قوله: (وَعَلَى مَرِيضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ) أي: ويحجر على مريض حكم أهل الطب بكثرة الموت بذلك المرض، ومراده ما قاله بعض الأشياخ أن يكون الموت 2 من ذلك المرض، فاشيًا شهيرًا لا يتعجب من حصول الموت به لأنه يكون غالبًا، فإن الموت إذا حصل بإثر مرض من الأمراض لا يتعجب منه، وظاهر كلام المازري أنه لا بد أن يكون الموت عنه غالبًا، وحينئذ يكون موجبًا للحجر عليه، وهذا كله فيما عدا ما يحتاجه من الإنفاق على نفسه في مؤنته وتداويه وكسوته كما سيأتي.
قوله: (كَسِلٍّ، وَقَوْلَنْجٍ، وَحُمَّى قَوِيَّة، وَحَامِلِ سِتَّةٍ، وَمَحْبُوسٍ لِلقَتْل أَوْ لِقَطعٍ إِنْ خِيفَ الْمَوْتُ، وَحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ) هذه أمثلة المرض الذي يكون الموت عنه غالبا، والسِل بكسر السين المهملة، واحترز بقوله: (وَحُمَّى قَوِيَّة) مما إذا كانت خفيفة فإنها لا توجب الحجر على صاحبها، وظاهر كلامه أن الحامل إذا دخلت في الشهر السادس يحكم لها بحكم المريض، وقد يقال: بل ظاهره غير ذلك، وأنها لا يحكم لها بذلك حتى تكمل الشهر السادس لأن المراد بقولنا 3 بلغت ستة أشهر، أي: أتت على جميعها، وفي هذا الأصل قولان، ومراده بالمحبوس للقتل إذا ثبت ذلك عليه ببينة عادلة أو باعترافه،1
الجزء: 4 - الصفحة: 175
وأما إذا حبس ليستبرأ أمره فلا، وأجمعوا على أن من وجب عليه القصاص في قتل أو رجم كالمريض حكاه ابن عبد البر 4.
قوله: (أَوْ لِقَطْعٍ 5 إِنْ خِيفَ الموْتُ) يريد: أن من حُبس ليقتص منه فيما دون النفس كالقطع 6 في سرقة ونحوها، فإن لم يخف عليه الموت من ذلك لم يحجر عليه وإلا حكم عليه 7 بحكم المريض، وأما حاضر صف القتال، فقال الباجي: أنه يحكم عليه 8 بحكم المريض إذا كان من جملة المقاتلين، قال 9: وأما إن كان في النظَّارة 10 أو متوجهًا للقتال قبل وصول الصف فلا.
قوله: (لا كَجَرَبٍ، ومُلَجِّجٍ ببَحْرٍ، وَلَوْ حَصَلَ الهوْلُ) أي: فإن لم يكن المرض مخوفًا ولا منزلًا منزلته لم يحجر على صاحبه وذكر من أمثلة ذلك: الجرب، يريد: وكذلك حمى يوم وحمى الربع والرمد ووجع الضرس والبرص والجذام ونحو ذلك، لأن الغالب على أصحاب هذه الأمراض السلامة والموت منها نادر.
واختلف في ملجج البحر، فالمشهور أنه لا يلحق بالمرض المخوف كما ذكر، وهذا أحد قولي مالك في المدونة، وفيها أيضا: أنه يلحق به، وحكى صاحب البيان في الوصايا في راكب البحر ثلاثة أقوال:
الأول: إجازة فعله على كل حال، وهي رواية ابن القاسم عنه في المدونة.
والثاني: أن فعله لا يجوز على كل حال، وهو ظاهر ما حكاه سحنون عن مالك في المدونة.
والثالث: الفرق بين حال الهول وحال غيره، وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية، قال 11: وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب 12.
الجزء: 4 - الصفحة: 176
قوله: (في غَيْرِ مُؤْنَتِهِ وَتَدَاوِيهِ وَمُعَاوَضَةٍ مَاليَّةٍ) يريد: أن المريض لا يحجر عليه في هذه الأمور، لأن قيام 13 حاله لا يكون بغير ما يحتاجه من المؤنة والكسوة والتداوي ونحو ذلك، وأما المعاوضة المالية فكالبيع والشراء والقراض والمساقاة ونحو ذلك، واحترز بالمالية من غيرها كالنكاح والخلع إذ ليس له فعله، فإن حصل في المعاوضة المالية محاباة فذلك من الثلث 14.
قوله: (وَوُقِفَ تبرُّعُهُ، إِلا لِمَالٍ مَأمُونٍ، وَهُوَ الْعَقَارُ، فَإنْ مَاتَ فَمِنَ الثّلثِ وَإِلا مَضى) يعني: أن تبرعاته من عتق أو صدقة أو هبة أو نحوها توقف حتى ينظر أيعيش أم يموت، فإن مات فمن ثلثه إن وسعه أو ما وسع منه، وإن صح مضى فعله، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا مَضى) وهذا إذا كان ماله غير مأمون، وأما المأمون فقد رجع مالك إلى أنه ينفذ 15، وعنه أنه لا فرق في ذلك بين المأمون وغيره، وأن جميع ذلك يوقف حتى ينظر أيموت أم لا؟ قال في المدونة: وليس المال 16 المأمون عند مالك إلا الدور والأرضين والنخل والعقار 17.
قوله: (وَعَلى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَلَوْ عَبْدًا) أي: ويحجر على الزوجة لحق زوجها ولو كان عبدا، وهو ظاهر المذهب ورواه أشهب وابن نافع عن مالك وقال ابن وهب في العتبية العبد 18 بخلاف الحر، ولزوجته الحرة أن تتصدق بجميع مالها 19، أصبغ: وليس بشيء، وله من الحق ما للحر.
قوله: (في تَبَرُّعٍ زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا) يريد أنه لا يحجر على الزوجة إلا فيما زاد على ثلثها، وأما الثلث فما دونه فلا.
الجزء: 4 - الصفحة: 177
قوله: (وإنْ بِكَفَالَةٍ) يريد: أنها إنما تمنع (1) كفالتها بما زاد على ثلثها، وقاله في المدونة.
(المتن)
وَفِي إِقْرَاضِهَا قَوْلانِ.
وَهُوَ جَائِزٌ حتى يُرَدَّ فَمَضَى، إِنْ لَمْ يَعلَم حتى تَأَيمَتْ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا كَعِتْقِ الْعَبدِ، وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ، إِن تَبَرَّعَت بِزَائِدٍ، وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ تَبرُّعٌ؛ إلَّا أَن يَبعُدَ.