(الْجِهَادُ) وهو في اللغة: التعب والمشقة، مأخوذ من الجهد، وفي االشرع: تعب خاص، وهو من العبادات العظيمة 1 لما ورد فيه من الآيات والأحاديث، وهو من فروض الكفايات، كما قال آخر 2 المسألة.
قوله: (في أَهَمِّ جِهَةٍ 3): أي في جهة يحصل فيها من الكفار خوف على المسلمين دون غيرها من الجهات فيندب الإمام إليها طائفة 4، أو يغزوها بنفسه.
قوله: (كُلَّ سَنَةٍ) أي: ليس هو مما يجب مرة في العمر، بل حكمه باقٍ في كل عام.
ابن عبد البر: يجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل 5 سنة مرة يخرج معهم بنفسه، أو يرسل معهم 6 من يثق به، ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم 7، ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية 8.
قوله: (وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا) أي: يكون في أهم جهة، ولو مع خوف محارب.
الجزء: 2 - الصفحة: 447
قوله: (كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ) يريد أن زيارتها في كل سنة فرض كفاية، فلا يجوز أن يترك الناس كلهم زيارتها في عام من الأعوام، إلا من عذر لا يستطيعون معه الوصول إليها، نعوذ بالله من ذلك.
قوله: (فَرْضُ كِفَايَةٍ) هو خبر عن قوله: (الجهاد)، وحكى ابن رشد 9 وابن الحاجب الإجماع على ذلك 10.
قوله: (وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) يشير إلى قوله في المدونة: ولا بأس بالجهاد مع هؤلاء الولاة 11، ثم قال: وقد كان مالك يكره الجهاد معهم ثم رجع عن ذلك 12. وفي الرسالة: ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة 13، لأنه لو ترك لأضرَّ بالمسلمين، وقد قال مالك: ترك ذلك ضرر 14 وجرأة لأهل الكفر 15.
قوله: (عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) هو متعلق بقوله: (فرض كفاية)، واحترز بالحُرِّ من العبد، وبالذكر من الأنثى، وبالكلَّف من الصبيِّ والمجنون، وبالقادر من العاجز، فإنهم لا يخاطبون بالجهاد.
قوله: (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) قال في المقدمات: وطلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفايات كالجهاد، أوجبه الله تعالى على الجملة بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122] 16، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، فإذا قام به 17 البعض سقط الفرض 18 عن الباقين، إلا ما لا 19 يسع الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته
الجزء: 2 - الصفحة: 448
وصيامه وزكاته، إن كان ممن تجب عليه الزكاة فذلك فرض عين 20.
قوله: (وَالْفَتْوَى) أي: فكما يجب التعلم 21 على المتعلم 22 كذلك يجب على العالم الإفتاء 23 والإرشاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] الآية، وقوله عليه السلام: "بلغوا عني ولو آية" 24.
قوله: (وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ) هو أيضًا من فروض الكفاية؛ لما فيه من مصالح العباد في فصل الخصومات 25؛ لأن كف الأذى عنهم ورفع الضرر من المصالح المطلوبة.
مالك: وقد كان عمر يخرج إلى الحوائط يخفف عمن أثقل في عمله من الرقيق والأحرار، ويزيد في رزق 26 من أقل في رزقه 27، وفي كلامه هنا حذف، تقديره: ورفع الضرر عن المسلمين 28.
قوله: (وَالْقَضَاءِ) أي: هو أيضًا من فروض الكفايات لما فيه من مصالح العباد في فصل 29 الخصومات، ورفع التهارج 30، وإقامة الحدود، وكف الظالم 31، ونصر المظلوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله في الجواهر 32.
قوله: (وَالشَّهَادَةِ) هي أيضًا من فروض الكفاية يحملها بعض الناس عن بعض
الجزء: 2 - الصفحة: 449
كالجهاد، وقاله ابن يونس، ثم قال: إلا في موضع ليس فيه من يحمل 33 ذلك، فيجب على الإنسان حينئذٍ أن يشهد 34.
قوله: (وَالإمَامَةِ) ابن شاس: وهو 35 القيام بالإمامة من فروض الكفاية 36.
قوله: (وَالَأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) لا إشكال أنه فرض كفاية يسقط بفعل البعض كالنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
قوله: (وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ) أي: التي 37 لا يستقيم صلاح الناس إلا بها؛ كالخياطة والحياكة والحجامة ونحوها، فإذا قام بها البعض 38 سقط عن الباقين، ولا يجوز تركها جملة، واحترز بـ (المهمة) من غيرها فإنها لا تجب، بل ربما تحرم كما سيأتي.
قوله: (وَرَدِّ السَّلامِ) إنما كان من فروض الكفاية؛ لأن بردِّ البعض يحصل الغرض 39 المقصود.
قال في الرسالة: وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم 40، وكذلك إن ردَّ واحد منهم 41، وعن بعضهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس إذا رد أحدهم" 42.
الجزء: 2 - الصفحة: 450
قوله: (وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) أي: وكذلك تجهيز الميت فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولا يجوز تركه جملة.
قوله: (وَفَكِّ الأَسِيرِ) أي: المسلم من أيدي العدو.
الباجي: والوجوب قول الجمهور، وسماه أشهب نافلة (1).
قوله: (وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ، وَعَلَى قُرْبِهِمْ إِنْ عَجَزُوا) لما ذكر أنه فرض كفاية نبَّه على أنه قد يعرض له ما يصيره فرض عين، وذكر من ذلك أمرين:
الأول: إذا فجأ العدو قومًا؛ أي: وفاهم (2) بغتة، فإن كان لهم قوة على دفعهم تعين على الجميع دفعهم، فإن لم يقدروا على ذلك تعين على من قرب منهم، فإن لم يستقل الجميع تعين على كل من علم بضعفهم وطمع في إدراكهم وإعانتهم المضيُّ إليهم حتى يندفع العدو عنهم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون العدو أغار على قوم أو على امرأة كما قال.
وأما قوله: (وعلى قربهم إن عجزوا) فهو معطوف على محذوف تقديره: وتعين بفجء العدو على من فجأهم إن كان لهم قوة عليه (3) وعلى النازلين قربهم إن عجزوا عن دفعه، ثم أشار إلى الأمر الثاني بقوله: (وَبِتَعْيِينِ الإِمَامِ) يريد أن الجهاد يتعين بتعيين الإمام؛ فمن عيَّنه بأمره تعين عليه الخروج، ولا تسعه مخالفته.
(المتن)
وَسَقَطَ بِمَرَضٍ، وَصِبًى، وَجُنُونٍ، وَعَمًى، وَعَرَجٍ، وَأُنُوثَةٍ، وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ، وَرِقٍّ، وَدَيْنٍ حَلَّ، كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ بِبَحْرٍ، أَوْ خَطَرٍ، لَا جَدٍّ، وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ.
وَدُعُوا لِلإِسْلَامِ، ثُمَّ جِزْيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَقُتِلُوا إِلَّا الْمَرْأَةَ؛ إِلَّا فِيِ مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ، كَشَيْخٍ فَانٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى، وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ.
وَتُرِكَ لَهُمُ الْكِفَايَةُ فَقَطْ،