السنة ميزان الأعمال والأقوال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد بن حنبل
- الكتاب
- مسند الإمام أحمد بن حنبل
- المؤلف
- أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)
- المحقق
- شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرونإشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ - 2001 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بحواشي التحقيق كاملة]
: ويعلمُ الراسخون في العلم، أهلُ التقوى والعقلِ والصلاحِ: أن السنةَ المطهرة هي ميزانُ الأعمال والأقوال، فالعلمُ بها واجِبٌ لِصحة العمل، والعملُ بها واجب، يقولُ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ . ومن زَاغَ عن السُّنَّة متعمِّداً، هلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . يقول ابن القيّم - رحمه الله - في " زاد المعاد ".. " والمقصودُ أنَّ بحسب متابعة الرسول تكون العزَّةُ والكفاية والنُّصرةُ، كما إن بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ والفلاحُ والنجاةُ، فالله سبحانه عَلَّقَ
سعادةَ الدَّارَيْنِ بمتابعته، وجعل شقاوةَ الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمنُ، والفلاحُ والعزّةُ، والكفايةُ والنُّصرةُ، والولاية والتأييدُ، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلةُ والصِّغارُ والخوفُ والضلالُ، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة، وقد أَقسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لا يُؤْمِن أَحَدُكُم حتى يَكُونَ هو أَحبَّ إليه مِن ولدِهِ ووالدِهِ والناسِ أَجمعين، وأَقْسَمَ الله سبحانه بأن لا يؤمن من لا يُحكِّمُه في كل ما تنازع فيه هو وغيرُه، ثم يرضى بحكمه، ولا يجدُ في نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يُسَلِّمُ له تسليماً، وينقادُ له انقياداً، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فَقَطَع سبحانه وتعالى التَّخييرَ بعد أمره وأمرِ رسولِهِ، فليس لمؤمنٍ أن يختارَ شيئاً بعد أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إذا أَمرَ فأمرُه حتم، وإنما الخِيَرَةُ في قولِ غيره إذا خَفي أَمْرُهُ، وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروطِ يكونُ قولُ غيره سائغَ الاتباع، لا واجبَ الاتباع، فلا يجب على أحدٍ أتباعُ قولِ أحدٍ سواه، بل غايتُه أنه يسوغُ له اتباعُه، ولو تَرَكَ الأخْذَ بقول غيره، لم يكن عاصياً لله ورسولِه، فأَينَ هذا ممن يَجِبُ على جمِيعِ المكلَّفينَ اتِّباعُه، ويَحْرُمُ عليهم مخالفته، ويجبُ عليهم تركُ كُلِّ قول لِقوله، فلا حُكْمَ لأحدٍ معه، ولا قولَ لأحدٍ معه، كما لا تشريعَ لأحدٍ معه، وكل مَنْ سواه، فإنما يجب اتباعُه على قوله إذا أَمَرَ بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكانَ مُبَلِّغاً محضاً، ومخْبراً لا مُنْشِئاً ومُؤسِّساً، فمن أَنْشأَ أَقوالاً وأَسَّسَ قواعِدَ بحسب فهمِه وتأويلِه، لم يجب على الأُمَّةِ اتِّباعُها، ولا التحاكمُ إليها حتى
تُعرض على ما جاءَ بهِ الرَّسولُ، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة، قُبِلَتْ حِينئذٍ، وإن خالفته وجب ردُّها واطِّرَاحُهَا ".
الإمام المُحبُّ للسنة المُدافع عن حماها:
إنَّ سَنَا الحَقِّ مُتأَلِّقٌ يَراهُ كُلُّ ذِي عينين، ولكن هناك من يتجافى عن السعادة، فيغلق عينيه دونَ النور.
لقد أرجف أقوامٌ حول السنة بأراجيفَ كثيرة.
ومن نبوءات الرسولِ ودلائلِ إعجازِهِ أَنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ من هؤلاءِ المُرْجِفينَ الَّذينَ سَيأْتُونَ مِن بعد، فقال: " يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ منكم على أَرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثي فيقول: بَيني وبينَكُم كِتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرَّمناه، وإنَّ ما حَرَّمَ رسولُ الله كما حرَّمَ الله ".
ألا إنَّ السُّنة محفوظةٌ بحِفْظِ الله.
ومن دلائل حفظه - سبحانه - لسنة نبيه: أنه انتدبَ رجالاً يذودون عن السنة ذَوْدَ الكريمِ العزيز عن حوضه، ويَرُدُّون عنها رَدَّ الغيور يد الجاني عن الحرم.
ومن هؤلاء الأَئمَّةِ الأَعلام: الإمامُ أَحْمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
فقد كان - بحق - رجلَ السُّنَّة، وإمامَ أهل السنة والجماعة في عصره.
يقول عنه موفق الدين ابنُ قدامة المقدسي - رحمه الله - في
كتابه " المغني ": " فإنَّ الله برحمته وطَوْلِه، وقوَّتِه وحَوْلِه، ضَمِنَ بقاءَ طائفة من هذه الأُمَّة على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلهم حتى يأتيَ أَمْرُ الله وهم على ذلك، وجعل السببَ في بقائهم بقاءَ عُلمائهم، واقتداءَهم بأَئِمَّتِهم وفُقهَائِهم، وجعل هذه الأُمَّة مع عُلمائِها، كالأُمم الخالية مع أنبيائِها، وأظهرَ في كُلِّ طبقةٍ من فقهائها أئمةً يُقتدى بها، وينتهى إلى رَأْيها، وجعل في سلف هذه الأُمة أئمةً من
الأَعلام، مهّد بهم قواعِدَ الإِسلام، وأَوضَحَ بهم مشكلاتِ الأَحكام، اتِّفَاقُهُم حُجَّةٌ قَاطِعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعة، تحيا القلوبُ بأَخبارِهم، وتحصلُ السعادة باقتفاءِ آثارِهم، ثم اختصَّ منهم
نفراً أَعلى أَقدارَهم ومناصبَهم، وأَبقى ذكرهم ومذاهبَهم، فعلى أقوالهم مدارُ الأحكام، وبمذاهبهم يُفتي فُقهاءُ الإسلام.
وكان إمامُنَا " أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه " مِن أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلةً، وأتبعهم لِرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعلمهم به ".
وقال عنه الإمام الشافعي - رحمه الله -: " أحمدُ ابن حنبل إمامٌ في خصالٍ كثيرةٍ: إمامٌ في الحديث، إمامٌ في الفِقْه، إمامٌ في القُرآنِ، إِمامٌ في الزُّهْد، أمامٌ في الوَرَعِ، إمامٌ في السُّنَّةِ ".