(يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِما يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ) يريد: أنه لا 3 يشترط في انعقاد البيع12 = شعر: فعفوا جميلا عن خطايا فإنني ... أقول كما قد قال من كان شاكيا فعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا آخر: كتبت وقد أيقنته لا شك أنني ... ستفنى يدي يومًا ويبقى كتابها
الجزء: 3 - الصفحة: 453
الإيجاب والقبول؛ بل ينعقد بذلك، وبما يشاركه في الدلالة على الرِّضا، كفعل المعاطاة، والقول والفعل الدالان 4 على ذلك.
قوله: (أوَ بِبِعْنِي، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ) أي: وكذا ينعقد البيع بقول المشتري للبائع: بعني هذه السلعة بكذا.
فيقول له 5: بعتك؛ لأنه مما يدلُّ على الرضا من كلّ منهما عرفًا 6.
قوله: (أَوْ بِابْتَعْتُ، أَوْ بِعْتُكَ، وَيَرضَى الآخَرُ فِيهِمَا) أي: وكذا ينعقد البيع بقول المشتري لرب السلعة: ابتعتها منك بكذا.
فيرضى البائع، أو يقول البائع: بعتك 7 بكذا، أو نحوه.
فيرضى الآخر.
والضمير المثنى بـ (فيهما) 8 راجع إلى الصورتين.
و (الآخر)، أي: إما 9 للبائع في الصورة الأولى، أو المشتري في الصورة الثانية.
قوله: (وَحَلَفَ، وإِلَّا لَزِمَ إِنْ قَالَ أنا أبيعها لك بِكَذَا أَوْ أَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ، أَوْ تَسَوقَ بِهَا فَقَالَ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِمَائَةٍ، فَقَالَ: أَخَذْتُهَا) يريد: أن البائع أيضًا يلزمه في هذه المسائل الثلاث إن لَمْ يحلف 10 من توجه عليه اليمين من بائع أو مبتاع، وقد نص ابن أبي زمنين على المسألتين 11 الأوليين 12، يريد: فإن لَمْ يحلف في الوجهين لزم 13 البيع، ثم قال: وهذه الوجوه كلها مذهب ابن القاسم وطريق فتياه 14.
وحاصله: التفرقة بين أن تكون الصيغة بلفظ الماضي فيلزم، أو بالمضارع فيحلف؛
الجزء: 3 - الصفحة: 454
وإلا لزم، وأشار بقوله: (أَوْ تَسَوَّقَ بها ... إلى آخره) إلَّا مسألة المدونة، وهي قوله فيها: فإن قيل: وإن 15 قلت لرجل: بعني سلعتك بعشرة.
فقال: قد فعلت.
فقلت 16: لا أرضى 17.
قال 18: قال مالك: (فيمن وقف سلعته للسوم، فقال 19: بكم؟ فقال: بعشرة.
فقلت 20: رضيت.
فقال: لا أرضى به 21. أنه يحلف ما أراد البيع، وإن لَمْ يحلف لزمه، قال ابن القاسم: فكذلك مسألتك 22. ولمالك في العتبية أن ذلك يلزمه ظاهره ولو حلف.
وقال الأبهري: وإن كان ذلك قيمة السلعة، وكانت تباع بمثله لزمه البيع، وإن كان لا يشبه 23 حلف ما أراد البيع، ولم يلزمه 24.
ومعنى (تَسَوَّقَ بِهَا) وقفها للبيع في السوق.
وأكثر الأشياخ يحمل هذا الخلاف على ظاهره، وقيده ابن رشد بما إذا كانت السلعة موقوفة للبيع، وأما لو وجد شخص آخر في غير السوق، والسلعة معه، فإنه يحلف، ولا يلزمه البيع باتفاق، وعلى هذا يتحصل في المسألة أربعة أقوال، يفرق في الرابع بين أن تكون موقوفة للبيع أم لا؟ 25.
قوله: (وَشَرْطُ عَاقِدِهِ: تَمْيِيزٌ إِلَّا بِسُكْرٍ، فَتَرَدُّدٌ) الضمير المضاف إليه (عاقده) 26 عائد على البيع المفهوم من السياق، والمراد بالعاقد: البائع والمشتري.
والمعنى: وشرط صحة
الجزء: 3 - الصفحة: 455
بيع عاقد البيع: التمييز، فلا ينعقد من غير مميز؛ كالصبي، والمجنون، والمغمى عليه.
واختلف في السكران: فظاهر كلام ابن شعبان: أن بيعه وشراءه غير منعقد 27. وصرح بذلك في الذخيرة 28.
وفي البيان والإكمال: والأكثر على 29 أن مذهب مالك وعامة أصحابه أن عقده لا تلزمه 30.
ولابن رشد في موضع آخر: لا يقال في بيعه: إنه غير منعقد على مذهب مالك؛ وإنما يقال: إنه غير لازم 31. ولابن نافع: أن بيعه يلزمه كطلاقه 32.
ابن شاس: والجمهور على خلافه 33. وإلى هذا الاضطراب أشار بقوله: (فتردد) وظاهر كلامه: أن الخلاف في السكران غير المميز؛ لأن تقدير كلامه: وشرط صحة عاقد 34 البيع: التمييز.
فلا يصح من غير المميز؛ إلَّا 35 أن يكون سكران، ففيه تردد 36. وإلى هذا الظاهر ذهب ابن شعبان وعياض، وعليه فلا خلاف في لزوم بيع المميز وهو غير الطافح.
وطريقة ابن رشد أن الخلاف في غير الطافح، ولا يلزم الطافح بلا خلاف 37.
قوله: (وَلُزُومِهِ تَكْلِيفٌ) أي: شرط لزوم البيع: أن يصدر من مكلف، فلو صدر من صبي، أو مجنون وقف على رضى الولي 38 أو رده.
وظاهر كلامه: أن بيع السفيه لازم،
الجزء: 3 - الصفحة: 456
لا يوقف على رضى وليه؛ لأنه مكلف، وليس كذلك؛ فإن تصريفه 39 غير لازم، وكذلك كلّ محجور عليه.
قوله: (لا إِنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ) يريد: أن المكلف إنما يلزمه ما عقد على نفسه من ذلك إذا كان طائعًا، فأما إن أجبر على ذلك فلا يلزمه، واحترز بالجبر الحرام من جبر القاضي المديان 40 على البيع للغرماء؛ فإنه يلزمه؛ لأنه جبر شرعي، وقد نص ابن القاسم على أن المضغوط 41 في الخراج يبيع متاعه؛ أن يرد له بلا ثمن إذا كان بيعه إياه على عذاب وما أشبهه من الشدة، قال: لأن أخذ الثمن على ذلك ليس بأخذ 42، وعن السيوري أن المشتري من المضغوط مأجور؛ لأنه يخلصه من العذاب 43، وعن اللخمي فيمن اتهم بجناية، فحبس، وكلفه السلطان بغرم مال، ويخرجه، ولم يمكنه المدعي الخلاص إلَّا بذلك، فباع شيئًا من رباعه ليدفع له ثمنه، وكان ذلك نظرًا له إذا 44 يخشى عليه أن ينفيه إذا خالفه، أو يتركه في السجن؛ أن البيع ماض 45.
ابن رشد: والمذهب على 46 خلافه 47، يشير إلى ما تقدم عن ابن القاسم، ولا فرق في ذلك بين المسلم والذمي 48.
ابن سحنون: وأجمع أصحابنا على أن بيع المكره 49 غير لازم 50.
الجزء: 3 - الصفحة: 457
قوله: (وَمَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ) يريد: أن العامل إذا جبر 51 على بيع ماله فإنه يلزمه ذلك، وهو معنى قوله، (ومَضَى) يريد: وسواء كان السلطان يردُّ المال 52 على من أخذه منه العامل، أو يأخذه لنفسه؛ لأن 53 إغرا مه العمال ما أخذوه 54 من الناس، حق فعله، لكن عليه أن يرده إلى أهله، فإن حبسه فهو ظالم في حبسه، قاله مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ 55.
قوله: (وَمُنِعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ، وَمُصْحَفٍ، وَصَغِيرٍ لِكَافِرٍ) هذا مما لا خلاف فيه بالنسبة إلى المسلم والمصحف؛ لأن فيه انتهاك حرمة الإسلام بملكه 56) المصحف، وإذلال المسلم له، واستيلاؤه عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، واختلف إن وقع البيع هل يفسخ ويرد المبيع إلى ربه 57؟ أو يصح ويجبر على بيعه؟ .
ابن رشد: والخلاف مقيد بما إذا علم البائع بأن المشتري كافر، وأما إن ظن أنه مسلم لَمْ يفسخ بلا خلاف ويباع عليه 58.
والمراد بالصغير هنا: الصغير الكافر.
وقد جعل حكمه في المدونة من 59 عدم بيع الكافر كالمسلم 60. وقال ابن المواز: لا يمنع الكافر من شرائه؛ لأنا لسنا على يقين من قبوله 61 الإسلام 62. وفي العتبية: يفسخ إن وقع 63. وتأول بعضهم المدونة على الصغار الذين لا
الجزء: 3 - الصفحة: 458
أب لهم، سواء كانوا موافقين لمشتريهم في الدين أم لا، وتأولها 64 غيره على من ليس موافقًا لمشتريه في الدين؛ كاليهودي مع النصراني لما بينهما من العداوة، وفي تهذيب الطالب عن مالك: إذا بيع من النصراني من يجبر على الإسلام، فإنه يباع عليه، إلَّا أن يتدين 65 بدينه فيترك.
عبد الحق: يعني: مثل المجوسي 66.
قوله: (وَأُجْبِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ وَإِنْ بِعِتْقٍ أَو هبةٍ) أي 67: فإن وقع ما قلنا أنه يمتنع 68، فإن المشتري يجبر على إخراج ذلك عن 69 ملكه، إما ببيع - وإنما تركه لوضوحه -، وإما بعتق، أو صدقة، أو هبة.
قوله: (وَلَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ) يريد: ان النصرانية تجبر 70 في خروج عبدها المسلم عن ملكها ولو بهبة 71 لمن تعتصره منه، وهو ولدها الصغير، يريد 72 من زوجها المسلم، وهو قول ابن الكاتب، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، واختاره 73 ابن يونس 74، وقال ابن شاس: ليس لها أن تهبه له 75.
قوله: (لا بكِتَابَةٍ) أي: لأن المكاتب لَمْ يخرج عن ملكه 76 خروجًا محققًا؛ لاحتمال عجزه، فهو عبَدٌ ما بقي عليه شيء، ولو 77 درهم.
قوله: (أو رَهْنٍ، وَأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ) يريد: لأن الرهن باق على ملك الراهن، فإن وقع
الجزء: 3 - الصفحة: 459
ذلك أخذ من المرتهن، وبيع على الكافر، وأتى برهن ثقة كما قال.
يريد: إذا أراد (1) أخذ الثمن الذي بيع به العبد، وإن أراد تعجيله في الدين فله ذلك.
قوله: (إِنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلامِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ؛ وَإِلَّا عُجِّلَ) يعني: أن ما ذكر من أن الكافر لا يجبر على التعجيل، وله أن يأتي برهن ثقة مكان العبد المبيع، مقيد بما إذا كان المرتهن عالمًا بإسلام العبد؛ فرهنه على ذلك، أو لَمْ يُعَيِّن الرهن حين العقد، بل وقع على رهن مطلق، فأما إن لَمْ يعلم المرتهن بذلك حين الارتهان، أو حين (2) عين العبد للرهنية (3)، فإنه يباع، ويعجل حقه، وليس له أن يأتي برهن آخر، وحكى (4) اللخمي عن سحنون نحو ذلك (5)، وحكى ابن يونس عنه أن ثمن العبد يبقى تحت يد المرتهن، ولا يعجل، ولا يلزمه قبول رهن آخر، خشية أن تحول أسواقه عند الأجل (6).
قوله: (كَعِتْقِهِ) أي: إن الراهن إذا اعتقه لزمه تعجيل الدين الذي عليه، قاله ابن القاسم (7).
(المتن)
وَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ.
وَفِي خِيَّارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لاِنْقِضَائِهِ وَيُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ كَبَيْعِهِ إِنْ أَسْلَمَ، وَبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدِهِ، وَفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنَ الإِمْضَاءِ.
وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ.
وَهَلْ يُمْنَعُ الصَّغِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ مُطْلَقًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ؟ تَأَوِيلَانِ.
وَجَبْرُهُ تَهْدِيدٌ، وَضَرْبٌ.
وَلَهُ شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ، إِنْ أَقَامَ بِهِ، لَا غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ.