..................................
فهو كنُقْصانِه بذَهابِ بعضِ أجْزائِه، وللأبِ الرُّجُوعُ فيه، فإن رَجَع فيه، ضَمِن أرْشَ الجِنايَةِ.
وإن جُنِيَ على العَبْدِ، فرَجَعَ الأبُ فيه، فأرْشُ الجنايَةِ عليه للابنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الزِّيادَةِ المُنْفَصِلَةِ.
فإن قِيل: فلو أراد الأَبُ الرُّجُوعَ في الرَّهْنِ، وعليه فَكاكُه، لم يَمْلِكْ ذلك، فكيف يَمْلِكُ الِرُّجُوعَ في العَبْدِ الجانِي إذا أدَّى أرْشَ الجنايَةِ؟ قُلْنِا: الرَّهْنُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في العَينِ، بخِلافِ الجِنايَةِ، ولأنَّ فَكُّ الرَّهْنِ فَسْخٌ لعَقْدٍ عَقَدَه المَوْهُوبُ له، وههُنا لم يتَعَلَّقِ الحَقُّ به مِن جِهَةِ العَقْدِ، فافْتَرَقا.
..................................
فصل: فأمّا الزِّيادَةُ المُتَّصِلَةُ، كالسِّمَنِ والكِبَرِ وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، إذا زادت بها القِيمَةُ، فعن أحمدَ فيها روايَتان؛ إحْداهما، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
وهو مَذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها زِيادَة في المَوْهُوبِ، فلم تمْنَعِ الرُّجُوعَ، كالزِّيادَةِ قبلَ القَبْضِ، والمُنْفَصِلَةِ.
والثانيةُ، تَمْنَعُ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ للمَوْهُوبِ له، لكونِها نَماءَ مِلْكِه، ولم تَنْتَقِلْ إليه مِن جِهَةِ أبيه، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها، كالمُنْفَصِلَةِ، وإذا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فيها، امْتَنَعَ الرُّجُوعُ في الأصْلِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى سُوءِ المُشارَكَةِ وضَرَرِ التَّشقِيصِ، ولأنَّه فسخُ اسْتِرْجاعٍ للمالِ بفَسْخِ عَقْدٍ لغيرِ عَيبٍ في عِوَضِه، فمَنَعَه الزِّيادَةُ المُتَّصِلَةُ، كاسْتِرْجاعِ الصَّداقِ بفَسْخِ النِّكاحَ، أو نِصْفِه بالطَّلاقِ، ورُجُوعِ البائِعِ في المَبِيعِ لفَلَسِ المُشْتَرِي.
وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيبِ مِن جِهَةِ أنَّ الرَّدَّ مِن المُشْتَرِي، وقد رَضِيَ ببَذْلِ الزِّيادَةِ.
وإن فرض الكَلام فيما إذا باع عَرْضًا بعَرْض فزاد أحَدُهما، ووَجَد المُشْتَرِي بالآخَرِ عَيبًا، قُلْنا: بائِعُ المَعِيبِ سَلَّطَ المُشْتَرِيَ على الفَسْخِ ببَيعِه
..................................
المَعِيبَ، فكأنَّ الفَسْخَ وُجِد منه.
ولهذا قُلْنا فيما إذا فَسَخ الزَّوْجُ النِّكاحَ لعَيبِ المرأةِ قبلَ الدُّخُولِ: يَسْقُطُ صَداقُها، كما لو فَسَختْه.
وعلى هذا، لا فَرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في العَينِ؛ كالسِّمَنِ والطُّولِ ونحوهما، أو في المَعانِي؛ كتَعَلُّم.
صِناعَةٍ، أو كِتابَةٍ، أو قُرْآنٍ، أو عِلْم، أو إسْلام، أو قَضاءِ دَينٍ عنه.
وبهذا قال محمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ: الزيادَةُ بتَعَلُّمِ القُرْآنِ وقَضاءِ دَينٍ عنه، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
ولَنا، أنَّها زِيادَة لها مُقابِل مِن الثمَنِ، فمَنَعَتِ الرُّجُوعَ، كالسِّمَنِ، وتَعَلمِ صَنْعَةٍ.
وإن زاد ببُرْئِه مِن مَرَضٍ أو صَمَمٍ، مَنَع الرُّجُوعَ، كسائرِ الزِّياداتِ.
وإن كانت زِيادَةُ العَينِ أو التَّعَلمِ لا تزِيدُ في قِيمَتِه شيئًا أو تَنْقُصُ منها، لم تَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه ليس بزِيادَةٍ في المالِيّةِ.
فصل؛ فإن قَصَر العَينَ أو فَصَّلَها، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَة، هل تَمْنَعُ الرُّجُوعَ أو لا؟ مَبْنِيٌّ على الرِّوايَتَين في السِّمَنِ.
قال شيخُنا (1): ويَحْتَمِل أن تَمْنَعَ هذه الزِّيادَةُ الرُّجُوعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها حاصِلَةٌ بفِعْلِ الابنِ، فجَرَتْ مَجْرَى العَينِ الحاصِلَةِ بفِعْلِه، بخِلافِ السَّمَنِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ للأبِ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه نَماءُ العَينِ، فيكونُ تابِعًا لها.
وإن
وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهِبُ ثُمَّ رَجَعَ اليهِ بِفَسْخ أَوْ إِقَالةٍ، فَهَلْ لَهُ الرُجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإِنْ رَجَعَ إلَيهِ بِبَيع أَوْ هِبَةٍ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ.
وَهَبَه حامِلًا فوَلَدَتْ في يَدِ الابْنِ، فهي زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ في الوَلَدِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ الوَلَدُ زِيادَةً مُنْفَصِلَةً إذا قُلْنا: الحَمْلُ لا حُكْمَ له.
وإن وَهَبَه حامِلًا ثم رَجَع فيها حامِلًا، جاز، إذا لم تَزِدْ قيمَتُها، وإن زادتْ قِيمَتهِا، فهي زِيادَة مُتَّصِلَةٌ.
وإن وَهَبَه حائِلًا فحَمَلَتْ، فهي زِيادَة مُنْفَصِلَةٌ، وله الرُّجُوعُ فيها دُونَ حَمْلِها.
وإن قُلْنا: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له.
فزادت به قِيمَتُها، فهي زِيادَة مُتَّصِلَةٌ.
وإن لم تَزِدْ، جاز الرُّجُوعُ فيها.
وإن وَهَبَه نَخْلًا فحَمَلَتْ، فهي قبلَ التَّأْبِيرِ زِيادَة مُتَّصِلَةٌ، وبعدَه زِيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ.
2621 -
مسألة: (وإن باعَه المُتَّهِبُ ثم رَجَع إليه بفَسْخٍ أو إقالةٍ، فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَين. وإن رَجَع إليه ببَيعٍ أو هِبَةٍ، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ)
إذا خَرَجَتِ العَينُ عن مِلْكِ الابْنِ ببَيعٍ أو هِبَةٍ، ثم عادت إليه بسَبَبٍ، كبَيعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ أو إرْثٍ أو نحوه، لم يَمْلِكِ الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّها عادت بمِلْكٍ جَدِيدٍ لم يَسْتَفِدْه مِن قِبَلِ أبيه، فلا يَمْلِكُ فَسْخه
وَإِنْ وَهَبَهُ الْمُتَّهِبُ لابْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ.
وإزالتَه، كالذي لم يكنْ مَوْهُوبًا.
وإن عادت إليه بفَسْخِ العَيب أو إقالةٍ أو فَلَسِ المُشْتَرِي، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ السَّبَبَ المُزِيلَ ارْتَفَعَ، وعاد المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ، فأشبَهَ ما لو فَسخ البَيعَ بالخِيارِ.
والثانِي، لا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ عاد إليه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ مَن انْتَقَلَ إليه عليه، أشْبَهَ ما لو عاد إليه بالهِبَةِ.
فأمّا إن عاد إليه بخِيارِ الشّرْطِ أو خِيارِ المَجْلِسِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ المِلْكَ لم يَسْتَقِرَّ عليه.
2622 -
مسألة: (وإن وَهَبَه المُتَّهبُ لابنِه، لم يَمْلِكْ أبوه الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَرْجِعَ هو)
لأنَّ رُجُوعَه إبْطالٌ لمِلْكِ غيرِ ابنِه.
فإن رجَع الابنُ في هِبَتِه، احْتَمَلَ أنَّ يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ في هِبَتِه؛ لأنَّه فَسَخ هِبَتَه
وَإنْ كَاتَبَهُ أوْ رَهَنَهُ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، إلَّا أنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ.
برُجُوعِه، فعاد إليه المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّهْ رَجَع إلى ابنِه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَه ابنُ الابْنَ لأبيه (1).
2623 -
مسألة: (وإن كاتَبَه أو رَهَنَه، لم يَمْلِكْ)
أبوه (الرُّجُوعَ، إلَّا أنَّ يَنْفَكَّ الرَّهنُ وتَنْفَسِخَ) 2 أمّا إذا رَهَنَه الابنُ، فليس للأبِ1
..................................
الرُّجُوعُ قبل انْفكاكِ الرهْنِ؛ لأنَّ في ذلك إبْطال حَقِّ غيرِ الوَلَدِ.
فإنِ انْفَك الرَّهْنُ، فله الرُّجُوعُ؛ لزَوالِ المانِعِ، ولأنَّه عاد إلى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الابنِ فيه، أشْبَهَ غيرَ المَرْهُونِ.
وحُكْمُ الكِتابَةِ كذلك عندَ مَن لا يَرَى بَيعَ المُكاتَبِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وجَماعَةٍ غيرِه.
فأمّا مَن أجاز بَيعَ المُكاتبِ فحُكْمُه عندَه كالعَينِ المُسْتَأجَرَةِ، والمُزَوَّجِ، على ما ذَكَرناه.
..................................
فصل: والرُّجُوعُ في الهِبَةِ أنَّ يقولَ: قد رَجَعْتُ فيها.
أو: ارْتَجَعْتُها.
أو: رَدَدْتُها.
أو نحوَ ذلك مِن الألفاظِ الدّالَّةِ على الرُّجُوعِ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بقَضاءِ قاض؛ لأنَّ مِلْكَ المَوْهُوبِ له مُسْتَقِرٌّ.
ولَنا، أنَّه خِيارٌ في فَسْخِ عَقْدٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى قَضاءٍ، كالفَسْخِ بخِيارِ الشرْطِ.
فإن أخَذَ ما وَهَبَه لوَلَدِه ونَوَى به الرُّجُوعَ، كان رُجُوعًا، والقولُ قَوْلُه في نِيَّتِه؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا منه.
فإن مات الأبُ ولم يُعْلَمْ هل نَوَى الرُّجُوعَ أوْ لا، ولم تُوجَدْ قَرِينَة تَدُلُّ على الرُّجُوعِ، لم نَحْكُمْ بأنَّه رُجُوعٌ؛ لأن الأخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وغيرَه، فلا نزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا بأمْر مَشْكُوكٍ فيه.
فإنِ اقْتَرَنَتْ به قَرائِنُ دالّةٌ على الرُّجُوعِ، كان رُجُوعًا، في أحَدِ الوَجْهَين.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّنا اكْتَفَينا في العَقْدِ بدَلالةِ الحالِ في الفَسْخِ، ولأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنما كان رُجُوعًا لدَلالتِه عليه، فكذلك كلُّ ما دَلَّ عليه.
والآخَرُ، لا يكونُ رُجُوعًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المِلْكَ ثابِتٌ
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا: إنْ كَانَ سَأَلهَا ذلِكَ رَدَّهُ إِلَيهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَهَا لَا تَهَبُ لَهُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إِضْرَارٍ بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا.
للمَوْهُوبِ له يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بالصَّرِيحِ.
قال شيخُنا (1): ويُمْكِنُ أنَّ يَنْبَنِيَ هذا على نَفْسِ العَقْدِ، فمَن أوْجَبَ الإيجابَ والقَبُولَ فيه، لم يَكْتَفِ ههُنا إلا بلَفْظٍ يَقْتَضِي زَواله، ومَن اكْتَفَى في العَقْدِ بالمُعاطاةِ الدّالَّةِ على الرِّضَا به، فههُنا أوْلَى.
فإن نَوَى الرُّجُوعَ مِن غيرِ فِعْلٍ ولا قولٍ، لم يَحْصُلِ الرُّجُوعُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثباتُ المِلْكِ على مالٍ مَمْلُوكٍ لغيرِه، فلم يَحْصُلْ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كسائِرِ العُقُودِ.
وإن عَلَّقَ الرُّجُوعَ بشَرْطٍ، فقال: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فقد رَجَعْتُ في الهِبَةِ.
لم يَصِحَّ؛ لأن الفَسْخَ للعَقْدِ لا يَقِفُ على شَرْطٍ لا يَقِفُ العَقْدُ عليه.
2624 -
مسألة: (وعن أحمدَ، في المرأةِ تَهَبُ زَوْجَها مَهْرَها: إن كان سَألَها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنَّها لا تَهَبُه له إلَّا مَخافَةَ غضَبِه أو إضْرارٍ بها بأن يَتَزَوَّجَ عليها)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في هِبَةِ المرأةِ زَوْجَها، فعنه، لا رُجُوعَ لها.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي،1
..................................
وعَطاءٌ، وقَتادَةُ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ 2. الآية.
وعُمُومِ الأحادِيثِ.
وعنه رِوايَةٌ ثانيةٌ، لها الرُّجُوعُ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن المرأةِ تَهَبُ ثم تَرْجِعُ، فرَأيتُه يَجْعَلُ النِّساءَ غيرَ الرِّجالِ، ثم ذَكَر الحديثَ: «إنَّمَا يَرْجِعُ في المَوَاهِبِ النِّسَاءُ وشِرَارُ النّاسِ» 3. وذَكَر حديثَ عُمَرَ: إنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ أزْواجَهُن رَغْبَة ورَهْبَةً، فأيُّما امرأةٍ أعْطَتْ زَوْجَها شيئًا ثم أرادت أنَّ تَعْتَصِرَه فهي أحَقُّ به 4. رَواه الأثْرَمُ 5. وهذا قولُ شرَيحٍ، والشعْبِيِّ.
وحَكاه الزُّهْرِيُّ عن القُضاةِ.
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، نَقَلَها عنه أبو طالِبٍ: إذا وَهَبَتْ له مَهْرَها، فإن كان سألها ذلك رَدَّه إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنها لا تَهَبُ إلَّا مَخافَةَ غَضَبِه أو إضْرارٍ بأن يَتَزَوَّجَ عليها، وإن لم يكنْ سَألها وتَبَرَّعَتْ 6 به، فهو جائِزٌ.
فظاهِرُ هذه الرِّوايَةِ، أنَّه متى كانت مع الهِبَةِ قَرِينَةٌ؛ مِن مَسْألَتِه لها، أو غَضَبٍ عليها، أو ما يَدُلُّ على خَوْفِها منه، فلها الرُّجُوعُ؛ لأن شاهِدَ الحالِ يَدُلُّ على أنَّها لم تَطِبْ به نَفْسًا، وإنَّما أباحه اللهُ تعالى عندَ طيبِ نَفْسِها بقَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
فيكونُ فيها ثلاثُ رِواياتٍ؛
فَصْلٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَمَلَّكَهُ مَعَ حَاجَتِهِ وَعَدَمِهَا، فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابْنِ بِهِ.
إحْداها، لَيسَ لها الرُّجُوعُ، كالأجْنَبِيِّ.
والثانيةُ، لها الرُّجُوعُ مُطْلَقًا؛ لحديثِ عُمَرَ.
والثالثةُ، التَّفْصِيلُ الذي ذَكَرْناه.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وللأبِ أنَّ يَأْخُذَ مِن مال وَلَدِه ما شاء، ويتَمَلَّكَه مع حاجَتِه وعَدَمِها، في صِغَرِه وكِبَرِه، ما لم تتَعلَّقْ حاجَةُ الابنِ به) إنَّما يَجُوزُ ذلك بشَرْطَين؛ أحَدُهما أنَّ لا يُجْحِفَ بالابنِ، ولا يَضُرَّ به، ولا يَأْخُذَ شيئًا تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه.
الثانِي، أنَّ لا يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدٍ فيُعْطِيه الآخَرَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ إسماعِيلَ بنِ سعيدٍ؛ لأنَّه
..................................
مَمْنُوع مِن تَخْصِيصِ بعضِ وَلَدِه بالعَطِيَّةِ مِن مالِ نَفْسِه، فلَأن يُمْنَعَ مِن تَخْصِيصِه بما أخَذَه مِن مالِ وَلَدِه الآخَرِ أوْلَى.
وقد رُوِيَ أنَّ مَسْرُوقًا زَوَّجَ ابْنَتَه بصداق عَشَرَةِ آلافٍ فأخَذَها فأنفَقَها في سَبِيلِ اللهِ، وقال للزَّوْج: جَهِّزِ امْرَأتكَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: ليس له أنَّ يَأخُذَ مِن مالِ وَلَدِه إلَّا بقَدْرِ حاجَتِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ
..................................
دِمَاءَكُمْ وَأمْوَلُكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هذا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى الحَسَنُ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ أحَدٍ أحَقُّ بِكَسْبِه مِنْ وَلَدِه وَوَالِدِه والنَّاسِ أجْمَعِينَ».
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 2. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحِل مَالُ امْرِئ مُسْلِم إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِه».
رَواه الدّارَقُطنيُّ 3. ولأن مِلْكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، فلم يَجُزِ انْتِزاعُه منه، كالذي تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه.
ولَنا، [ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِيَ اللهُ عنها] 4، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وإن أوْلَادَكُم مِنْ كَسْبِكُمْ».
أخْرَجَه سعيدٌ، والتِّرْمِذيُّ 5، وقال: حديث حسن.
وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: جاء رجل إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ أبى اجْتاحَ مالي.
فقال: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ».
رَواهُ الطَّبرَانِيُّ في
..................................
«مُعْجَمِه» مُطَولًا، ورَواه ابنُ ماجه 1، ورَوى أبو داودَ نحوَه، ورَواه غيرُه، وزاد: «وإن أوْلَادَكُم مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أمْوالِهِمْ».
وروَى محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، والمُطَّلِبُ بنُ حَنْطَب، قال: جاء رجل إلي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ لي مالًا وعِيالًا، ولأبي مالٌ وعِيَالٌ، وأبي يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ مالي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
رواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 2. ولأن الله تعالى جَعَل الوَلَدَ مَوْهُوبًا لأبيه فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ 3. وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ 4. وقال زَكَرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ 5. وقال إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ 6. وما كان مَوْهُوبًا له كان له أخْذُ مالِه، كعَبْدِه.
قال.
سُفْيانُ بنُ عُيَينَةَ، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ 7. ثم ذَكَر
وَإِنْ تَصَرَّفَ فيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ؛ بِبَيعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أوْ إبْرَاءٍ مِنْ دَين، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ.
بُيُوتَ سائِرِ القَراباتِ إلَّا الأوْلادَ لم يَذْكُرْهم؛ لأنَّهم دَخَلُوا في قَوْلِه: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾.
فلَمّا كانت بُيُوتُ أوْلادِهم كبُيُوتِهم، لم يَذْكُرْ بُيُوتَ أوْلادِهم.
ولأنَّ الرجلَ يَلِي مَال وَلَدِه مِن غيرِ تَوْلِيَةٍ، فكان له التَّصَرُّفُ فيه كمالِ نَفْسِه.
وأمّا أحادِيثُهم فأحادِيثُنا تَخُصُّها وتُفَسِّرُها، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل مال الابنِ مالًا لأبِيه بقَوْلِه: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
ولا تَنافِيَ بينَهما.
وقولُه عليه السَّلامُ: «أَحَقُّ بِه مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِه».
الحديث مُرْسَلٌ.
ثم هو يَدُلُّ على تَرْجِيحِ حَقِّه على حَقِّ أبيه لا على نَفْي الحَقِّ بالكُلِّيَّةِ، والوَلَدُ أحَقُّ مِن الوالِدِ فيما تعَلَّقَتْ به حاجَتُه.
2625 -
مسألة: (فإن تَصَرَّفَ فيه قبلَ تَمَلُّكه؛ ببَيعٍ، أو عِتْقٍ، أو إبْراءٍ مِن دَين، لم يَصِحَّ تَصرُّفُه)
فيه.
نَصَّ عليه أحمدُ، قال: لا يجوزُ عِتْقُ الأبِ لعَبْدِ ابْنِه ما لم يَقْبِضْه.
فعلى هذا، لا يَصِحُّ إبْراؤُه مِن دَينِه،
..................................
ولا هِبَتُه لمالِه، ولا بَيعُه له؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه.
وذَكَر ابنُ أبي موسى في «الإرْشادِ» قال: إذا وَهَب الابنُ مِن مالِه شيئًا فليس لأبيه الاعْتِراضُ عليه؛ إلا أنَّ يكونَ للوَلَدِ عَقارٌ يَكْفِيه ويَكْفِي أباه، ولا مال له غيرُه، ولا مال لأبيه، فإنَّ أحمدَ قال: إنِ اعْتَرَضَ عليه الوالِدُ رَأيتُ أنَّ يَرُدَّه الحاكِمُ على الأبِ ولا يَبْقى فَقِيرًا لا حِيلَةَ له.
ويَحِلُّ له وَطْءُ جَوارِيه، ولو كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا لم يَحِلَّ له الوَطْءُ كما لا يَحِلُّ وَطْءُ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وإنَّما للأبِ انْتِزاعُه منه، كالعَينِ التي وَهَبَها إيّاه، فقبلَ انْتِزاعِها لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ ولايةٍ.
وإن كان الابنُ صَغِيرًا، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بما لا حَظَّ للصَّغِيرِ فيه، وليس مِن الحَظِّ إسْقاطُ دَيِنِه وعِتْقُ عَبْدِه وهِبَةُ مالِه.
قال أحمدُ: بينَ الرجلِ وبينَ وَلَدِه رِبًا.
لِما ذَكَرْناه مِن أنَّ مِلْكَ الابنِ على مالِه تامٌّ.
وَإنْ وَطِيء جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَحْبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ وَلَا حَدَّ.
وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ.
2626 - مسألة: (وإن وَطِيء جارِيَةَ ابنِه فأحْبَلَها، صارت أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ لا تَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا حَدَّ)
عليه (ولا مَهْرَ.
وفي التَّعْزِيرِ وَجْهان) قال أحمدُ: لا يَطَأُ جارِيَةَ الابنِ إلا أنَّ يَقْبِضَها.
يَعْنِي يتمَلكُها؛ لأنَّه إذا وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكها، فقد وَطِئَها وليست زَوْجَةً ولا مِلْكَ يَمِين، فإن تَمَلَّكَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤها حتى يَسْتَبْرِئَها؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْك، فوَجَبَ الاسْتِبْراءُ فيه، كما لو اشْتَراها.
فإن كان الابنُ قد وَطِئَها، لم تَحِلَّ له بحالٍ.
فإن وَطِئَها قبلَ تَمَلكِها، ولم يكنْ الابنُ وَطِئَها، كان مُحَرَّمًا مِن وجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّه وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها.
والثانِي، أنَّه وَطِئَها قبلَ اسْتِبْرائِها.
وإن كان الابنُ وَطِئَها، حُرِّمَتْ بوَجْهٍ ثالثٍ، وهو أنَّها صارت بمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابنه، فإن فَعَل، فلا حَدَّ عليه لشُبْهَةِ المِلْكِ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -
..................................
أضاف مال الوَلَدِ إلى أبيه، فقال: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
وإن وَلَدَتْ منه، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَط فيه الحَدُّ للشبْهَةِ، وليس للابنِ مُطالبَتُه بشيءٍ مِن قِيمَتِها ولا قِيمَةِ وَلَدِها ولامَهْر، ويَجِبُ تَعْزِيرُه في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه وَطِيء وطْئًا مُحَرَّمًا، أشْبَهَ وَطْءَ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ.
والثاني، لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّه لا يُقْتَصُّ منه بالجِنَايةِ على وَلَدِه، فلا يُعَزرُ بالتَّصَرُّفِ في مالِه.
والأوّلُ أوْلَى؛ لأنّ التعْزِيرَ ههُنا حَقٌّ للهِ تعالى، بخِلافِ الجِنَايةِ على وَلَدِه؛ لأنَّها حَقٌّ للوَلَدِ.
..................................
فصل: وليس لغيرِ الأبِ الأخْذُ مِن مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، للأحادِيثِ التي ذَكَرْناها؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في الأبِ بقَوْلِه 1 عليه السَّلامُ: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ للأبِ ولايَةً على وَلَدِه ومالِه إذا كان صَغِيرًا، وله شفقَةٌ تامَّةٌ وحَق مُتَأكِّدٌ، ولا يَسْقُطُ مِيراثُه بحالٍ.
والأُمُّ لا تَأْخُذُ؛ لأنَّها لا ولايةَ لها، والجَدُّ أيضًا لا يَلِي على مالِ وَلَدِ ابْنِه، وشَفَقَتُه قاصِرَةٌ عن شَفَقَةِ الأبِ، ويُحْجَبُ به في المِيراثِ، وفي ولايَةِ النِّكاحِ.
وغيرُهما مِن الأقارِب والأجانِبِ ليس لهم الأخْذُ بطَريقِ التَّنْبِيهِ؛ لأنَّه إذا امْتَنَعَ الأخْذُ في حَقِّ الأُمِّ والجَدِّ مع مُشارَكَتِهما للأب في بعض المَعانِي، فغيرُهما ممن لا يُشارِكُ في ذلك أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجُوزَ للأمِّ؛ لدُخُولِ وَلَدِها في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَوْلَادُكُمْ﴾.
وَلَيسَ لِلابْنِ مُطَالبَةُ أبِيهِ بِدَين، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيرِ ذَلِكَ.
2627 - مسألة: (وليس للابنِ مُطالبَةُ أبيه بدَين، ولا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، ولا أرْشِ جِنايَةٍ، ولا غيرِ ذلك)
وبه قال الزُّبيرُ بنُ بَكّارٍ.
ومُقْتَضَى قولِ سُفْيانَ بنِ عُيَينَةَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ:
..................................
له ذلك؛ لأنَّه دَين ثابتٌ، فجازَتِ المُطالبَة به، كغيرِه.
ولنا، أَنْ رجلًا جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأبيه يَقْتَضِيه دَينًا عليه، فقال: «أنْتَ وَمَالكَ لِأَبيكَ».
رَواه الخَلَّال بإسْنادِه 1. وروَى الزُّبَير بن بَكّارٍ في «المُوَفَّقِيّاتِ» 2 أنَّ رجلًا اسْتَقْرَضَ مِن ابنِه 3 مالًا فحبَسه فأطال حَبْسَه، فاسْتَعْدَى عليه الابنُ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، وذَكَرَ قِصَّتَه في شِعْر، فأجَابَه أبوه بشِعْرٍ أيضًا، فقال عليٌّ رَضِيَ الله عنه:
قد سَمِعَ القاضِي ومِن رَبِّي الفَهمْ
المال لِلشَّيخِ جَزَاءٌ بالنّعَمْ
يَأْكُلُه بِرَغْمِ أنْفِ مَن رَغِمْ
مَنْ قال قَوْلًا غيرَ ذا فَقَدْ ظَلَمْ
وجَارَ في الحُكْمِ وبِئْسَ ما جَرَمْ
..................................
قال الزُّبَيرُ: إلى هذا نَذْهَبُ.
ولأنَّ المال أحَدُ نَوْعَي الحُقُوقِ، فلم يَمْلِكْ مُطالبَةَ أبيه به، كحُقُوق الأبدانِ.
ويُفارِقُ الأبُ غيرَه بما يَثْبُتُ له مِن الحَق على وَلَدِه.
فإن مات الابنُ فانْتقَلَ الدَّينُ إلى وَرَثَتِه، لم يَمْلِكُوا مُطالبَةَ الأبِ؛ لأنَّ مَوْرُوثَهم لم يكنْ له المُطالبَةُ، منهم أوْلَى.
فإن مات الأبُ، فقِيلَ: يَرْجِعُ الابنُ في تَرِكَتِه بدَينِه؛ لأنَّ دَينَه عليه لم يَسْقُطْ عن الأبِ، وإنَّما تَأخَّرَتِ المُطالبَةُ.
وعن أحمدَ، إذا مات الأبُ بَطَل دَينُ الابنِ.
وقال، في مَن أخَذَ مِن مَهْرِ ابْنَتِه شيئًا فأنْفَقَه: ليس عليه شيءٌ، ولا يُؤْخَذُ مِن بعدِه، وما أصابت مِن المَهْرِ مِن شيء بعَينِه أخَذَتْه.
وتأوَّلَ بعضُ 1 أصحابنا كلامَ أحمدَ على أنَّه أخَذَه على سَبِيلِ التَّمْلِيك؛ لأن أخْذَه له وإنْفاقَه دَلِيل على قَصْدِ التَّمْلِيك، فيَثْبُتُ المِلْكُ له بذلك الأخْذِ.
والله أعلمُ.
وَالْهَدِيّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ.
2628 - مسألة: (والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ نَوْعان مِن الهِبَةِ)
الهبَةُ 1 والعَطِيَّةُ تَشْمَلُ الكلَّ، وكذلك النِّحْلَةُ، ومَعانِيها كلُّها مُتَقارِبَةٌ، إلَّا أنَّه في الغالِبِ مَن أعْطَى شيئًا يَنْوي به التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى للمُحْتاجِين؛ سُمِّيَ صَدَقَةً، وإن دَفَع إلى غيرِ مُحْتاجٍ للتَّقَرُّبِ والمَحَبَّةِ فهي هِبَةٌ.
ومَن بَعَث على هذا الوَجْهِ (1) إلى إنْسانٍ مع غيرِه سُمِّيَ هَدِيَّةً.
وكل ذلك مُسْتَحَب مَنْدُوبٌ إليه.
وأحْكامُ ذلك أحْكامُ الهِبَةِ، ويُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ مِن الشُّرُوطِ على ما سَبَق.
فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ المَريضِ: أمَّا الْمَرِيضُ غَيرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أو مَرَضًا غَيرَ مَخُوفٍ كَالرَّمَدِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ، وَنحْوهِ، فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءٌ، تَصِحُّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ.
فصلٌ في عَطيَّةِ المَريضِ: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (أمّا المَرِيضُ غيرَ مَرَضِ المَوْتِ، أو مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ؛ كالرَّمَدِ، ووَجَعِ الضِّرْسِ، والصداعِ، ونحوه، فعَطاياه كعَطايا الصَّحِيحِ سَواءٌ، تَصِحُّ بن جَمِيعِ مالِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ عَطايا المَرِيضِ إذا بَرَأَ مِن مَرَضِه، أو كان مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ كالذي ذَكَرَه، وكذلك ما في مَعْناه؛ كالجَرَبِ، والحُمَّى اليَسِيرَةِ ساعَةً أو نحوَها، والإسْهالِ اليَسِيرِ مِن غيرِ دَم، فعَطاياه مثلُ عَطايا الصَّحِيحِ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه في العادَةِ.
وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ؛ كَالْبِرْسَامِ، وَذَاتِ الْجَنْبِ، وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، وَالْفَالِجِ فِي
2629 - مسألة: (وإن كان مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفَ، كالبِرْسامِ)
وهو بُخارٌ يَرْتَقِي إلى الرَّأْسِ، ويُؤثِّرُ في الدِّماغِ، فيَخْتَل عَقْلُ صاحِبِه (وذاتِ الجَنْب) وهو قَرْحٌ بباطِنِ الجَنْبِ، ووَجَعِ القَلْبِ والرِّئَةِ، فإنَّها لا تَسْكُنُ حَرَكَتُها، فلا يَنْدَمِلُ جُرْحُها (والرُّعافِ الدّائِمِ) فإنَّه يُصَفِّي الدَّمَ فيُذْهِبُ القُوَّةَ، والقُولَنْجِ، وهو أنَّ يَنْعَقِدَ الطَّعامُ في بعضِ الأمْعاءِ 1 ولا يَنْزِلَ عنه، فهذه مَخُوفةٌ وإن لم يكنْ معها حُمَّى، وهي مع الحُمَّى أشَدُّ خَوْفًا.
وإن ثاوَرَه 2 الدَّمُ واجْتَمَعَ في عُضْو، كان مَخُوفًا؛ لأنَّه مِن الحَرارَةِ المُفْرِطَةِ.
وإن هاجَتْ به الصَّفْراءُ، فهي مَخُوفةٌ؛ لأنَّها تُورثُ يُبُوسَةً، وكذلك البَلْغَمُ إذا هاج؛ لأنَّه مِن شِدَّةِ البُرُودَةِ، وقد تَغْلِبُ على الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَتُطفِئها.
والطّاعُونُ مَخُوفٌ؛ لأنَّه مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ، إلَّا أنَّه يكونُ في جَمِيع
ابْتِدَائِه، وَالسُّلِّ فِي انْتِهَائِه، وَمَا قَال عَدْلَانِ مِنْ أهْلِ الطِّبِّ: إنَّهُ مَخُوفٌ،
البَدَنِ.
وأمّا الإسْهالُ، فإن كان مُتَحَرِّكًا لا يُمْكِنُه إمْساكُه، فهو مَخُوفٌ وإن كان ساعَةً؛ لأنَّ مَن لَحِقَه ذلك أسْرَعَ في هَلاكِه.
وإن كان يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، فإن كان يَوْمًا أو يَوْمَين فليس بمَخُوفٍ؛ لأن ذلك قد يكونُ مِن فَضْلَةِ الطَّعامِ، إلَّا أنَّ يكونَ معه زَحِيرٌ 1 أو تَقْطِيعٌ، كأنَّه يَخْرُجُ مُتَقَطِّعًا، فإنَّه يكونُ مَخُوفًا؛ لأن ذلك يُضْعِفُ.
وإن دام الإسْهالُ فهو مَخُوفٌ، سَواءٌ كان معه ذلك أو لم يكنْ (و) كذلك (الفَالِجُ 2 في ابْتِدائِه؛ والسُّلُّ في انْتِهائِه) والحُمَّى المُطبقَةُ.
وما أشْكَلَ مِن ذلك رُجِع فيه إلى قولِ عَدْلَين مِن الأطِبّاءِ؛ لأنهم أهْلُ الخِبْرَةِ بذلك.
ولا يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه يتَعَلَّقُ به حَقُّ الوارِثِ والمُعْطِي.
وقِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ،
فَعَطَايَاهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ، وَلَا تَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ
أنَّه يُقْبَلُ قولُ واحِدٍ عَدْلٍ، إذا لم يُقدَرْ على طَبِيبين.
فهذا الضرْبُ وما أشْبَهَه، عَطاياه صَحِيحَة؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أوْصَى حينَ جُرِح فسَقاه الطَّيبُ لَبَنًا فخَرَجَ مِن جُرْحِه، فقال له الطَّيبُ: اعْهَدْه إلى النّاسِ.
فعَهِدَ اليهم ووَصَّى (1). فاتَّفَقَ الصحابةُ على قَبُولِ عَهْدِه ووَصيَتِّيه.
وكذلك أبو بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، عَهِد إلى عُمَرَ حينَ اشْتَدَّ مَرَضُه، فَنَفَّذَ عَهْدَه.
فصل: فإن كان المَرِيضُ يَتَحَقَّقُ تَعْجِيلُ مَوْتِه، فإن كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ، مثلَ مَن ذُبِح، أو أُبِينَتْ حَشْوَتُه، فلا حُكْمَ لكَلامِه ولا لعَطيَّتِه.
وإن كان ثابتَ العَقْلِ، كمَن خُرِقَتْ حَشْوَتُه، أو اشْتَدَّ مَرَضُه ولم يَتَغيَّرْ عَقْلُه، صَحَّ تَصَرُّفُه وعَطيَّتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه.
وكذلك عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، بعدَ ضَرْبِ ابنِ مُلْجِمٍ، وَصَّى وأمَرَ ونَهَى (2). ولم يُخْتَلَفْ في صِحَّةِ ذلك.
2630 -
مسألة: (فعَطاياه كالوَصِيَّةِ في أنَّها لا تصِحُّ لوارِثٍ، ولا
12
بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ، مِثْلَ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُحَابَاةِ.
لأجْنَبِيٍّ بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ؛ كالهِبَةِ، والعِتقِ، والكِتابةِ، والمُحاباةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّبرُّعاتِ المُنْجَزَةَ؛ كالعِتْقِ، والمُحاباةِ، والهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، والصدَقَةِ، والوَقْفِ، والإبراءِ مِن الدَّينِ، والعَفْو عن الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، والكِتابَةِ، إذا كانت في الصِّحَّةِ، فهي مِن رَأْسِ المالِ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن كانت في مَرَض مَخُوفٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ، فهي مِن ثُلُثِ المالِ، في قولِ الجُمْهُورِ.
وحُكِيَ عن أهلِ الظّاهِرِ في الهِبَةِ المَقْبُوضَةِ، أنها مِن رَأسِ المالِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيكُم عِندَ وَفَاتِكُم بثُلُثِ أمْوالِكُم، زِيادَةً لَكُم في أعْمالِكُم».
رَواه ابنُ ماجه 1. وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس له أكْثَرُ مِن الثُّلُثِ.
وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَين، أنَّ رجلًا أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ 2 له في مَرَضِه، لا مال له غيرُهم، فاسْتَدعاهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فجَزَأهم ثلاثةَ
..................................
أجْزاءٍ وأقْرَعَ بينَهم، فأعْتَقَ اثْنَين وأرَقَّ أرْبَعَةً.
رَواه مسلمٌ 1. وإذا لم يَنْفُذِ العِتْقُ مع سِرايَتِه، فغيرُه أوْلَى.
ولأنَّ هذه الحال الظّاهِرُ منها المَوْتُ، فكانت عَطيَّتُه فيها في حَقِّ وَرَثَتِه لا تَتَجاوَزُ الثُّلُثَ، كالوَصِيَّةِ.
فصل: وحُكْمُ العَطايا في مَرَضِ المَوْتِ حُكْمُ الوَصِيَّةِ في خَمْسَةِ أشياءَ؛ أحَدُها، أن يَقِفَ نُفُوذُها على خُرُوجِها مِن الثُّلُثِ، أو 2 إجازَةِ الوَرَثَةِ.
الثانِي، أنَّها لا تَصِحُّ للوارِثِ إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ.
الثالثُ، أنَّ فَضِيلَتَها ناقِصَةٌ عن فَضِيلةِ الصَّدَقَةِ في الصِّحَّةِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن
..................................
أفْضَلِ الصَّدَقَةِ، قال: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لفلانٍ كَذَا، ولِفُلانٍ كَذا، وقَدْ كان لفُلانٍ».
مُتَّفَق عليه 1. الرابعُ، أنَّ العَطايا تَتَزاحَمُ في الثُّلُثِ إذا وَقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَةً، كتَزاحُمِ الوَصايا فيه.
الخامسُ، أنَّ خروجَها مِن الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حال المَوْتِ لا قبلَه ولا بعدَه.
فَأمَّا الْأمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالسُّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِج فِي دَوَامِهِ، فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإلَّا فَلَا، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُلُثِ.
2631 - مسألة: (فأمّا الأمْراضُ المُمْتَدَّةُ؛ كالجُذامِ)
وحُمَّى الرِّبْعِ 1 (والسُّلِّ) في ابْتِدائِه (والفالِجِ في دَوامِه، فإن صار صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ فهي مَخُوفةٌ، وإلَّا فلا) قال القاضي: إذا كان يَذْهَبُ ويَجِئُ، فعَطاياه مِن جَمِيعِ المالِ، هذا تَحْقِيقُ المَذْهَبِ.
وقد روَى حَرْبٌ، عن أحمدَ، في وَصِيَّةِ المَجْذُومِ والمَفْلُوجِ: مِن الثُّلُثِ.
وهو مَحْمُولٌ على أنَّه صار صاحِبَ فِرَاشٍ وبه يقولُ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ.
وذكر أبو بكرٍ وَجْهًا آخَرَ، أنَّ عَطايا هؤلاء مِن المالِ كلِّه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُخافُ تَعْجِيلُ المَوْتِ فيه، وإن كان لا يَبْرأُ منه فهو كالهَرِمِ.
ولَنا، أنَّه مَرِيضٌ صاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ، أشْبَهَ صاحِبَ الحُمَّى الدّائِمةِ، وأمّا الهَرِمُ فإن صار صاحِبَ فِرَاشٍ، فهو كمَسْألَتِنا.
وَمَنْ كَانَ بَينَ الصَّفَّينِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْب، أوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، أوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ، وَالْحَامِل عِنْدَ الْمَخَاضِ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أشْهُرٍ.
وَقِيلَ عَنْ أحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ.
2632 - مسألة: (ومَن كان بينَ الصَّفَّينِ عندَ التِحامِ الحَرْبِ، أو في لُجَّةِ البَحْرِ عندَ هَيَجانِه، أو وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، أو قُدِّم ليُقْتَصَّ منه، والحامِلُ عندَ المَخاضِ، فهو كالمَرِيضِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخَوْفَ يَحْصُلُ في هذه المواضِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، فيَقُومُ مَقامَ 1 المَرَضِ؛ أحَدُها، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ واخْتَلَطَتِ الطّائِفَتان للقِتالِ، وكانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُكافِئَةً للأُخْرَى أو مَقْهُورَةً.
فأمّا القاهِرَةُ منهما بعدَ ظُهُورِها فليست خائِفَةً.
وكذلك إذا لم يَخْتَلِطُوا، بل كانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُتَمَيِّزَةً، سَواء كان بينَهما رَمْيُ السِّهامِ أو لم يكُنْ، فليست حالةَ
..................................
خَوْفٍ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطّائِفَتَين مُتَّفِقَتَين في الدِّينِ أوْ لا.
وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ.
ونحوُه عن مَكْحُولٍ.
وعن الشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، كقولِ الجَماعَةِ.
والثانِي، ليس بخَوْفٍ؛ لأنَّه ليس بمَرِيضٍ 1. ولَنا، أنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ ههُنا كتَوَقُّعِ المَرَضِ أو أكْثَرَ، فوَجَبَ أن يُلْحَقَ به، ولأنَّ المَرَضَ إنَّما جُعِل مَخُوفًا لخَوْفِ صاحِبِه التَّلَفَ، وهذا كذلك.
قال أحمدُ: إذا حَضَر القِتال كان عِتْقُه مِن الثُّلُثِ.
وعنه، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ فوَصِيَّتُه مِن المالِ كلِّه، لكنْ يَقِفُ الزَّائِدُ عن الثُّلُثِ على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإنَّ حُكْمَ وصِيَّةِ الصَّحِيحِ وخائِفِ التَّلَفِ واحِدٌ، فيَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ هذا رِوايَةً ثانيةً؛ وسَمَّى العَطيَّةَ وَصِيَّةً تَجَوُّزًا؛ لكَوْنِها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على حَقِيقَتِه في صِحَّةِ الوَصِيَّةِ مِن المالِ كلِّه.
الثانيةُ، إذا قُدِّمَ ليُقْتَلَ، فهي حالةُ خَوْفٍ، سَواء أُرِيدَ قَتْلُه للقِصاصِ أو لغيرِه.
وللشافعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، هو مَخُوفٌ.
..................................
والثانِي، إن جُرِح فهو مَخُوفٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه صَحِيحُ البَدَنِ، والظّاهِرُ العَفْوُ عنه.
ولَنا، أنَّ التَّهْدِيدَ بالقَتْلِ جُعِل إِكْراهًا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلاقِ وصِحَّةَ البَيعِ، ويُبِيحُ كَثِيرًا مِن المُحَرَّماتِ، ولولا الخَوْفُ لم تثْبُتْ هذه الأحْكامُ، وإذا حُكِم للمَرِيضِ وحاضِرِ الحَرْبِ بالخَوْفِ مع ظُهُورِ السَّلامَةِ وبُعْدِ وُجُودِ التَّلَفِ، فمع ظُهُورِ التَّلَفِ وقُرْبِه أوْلَى، ولا عِبْرَةَ بصِحَّةِ البَدَنِ، فإنَّ المَرَضَ لم يكنْ مُثْبِتًا لهذا الحُكْمِ لعَينِه، بل لخَوْفِ إفضائِه إلى التَّلَفِ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ ههُنا بطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، لظُهُورِ التَّلَفِ.
الثالثةُ، إذا رَكِب البَحْرَ، فإن كان ساكِنًا، فليس بمَخُوفٍ، وإنِ اضْطَرَبَ وهَبَّتِ الرِّيحُ العاصِفُ، فهو مَخُوفٌ، وقد وَصَفَهَم الله تعالى بشِدَّةِ الخَوْفِ، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية إلى قَوْلِه: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ 1. الرابعةُ، الأسِيرُ [والمَحْبُوس] 2 إذا كان مِن عادَتِهم القَتْلُ، فهو خائِفٌ، عَطيَّتُه مِن الثُّلُثِ، وإلَّا فلا.
وهذا قولُ أبي
..................................
حنيفةَ، ومالِكٍ، وابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال الحَسَنُ لَمّا حَبَسَ الحَجّاجُ إياسَ بنَ مُعاويةَ: ليس له مِن مالِه إلَّا الثُّلُثُ.
وقال أبو بكرٍ: عَطِيَّةُ الأسِيرِ مِن الثُّلُثِ.
ولم يُفَرِّقْ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وتَأوَّلَ القاضِي ما رُوِيَ، وهو على ما ذَكَرْناه مِن التَّفْصِيلِ ابْتِداءً.
وقال الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ: الغازِي عَطِيَّتُه مِن الثُّلُثِ.
وقال مَسْرُوقٌ: إذا وَضَع رِجْلَه في الغَرْزِ.
وقال الأوْزاعِيُّ: المَحْصُورُ في سِبيلِ الله والمَحْبُوسُ يَنْتَظِرُ القَتْلَ، هو في ثُلُثِه.
والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرْناه مِن التَّفْصِيلِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الحَبْسِ والأسْرِ مِن غيرِ خَوْفِ القَتْلِ، ليس بمَرَضٍ، ولا هو في مَعْنَى المَرَضِ في الخَوْفِ، فلم يَجُزْ إلحاقُه به، وإذا كان المَرِيضُ الذي لا يَخافُ التَّلَفَ، عَطِيَّتُه مِن رَأْسِ مالِه، فغيرُه أوْلَى.
الخامسةُ، إذا وَقَع الطّاعُونُ ببَلَدِه، فعن أحمدَ، أنَّه مَخُوفٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس بمَخُوفٍ، فإنَّه ليس بمَرِيضٍ، وإنَّما يَخافُ المَرَضَ.
..................................
فصل: وكذلك الحامِلُ عندَ المَخاضِ؛ لأنَّه يَحْصُلُ لها أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخافُ منه التَّلَفُ، أشْبَهَتْ سائِرَ أصحابِ الأمْراضِ المَخُوفةِ، وما قبلَ ذلك فلا ألَمَ بها، فلا يكونُ مَخُوفًا (وقال الخِرَقِيُّ: وكذلك الحامِلُ إذا صار لها سِتَّةُ أشْهُرٍ) يَعْنِي عَطِيُتها مِن الثُّلُثِ.
وبه قال مالِكٌ.
وقال إسحاقُ: إذا ثَقُلَتْ لا يَجُوزُ لها إلا الثُّلُثُ.
ولم يَحُدَّ حَدًّا.
وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ: عَطِيَّةُ الحامِلِ مِن الثُّلُثِ.
وقال أبو الخَطّابِ: عَطيَّتُها مِن المالِ كلِّه ما لم يَضْرِبْها المَخاضُ، فإذا ضَرَبَها المَخَاضُ، فعَطيَّتُها مِن الثُّلُثِ.
وبه قال النَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، ويَحْيىَ الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والعَنبرِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها لا تَخافُ إلَّا إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ، فأشْبَهَتْ صاحِبَ الأمْراضِ المُمْتَدَّةِ قبلَ أن يَصِيرَ
..................................
صاحِبَ فِراشٍ.
وقال الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: عَطيَّتُها كعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ.
وهو القولُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأن الغالِبَ سلامَتُها.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ سِتَّةَ الأشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الولادَةُ فيه، وهو مِن أسْبابِ التَّلَفِ.
والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، ما ذَكَرْناه، مِن أنَّه إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ كان مَخُوفًا، بخِلافِ ما قبلَ ذلك؛ لأنَّه لا ألَمَ بها، واحْتِمالُ وُجُودِه خِلافُ العادَةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ باحْتِمالِه البَعِيدِ مع عَدَمِه، كالصَّحِيحِ.
وقِيلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ عَطايا هؤلاءِ مِن المالِ كلِّه؛ لأنَّه لا مَرَضَ بهم.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
فصل: فأمّا بعدَ الولَادَةِ، فإن بَقِيَتِ المَشِيمَةُ معها، فهو مَخُوفٌ،
..................................
وإن مات الوَلَدُ معها، فهو مَخُوفٌ؛ لأنَّه يَصْعُبُ خُرُوجُه.
فإن وَضَعَتِ الوَلَدَ وخَرَجَتِ المَشِيمَةُ، فحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أو ضَرَبانٌ شَدِيدٌ، فهو مَخُوفٌ.
وإن لم يكنْ شيءٌ مِن ذلك، فقد رُوِيَ عن أحمدَ في النُّفَساءِ: إن كانت تَرْمِي الدَّمَ، فعَطيَّتُها مِن الثُّلُثِ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أراد بذلك إذا كان معه ألَمٌ للُزُومِه ذلك في الغالِبِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على ظاهِرِه، فإنَّها إذا كانت تَرَى 1 الدَّمَ كانت كالمَرِيضِ.
وحُكْمُها بعدَ السَّقْطِ مثلُ حُكْمِها بعدَ الوَلَدِ التامِّ.
فإن أسْقَطَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً فلا حُكْمَ لها، إلَّا أن يكونَ ثَم مَرَضٌ أو ألَمٌ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ مُجَرَّدَ الدَّمِ عندَه ليس بمَخوفٍ.
..................................
فصل: وما لَزِم المَرِيضَ في مَرَضِه مِن حَقٍّ لا يُمْكِنُه دَفْعُه وإسْقاطُه، كأَرْشِ جِنايته، وجِنايَهَ عَبْدِه، وما عاوَضَ عليه بثَمَنِ المِثْلِ، وما يَتغابَنُ النّاسُ بمِثْلِه، فهو مِن رَأْسِ المالِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وكذلك النِّكاحُ بمَهْرِ المِثلِ، يَجُوزُ مِن رَأْسِ المالِ؛ لأنَّه صَرَف ماله في حاجَةِ نَفْسِه، فقُدِّمَ بذلك على وارِثِه.
وكذلك لو اشْتَرَى أمَةً للاسْتِمْتاعِ بها كَثِيرَةَ الثَّمَنِ بثَمَنِ مِثْلِها، أو اشْتَرَى مِن الأطْعِمَةِ التي لا يَأْكُلُ مثلُه مثلَها، جاز، وصَحَّ شِراؤُه له؛ لأنَّه صَرَفَ ماله في حاجَتِه.
وإن كان عليه دَينٌ، أو مات وعليه دَينٌ، قُدِّمَ بذلك على وارِثِه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 1.
..................................
فصل: فأمّا إن قَضَى المَرِيضُ بعضَ غُرَمائِه، ووَفَّتْ تَرِكَتُه بسائِرِ الدُّيُونِ، صَحَّ قَضاؤُه، ولم يكنْ لسائِرِ الغُرَماءِ الاعْتِراضُ عليه.
وإن لم تَفِ بها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ لسائِرِ الغُرَماءِ الرُّجُوعَ عليه، ومُشارَكَتَه فيما أخَذَه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ حَقَّهم تَعَلَّقَ بمالِه بمَرَضِه، فمَنَعَ تَصَرُّفَه فيه بما يَنْقُصُ دُيُونَهم، كتَبَرُّعِه، ولأنَّه لو وَصَّى بقَضاءِ بعضِ دُيُونِه، لم يَجُزْ، فكذلك إذا قَضاها.
والثانِي، لا يَمْلِكُون الاعْتِراضَ عليه ولا مُشارَكَتَه.
وهو قِياسُ قولِ أحمدَ، ومَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أدَّى واجِبًا عليه، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى شيئًا فأدَّى ثَمَنَه، أو باع بعضَ مالِه وسَلَّمَه.
ويُفارِقُ الوَصِيَّة، فإنَّه لو اشْترى ثِيابًا مُثَمَّنَةً، صَحَّ، ولو وَصَّى بتَكْفِينِه بثِيابٍ مُثَمَّنَةٍ، لم يَصِحَّ.
يُحَقِّقُ هذا أنَّ إيفاءَ ثَمَنِ المَبِيعِ قَضاءٌ لبعضِ غُرَمائِه، وقد صَحَّ عَقِيبَ البَيعِ، فكذلك إذا تَراخَى، إذ لا أثَرَ لتَراخِيه.
فصل: وإذا تبرعَ المَرِيضُ أو أعْتَقَ ثم أقَرَّ بدَينٍ، لم يَبْطُلْ تَبَرُّعُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أعْتَقَ عَبْدَه في مَرَضِه ثم أقَرَّ بدَينٍ، عَتَق العَبْدُ، ولم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت بالتَّبَرُّعِ في الظّاهِرِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه فيما يَبْطُلُ به حَقُّ غيرِه.