قوله: (وفِيمَا عَاشَتْ مُدَّةَ حَيَاتِهَا إِلا لِنيَّةِ كَوْنِهَا تَحْتَهُ) هذه مسألة المدونة، قال فيها: وإن قال: كل امرأة أتزوجها ما عاشت فلانة طالق 1 لزمه كانت فلانة تحته أم لا؛ فإن كانت تحته فطلقها، فإن نوى بما عاشت ما دامت تحتي فله أن يتزوج، وهذا معنى قوله: (إلا لنية كونها تحته)، يريد وتقبل نيته 2 في الفتوى والقضاء، ثم قال: وإن لم يكن 3 له نية فلا يتزوج ما بقيت إلا أن يخشى العنت.
قوله: (ولَوْ عَلَّقَ عَبْدٌ الثَّلاثَ عَلَى الدُّخُولِ فَعَتَقَ ودُخِلَتْ لَزِمَتِ الثلاث واثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ كَما لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ عَتَقَ) قد تقدم أن المعتبر في الولاية حال النفوذ لا حال التعليق، فلهذا إذا قال العبد لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا فعتق، ثم دخلت لزمه الثلاث؛ لأنه حال النفوذ حر مالك الثلاث، فلو قال: فأنت طالق اثنتين فدخلت بعد عتقه بقيت له 4 واحدة، لما قدمناه، ويصير بمنزلة ما لو طلق واحدة، ثم عتق فإنه يبقى له واحدة فقط؛ لأنه طلق النصف، وقال 5 مالك في الموازية، 6 كحر ذهبت له طلقة ونصف فصارت طلقتان وبقيت 7 طلقة.
محمد: وكل من فيه بقية رق كالعبد في طلاقه 8 حتى إذا عتق صار له حكم الحر 9 من يومئذ في طلاقه 10، ولو قال الشيخ 11: فدخلت أو ثم دخلت لكان أحسن.
الجزء: 3 - الصفحة: 187
قوله: (ولَوْ عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ لأَبِيهِ عَلَى مَوْتِهِ لَمْ يَنْفُذْ) قوله: على موته؛ أي: موت أبيه، وإنما لم ينفذ الطلاق؛ لأنه قبل نفوذه قد ملك الأمة بالإرث فانفسخ نكاحه؛ إذ الملك لا يجتمع مع النكاح، فلم يكن للطلاق محلِ يقع فيه.
قوله: (ولَفْظُهُ طَلَّقْتُ وأَنَا طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوِ الطَّلاقُ لي لازِمٌ) هذا هو الركن الرابع من أركان الطلاق، وهو الصيغة عند من لا يرى الطلاق لَازمًا بمجرد النية، وأما من يرى ذلك فلا يكون اللفظ عنده من أركانه 12، ثم إن اللفظ ينقسم إلى صريح وغيره، فإن دل 13 على ذلك 14 بالوضع 15 اللغوي فهو صريح، وفي الجواهر: ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه كان مثل أن يقول: أنت طالق أو أنت 16 مطلقة أو قد طلقتك أو الطلاق لي لازم أو قد أوقعت عليك الطلاق أو أنا طالق منك، وما أشبه ذلك مما ينطق فيه بالطلاق فيلزم بهذه الألفاظ الطلاق 17 ولا يفتقر إلى النية 18.
قوله: (لا مُنْطَلِقَةٌ) أي: فلا يلزم فيها طلاق 19 يريد 20 إلا مع النية وهو متفق عليه، ولهذا استشكل القرافي قول الفقهاء أن الصريح ما فيه الطاء واللام والقاف وأبطله بما ذكرنا 21.
قوله: (وتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ إِلا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ) أي: ويلزم في كل لفظ من هذه الألفاظ 22 الصريحة طلقة واحدة 23 إلا أن ينوي أكثر منها، وقاله في الجواهر 24، وقال أصبغ:
الجزء: 3 - الصفحة: 188
يلزمه ثلاث ولا ينوي 25، وأما قوله: (كَاعْتَدِّي) فيريد به أن من قال لزوجته اعتدي فلا تلزمه إلا طلقة واحدة 26 إلا أن ينوي أكثر منها 27، وقاله في المدونة 28. قوله: (وصُدِّقَ فِي نَفْيِهِ إِنْ دَلَّ الْبِسَاطَ عَلَى الْعَدد 29 أَوْ كَانَتْ مُوَثَّقَةً فَقَالَتْ أَطْلِقْنِي) أي: وصدق في نفي الطلاق إن دل بساط يمينه على العدد بأن تكون الزوجة موثقة، وقالت: له أطلقني، فقال لها أنت طالق، وقال: لم أرد الفراق، ولا خلاف أنه يدين 30 في ذلك إن سألته الانطلاق، وأما إن لم تسأله بل قال ذلك بداء وادعى إرادة الحل من الوثاق، فقال مطرف: يصدق، وقال أشهب: لا يصدق، قيل: وإن جاء مستفتيًا صدق على كل حال، واختلف في تأويل المدونة 31، فمنهم من تأولها على قول مطرف ومنهم من تأولها على قول 32 أشهب، وإلى هذا أشار بقوله: (وإِنْ لَمْ تَسْأَلْ فتَأْوِيلانِ)، وأما قوله: (والثَّلاثُ فِي بَتَّةٍ، وحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، أَوْ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، أَوْ نَوَاهَا بِخَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، أَوِ ادْخُلِي)، فيريد به أن الطلاق الثلاث يلزم قائل 33 أحد 34 هذه الألفاظ لزوجته 35، قال 36 في الرسالة: ومن قال لزوجته أنت طالق البتة فهي ثلاث بنى أو لم يبن 37، ونص 38 في المدونة على 39 أن من قال لزوجته: حبلك على غاربك تلزمه الثلاث، ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 189
ينوى (1)، اللخمي: ومقتضاه لا قبل الدخول ولا بعده، وقيل ينوى في غير المدخول بها ويحلف (2) وعن مالك هي ثلاث في المدخول بها فإن لم يدخل فعسى أن تكون واحدة، قال في المدونة: وإن قال لها: أنت طالق طلقة بائنة فهي ثلاث (3)، وفي العتبية عن ابن القاسم ذلك في المدخول بها، والضمير في (إن نواها) راجع إلى (الثلاث) أي: وكذلك إذا قال لها: خليت سبيلك أو ادخلي الدار تلزمه الثلاث إن نواها (4)، وحكى اللخمي في خليت سبيلك ثلاثة أقوال لزوم الثلاث في المدخول بها وغيرها؛ إلا أن يقول أردت واحدة وإن قال: لم أرد طلاقًا فهي أشد وهي البتة، وقال محمد: هي واحدة ولا يقبل قوله: لم أرد طلاقًا، وقال ابن حبيب: هي ثلاث في المدخول بها حتى ينوي أقل فيحلف، وإن لم يدخل (5) فهي واحدة حتى (6) ينوي أكثر (7).
(المتن)
وَالثَّلاثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ، إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَوَهَبْتُكِ وَرَدَدْتُكِ لِأَهْلِكِ، وَأَنْتِ وَمَا أَنْقَلِبُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ حَرَامٌ، أَوْ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَائِنَةٌ، أَوْ أَنَا، وَحَلَفَ عِنْدَ إِرَادَةِ النِكَاحِ، وَدُيِّنَ فِي نَفْيِهِ إِنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ، وَثَلَاثٌ فِي لَا عِصْمَةَ لِي عَلَيْكِ، أَوِ اشْتَرَتْهَا مِنْهُ، إِلَّا لِفِدَاءٍ، وَثَلَاثٌ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ مُطْلَقًا فِي خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وَوَاحِدَةٌ فِي فَارَقْتُكِ.