مسند أحمد ط الرسالةترجمة الأمام أحمد

ترجمة الأمام أحمد

عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد بن حنبل
الكتاب
مسند الإمام أحمد بن حنبل
المؤلف
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)
المحقق
شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرونإشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ - 2001 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بحواشي التحقيق كاملة]

: ومصنِّفُ هذا الديوان العظيم: هو شيخ الإسلام، وأحد الأئمة المتبوعين، الإِمامُ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ الشَّيْباني 1 . أصلُه من البصرة 2 ، وكان جدُّه حنبلٌ مِن مناصري الدعوة العباسية، وولي سَرْخَس (3) ، وكان أبوه محمدٌ من أجناد مَرْو 3 ، قَدِمَت به أمُّه وهي حامل به إلى بغداد، فوُلِد فيها سنة (164 هـ) ، ثم ما لَبِثَ أن تُوفي أبوه شاباً له نحوٌ من ثلاثين سنة، فرُبِّي أحمدُ يتيماً (5) . وقد بَدَتْ مخايِلُ النبوغ والورع عليه منذُ طفولته 4 ، وحين أنهى الكُتَّابَ، وبلغ الرابعة عشرةَ من عمره، راح يختلِف إلى الدِّيوان، حيث كان عمُّه إسحاقُ مسؤولاً عن أخبار بغداد يُوصِلها إلى داود بنِ بِسطام، عاملِ البريد للرشيد، واتفق يوماً أن أرسلها مع ابن أخيه أحمد، فرمى بها في الماء تورُّعاً 5 ، وانقطع منذ ذلك اليوم عن التردُّد إلى الديوان.
واتَّجهَتْ همته إلى طلبِ الحديث، وله مِن العمر خمسَ عشرةَ سنة 6 ، وذلك سنة (179 هـ) ، فكانَ أولَ من كتب عنه الحديثَ الإمامُ أبو يوسف القاضي (9) (ت 182 هـ) صاحب الإمام أبي حنيفة، وكبير القضاة في عصره، وفي هذه السنة نفسِها قَدِم إلى بغداد المحدثُ الكبير عبد الله بن المبارك

فسعى إلى مجلسه، فلم يُدرِكْه، إذ ألفاه قد خرج إلى طَرَسُوس لغزو الرُّوم 1 . وكان أكثرُ سماعه في هذه الفترة على مُحدِّثِ بغداد هُشَيمِ بن بَشيرٍ، وفي مجلسه سَمِعَ الإِمام أحمد بوفاة حماد بن زيد والإِمام مالك بن أنس 2 ، وظلَّ ملازماً لهشيم حتى وفاته سنة (183 هـ) ، وكتب عنه أكثرَ من ثلاثةِ آلاف حديث (3) ، وبدأ يَظهَرُ قدرُ الإِمام أحمد منذ تلك الأيام 3 . وبعد وفاة شيخه هُشَيم رحل الإِمام أحمد إلى الكوفة ماشياً - وكانت أولى رحلاته - وله من العمر عشرون سنة، فسمع فيها أبا معاوية الضَّرير (ت 194 هـ) ، ووكيعاً (ت 197 هـ) ، وذاع في الكوفة أنه حُجَّة في حديث هُشيم، حتى أن الإِمام وكيعاً سأله ذاتَ مرةٍ عن حديثٍ إنْ كانَ عند هُشَيم؟ فأجابه الإِمام أحمد: لا (5) . وفي الكوفة حَفِظَ كتبَ وكيع كلَّها 4 ، وأكثر من الكتابة عنه (7) ، وكان الإِمام وكيع يُجِلُّهُ ويحترِمُه ويعرف له قدره 5 . وفي سنة (186 هـ) كانت أولى رحلاته إلى البصرة (9) ، فسمع فيها من مُعتَمِر بن سليمان (ت 187 هـ) ، وبِشْر بن المفضل (ت 187 هـ) ، ومرحوم بن عبد العزيز الأُموي (ت 188 هـ) ، وآخرين.
وكان دائمَ الرِّحلَة بَيْنَ الكُوفة والبصرة يكتب الحديثَ عن شيوخهما، قال ابنُ منيع: سمعتُ جدي يقول: مَرَّ أحمدُ ابن حنبل جائياً من الكوفة، وبيده خريطةٌ فيها كتب، فأخذتُ بيده، فقلتُ: مرةً إلى الكوفةِ، ومرةً إلى البصرة،

إلى متى؟ إذا كتب الرجلُ ثلاثين ألف حديث لم يَكْفِهِ؟ فسكت، ثم قلتُ: ستين ألفاً؟ فسكت، فقلت: مئة ألف؟ فقال: حينئذٍ يَعرِفُ شيئاً.
قال أحمدُ بنُ منيع: فنظرنا، فإذا أحمدُ كتب ثلاث مئة ألف عن بَهْز بن أسد (ت 197 هـ) ، وعفان (ت 220 هـ) ، وأظنه قال: ورَوْح بن عُبَادة (ت 205 هـ) 1 . وفي سنة (186 هـ) أيضاً رحل إلى عَبادان 2 . وفي السنة التي تلتها رَحَل إلىِ الحجاز أولَ مرةٍ 3 ، حيث قدم مكة وقد مات الزاهدُ الفضيلُ بن عياض، فسَمِعَ من سفيان بن عيينة (ت 198هـ) ، قال الإِمام أحمد: فاتني مالكٌ فأَخْلَفَ الله عليَّ سفيانَ بن عيينة 4 ، وفي مكة التقى أيضاً الإِمام الشافعيَّ أوَّل مرة، ثم تعددت اللقاءاتُ بينهما في بغداد حين أقام فيها الشافعي سنة (195 هـ) مدة سنتين، وقد كتب الإمام أحمد كتب الشافعي كلَّها 5 . وفي سنة (190 هـ) دخل البصرة دَخْلَتَهُ الثانية 6 ، وفيها سمع من محمد بن إبراهيم بن أبي عَدِيّ (ت 194 هـ) . وفي سنة (191 هـ) كانت رِحلتُه الثانية إلى الحجاز.

وفي سنة (194 هـ) كانت رِحلته الثالثة إلى البصرة، وكانت إقامته فيها عند الإمام الكبير يحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ) مدة ستة أشهر 1 ، وقد أكثر عنه 2 ، وفي أثناء إقامته سَمعَ من سليمان بن حرب (ت244 هـ) ، وأبي النعمان محمد بن الفضل (ت 224 هـ) ، وأبي عمر حفص بن عمر الحَوْضِي (ت 225 هـ) . وفي سنة (194 هـ) أيضاً خرج من البصرة إلى واسط، فَسَمِعَ فيها من الإِمام يزيد بن هارون 3 (ت 206 هـ) . وفي سنة (196 هـ) كانت رحلتُه الثالثةُ الى مكة، ثم عاد إليها سنة (197 هـ) ، وأقام فيها مجاوراً مدةً، ثم عاد إليها أيضاً سنة (198 هـ) ، وقد جَلَسَ بمسجدِ الخَيْف وأفتى فيه فتيا واسعة، وسفيان بن عيينة ما يزالُ حياً 4 . وفي سنة (199 هـ) خرج الى اليمن ماشياً مع رفيق رحلته يحيى بن معين للسَّماع مِن عبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني (ت 211 هـ) صاحب " المصنف "، وكان صِيتُ الإِمام أحمد قد سبقه إليه 5 ، فأقام عنده قريباً من عشرةِ أشهر 6 ، سمع في أثنائها منه الكتبَ، وأكثر عنه.
وبعد عَوْدَتِه إلى بغداد شَرَع الإِمامُ أحمد بتصنيف " المسند " (7) ، وهو في السادسةِ والثلاثين من عمره.

وفي سنة (200 هـ) رحل إلى البصرة رِحْلَتَهُ الأخيرة 1 ، فسمع فيها من عبد الصمد بن عبد الوارث (ت 207 هـ) ، ومن صاحب " المسند " سليمان بن داود الطيالسي (ت 203 هـ) ، ومن محمد بن بكر البُرْساني (ت 203 هـ) . ولم تذكر المصادر التي ترجمت للإمام أحمد متى دخل المِصِّيصة، وسَمِعَ فيها من حجاج بن محمدٍ الأعور (2) (ت 206 هـ) ، ولا متى خَرَجَ منها قاصداً طَرَسُوسَ للغَزَاة 2 ، ولا متى دخل الرَّقَّة، وسمع فيها من فياض بن محمد بن سنان الرَّقِّي (4) ، والذي وقفنا عليه فيها أنه في سنة (204 هـ) - وقد بَلَغ الأربعين - تَصدَّر للتحديث والفتوى، وصار يُرْحَلُ إليه 3 ، وهي السنةُ نفسها التي تُوفي فيها الإمامُ الشافعي، ودخل فيها المأمون مدينةَ بغداد.
وفي سنة (209 هـ) (6) كانت آخِرُ رحلاته، فقد خرج فيها إلى الشام، ثم لم يَخرُجْ من بغداد حتى كانت المحنة سنة (218 هـ) . وشيوخُ الإمام أحمد الذين سَمِعَ منهم يَطُولُ ذِكرُهُم، ويَشُقُّ إحصاءُ أسمائهم، كما قال الخطيب البغدادي 4 ، ولكنَّ عدد مَنْ روى عنهم في " مسنده " مئتان وثلاثةٌ وثمانونَ شيخاً (8) . وبقي الإِمام أحمد متصدِّراً للفُتيا والتحديث حتى سنة (218 هـ) حين أعلَنَ المأمون رأيه بخَلْقِ القرآن، وأمر بامتحانِ العلماءِ فيه، وقد أجابه كثيرٌ إلى ما ذَهَب إليه خوفاً من الضرب والموت، وظَلَّ الإِمامُ أحمدُ ثابتاً على موقفه بأن القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، فأمر المأمونُ بأشخاصه إليه، وكان وقتئذٍ

يغزو بلادَ الرومِ، فحُمِل إليه الإِمامُ مقيَّداً، وما إن وَصَل إلى الرَّقَّةِ حتى جاء نَعْيُ المأمون، فَرُدَّ إلى بغداد، وسُجِن فيها 1 . وتولَّى المعتصمُ الخلافةَ، وراح يُكْمِلُ ما بدأ فيه أخوه نزولاً عند وصيته، فأحضر الإمامَ أحمد من سجنه - وكان قد مرَّ عليه فيه سنتان وأربعةُ أشهرٍ - 2 وناظره في قصره مدةَ ثلاثةِ أيام 3 ، وحين أعياه ثباتُ الإِمام أحمد وجرأته أَمَر بضَرْبِه، وذلك بمشورة قاضي قضاته المعتزلي أحمد بن أبي دُوَاد، فقام الجلادون بضربه بالسياط ضرباً مُبَرِّحاً أشرف فيه على التلف، وكي لا تقومَ العامَّةُ الهائجة خارجَ القصر باضطراب لا يُعرف كيف السبيلُ للسَّيطرةِ عليه، أمر المعتصم بالإِفراج عنه، وهو يظن في نفسه أنه ميتٌ لا مَحالة 4 ، فأفرج عنه سنة (220 هـ) ، ولكن الإِمام أحمد تماثل للشفاء وإنْ بَقِيَتْ آثار ضربه ظاهرة على جسده، وعاد إلى ما كان عليه من التحديث والفتيا وحضور الجمعة والجماعة، وظلَّ كذلك حتى وفاة المعتصم سنة (227 هـ) وولاية الواثق إلى أوائل سنة (228 هـ) 5 ، إذ عاد الواثق إلى إثارة محنة خَلْق القرآن من جديد، وطلب أن تُدَرَّس هذه المسألةُ للصبيان في الكُتَّاب، فضجَّ الفُقهاءُ والمحدثون لهذا الأمر، وكادت أن تقع فتنة لولا أن الإمامَ أحمد أمرهم بالصبر حين قصدوه يُعلِنُون تبرُّمَهم من هذا الأمر، وعلم الواثقُ بخبر هذا الاجتماع، فأرسلَ الى الإِمام أحمد: أن لايجتمعنَّ إليك أحدٌ، ولا تُساكنِّي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا فيها، فاذهب حيثُ شئتَ من أرض الله.
فلزم الإِمام أحمد بيته لا

يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى هَلَك الواثق، وذلك سنة (232 هـ) 1 ، وولي المتوكلُ، فأمر بعد سنتين من خلافته - أي سنة (234 هـ) (2) - برفع المحنة، وأن يعودَ الناسُ إلى ما كانوا عليه، وراح المتوكل يَطلُبُ المحدثين إلى سامَرّا حيث كان يقيمُ ليعقِدوا مجالسَ حديثهم هناك، وكان الإمامُ أحمد قد عاد إلى تحديث أصحابه في بغداد 2 ، فأمره المتوكلُ في أواخر سنة (235 هـ) أن يَقْدَمَ إلى سامَرّا، فذهب إليه الإمام أحمد على مَضَضٍ، ثم بدا للمتوكل أن يُعِيدَهُ، فأمره وهو في طريقه إليه أن يعودَ إلى بغداد، فعاد وقد امتنع من التحديث إلا لولديه وابن عمه (4) . ثم أرسل يستدعيه من جديدٍ سنةَ (237 هـ) ، واضطُرَّ الإمام أحمد للذهاب إليه، ولكنه اكتشف أنه سيكونُ في سامَرّا في سجنٍ من نوع جديد، فانقبض، ورَفَض أن يشتري بيتاً هناك أو يحدث 3 ، وأعطى اللهَ عهداً أن لا يحدِّثَ بحديثٍ على تمامه حتى يلقاه، ولا يستثني من هذا العهد حتى ولديه.
قال الإمام أحمد: إنما يريدون أُحَدِّث، ويكون هذا البلدُ حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلدِ لما أُعطوا فقَبِلوا، وأُمِروا فحدَّثوا، والله لقد تمنَّيْتُ الموتَ في الأمرِ الذي كان، وإنني لأتمنى الموتَ في هذا وذاك، إن هذا فتنةُ الدنيا وذاك فتنةُ الدِّين.
ثم جعل يَضُمُّ أصابِعَهُ ويقول: لو كان نفسي في يدي لأرسَلْتُها، ثم يفتح أصابعه (6) . وبقي في سامَرّا ستة عشرَ يوماً 4 ، لم يَلْقَ فيها المتوكل، وإزاءَ إصراره سَمَحَ له المتوكلُ بالعودة إلى بغداد، فعاد (8) . وحاول ولدُه عبدُ الله مرةً أن

يستَدْرِجَه ليحدِّثَه بحديثٍ على تمامه - وكان عبدُ الله يشتهي الحديثَ - فامتنع، بل قال الإِمام أحمد: لو ضُرِبَتْ ظهري بالسياط ما حدَّثْتُ (1) . ولا يعني انقطاعَه عن الرواية انقطاعه عن العلم بتاتاً، فإنه قضى ما بقي من عُمُرِه في المذاكرة في الفقه والآثار وتراجم الرجال حتى وفاته في ضُحى 12 ربيع الأول سنة (241 هـ) (2) ، وهو ابن سبع وسبعين سنة، رحمه الله.
وهنا يثور سؤالٌ: متى أَسمَعَ الإِمامُ أحمد ولديه صالحاً وعبد َالله وابنَ عمه " المسنَدَ "، ومعروف أنه لم يسمعه عليه أحد غيرهم (3) ؟ . ويبدو لنا أن الإِمامَ أحمد شَرَعَ بإسماعهم " المسند " نحو سنة (225 هـ) ، واستغرق سماعُهم له نحو اثنتي عشرة سنة (4) ، فيكون أتمَّ إسماعَهم إياه نحو سنة (237 هـ) وهي السنة التي امتنع فيها عن التحديث بحديثٍ على تمامه كما مَرَّ.
وقد حَدَّدَ الإمامُ الذهبي تاريخ إسماع " المسند " في حدود سنة (227 هـ) أو (228 هـ) (5) ، وهذا التاريخُ لا يستقيم مع ما مَرَّ من أن إسماع " المسند " استغرق ثنتي عشرة سنة، ولا يستقيم أيضاً مع تاريخ امتناع الإِمام أحمد عن التحديثِ بحديثٍ على تمامه سنة (237 هـ) .

2-

جارٍ التحميل