قوله: (وَإِنَّمَا يُزَكَّى عَرْضٌ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ, مُلِكَ بمُعَاوَضَةٍ) اعلم أن عروض التجارة على ضربين: احتكار، وإدارة، فالأول: لا يزكى إلا بشروط خمسة، أشار إلى الأول منها بقوله: (لا زكاة في عينه) احترازًا من نحو نصاب الماشية فإن زكاته من عينه فلا يعدل عنه إلى غيره، فإن قصرت عن النصاب فهي كالعروض، وكذلك القمح والحبوب، وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: (ملك بمعاوضة) احترازًا من عرض الميراث والهبة والصدقة؛ إذ لا زكاة فيه إلا بعد عام من يوم قبض ثمنه.
قوله 1: (بِنِيَّةِ تَجْرٍ) أي: يكون 2 قد نوى بذلك العرض التجارة فإن لم ينوِ شيئًا فلا زكاة، فأحرى إذا نوى به القنية، وسيأتي هذا من كلامه.
قوله: (أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّةٍ أَوْ قِنْيَةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْمُرَجَّحِ) يريد: أنه لا فرق على ما اختاره 3 اللخمي وابن يونس 4 بين أن تكون نية 5 التجارة
الجزء: 2 - الصفحة: 78
مجردة 6 أو صحبتها 7 نية الغلة أو القنية، أنها تنقل العرض 8 إلى الاحتكار 9.
قوله: (لا بِلا نِيَّةٍ، أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ) أي: فلا زكاة لأن الأصل القنية.
قوله: (أَوْ غَلَّةٍ) أي: وكذلك لا زكاة عليه إذا نوى الغلة؛ أي: نوى عند الشراء أن يستغله وهو المشهور، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وإليه رجع مالك 10، وقال ابن نافع: إذا بيع العرض الذي أريد به الغلة 11 فإنه يزكى كعروض الاحتكار، وهو قول مالك الأول 12.
قوله: (أَوْ هُمَا) أي: نوى الغلة مع القنية، وهو المشهور من باب الأولى؛ لأنها إذا سقطت مع نية الغلة فقط، فلأن تسقط فيما إذا نوى الغلة والقنية أولى وأحرى 13.
قوله: (وَكَانَ كَأَصْلِهِ، أَوْ عَيْنًا وَإِنْ قَلَّ) هو إشارة إلى الشرط الثالث وهو أن يكون أصل هذا العرض المحتكر عرض تجارة أو عينًا، احترازًا مما إذا كان أصله عرض قنية، فإنه إذا باعه يستقبل بثمنه حولًا، وأشار بقوله: (وَإِنْ قَلَّ) إلى أنه لا فرق في العين التي اشترى بها العرض بين أن تكون كثيرة أو قليلة دون النصاب إلا أنه باعه بنصاب فأكثر، ثم أشار إلى الشرط الرابع بقوله: (وَبِيعَ بِعَيْنٍ) لأنه لو 14 بيع بالعرض فلا زكاة فيه.
قوله: (وَإِنْ لاسْتِهْلاكٍ) أي: وإن أخذ في قيمة العرض عينًا لأجل الاستهلاك، قال في المدونة: ويزكي ذلك حين يقبضه إن كان مضى لأصل العرض حول 15 وإن لم يمضِ له حول 16 فلا زكاة، وكذا نص على أن العرض إذا كان عنده للتجارة
الجزء: 2 - الصفحة: 79
فاستهلكه رجل فأخذ منه بقيمته سلعة فنوى بها التجارة، فإنه يزكي ثمنها 17 ساعة بيعها إن مضى لأصل السلعة حول من يوم زكاتها 18.
قوله: (فَكَالدَّيْنِ) يشير به إلى أن 19 ذلك إنما يزكى زكاة واحدة، ولو أقام عنده أعوامًا، والمعنى: وإنما يزكى عرض كزكاة الدين إذا ملكه بمعاوضة إلى آخره، ثم أشار إلى الشرط الخامس بقوله: (إِنْ رَصَدَ بِهِ السُّوقَ) واحترز به من المدير فإنه لا يرصد به السوق 20؛ أي: لا يمسكه حتى يجد فيه ربحًا جيدًا، بل يكتفي بأي ربح كان كما سنذكره.
قوله: (وَإِلا زَكَّى عَيْنَهُ) أي: وإن لم يكن كذلك بل كان مديرًا أي: يبيع عروضه بالسعر الحاضر ثم يخلفها بغيرها، ولا ينتظر نفاق سوق ولا غيره كما يفعل أرباب الحوانيت وغيرهم 21، فإنه يزكي ما عنده من العين.
ثم قال: (وَدَيْنَهُ النَّقْدَ الْحَالَّ الْمَرْجُوَّ) يريد: وكذلك يزكي عدد دينه بالشروط المذكورة، وهذا هو المشهور، وقيل: إنما يزكى قيمته، واحترز بقوله: (النقد) من العرض، وبـ (الحال) من المؤجل، فإنه يزكي قيمتها 22، وبـ (المرجو) مما لو كان على معدم، فإنه كالعدم على المشهور، وقال ابن حبيب: يزكي قيمته 23.
قوله: (وَإِلا قَوَّمَهُ) أي: وإن عري الدين عن هذه القيود أو عن بعضها فإنه يقومه، يريد: إذا لم يكن نقدًا أو كان مؤجلًا، وأما إذا كان غير مرجو فإنه كالعدم كما 24 تقدم، وقد نبه عليه بقوله بعده: (لا إن لم يرجه) ولولا هذا لأوهم 25 خلاف المشهور.
قوله: (وَلَوْ طَعَامَ سَلَمٍ) هكذا قال أبو بكر بن عبد الرحمن، وصوبه ابن يونس، وعن
الجزء: 2 - الصفحة: 80
الإبياني عدم التقويم 26.
قوله: (كَسِلْعَةٍ) أي: أنه يقوم دينه العادم للشروط المذكورة 27، كما يقوم سلعته وكيفية تقويمه إن كان عينًا قوم بعرض ثم قوم العرض بعين حال، وإن كان عرضًا قومه مع ما بيده من العروض بعين، وزكى عينه 28 في كل عام على حسب ما هو 29 عليه كما يأتي.
قوله: (وَلَوْ بَارَتْ) هذا هو المشهور حكاه المازري، وذهب ابن نافع وسحنون إلى بطلان حكم الإدارة 30.
اللخمي: وهذا إذا بار الأقل، فإن بار النصف أو الأكثر أو جميع ما بيده لم يقوم قولًا واحدًا 31، وهكذا حكى ابن يونس الاتفاق فيما إذا بار 32 النصف فأكثر 33.
وقال ابن بشير: الخلاف مطلق 34، وهو ظاهر كلام المازري.
قوله: (لا إِنْ لَمْ يَرْجُهُ) أي: فلا يقومه؛ لأنه كالعدم خلافًا لابن حبيب كما تقدم 35.
قوله: (أَوْ كَانَ قَرْضًا) يريد: أن الدين أيضًا إذا كان قرضًا لا يقومه؛ لأنه لم يكن للنماء.
عياض: وظاهر المدونة أنه يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره 36، وعلى هذا حملها شيخنا أبو الوليد 37، وإليه أشار بقوله: (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِتَقْوِيمِ الْقَرْضِ) وقال
الجزء: 2 - الصفحة: 81
الباجي: لا خلاف أن القرض لا يزكى (1)، وأشار اللخمي إلى تخريج الخلاف فيه (2). قوله: (وَهَلْ حَوْلُهُ لِلأَصْلِ، أَوْ وَسَطٍ مِنْهُ وَمِنَ الإدَارَةِ؟ تَأْوِيلانِ) يريد: أنه اختلف هل يعتبر حول المدير من حين زكى الأصل أو ملكه أو من حين الإدارة تأويلان، يريد: أو من حين زكاه (3) أو يجعل له حولًا وسطًا من (4) الأصل والإدارة، كما لو ملك نصابًا في المحرم ثم أدار به عروضًا في رجب، فقيل: أول (5) حوله المحرم، وهو الراجح عند جماعة، وقيل: أوله (6) رجب، وقال مالك في المدونة: يجعل لنفسه شهرًا من السنة يقوم فيه عروضه (7). وحمل الباجي المدونة على أن أول (8) حوله حين يزكي (9) الأصل أو ملكه (10)، وحملها اللخمي على أنه يجعل لنفسه حولًا وسطًا (11). المازري: وهو ظاهر الروايات.
(المتن)
ثُمَّ زِيَادَتُهُ مُلْغَاةٌ، بِخِلَافِ حَلْي التَّحَرِّي، وَالْقَمْحُ وَالْمُرْتَجَعُ مِنْ مُفَلِسٍ، وَالْمُكَاتَبُ يَعْجِزُ كَغَيْرِهِ.
وَانْتَقَلَ المُدَارُ لِلاحْتِكَارِ، وَهُمَا لِلْقِنْيَةِ بِالنِّيَّةِ لَا الْعَكْسُ وَلَوْ كَانَ أَوَّلًا لِلتِّجَارَةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَ إِدَارَةٌ وَاحْتِكَارٌ وَتَسَاوَيَا، أَوِ احْتُكِرَ الأَكْثَرُ؛ فَكُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَالْجَمِيعُ لِلإِدَارَةِ، وَلا تُقَوَّمُ الأَوَانِي، وَفِي تَفْوِيمِ الْكَافِرِ لِحَوْلٍ مِنْ إِسْلَامِهِ أَوِ اسْتِقْبَالِهِ بِالثَّمَنِ قَوْلَانِ.