قوله: (وطَلَبُهُ عِنْدَ سَفَرِهِ بِنَفَقَةِ الْمَسْتَقْبلِ ليَدْفَعَهَا لَهَا أَوْ يُقِيمَ في كَفِيلًا) هو معطوف على قوله: (ولها الفسخ بكذا 1)، أي: ولها طلب الزوج بنفقتها أو نفقة ولدها في المستقبل إذا قصد السفر ليدفع لها مقدار ما تنفقه في غيبته أو يقيم من يدفع لها ذلك كما كان هو يدفعها من مياومة أو مشاهرة أو غيرهما، وهو مذهب المدونة 2، ولعبد الملك: لا يقيم لها كفيلًا وهي في العصمة إذا سافر 3.
قوله: (وفُرِضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ) أي: وفرض لها الحاكم النفقة في مال الزوج الغائب إذا كان له مال، ولو قامت أم ولد الغائب وأثبتت 4 غيبته لتلوم الحاكم له شهرًا ونحوه، ثم بعد ذلك أعتقها عليه، واعتدت بحيضة وليس عليها يمين أنه لَمْ يترك لها شيئًا، أو لم يبعث لها شيئًا.
قوله: (ووَدِيعَتِهِ ودَيْنِهِ) هكذا قال في المدونة، ونصه: وإن كانت له ودائع وديون فرض للزوجة فيها 5 نفقتها في ذلك 6 وهذا هو المشهور، وعن ابن كنانة 7 أن الوديعة لا يقضى منها دين ولا غيره، أي: من النفقات 8. أبو عمران: وهو القياس إذ لو حضر الغائب، وأنكرها لَمْ يكن للغرماء إليها سبيل، ولأنه قد يقول: ليست الوديعة
الجزء: 3 - الصفحة: 425
لي ولا للمقر وهي لغيرنا 9.
قوله: (وأَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُنْكرِ) أي: وللمرأة إقامة البينة على المنكر، أي: على من جحد من الغرماء أن لزوجها عليهم دينًا ويقضى عليهم بنفقتها.
قوله: (بَعْدَ حَلِفِهَا بِاسْتِحْقَاقِهَا ولا يُؤْخَذُ مِنْهَا بِهَا كَفِيلٌ وهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ اِذَا قَدِمَ 10) يريد أن الحاكم لا يفرض لها النفقة على الغائب في مال ولا غيره من الديون والودائع إلَّا بعد حلفها أنَّها تستحق النفقة عليه.
قال في المدونة: ولا يؤخذ منها بما تأخذ كفيلًا، ويقام 11 الزوج على حجته إذا قدم 12، وإليه أشار بقوله: (ولا يؤخذ منها بها كفيل وهو على حجته إذا قدم).
قوله: (وبِيعَتْ دَارُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ وأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُ فِي عِلْمِهِمْ) يريد أن دار الغائب لا تباع حتى يثبت ملكيته لها وتشهد 13 الشهود أنَّها أتخرج عن ملكه في علمهم.
قوله: (ثُمَّ بَيِّنَةٌ بالحِيَازَةِ 14) أي 15: ولا بد مع الشهادة المذكورة أن يبعث الحاكم شاهدين يشهدان بالحيازة ولم يشترطه 16 بعض الموثقين.
ابن أبي زمنين: والذي رأيت وأدركت عليه فقهاءنا اشتراطه.
قال: وصفة ذلك أن تطوف البينة بالدار داخلًا وخارجًا، وتقول: هذه الدار التي حزناها هي الدار 17 التي شهدنا بملكها 18 للغائب.
ابن العطار: ولا تعمل الحيازة 19 شيئًا حتى يقول 20 الشهود 21 بحضرة الحائزين
الجزء: 3 - الصفحة: 426
عليهم: هذا الذي حزناه وهو الذي شهدنا به عند فلان قاضي موضع كذا، فإن لَمْ يقولوا ذلك لَمْ تتم الشهادة ولا الحيازة 22، وإلَّا هذا أشار بقوله: (قائلة هذا الذي حزناه هي الدار التي شهد بملكها للغائب).
قوله: (وإِنْ تَنَازَعَا فِي عُسْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ اعْتُبِرَ حَالُ قُدُومِهِ) يريد أن الزوج إذا قدم من سفره فطلبته امرأته بالنفقة فادعى أنه كان معسرًا في غيبته، وقالت هي بل كنت موسرًا، فإنه ينظر إلى حال قدومه، فإن قدم معسرًا 23 فالقول قوله وإلا فقولها 24 وهو قول ابن القاسم، ولابن كنانة وسحنون أن القول قوله 25، وعن عبد الملك أن القول قولها، وقال بعض الأشياخ: لا خلاف إذا خرج موسرًا وقدم كذلك أن القول قولها، وإذا خرج معسرًا، وقدم كذلك أن القول قوله، واختلف إذا اختلفت حالتاه وهي طريقه.
قوله: (وفِي إِرْسَالِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلِهَا إِنْ رَفَعَتْ مِنْ يَوْمَئِذٍ لِحَاكِمٍ لا لِعُدُولٍ وجِيرَانٍ وإِلَّا فَقَوْلُهُ كَالْحَاضِرِ وحَلَفَ لَقَدْ قَبَضَتْهَا لا بعتها) يريد: فإن تنازع الزوجان في إرسال النفقة، فقال الزوج عندما قدم أرسلتها إليك، وقالت هي لَمْ ترسل إليَّ شيئًا وطلبت منه نفقتها فإن القول في ذلك قولها؛ إن رفعت أمرها إلَّا الحاكم من يومئذ 26؛ وإلا فالقول قوله مع يمينه.
مالك 27 في الموازية: وليس له أن يحلف أنه بعث بذلك إليها، وإنما 28 يحلف أنَّها قبضته 29 ووصل إليها وبرئ وما ذكره من أنَّها لا ترفع أمرها لجيران ولا لعدول 30، وهو المشهور، وبه الفتوى والعمل وروي عن مالك أنهم في ذلك كالحاكم، واختاره اللخمي 31. وقوله: (كالحاضر) يشير به 32 إلَّا أن الحاضر إذا تنازع مع
الجزء: 3 - الصفحة: 427
زوجته في الإنفاق وعدمه فإن القول دوله.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك؛ لأن العرف يشهد بصحة قوله، ولا بد له من اليمين (1).
قوله: (وفِيمَا فَرَضَهُ فَقَوْلُهُ إِنْ أَشْبَهَ وإِلا فَقَوْلُهَا إِنْ أَشْبَهَ وإِلا ابْتَدَأَ الْفَرْضَ) أي: فإن تنازعا فيما فرضه الحاكم، فقالت الزوجة: فرض لي كذا في كلّ يوم، وقال الزوج: بل كذا في كلّ يوم الأقل من ذلك، فإن القول (2) قوله إن أشبه وإلا فإن ادعى ما لا يشبه فالقول قول الزوجة إن أشبه، وإن لَمْ يشبه قول (3) واحد منهما ابتدأ الحاكم الفرض.
قوله: (وفِي حَلِفِ مُدَّعِي الأَشْبَهِ تَأْوِيلانِ) أي (4): على المدونة.
قال في التنبيهات: روي أن مذهب ابن القاسم لا يمين على من أشبه قوله منهما إذ لا يحلف على حكم حاكم مع شهادة شاهد، وذهب بعضهم إلَّا أنه يحلف وهو الظاهر (5).
فصل [في نفقة الرقيق والدواب والقريب وخادمه والحضانة]
(المتن)
فَصْلٌ إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ، إِنْ لَمْ يَكنْ مَرْعًى، وَإِلَّا بِيعَ، كَتَكْلِيفِهِ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَيَجُوزُ مِنْ لَبَنِهَا مَا لَا يَضُرُّ بِنَتَاجِهَا.
وَبِالْقَرَابَةِ عَلَى الْمُوسِرِ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ، وَأَثْبَتَا الْعُدْمَ لَا بِيَمِينٍ، وَهَلِ الاِبْنُ إِذَا طُولِبَ بِالنَّفَقَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَلَاءِ أَوِ الْعُدْمِ؟ قَوْلَانِ.
وَخَادِمِهِمَا وَخَادِمِ زَوْجَةِ الأَبِ، وَإِعْفَافُهُ بِزَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تَتَعَدَّدُ إِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أُمَّه عَلَى ظَاهِرِهَا، لَا زَوْجِ أُمِّهِ، وَجَدٍّ وَوَلَدِ ابْنٍ، وَلَا يُسْقِطُهَا تَزَوُّجُهَا بِفَقِيرٍ، وَوُزِّعَتْ عَلَى الأَوْلَادِ.
وَهَلْ عَلَى الرُّؤُوسِ، أَوِ الإِرْثِ، أَوِ الْيَسَارِ؟ أَقْوَالٌ.