حضر، أو مات أو أفلس 45، وقال ابن زرقون: ينبغي أن ينظر إلى البساط، فإن قيل له: تضمن فلانا أو تضمن المال عنه، فقال: لا أضمن إلا وجهه فهذا حكمه 46 حكم ضمان الوجه المطلق، ويلزمه المال إن لم يأتِ به، وإن قيل له: تضمن وجه فلان، فإن لم يأتِ به غرمت ما عليه، فقال: لا أضمن إلا وجهه، فكما قال محمد 47، وقاله ابن رشد 48.
قوله: (أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ) يعني: أن رب الدين إذا اشترط على حميل الوجه التصديق 49 في إحضار الغريم إذا غاب فإن ذلك يفيده، وذلك واضح.
قوله: (وَلَهُ طَلَبُ المُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ) أي وللضامن أن يطالب المستحق -وهو رب الدين- بتخليصه من الغريم عند أجله، وظاهر كلامه سواء طلب الكفيل بما على الغريم أم لا، وقال في الجواهر: للكفيل طلب 50 الأصل على تخليصه إذا طلب،
الجزء: 4 - الصفحة: 220
وليس له ذلك قبل أن يطلبه (1)، وقال غيره (2): إذا توجه لرب الدين الطلب فسكت عنه أو نصّ على تأخيره فللحميل ألا يرضى بذلك التأخير، ويقول لرب الدين: إما أن تطلب حقك وإما أن تسقط عني الحمالة (3)، وهذا أقرب إلى ظاهر كلامه إلا أنه مقيد بما إذا كان الغريم مليا، فإن كان معدما فلا كلام له (4). قوله: (لا بتَسْلِيمِ المْالِ إليه) أي: ولا يلزم تسليم المال للضامن إذا طلبه من الغريم ليؤديه لطالبه، قاله في المدونة في السلم الثاني (5). ابن شاس: إذ لو هلك لكان من الأصل (6). قوله: (وَضَمِنَهُ إِنِ اقْتَضَاهُ لا أُرْسِلَ بِهِ) يريد: أن الغريم إذا دفع الحق إلى الكفيل فإن كان ذلك على الاقتضاء ضمنه الكفيل قامت بهلاكه بينة أم لا عينا كان أو عرضا أو حيوانا لأنه متعدٍ وإن كان على الرسالة لم يضمنه (7)، وهو من الغريم حتى يصل إلى الطلب، قاله في المدونة (8)؛ لأنه أمين له.
(المتن)
وَلَزِمَهُ تَأخِيرُ رَبِّهِ، الْمُعْسِرَ أَوِ الْمُوسِرَ، إِنْ سَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا، وَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ وَلَزِمَهُ.
وَتَأَخر غَرِيمِهِ بِتَأْخِيرِهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ، وَبَطَلَ إِنْ فَسَدَ مُتَحَمَّلٌ بِهِ، أَوْ فَسَدَتْ، بِكَجُعْلٍ وإن مِنْ غَيرِ رَبِّهِ كَمَدِينهِ، وَإِنْ بضَمَانِ مَضْمُونِهِ، إلَّا فِي اشتِرَاءِ شَيءٍ بَينَهُمَا، أَوْ بَيعِهِ، كَقَرضِهِمَا على الأَصَحِّ.
فَإِنْ تَعَدَّدَ حُمَلاءُ أتْبِعَ كُل بِحِصَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، كَتَرَتُّبِهِمْ.