قوله: (يَجِبُ لِمُمَكِّنَةٍ مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ عَلَى الْبَالِغِ ولَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا قُوتٌ وإِدَامٌ وكِسْوَةٌ ومَسْكَنٌ بِالْعَادَةِ بِقَدْرِ وسْعِهِ وحَالِهَا والْبَلَدة والسِّعْرِ) 1 يريد أن نفقة الزوجة وكسوتها وأجرة مسكنها تجب على الزوج بشروط أربعة:
الأول: أن تمكنه من الدخول بها، فلو منعته 2 من ذلك فلا شيء لها عليه.
الثاني: أن تكون مطيقة الوطء 3 فلا شيء للصغيرة من ذلك إذا لَمْ تطق الوطء.
الثالث: أن يكون الزوج بالغًا فلا نفقة على الصغير، ولو كان مطيقًا 4 على المشهور، وقيل: يجب 5 عليه بإطاقة الوطء ويلزمه الدخول، حكاه ابن شاس
الجزء: 3 - الصفحة: 402
وغيره 6.
الرابع: ألا يكون أحدهما مريضًا مرضًا أشرف معه على الموت، فلا يكفي في الإسقاط مجرد المرض، وقال بعض الأشياخ: إن كانت مريضة يمكن منها الاستمتاع وجبت النفقة، وإن بلغت حد السياق لَمْ تجب، وإن لَمْ تبلغ 7 حد السياق ولم يمكن منها الاستمتاع فمذهب المدونة الوجوب 8، خلافًا لسحنون.
اللخمي: وقول سحنون أحسن 9، والمشهور أن النفقة لا تجب بمجرد العقد، وفهم جماعة من المدونة الوجوب، ولسحنون 10 إن كانت يتيمة وجبت وإلا فلا 11.
وقوله: (قوت وإدام وكسوة ومسكن بِالْعَادَةِ بقَدْرِ وسْعِهِ وحَالِهَا 12) هو فاعل "يجب" 13 واحترز بقوله: (بالعادة) مما إذا طلبت المرأة 14 أزيد من عادة أمثالها أو طلب هو أنقص مما جرت به عادة أمثاله، فلا يلتفت إليهما في ذلك، ويردان إلى العادة، ولا بد مع ذلك أن ينظر إلى حال الزوجين، وقيل: المعتبر في النفقة حال الزوج، وفي السكنى حال الزوجة.
قوله: (والبلد والسعر) أي: ولا بد مع ما 15 تقدم من اعتبار مكانهما وزمانهما؛ إذ ليس المعسر كالموسر، ولا بلد الجدب كبلد الخصب، ولا زمن الغلاء كزمن الرخاء، وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
الجزء: 3 - الصفحة: 403
[البقرة: 233]، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَام - لهند: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف" 16.
قوله: (وإِنْ أَكُولَةً) أي: وإن كانت 17 الزوجة أكولة تجب نفقتها بالشروط المذكورة ولو وجدت أكولة، وعلى الزوج أن يشبعها أو يفارقها، وقاله ابن راشد 18. بخلاف المستأجر يوجد أكولًا فله فسخ 19 الإجارة لأنه كعيبٍ وجده، إلَّا أن يرضى الأجير 20 بطعام مثله.
قوله: (وتُزَادُ الْمُرْضِعُ مَا تَقَوَّى بِهِ) يريد؛ لشدة احتياجها 21 لذلك بخلاف غيرها، وقاله مالك 22.
قوله: (إِلَّا الْمَرِيضَةَ وقَلِيلَةَ الأَكْلِ فَلا يَلْزَمُ إِلَّا مَا تَأْكُلُ عَلَى الأَصْوَبِ) يريد أن المرأة 23 إذا مرضت فقلَّ أكلها أو كانت قليلة الأكل؛ فطلبت قوتًا كاملًا فلا يكون لها إلَّا مقدار أكلها.
المتيطي: وهو الصواب عندي، وذلك أحق في المريضة من الصحيحة إذ النفقة في مقابلة الاستمتاع، وقال أبو عمران: ويقضى لها بالوسط وتصرف الفاضل 24 فيما أحبت، وتردد في ذلك ابن سهل 25.
قوله: (ولا يَلْزَمُ الْحرِيرُ وحُمِلَ على الإِطْلاق وعَلَى الْمَدِينَةِ لِقَنَاعَتِهَا 26) نص
الجزء: 3 - الصفحة: 404
مالك على أن الزوج لا يلزمه الحرير وإن كان متسع الحال، فأجراه ابن القاسم على ظاهره، وتأوله ابن القصار على أن ذلك بالمدينة لقناعة أهلها، وألزمه ذلك في غير ها إذا كانت 27 العادة، نقله ابن شاس 28 وتأويل ابن القصار هو الصواب عند جماعة من الشيوخ.
قوله: (فَيُفْرَضُ الْمَاءُ والزَّيْتُ والْحَطَبُ والْمِلْحُ واللَّحْمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ) يريد: لأن ذلك داخل في القوت، أو مصلح له فيفرض الماء لشربها ولوضوئها وغسلها وغسل ثيابها، ويفرض لها اللحم المرة بعد المرة، والمتوسط الحال في كلّ جمعة يومًا، قالوا: أو 29 لا يفرض في كلّ يوم؛ أي 30 إلَّا أن تكون لهم عادة بذلك.
ابن حبيب: ولا يفرض لها فاكهة لا خضرًا ولا يابسة 31، ولا جبن ولا عسل، نقله اللخمي عن محمد لكنه لَمْ يتعرض لذكر الفاكهة، واستحسن قول ابن حبيب فيها بالنسبة إلى المتوسط 32. ابن المواز 33: ولا يفرض الثمر ولا 34 الحلوى.
قوله: (وحَصِيرٌ وسرِيرٌ).
ابن حبيب: والحصير من حلفا أو بردي 35 يكون تحت الفراش، وزاد بعضهم اللبد على عادتهم 36. ابن القاسم: ويلزمه السرير في الوقت الذي يحتاج 37 إليه لخوف عقارب وشبهها 38.
ابن حبيب: أو براغيث أو فأر 39، وإليه أشار بقوله: (احْتِيجَ لَهُ).
ابن القاسم:
الجزء: 3 - الصفحة: 405
وعليه ما يصلح للشتاء والصيف من قميص وجبة وصوف 40 وخمار ومقنعة ووسادة وسبنيه 41 وأزر 42 وشبهه مما لا غناء عنه 43. قوله: (وأُجْرَةُ قَابلَةٍ) هذا هو الأصح، وهو قول أصبغ، واختاره غير واحد؛ لأنها مما 44 لا غنى لها عنه 45، وقيل هي عليها، وعن 46 محمد إن كانت المنفعة لها فعليها، وإن كانت للولد فعلى الأب، وإن كان 47 لهما فبينهما 48. قوله: (وزِينَةٌ تَسْتَضِرُّ بتَرْكِهَا كَكُحْلٍ ودُهْنٍ مُعْتَادَيْنِ وحِنَّاءٍ ومِشْطٍ) الباجي بعد أن حكى عن ابن القاسم أنه لا يلزمه نضوح 49 ولا صباغ ولا مشط ولا مكحلة 50. ابن وهب: ولا طيب ولا زعفران ولا خضاب ليديها أو رجليها؛ إلَّا أن يشاء 51. قال: ومعنى ذلك عندي أنه ليس عليه من 52 زينتها إلَّا ما تستضر بتركه كالكحل الذي يضر تركه بصر معتادته 53 والمشط 54 بالحناء والدهن لمن اعتادت
الجزء: 3 - الصفحة: 406
ذلك؛ لأن تركه لها (1) يفسد شعرها ويمزقه، والذي نفى ابن القاسم إنما هو (2) المكحلة؟ ولم ينف الكحل نفسه فيتضمن القولان أن الكحل يلزمه دون المكحلة، وعلى هذا يلزمه ما تمتشط به من الدهن والحناء دون الالة التي تمشط (3) انتهى، وقال ابن حبيب: وعليه المشط (4).
(المتن)
وَإِخْدَامُ أَهْلِهِ، وَإِنْ بِكِرَاءٍ، وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقُضِيَ لَهَا بِخَادِمِهَا إِنْ أَحَبَّتْ إِلَّا لِرِيبَةٍ، وَإِلَّا فَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ، مِنْ عَجْنٍ، وَكَنْسٍ وَفَرْشٍ، بِخِلَافِ النَّسْجِ وَالْغَزْلِ، لَا مُكْحُلَةٌ، وَحِجَامَةٌ وَدَوَاءٌ، وَثِيَابُ الْمَخْرَجِ.
وَلَهُ التَّمَتُّعُ بِشَوْرَتِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلٍ كَالثَّوْمٍ، لَا أَبَوَيْهَا وَوَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَدْخُلُوا لَهَا.
وَحُنِّثَ إِنْ حَلَفَ، كَحَلِفِهِ أَن لَا تَزُورَ وَالِدَيْهَا، إِنْ كَانَتْ مَأمُونَةً وَلَوْ شَابَّة، لَا إِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ وَقُضِيَ لِلصِّغَارِ كُلَّ يَوْمٍ، وَلِلْكِبَارِ فِي كُلَّ جُمُعَةِ، كَالْوَالِدَيْنِ، وَمَعَ أَمِينَةٍ إِنِ اتَّهَمَهُمَا، وَلَهَا الاِمْتِنَاعُ مِنْ أنْ تَسْكُنَ مَعَ أَقَارِبِهِ إِلَّا الْوَضِيعَةَ، كَوَلَدٍ صَغِيرٍ لِأَحَدِهِمَا، إِنْ كَانَ لَهُ حَاضِنٌ، إِلَّا أَنْ يَبْنِيَ وَهُوَ مَعَهُ.