قوله: (وَلَبَنُ آدمِيٍّ إِلَّا الميْتَ) هو معطوف على قوله: (وبيضه) يريد: أن لبن الآدمي مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى طاهر، ولهذا قال (آدمي) ليشمل ذلك، هذا في الحي وأمَّا الميت فالمنصوص أن لبنه نجس، وهو مبني على نجاسة الآدمي.
قوله: (وَلَبَنُ غَيره تَابع) يريد: أن لبن غير الآدمي تابع للحمه، وهو ظاهر المذهب،123456 = بالإسكندرية، تفقه بشيوخ القيروان كأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، وأبي عبد الله بن الأجدابي، ألف كتاب "النكت والفروق من المدونة والمختلطة باختصار اللفظ في طلب التفرقة بين المسألتيين ومعرفة اختلاف حكمهما"، و "تهذيب الطالب وفائدة الراغب" وله استدراكات على تهذيب البراذعي، وجزء في ضبط ألفاظ المدونة.
انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 8/ 71، والديباج، لابن فرحون: 2/ 56، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 116، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 18/ 301، والمقدمة التمهيدية لأطروحة علمية لنيل درجة الماجستير من كلية الشريعة في جامعة أم القرى في تحقيق أجزاء من كتاب النكت والفروق للباحث عبد الرحمن بن نافع السلمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 103
وقاله عياض وغيره، فإن كان الحيوان مباح الأكل فلبنه طاهر، أو محرم الأكل فلبنه نجس، أو مكروهًا فلبنه مكروه، وقيل بطهارة الجميع، وقيل: هو مكروه من 7 المحرم، وقيل: نجس، وهذا الخلاف فيما عدا الخنزير؛ وأما الخنزير فلا خلاف في عدم طهارة 8 لبنه.
قوله: (وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِنْ مُبَاحٍ) يريد: أن بول الحيوان المباح الأكل وعذرته طاهران؛ لأمره -عليه السَّلام- القوم الذين قدموا عليه من عُكْل 9 أو عُرَيْنَةَ 10 بشرب أبوال الإبل وألبانها 11، ولو كان نجسًا لما أباح شربه، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "صلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ" 12 ولو كانت أبوالها نجسة لما أباح الصلاة في تلك المواضع؛ إذ لا تخلو من بولها 13 وعذرتها، وفي الصحيحين: "أنه طاف على بعير" 14.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
قوله: (إِلا المتغَذِّي بنَجسٍ) أي: فلا يكون بوله وعذرته طاهرين؛ لأنَّ العذرة متولدة 15 عن ذلك النجس، وقد استحال إلى فساد، ولا يخرج عن أصله إلا إذا استحال إلى صلاح.
قوله: (وَقَيْءٌ) لا خلاف في طهارته إذا لم يتغير عن حال الطَّعام؛ وأما إذا تغير عن حالته 16 فالمذهب أنه نجس 17؛ ولهذا قال: (إِلا المتغَيِّر عَنِ حال 18 الطَّعَامِ) قال اللخمي: لا ينجس إلا إذا شابه أحد أو صاف العذرة 19.
قوله: (وَصَفْرَاء، وَبَلْغَمٌ، وَمَرَارَةُ مُبَاحٍ) قال في الطراز: والمعدة 20 عندنا طاهرة لعلة الحياة، والبلغم والصفراء ومرارة ما يؤكل لحمه كذلك، والدم والسوداء نجسان 21؛ يريد الدم 22 المسفوح، وأما غيره فهو طاهر؛ ولهذا 23 قال: (وَدَم لَم يُسْفَحْ) أي: الباقي في العروق، وقد حكي بعضهم في ذلك طريقين انظرهما في الشرح الكبير.
قوله: (وَمِسْكٌ وَفَأرَتُهُ) 24 لا خلاف في طهارتهما، بل حكى الباجي 25 الإجماع على ذلك 26، وقال المازري: هو مذهب الجمهور، وذكر عن طائفة قولًا بالنجاسة 27.
الجزء: 1 - الصفحة: 105
قوله: (وَزَرْعٌ بِنَجِسٍ 28) هذا ظاهر المذهب، وهو قول يحيى بن عمر 29.
ابن القاسم: ولا بأس أن يسقى الزرع بالماء النَّجِس، وهو يدل على طهارته؛ إذ لو تنجس 30 به لما أباح ذلك، وعن مالك قول بأن النبات لا يسقى بالماء 31 النجس 32.
اللخمي: فعل هذا لا يؤكل النبات الذي يشربه حتى تطول مدته وتتغير أعراضه 33.
قوله: (وَخَمْرٌ تَحَجَّرَ أَوْ خُلِّل) أي: انتقل من المائعية إلي الجمود، وإنما كان طاهرًا لأنَّ تحجره يزيل 34 ما فيه من الإسكار الذي هو علة النجاسة، وكذلك إذا تخلل فإن الشدة المطربة 35 تزول عنه 36؛ فيطهر لزوال علة التنجيس.
ابن شاس: فإن فعل بها ما تخللت به فخلها طاهر حلال 37. وكره عبد الملك
الجزء: 1 - الصفحة: 106
وسحنون أكله 38. وقيد الأستاذ 39 الخلاف بما إذا كان فعل بها ذلك بشيء طرح فيها ونحوه، قال: وأما لو تخللت بنفسها فلا خلاف في جواز أكلها 40؛ أي: ولا في طهارتها، فالشيخ -رحمه الله- إنما تكلم على الوجه المختلف فيه، ولهذا قال: (أو خلل)، وبناه 41 لما لم يُسَمَّ فاعله، ولو أراد الثاني لقال: أو تخلل، والمذهب في الوجهين معًا الطهارة.
ولما 42 فرغ من تعداد الطَّاهر شرع في بيان ما هو نجس: فقال: (وَالنجِسُ مَا اسْتُثني) أي: ما أخرج من 43 الأمور الطاهرة فيما تقدم، فمن ذلك قوله: (إِلَّا مُحَرَّم الأَكلِ) بعد قوله: (وَمَا ذُكِّيَ وَجُزْؤُهُ) وقد تقدم أن المحقّقين ذهبوا إلى أنَّ الذكاة لا تعمل في المحرم شيئًا، وأنَّه الظاهر من المذهب، ومن ذلك المسكر والمذر من البيض، والخارج منه بعد موت الحيوان، ولبن الميت 44 والبول والعذرة من المباح المغتذي بالنجس، والقيء المتغير عن حال الطَّعام، وقد قدمنا بيان ذلك.
قوله: (وَمَيْتُ غَيْر مَا ذُكِرَ) الذي ذكر ميت 45 ما لا دم له وميتة البحر، ومراده أن ميتة غيرهما وهو البري ذو النفس السائلة نجس، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾، ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145].
الجزء: 1 - الصفحة: 107
قوله: (وَلَوْ قَمْلَةً) أي: فإنها أيضًا نجسة بالموت، وهو المشهور، وحكاه ابن عبد السلام في باب الصلاة 46، وقد ذكرنا في الشرح الكبير أنه يتحصل للأشياخ في القملة والبُرْغُوث أربعة أقوال: فقيل: ينجسان بالموت، وقيل: لا، وقيل: تنجس القملة دون البُرْغوث، وقيل: إن كان فيهما دم فهما نجسان وإلا فلا.
قوله: (وَآدمِيًّا) هو مذهب ابن القاسم وابن شعبان 47 وابن عبد الحكم 48، وذهب سحنون وابن القصار إلى طهارته، واختاره ابن رشد وعياض وغيرهما 49، وهو الظاهر للأحاديث الواردة في ذلك، ولولا الإطالة لأتينا بها، وقد ذكرناها في الشرح الكبير 50، وقد أشار إلى اختيار ابن رشد بقوله: (وَالأَظْهَرُ طَهَارُتُهُ) 51.
الجزء: 1 - الصفحة: 108
(المتن)
وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيْتٍ: مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاج وَظُفُرٍ وَقَصَبِةِ رِيشٍ وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبِغَ، وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إِلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ وَمَاء،