قوله: (وَفي تَعْيِينِهِ نَظَرَ الحْاكِمِ) وإن كان اختلافهما في تعيين الأمين فطلب أحدهما أمينًا، واختار الآخر أمينًا غيره، فإْن الحاكم ينظر فيمن يجعل عنده الرهن، وهو قول ابن عبد الحكم 1، وقيل: بل يقضى بأمين الراهن.
اللخمي: وهو أنظر لنفسه في حفظه ومن يثق به 2.
قوله: (وَإِنْ سَلَّمَهُ دُونَ إِذْنِهِما لِلْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَللرَّاهِنِ ضَمِنها أَوِ الثمَنَ) لم يبين هل كان الرهن في هذا مما يغاب عليه أم لا، وفي المدونة: وإذا تعدى العدل على رهن بيده فدفعه إلى الراهن أو المرتهن فضاع وهو مما يغاب عليه، فإن دفعه إلى الراهن ضمنه للمرتهن 3، ابن يونس وغيره: يريد: يضمن له الأقل من قيمته أو الدين لأنه إن كانت قيمته أقل فهي التي 4 أتلف عليه، وإن كان الدين أقل 5 لم تكن له المطالبة بغيره، محمد 6: قال فيها: وإن دفعه للمرتهن ضمنه للراهن، فإن كان الرهن كفاف الدين سقط دين المرتهن لهلاكه 7 بيده، وإن كان فيه فضل ضمن العدل فضلة الرهن، ابن يونس: يريد ويرجع بها على المرتهن، اللخمي: وهذا إذا أسلمه للمرتهن 8 بعد الأجل أو قبله و 9 لم يعلم به حتى حل الأجل، وأما إذا علم به قبل الأجل فإن له أن يغرم القيمة لأيهما 10 شاء؛ لأنهما متعديان معًا عليه، وتوضع القيمة على يد عدل غير
الجزء: 4 - الصفحة: 96
الأول، وللراهن أن يأتي برهن مكان الأول ويأخذ 11 القيمة 12.
قوله: (وَانْدَرَجَ صُوفٌ تَمَّ، وَجَنِينٌ وَفَرْخُ نَخْلٍ) يريد: أن من رهن غنمًا وعليها صوف تام فإنه يدخل معها في الرهن وهو قول ابن القاسم كما في البيع، وقال أشهب: لا يدخل، واتفقا على أن غير التام لا يدخل لأنه غلة كاللبن وغيره، قال في المدونة: ومن ارتهن أمة حاملًا كان ما في بطنها وما تلد بعد ذلك رهنًا معها، وكذلك نتاج الحيوان 13، وقاله مالك 14، محمد: ولو شرط عدم دخول الولد في الرهن لم يجز، ونص في الجلاب على أن من رهن نخلًا، فأفرخت فإن فرخها يدخل معها في الرهن 15.
قوله: (لا غَلَّةٌ وَثَمَرَةٌ، وإنْ وُجِدَتْ) أي: فإن ذلك لا يدخل في الرهن، قاله في المقدمات، وروي عن مالك أن الغلة تدخل في الرهن سواء كانت متولدة عنه كثمرة النخل ولبن الغنم أو صوفها 16 أو غير متولدة ككراء الدار وأجرة العبد 17، والمشهور في الثمرة ما ذكره، وسواء كانت موجودة يوم الرهن أم لا، وهو ظاهر المدونة، وعن مالك أنها تدخل في الرهن 18.
قوله: (وَمَالُ عَبْد) يريد: عند الإطلاق، أو اشترط عدم دخوله وأما لو اشترط دخوله في الرهن 19، فإنه يدخل معه.
قوله: (وَارْتَهَنَ إِنْ أَقْرَضَ، أَوْ بَاعَ) يريد: أنه ليس من شرط الرهن أن يصادف دينًا سابقًا بل يصح الارتهان قبل القرض أو البيع، كما يجوز ذلك بعدهما أو معهما، قال في المدونة: وإن دفعت إلى رجل رهنًا بكل 20 ما اقترض فلان
الجزء: 4 - الصفحة: 97
جاز ذلك 21، عبد الحق: ويكون رهنًا بما داينه من قليل أو كثير ما لم يجاوز قيمة الرهن.
قوله: (أوْ يَعْمَلْ لَهُ) أي: وكذا يصح الارتهان على أن يعمل له عملًا، يريد: هو أو من يكريه له ليكون العمل متعلقًا بالذمة لا بخصوصية الرجل؛ لأنه يقول 22 بعده (لا في مُعَيَّنٍ أَوْ مَنْفَعَتِهِ) ويصح أن يحمل كلامه على أن المكتري 23 يأخذ الرهن بالإجارة التي دفعها إلى المعين لاحتمال موت الأجير، وإليه أشار بقوله: (وإنْ في جُعْلٍ).
قوله: (لا في مُعَيَّنٍ أوْ مَنْفَعَتِهِ) أي: فإن الرهن في ذلك لا يصح إذ المقصود في الرهن التوثق ليستوفي منه ما يطلب به، ومحال أن يستوفي في المعين الذات أو المنفعة 24 من الرهن أو من ثمنه، فلهذا إذا اشترى ثوبًا معينًا أو اكترى دابة معينة، وأخذ بذلك رهنًا فإن ذلك لا يجوز، ولا يلزم والرهن في المعار لضمان القيمة، لا لأن يستوفي منه الذات المعارة.
قال يعترض هذا الأصل 25.
قوله: (وَنَجْمِ كِتَابَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ) هذا نحو قوله في المدونة، وإن أعطاك أجنبي رهنًا بكتابة مكاتب لم يجز، ثم قال: وإذا خاف المكاتب العجز جاز له أن يرهن له أم 26 ولده 27، فيفرق بين الأجنبي وغيره 28 كما أشار إليه هنا، وظاهر قوله في الجواهر: وإذا كان الدين 29 غير لازم ولا صائر إلى اللزوم، كنجوم الكتابة فلا رهن 30، يريد به 31: أنه لا فرق بين الأجنبي وغيره.
قوله: (وَجَازَ شَرْطُ مَنْفَعَته، إِنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ، لا قَرْضٍ) يريد: أن المرتهن يجوز له أن
الجزء: 4 - الصفحة: 98
يشترط الانتفاع بالرهن إذا قيد الانتفاع 32 بوقت معين ونحوه، وكان ذلك الدين الذي دفع فيه الرهن من بيع، وقاله في المدونة، فلو اشترط المنفعة ولم يذكر المدة 33 فلا يصح الرهن 34، وكذلك إذا كان الدين من قرض لأنه سلف جر منفعة، وهذا كله إذا كانت المنفعة مشروطة في عقد البيع، وأما إن لم تشترط فيه وإنما أباحها الراهن له بعد ذلك فإن ذلك لا يصح في بيع ولا قرض، لأنه إن كان بلا عوض فهو هدية مديان، وهو ممنوع وإن كان بعوض جرى على الكلام في مبايعة المديان وقاله اللخمي 35، وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق بين الحيوان والثياب 36 والدور والأرضين، وقاله ابن القاسم وأشهب وأصبغ وهو مروي عن مالك، وعنه في المدونة إنما ذلك في الدور والأرضين، ومنعه في الحيوان والثياب 37. قوله: (وَفي ضَمانِهِ إِذَا تَلِفَ تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف في ضمان الرهن الذي اشترط منفعته إذا هلك، أي: وهو مما يغاب عليه، وذهب بعض المتأخرين إلى أن المرتهن يضمنه لأنه رهن، وقال بعضهم: لا يضمنه كسائر المستأجرات، وقال التونسي: ينظر إلى القدر الذي يذهب منه بالإجارة فإذا كان الثوب مثلًا ينقص لاستعماله 38 المدة المشترطة الربع فيكون ربعه غير مضمون، لأنه مستأجر، وثلائة أرباعه مضمون لأنه مرتهن إن لم تقم بينة بهلاكه 39، واعترضه صاحب البيان بأنه إنما ارتهن جميعه واستأجر جميعه، فإما أن يحكم له بحكم الرهن أو بحكم الإجارة، ولم يرتهن بعضه ويؤجر بعضه حتى يقسط 40، قال: والصواب أن يغلب عليه حكم الرهن 41.
الجزء: 4 - الصفحة: 99
قوله: (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، إِنْ شُرِطَ بِبَيعٍ وَعُيِّنَ وَإِلا فَرَهْنٌ ثِقَةٌ) يريد: أن من اشترى شيئًا وشرط في عقد البيع أن يرهن عند بائعه عبده فلانًا المعين أو دابته المعينة فإنه يجبر على أن يدفعه له رهنًا إذ المؤمنون عند شروطهم، فإن لم يعين شيئًا بل باعه على رهن غير معين، فإنه يجبر على أن يأتي برهن ثقة.
قوله: (وَالحْوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لا يُفِيدُ) مراده بمانع الحوز: الموت، والفلس ونحوهما، ومعناه أن من له دين على شخص، ثم وجدت بيده 42 سلعة للمديان 43 بعد موت الديان 44 أو فلسه، وادعى أنها رهن عنده في الدين المذكور أن ذلك لا يفيده في إثبات الحوز ولا يصدق ولو وافقه المديان.
عبد الملك: ولا ينفعه ذلك حتى يعلم أنه حازه قبل الموت والفلس 45.
محمد: صوابه لا ينفعه إلا بمعاينة الحوز.
قوله: (وَلَوْ شَهِدَ الأَمِينُ) يريد أن شهادة الأمين الذي وضع الرهن بيده 46 لا تقبل أيضا أنه حازه له إلا 47 بالبينة، ونقله الباجي عن ابن الماجشون، وبه قال ابن عتاب، واقتصر عليه اللخمي ولم يعزه، وقال سحنون: تقبل شهادة الأمين 48، والمشهور: لا تقبل وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ شَهِدَ الأَمِينُ).
قوله: (وهَلْ تَكْفِي بَيِّنةٌ عَكَ الْحوْزِ قَبْلَهُ 49 وَبِهِ عُمِلَ؟ أَوِ التَّحْوِيزِ؟ تَأوِيلانِ) يريد: أنه اختلف هل يكفي في صحة الرهن معاينة البينة على الحوز قبله أو لابد من معاينة التحويز في ذلك قولان حكاهما ابن يونس وغيره.
الباجي: وعندي أنه لو ثبت أنه وجد بيده قبل الموت والفلس، ثم أفلس أو مات 50 لوجب 51 أن يحكم له بحكم
الجزء: 4 - الصفحة: 100
الرهن (1)، قال: ولعله معنى قول محمد، ولكن ظاهر اللفظ خلافه، وأنه لابد من معاينة تسليم الرهن وهو محتمل.
ابن عبد السلام: وقد قال بعض الأندلسيين: إن العمل عندهم على أنه إن وجد الرهن بيد المرتهن، وقد حازه كان رهنًا، وإن لم يحضروا الحيازة، ولا عاينوها صار مقبوضًا كالصدقة (2)، وإليه أشار بقوله: (وَبِهِ عُمِلَ) قال في المقدمات: ولو وجد الرهن بيد المرتهن (3) بعد التفليس فادعى أنه قبضه قبل التفليس وجحد ذلك الغرماء، لجرى الأمر على الاختلاف في الصدقة توجد بيد المتصدق عليه بعد موت المتصدق، فيدعي صحتها لأنه (4) قبضها في صحته (5)، قال: وفي المدونة (6) دليل على القولين جميعًا، ولهذا أشار بقوله: (وَفيهَا دَلِيلُهُما) لكن لم يذكر ذلك ابن رشد إلا في الصدقة (7)، وجعل الأمر في المرتهن (8) يجري على ذلك كما تقدم (9)، وهو مخالف لظاهر ما هنا فتأمله.
(المتن)
وَمَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، إِنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ، وإلَّا فَتَأْوِيلانِ.
وَبَعْدَهُ فَلَهُ رَدُّهُ إِنْ بِيعَ بِأَقَلَّ، أَوْ دَيْنُهُ عَرْضًا، وإنْ أَجَازَ تَعَجَّلَ وَبَقِيَ إنْ دَبَّرَهُ، وَمَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَكِتَابَتُهُ، وَعَجَّلَ.
وَالْمُعْسِرُ يَبْقَى، فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ، وَالْبَاقِي لِلرَّاهِنِ، وَمُنِعَ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونُ هُوَ مَعَهَا.
وَحُدَّ مُرْتَهِنٌ وَطِئَ إلَّا بِإِذْنٍ، وَتُقَوَّمُ بِلا وَلَدٍ.
حَمَلَتْ أَمْ لا.
وَلِلأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ، إنْ لَمْ يَقُلْ: إنْ لَمْ آتِ كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ، وَإِلَّا مَضَى فِيهِمَا.
وَلا يُعْزَلُ الأَمِينُ، وَلَيْسَ لَهُ إيصَاءٌ بِهِ.
وَبَاعَ الْحَاكِمُ إنِ امْتَنَعَ، وَرَجَعَ مُرْتَهِنُهُ بِنَفَقَتِهِ فِي الذمَّةِ، وَلَوْ لَم يَأْذَنْ، وَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ إلَّا525354555657585960
الجزء: 4 - الصفحة: 101
أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ رَهْنٌ بِهَا، وَهَلْ وَإنْ قَالَ وَنَفَقَتُكَ فِي الرَّهْنِ؟ تَأوِيلانِ.
فَفِي افْتِقَارِ الرَّهنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ تَأوِيلانِ.