ولما تعارضت هذه الأقوال عند الشيخ 1 باعتبار الترجيح ولم يقف على تشهير 2 فيها، قال: (وَهَلْ إِنْ كَثُرَ؟ ترَدُّدٌ).
قوله: (لَا أَجْنَبِيٍّ) أي: فإن التخويف بقتله لا يكون إكراهًا، فإذا قيل له: احلف على كذا وإلا قتلنا زيدًا فحلف أوطلب إحضاره منه ليقتل 3 وهو قادر على ذلك، وأنكر كونه عالمًا به، وأحلف على ذلك فحلف، فإنه لا يعذر بذلك، ويكون حانثًا، وهو قول مالك وابن القاسم ومطرف وأصبغ، قالوا: ويؤجر 4 إذا حلف ويلزمه الحنث، وإليه أشار بقوله: (وَأُمِرَ بِالحلِفِ ليَسْلَمَ)؛ أي: لأجل سلامة الأجنبي.
وعن أشهب أن ذلك إكراه، وشهره ابن بزيزة 5 لكن لم يعتبره هنا.
قوله: (وَكَذَا الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ وَالإِقْرَارُ وَالْيَمِينُ وَنَحْوُهُ) يريد أن الإكراه المذكور لا يختص بالطلاق بل يكون أيضًا في العتق والنكاح والإقرار واليمين بالله تعالى ونحو ذلك من عقود البيع والشراء.
قوله: (وَأَمَّا الْكُفْرُ، وَسَبُّهُ عليه السلام وَقَذْفُ المُسْلِمِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَتْلِ) يريد أن الإكراه في هذه الأمور الثلاثة لا يكون إلا بخوف القتل وحده فلا يسعه الإقدام على شيء من ذلك إلا إذا خاف على نفسه الهلاك بالقتل 6، نصَّ عليه سحنون وغيره، قالوا: وله أن يصبر حتى يقتل ولا يفعل ذلك وهو مأجور وهو أفضل له 7، وإليه أشار آخر المسألة 8 بقوله: (وَصَبْرُهُ أَجْمَلُ).
الجزء: 3 - الصفحة: 174
سحنون: وأما المرأة تخشى على نفسها الهلاك من الجوع، ولا تجد من يطعمها 9 ما يسد رمقها إلا من يطلب منها الزنى، فإنها يسوغ لها ذلك للخوف على نفسها، ويصير حالها كحال المكره بتخويف القتل، وإليه أشار بقوله: (كَالمَرْأَةِ لَا تَجِدُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهَا، إِلا لِمَنْ يَزْنِي بِهَا).
قوله: (لَا قَتْلُ المُسْلِمِ وَقَطْعُهُ وَأَنْ يَزْنِيَ) أي: فليس له القدوم على ذلك وإن خاف على نفسه القتل، إذ ليس له أن 10 يصون دمه بدم 11 غيره أو قطعه 12، ولا بالإقدام 13 على الزنى، وسيأتي الخلاف في حد 14 الزاني المكره.
قوله: (وَفِي لُزُومِ طَاعَةٍ أُكْرِهَ عَلَيْهَا قَوْلانِ) مثل أن يجد 15 ولي الأمر من يشرب خمرًا فيحلفه ألا يشربها أو لا يسرق أو لا يزني ونحو ذلك 16، والقول بذلك 17 لمطرف وابن حبيب وعدمه لأصبغ وعبد الملك.
ابن رشد 18: وإنْ أُكره على اليمينِ فيما هو معصية أو ليس بمعصية ولا طاعة لم يلزمه اليمين اتفاقًا 19.
قوله: (كَإِجَازَتِهِ كَالطَّلاقِ طَائِعًا) أي: وكذلك القولان فيمن أَمِنَ فأجاز ما طلقه في حالة 20 الإكراه، والقولان لسحنون كان أولًا 21 يقول: لا يلزمه، لأنه ألزم نفسه ما لا يلزمه، ثم رجع فقال: يلزمه لاختلاف الناس في لزوم الإكراه 22، واختار هذا بعض
الجزء: 3 - الصفحة: 175
الأشياخ، ولهذا قال: (وَالأَحْسَنُ المُضِيُّ)، وأدخل الكاف في كالطلاق تنبيهًا على أن هذا الحكم ليس مقصورًا على الطلاق، بل يجري في العتق والنكاح ونحوهما مما تقدم، واحترز بقوله: (طائعًا) مما لو أجاز ذلك ثانيًا مكرهًا (1)، فإنه لا يلزمه بلا إشكال.
(المتن)
وَمَحَلُّهُ مَا مُلِكَ قَبْلَهُ وَإِنْ تَعْلِيقًا، كَقَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ هِيَ طَالِقٌ عِنْدَ خِطْبَتِهَا، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ، وَنَوَى بَعْدَ نِكَاحِهَا وَتَطْلُقُ عُقَيْبَهُ، وَعَلَيْهِ النِّصْفُ، إِلَا بَعْدَ ثَلاثٍ عَلَى الأَصْوَبِ، وَلَوْ دَخَلَ، فَالْمُسَمَّى فَقَطْ، كَوَاطِئٍ بَعْدَ حِنْثِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، كَانْ أَبْقَى كَثِيرًا بِذِكْرِ جِنْسٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ زَمَانٍ يبلُغُهُ عُمْرُهُ ظَاهِرًا؛ لا فِيمَنْ تَحْتَهُ إِلَّا إِذَا تَزَوَّجَهَا.