الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 290-329

..................................  فكان عليه نصفُ قيمتِه.
قال القاضي: هذه الرِّوايَةُ أصَحُّ على (1) المذهبِ.
وذكَر هاتَين الرِّوايَتَين أبو بكرٍ، واخْتار (2) أنَّها إن وَضَعَتْه بعدَ التَّقْويمِ فلا شيءَ على الواطئِ، وإن وَضَعَتْه قبلَ التَّقْويمِ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِه، فإنِ ادَّعَى الواطئُ (3) الاسْتِبْراءَ، فأتَتْ بالوَلَدِ لأكثرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الاسْتِبْراءِ، لم يَلْحَقْ به، ولم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ، وكان حُكْمُ ولدِها حُكْمَها.
وإن أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِن حينِ الاسْتِبْراءِ، لَحِقَ به، كما لو كان قبلَ الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّها كانت حَامِلًا وَقْتَ الاسْتِبْراءِ، فلم يَكُنْ ذلك اسْتِبْراءً.

3010 -

مسألة: وإن (وَطِئَاها)

جميعًا، فقد وَجَبَ لها (على كلِّ واحدٍ منهما) مَهْرُ مِثْلِها.
فإن كانت في الحالين على صِفَةٍ واحدةٍ، فهما سَواءٌ في الواجِبِ عليهما.
وإن كانت بِكْرًا حين وَطِئَها الأوَّلُ، فعليه مَهْرُ بكرٍ، وعلى الآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ، فإن كان نَجْمُها لم يَحِلَّ، فلها مُطالبَتُهما بالمَهْرَين.
وإن كان قد حَلَّ، وهو مِن جِنْسِ المَهْرِ، تَقَاصَّا، على ما ذَكَرْنا في المُقاصَّةِ.
فإن أدَّتْ إليهما عَتَقَتْ، وكان لها المُطالبَةُ بالمَهْرَين، وإن عَجَزَتْ نَفْسُها، وفَسَخا الكِتابةَ بعدَ قَبْضِها المَهْرَين، وكانا سواءً، لم يَمْلِكْ أحَدُهما مُطالبةَ الآخَرِ بشيءٍ؛ لأنَّها قَبَضَتْهما وهي مُسْتَحِقَّةٌ123

..................................  لذلك.
فإن كان في يَدِها اقْتَسَماهما، وإن تَلِفا أو بعضُهما، فلا شيءَ لهما، لأنَّ السيدَ لا يَثْبُتُ له دَينٌ على مَمْلُوكِه.
وإن كان الفَسْخُ قبلَ قَبْضِ المَهْرَين، وهما سَواءٌ، سَقَطَ عن كلِّ واحدٍ منهما 1 ما عليه، وإن كان أحَدُهما أقلَّ مِن الآخرِ، تقاصَّ 2 منهما بقَدْرِ أقَلِّهما، ويَرْجِعُ مَن عليه أقَلُّهما على الآخرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ، وإن قَبَضَتْ مِن أحَدِهما دُون الآخَرِ، رَجَعَ المَقْبوضُ منه على الآخَرِ بنِصْفِ ما عليه، وإن قَبَضَتِ البعضَ مِن أحَدِهما دونَ الآخَرِ، أو قَبَضَتْ مِن أحَدِهما أكثرَ مِن الآخَرِ، رَجَعَ مَن قُبِضَ منه الأكْثرُ على الآخَرِ بنِصْفِ الزِّيادَةِ التي أدَّاها.
فإن أفْضاها أحَدُهما بوَطْئِه، فعليه لها ثُلُثُ قِيمَتِها؛ لأنَّ الإِفْضاءَ في الحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلثَ دِيَتِها، فيُوجِبُ في الأمَةِ ثُلُثَ قِيمَتِها [مع المَهْرِ، ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه في الإفضاءِ ثُلُثُ نقصِها.
وقال القاضي: يَلْزَمُهُ قِيمتها] 3. وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وهذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ على الواجِبِ في إفْضاءِ الحُرَّةِ.
وسنذْكُره إن شاء اللهُ تعالى.
فإن فُسِخَتِ الكِتابَةُ، رَجَعَ مَن لم يُفْضِها على الآخَرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الإفْضاءِ، على الخِلافِ المذكورِ.
فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما على الآخَرِ أنَّه الذي أفْضاها، أو وَطِئَها، حَلَفَ كل واحدٍ منهما، وبَرِئَ.
وإن نَكَلَ أحَدُهما قُضِيَ عليه.
وإن كان الخِلافُ [في ذلك] (3) قبلَ

فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ أحدِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَهَلْ يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
عَجْزِها، فادَّعَتْ على أحَدِهما، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
وإنِ ادَّعَتْ على أحدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى.

3011 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن أحَدِهما، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، ويَغْرَمُ لشَرِيكِه نِصْفَ قِيمَتِها. وهل يَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَةِ وَلَدِها؟ على رِوايَتَين)

وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه، فيما إذا وَطِئَها أحَدُهما.

وَإنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَأُلحِقَ بِهِمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، يَعْتِقُ نِصْفُهَا بِمَوْتِ أحَدِهِمَا، وَبَاقِيهَا بِمَوْتِ الْآخَرِ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَا يَسْرِي اسْتِيلَادُ أَحدِهِمَا إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، إلا أَنْ يَعْجِزَ، فَيُنْظَرَ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وإلَّا فَلَا.

3012 - مسألة: (وإن أتتْ بوَلَدٍ وأُلحِقَ بهما، صارت أمَّ وَلَدٍ لهما، يَعْتِقُ نِصْفُها بموتِ أحَدِهما، وباقِيها بموتِ الآخَرِ)

كما لو كان سيدُها واحدًا واسْتَوْلَدَها، فإنَّها تَعْتِقُ بموتِه (وعندَ القاضي، لا يَسْرِي اسْتِيلادُ أحَدِهما إلى نَصِيبِ شَرِيكِه) لأنَّه انْعَقَدَ له سَبَبُ اسْتِحْقاقِه للولاءِ على نَصِيبِه بالكِتابَةِ، فلم يَجُزْ إبْطالُه بالسِّرَايَةِ (إلَّا أن يَعْجِزَ، فيُنْظَرَ حِينَئذٍ، فإن كان مُوسِرًا قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه، وإلَّا فلا) وقد ذَكَرْنا قولَ القاضي، وأجَبْنا عنه فيما سَبَقَ.
فصل: فأمَّا إن أوْلَدَها كلُّ واحدٍ منهما، واتَّفَقَا علِى السَّابِقِ منهما، فعلى قولِ الخِرَقِيِّ، تَصِيرُ أمَّ وَلدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ، يَلْحَقُه نسَبُه، والخِلافُ في ذلك كالخِلافِ فيما إذا انْفَرَدَ بإيلادِها سَواءً.
وأمَّا الثاني، فقد وَطِئَ

..................................  أُمَّ وَلَدِ غيرِه بشُبْهَةٍ وأوْلَدَها، فلا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّها مَمْلوكةُ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو باعها ثم أوْلَدَها، وعليه مَهْرُها لها؛ لأنَّ الكِتابةَ لم تَبْطُلْ.
والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ، وعليه قِيمَتُه للأوَّلِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه عليه، وكان مِن سَبِيلِه أن يكونَ رَقِيقًا له، حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه، فتَلْزَمُه قِيمَتُه على هذه الصِّفةِ.
وقد ذَكَرْنا في وُجُوبِ نِصْفِ قِيمةِ الأوَّلِ خِلافًا.
فإن قُلْنا بوُجُوبِها، تقاصَّا بما لواحدٍ منهما على صاحِبِه في القَدْرِ الذي تَساوَيا فيه، ويَرْجِعُ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه، وتُعْتَبَرُ القِيمةُ يومَ الولادةِ؛ لأنَّها أوَّلُ حالٍ أمْكَنَ التَّقْويمُ فيها.
وذكَرَ القاضي في المسألةِ أرْبعةَ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يكونا مُوسِرَين، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه جَعَلَ المَهْرَ الواجِبَ على الثاني للأوَّلِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ الكِتابَةَ لا تَبْطُلُ بالاسْتِيلادِ، ومَهْرُ المُكاتَبَةِ لها دونَ سَيِّدِها، ولأنَّ سيدَها لو وَطِئَها وَجَبَ عليه المهرُ لها 1، فلَأَن لا يَمْلِكَ المَهْرَ الواجِبَ على غيرِه أوْلَى، ولأنَّه عِوَضُ نَفْعِها، فكان لها، كأُجْرَتِها.
الثاني، أن يكونَ الأوَّلُ مُوسِرًا والثاني مُعْسِرًا، فيكونُ كالحالِ الأوَّلِ سَواءً.
قال القاضي: إلَّا أنَّ وَلَدَه يكونُ مَمْلُوكًا؛ لإِعْسارِه بقِيمَتِه.
وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الوَلَدَ لا يَرِقُّ بإعْسارِ وَالدِهِ، بدليلِ ولَدِ المَغْرُورِ مِن أمَةٍ، والوَاطِئِ بشُبْهَةٍ.
وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ، لا يَخْتَلِفُ بالإعْسارِ واليَسارِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ اليسارُ في سِرايةِ العِتْقِ، وليس عِتْقُ هذا بطريقِ السِّرايَةِ، إنَّما هو

..................................  لأجْلِ الشُّبْهَةِ في الوَطْءِ، فلا وَجْهَ لاعْتِبارِ اليسارِ 1 فيه، والصَّحِيحُ أنَّه حُرٌّ، وتَجِبُ قِيمَتُه في ذِمِّةِ أبِيه.
الحالُ الثالثُ، أن يكونَا مُعْسِرَين، فإنَّها تصيرُ أُمَّ ولَدٍ [لهما جميعًا، نِصْفُها أمُّ وَلدٍ] 2 للأوَّلِ، ونِصْفُها للثَّاني.
قال: وعلى كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ مَهْرِها لصاحِبِه، وفي وَلَدِ كُلِّ واحدٍ منهما وَجْهان؛ أحدُهما، أن يكونَ كلُّه حُرًّا، وفي ذِمَّةِ أبيه نِصْف قِيمَتِه لشَرِيكِه.
والثاني، نِصْفُه حُرٌّ، وباقيه عَبْدٌ لشَريكِه، إلَّا أَنَّ نِصْفَ الوَلَدِ الأوَّلِ عَبْدٌ قِنٌّ؛ لأنَّه تابعٌ للنِّصْفِ الباقِي مِن الأُمِّ، وأمَّا النِّصْفُ الباقي مِن وَلَدِ الثاني، فحُكْمُه حكمُ أُمِّه؛ لأنَّه وُلِدَ منها بعدَ أن ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتِيلادِ للأوَّلِ، فكان نِصْفُه الرَّقِيقُ تابعًا لها في ذلك.
ولعلَّ القاضيَ أراد ما إذا عَجَزَتْ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، فأمَّا إِذا كانتْ باقِيةً على الكِتابةِ، فلها المَهْرُ كامِلًا على كلِّ واحدٍ منهما، وإذا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ ولَدِها، وجَبَ أن يكونَ له حُكْمُها في الكِتابَةِ؛ لأنَّ وَلَدَ المُكاتَبةِ يكونُ تابعًا لها.
الحالُ الرابعُ، أن يكونَ الأوَّلُ مُعْسِرًا والثاني مُوسِرًا، فحُكْمُه حكمُ الثالثِ سَواءً، إلَّا أنَّ وَلَدَ الثاني حُرٌّ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ لنِصْفِه بفِعْلِ أبِيه، وهو مُوسِرٌ، فسَرَى إلى جَمِيعِه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه لشَرِيكِه، ولم تُقَوَّمْ عليه الأمُّ؛ لأنَّ نِصْفَها أُمُّ وَلَدٍ للأوَّلِ.
ولو صَحَّ هذا لوَجَبَ أن لا يُقَومَ عليه نِصْفُ الوَلَدِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ أُمِّه في هذا، فإذا مَنَعَ حُكْمُ الاسْتِيلادِ

..................................  السِّرايَةَ في الأُمِّ، مَنَعَه فيما هو تابعٌ لها.
ومَذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ مما ذَكَرَ القاضِي.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في السَّابِقِ منهما، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فعلى قَوْلِنا، لها المَهْرُ على كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِه بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيةِ؛ لأنَّه يَقُولُ: صارت أُمَّ ولَدٍ لي 1 بإحْبالِي إيَّاها، ووَجَبَ لشَرِيكِي عليَّ نِصْفُ قِيمَتِها، ولي عليه قِيمَةُ ولَدِه؛ لأنَّه يقول: أوْلَدْتُها بعدَ أن صارت أمَّ وَلَدٍ لي.
وهل يكونُ مُقِرًّا له 2 بنِصْفِ قيمةِ ولَدِها؟ على وَجْهَين سَبَقَ ذِكْرُهما.
فعلى هذا، إنِ اسْتَوَى ما يَدَّعِيه وما يُقِرُّ به، تَقَاصَّا وتَساقَطا، ولا يَمِينَ على صاحِبِه؛ لأنَّه يقولُ: لي عليكَ مثلُ ما لَكَ عليَّ.
والجِنْسُ واحدٌ، فتساقَطَا، وإن زاد ما يُقِرُّ به، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ خَصْمَه يُكَذِّبُه في إقْرارِه.
وإن زاد ما يَدَّعِيه، فله اليَمِينُ على صاحِبِه في الزِّيادةِ، ويَثْبُتُ للأَمَةِ حُكْمُ العِتْقِ في نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما بموتِه؛ لإِقْرارِه بذلك، ولا يُقْبَلُ قولُه على شرِيكِه في إعْتاقِ نَصِيبه.
وقال أبو بكرٍ: في الأمَةِ قولان؛ أحدُهما، أن يُقرَعَ بينَهما، فتكونَ أُمَّ وَلَدٍ لمَن تَقَعُ القُرْعةُ له.
والثاني، تكونُ أُمَّ ولَدٍ لهما، ولا يَطَؤُها واحدٌ منهما.
قال: وبالأوَّلِ أقولُ.
وأمَّا القاضي فاخْتارَ أنَّهما إن كانا مُوسِرَين، فكلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي المَهْرَ على صاحِبِه، ويُقِرُّ له

..................................  بنِصْفِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَهْرَ عندَهم لسيدِها دُونَها، ولا يَعْتِقُ شيءٌ منها بموتِ الأوَّلِ، لاحْتِمالِ أن تكونَ أُمَّ ولدٍ للآخَرِ، فإذا مات الآخَرُ عَتَقَتْ، لأنَّ سيدَها قد مات يَقِينًا.
وإن كانا مُعْسِرَين، فكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بأنَّ نِصْفَها أُمُّ ولَدِه، ويُصَدِّقُه الآخَرُ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ لا يَسْرِي مع الإِعْسارِ، وكلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ لصاحِبِه بنِصْفِ المَهْرِ، والآخرُ يُصَدِّقُه، فيتَقاصَّان إن تَساوَيا، وإن فَضَلَ أحَدُهما صاحِبَه، نَظَرْتَ؛ فإن كان كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي الفَضْلَ، تحالفَا 1 وسَقَطَ، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما يُقِرُّ بالفَضْلِ، سَقَطَ؛ لتَكْذِيبِ المُقَرِّ له به.
وفي الولَدِ وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ حُرًّا، فيكونُ كلُّ واحدٍ منهما يَدَّعِي على الآخرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ.
والوَجْهُ الثاني، نِصْفُه حُرٌّ، فيُقِرُّ بأنَّ نِصْفَ الولدِ مَمْلوكٌ لشَرِيكِه، فيكونُ الوَلَدان 2 بينَهما مِن غيرِ يَمينٍ، وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَتَقاصَّان إنِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ الوَلَدَين.
ولا يَمِينَ في المَوْضِعَينِ، وأيُّهما مات، عَتَقَ 3 نَصِيبُهُ، ووَلاوه له.
وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ يُقِرُّ للمُعْسِرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الأمَةِ ونِصْفِ مَهْرِ مِثْلِها، ويَدَّعِي عليه جَمِيعَ المَهْرِ وقِيمةَ الوَلَدِ، والمُعْسِرُ يُقِرُّ للمُوسِرِ بنِصْفِ المَهْرِ ونِصْفِ قِيمَةِ الولدِ، فيَسْقُطُ إقْرارُ المُوسِرِ للمُعْسرِ بنِصْفِ قِيمَةِ الجارِيَةِ؛ لكَونِه لا يَدَّعِيه ولا يُصَدِّقُه فيه، ويَتقاصَّان بالمَهْرِ،

..................................  لاسْتِوائِهما فيه، ويَدْفَعُ المُعسِرُ إلى المُوسِرِ نِصْفَ قِيمَةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرارِه به، ويَحْلِفُ على ما يَدَّعِيه عليه مِن الزِّيادةِ؛ لأنَّه ادَّعَى عليه جميعَ قِيمةِ الوَلَدِ فأقَرَّ له بنِصْفِها، ويَحْلِفُ له المُوسِرُ على نِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ الذي ادَّعاه المُعْسِرُ عليه.
وأمَّا الجاريةُ، فإنَّ نَصِيبَ المُوسِرِ منها أُمُّ ولَدٍ بغيرِ خِلافٍ بينَهما فيه، وباقِيَه يتَنازَعانِه، فإن مات المُوسِرُ أوَّلًا عَتَقَ نَصِيبُه، ووَلاؤُه لوَرَثَتِه، فإذا ماتَ المُعْسِرُ عَتَقَ باقِيها، وإن مات المعسرُ أوَّلًا لم يَعْتِقْ منها شيء، فإذا مات المُوسِرُ عَتَقَ جَمِيعُها.
ويَجِئُ على قولِ أبي بكر، أن يُقْرَعَ بينَهما على 1 النِّصْفِ المُخْتَلَفِ فيه.
فصل: فإن وَطِئَاها معًا، فأتَت بولَدٍ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن لا يُمْكِنَ أنْ يكُونَ مِن واحدٍ منهما، مثلَ أن تَأتِيَ به 2 بعدَ اسْتِبْرائِها منهما، أو بعدَ أرْبعِ سنين منذُ وَطِئَهَا كلُّ واحدٍ منهما، [أو قبلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أشْهُر منذُ وَطِئَها كلُّ واحدٍ منهما] 3 فيكونُ مَنْفِيًّا عنهما، مَمْلُوكًا لهما 4، حُكْمُه حُكْمُ أمِّه في العِتْقِ بأدائِها.
وتُقْبَلُ دَعْوَى الاسْتِبْراءِ مِن كل واحدٍ منهما؛ لأنَّ دَعْوَى الاسْبْراءِ في الأمَةِ كاللِّعانِ في الحُرَّةِ.

..................................  القسمُ الثاني، أن يكونَ مِن أحَدِهما بعَينِه دُونَ صاحِبِه، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما إذا ولَدَتْ مِن أحَدِهما بعَينِه، مِن وُجُوبِ المَهْرِ لها، وقِيمَةِ نِصْفِها لشَرِيكِه، مع الخِلافِ في ذلك.
فأمَّا الذي لم تَحْبَلْ مِن وَطْئِه، فإن كان الأوَّلَ، فعليه المَهْرُ لها، وإن كان الثانىَ فقد وَطِيء أمَّ وَلَدِ غيرِه، فإن كانتِ الكِتابةُ باقِيةً، فعليه المَهْرُ لها أيضًا، وإن كانت قد فُسِخَتْ، فالمَهْرُ للذي اسْتَوْلَدَها، وقد وَجَب للثاني على الأوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِها.
وفي قِيمَةِ نِصْفِ الوَلَدِ رِوايتان.
فإن كان المَهْرُ للأوَّلِ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّ الحَقَّين، وإن كان المهرُ لها، رَجَعَ بحَقِّه على الذي أحْبَلَها.
وأمَّا القاضي، فقال في هذا القسمِ: الحكمُ في الأوَّلِ كالحُكْمِ فيه إذا انْفَرَدَ بالوَطْءِ، على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلِ، وأمَّا الثاني، فإن وَطِئَها بعدَ ولادَتِها مِن الأوَّلِ، نَظَرْنا؛ فإن وَطِئَها بعدَ الحُكمِ بكَونِها أُمَّ ولَدٍ للأوَّلِ، فعليه مَهْرُ مِثْلِها، فإن كان فَسَخَ الكِتابَةَ في حَقِّ نفْسِه لعَجْزِها، فالمَهْرُ له؛ لأنَّها أُمُّ ولَدِه، وإن كان لم يَفسَخْ، فالمَهْرُ بَينَه وبينَها نِصْفَين، وإن وَطِئَها بعدَ زوالِ الكِتابَةِ في حَقه، وقبلَ الحُكْمِ بأنَّها أم وَلَدٍ للأوَّلِ، سَقَطَ عنه نِصْفُ مَهْرِها؛ لأنَّ نِصْفَها قِنٌّ له، وعليه النِّصْفُ لها، إن لم يكنِ الأوَّلُ فَسَخَ الكِتابَةَ، أو له إن كان 1 فَسَخَ.
وإن كان الأوَّلُ مُعْسِرًا، فنَصِيبُه منها أُمُّ ولَدٍ له، ولها عليهما المَهْران، والحُكْمُ فيما إذا عَجَزَتْ أو أدَّتْ قد تَقَدَّمَ.
فأمَّا إن كان الوَلَدُ مِن الثاني، فالحُكْمُ في وَطْءِ الأوَّلِ كالحُكْمِ فيه إذا وَطِئ مُنْفَرِدًا

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيعُ الْمُكَاتَبِ.
وَمُشْتَرِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ.
ولم يُحْبِلْها.
وأمَّا الثاني، فإن كان مُوسِرًا قُوِّمَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه عندَ العَجْزِ، فإن فَسَخا الكِتابَةَ قَوَّمْناها عليه، وصارَت أمَّ وَلَدٍ له، وإن رَضِيَ الثاني بالمُقامِ على الكِتابَةِ، قَوَّمْنا عليه نَصِيبَ الأوَّلِ، وصارَتْ كُلُّها أُمَّ وَلَدٍ له، ونِصْفُها مُكاتَبٌ، ويَرْجِعُ الأوَّلُ على الثاني بنِصْفِ المَهْرِ ونِصْفِ قِيمَةِ الولَدِ، على إحدى الرِّوايَتَين.
ويرجعُ الثاني على الأوَّلِ بنصْفِ المَهْرِ، فيتَقاصَّان به، إن كان باقِيًا عليهما، وإن كان الثاني مُعْسِرًا، فالحُكْمُ فيهكما لو ولَدَتْ مِن الأوَّلِ وكان مُعْسِرًا، لا فَضْلَ بينَ المسْألَتَين.
القِسمُ الثالثُ، أمْكَنَ أن يكونَ الولدُ مِن كلِّ واحدٍ منهما، فيُرَى القافةَ معهما، فيُلْحَقُ بمَن ألْحَقُوه به [منهما، فمَن أُلْحِقَ به] (1)، فحكمُه حكمُ ما لو عَرَف أنَّه منه بغير قافةٍ.

3013 -

مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ. ومُشْتَرِيه يَقُومُ مَقامَ المُكاتِبِ)

ومِمَّن قال بجوازِ بَيعِ المُكاتبِ، عطاءٌ، والنَّخَعِي، واللَّيثُ، وابنُ المُنْذِرِ، وهو قَدِيمُ قَولَي الشافعيِّ.
قال: ولا وَجْهَ لقولِ مَن قال:1

..................................  لا يجوزُ.
وحكى أبو الخَطَّابِ رِوَايةً أخْرَى عن أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ بَيعُه.
وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأي، والجَديدُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ كَسْبِه، فمَنَعَ بَيعَه، كبَيعِه لأجْنَبِي، وعِتْقِه.
وقال الزُّهْرِيُّ، وأبو الزِّناد: يجوزُ بَيعُه برِضاهُ، ولا يجوزُ بغيرِه.
وحُكِيَ ذلك عن أبي يوسف؛ لأنَّ بَرِيرَةَ إنَّما بِيعَت برِضاها وطَلَبِها 1، ولأنَّ لسيدِه اسْتيفاءَ مَنافِعِه برِضاه، ولا يجوزُ بغيرِ رِضاه، كذلك بَيعُه.
ولَنا، ما روَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، أنَّها قالت: جاءت بَرِيرَةُ إليَّ، فقالت: يا عائشة، إنِّي كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ، في كُلِّ عام أوقِيَّةٌ، فأعِينيني.
ولم تَكُنْ قَضَتْ مِن كتابتِها شَيئًا، فقالت لها عائشةُ، ونَفِسَت 2 فيها: ارْجِعِي إلى أهْلِكِ، إن أحَبُّوا أن أعْطِيَهم ذلك جميعًا فَعَلْتُ.
فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فعَرَضَتْ عليهم ذلك، فأبَوْا، وقالُوا: إن شاءت أن تَحْتَسِبَ عليكِ فلتَفْعَلْ، ويكونُ ولاؤكِ لنا.
فذَكَرَتْ ذلك عائشةُ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا يَمْنَعُكِ ذلِكَ مِنْهَا، ابْتاعِي وأعْتِقِي، إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ».
فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الناسِ، فحمِدَ الله وأثْنَى عليه، ثم قال: «أمَّا بَعْدُ، فما بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليسَتْ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ

..................................  اشْتَرطَ شَرْطًا لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِل، وإن كان مائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أحَقُّ، وشَرْطُهُ أوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ».
مُتَّفَق عليه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: بيعَتْ بَرِيرَةُ بعِلْمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهي مُكاتَبَةٌ، لم يُنْكِرْ ذلك، ففي ذلك أبيَنُ البَيانِ أنَّ بَيعَه جائِز، ولا أعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، ولا أعلمُ في شيءٍ مِن الأخْبارِ دليلًا على عَجْزِها.
وتأوَّلَه الشافعيُّ على أنَّها كانت قد عَجَزَتْ، وكان بَيعُها فَسْخًا لكتابَتِها.
وهذا التَّاويلُ بعيدٌ يَحْتاجُ إلى دليلٍ في غايةِ القُوَّةِ، وليس في الخبرِ ما يدُلُّ عليه 1، بل قَوْلُها: أعِينيني على كِتابَتِي.
دليلٌ على بَقائِها على الكتابةِ، ولأنَّها أخْبَرَتْها أنَّ نجومَها في كُلِّ 2 عامٍ أُوقِيَّةٌ، فالعَجْزُ إنَّما يكونُ بمُضِيِّ عامَين عندَ مَن لا يَرَى العَجْزَ إلَّا بحُلولِ نَجْمَين، أو بمُضِيِّ عام عندَ الآخَرِين، والظَّاهِرُ أنَّ شِراءَ عائشةَ لها كان في أوَّلِ كِتابَتِها, ولا يَصِحُّ قِياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ سَبَبَ حرِّيَّتِها مُسْتَقِرٌّ (2) على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فسْخُه بحالٍ، فأشْبَهَ الوَقْفَ، والمُكاتَبُ يَجُوزُ رَدُّه إلى الرِّقِّ وفَسْخُ كِتابَتِه إذا عَجَزَ، فافْتَرَقا.
قال ابنُ

..................................  أبي موسى: هل للسيدِ أن يبيعَ المُكاتَبَ بأكثرَ ممَّا كاتَبَ 1 عليه؟ على رِوايَتَين.
ولأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ مملوكٌ لسيدِه لم يتَحَتَّمْ عِتْقُه، فجازَ بَيعُه، كالمُعلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، والدليلُ على أنَّه مَمْلوكٌ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: [«المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» 2. ولأنَّ مَوْلاتَه لا يَلْزَمُها أن تحْتجِبَ منه إذا لم يَمْلِك ما يُؤَدِّي؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 3: «إِذَا كَانَ لإحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ فمَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» 4. يدُلّ بمفهومِه على أنَّها لا تَحْتَجِبُ منه قبل ذلك، وإنَّما سَقَطَ الحِجابُ عنه؛ لكَونِه مَمْلوكَها, ولأنَّه يصِحُّ عِتْقُه، ولا يصِحُّ عِتْقُ مَن ليس بمَمْلوكٍ، ولأنَّه يَرْجِعُ عندَ العَجْزِ إلى كَونِه قِنًّا, ولو صارَ حُرًّا ما عاد إلى الرِّقِّ، ويُفارقُ إعْتاقَه؛ لأنَّه يُزِيلُ الرِّقَّ بالكُليَّةِ، وليس بعَقْدٍ، إنَّما هو إسْقاطٌ للمِلْكِ فيه، وأمَّا بَيعُه، فلا يُمْنَعُ المُشْتَرِي بَيعَه، وأمَّا البائِعُ، فلم يَبْقَ له فيه مِلْكٌ، بخِلافِ مَسألَتِنا.
فصل: وتجوزُ هِبَتُه، والوَصِيَّةُ به.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه مَنَعَ هِبَتَه؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ ببَيعِه.
والصَّحِيحُ جَوازُها؛ لأنَّ ما كان في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه ثَبَت الحكمُ فيه.
فصل: ومُشْتَرِيه يَقُومُ فيه مَقامَ المُكاتِبِ.
وجملةُ 5 ذلك، أنَّ

فَإِنْ أَدَّى إِلَيهِ عَتَقَ، وَوَلَاؤهُ لَهُ، وَإنْ عَجَزَ عَادَ قِنًّا لَهُ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مُكَاتَبٌ، فَلَهُ الرَّدُّ أو الْأَرْشُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بَيعُهُ.
الكِتابَةَ لا تنْفَسِخُ فيه (1) بالبَيعِ، ولا يجوزُ إبْطالُها.
لا نعلمُ في هذا خِلافًا.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ بَيعَ السيدِ مُكاتَبَه على أن يُبْطِلَ (2) كتابَتَه ببَيعِه، إذا كان ماضِيًا فيها، مؤَدَيًا ما يجبُ عليه مِن نُجومِه في أوْقاتِها، غيرُ جائِزِ؛ وذلك لأنَّها عَقْدٌ (3) لازِمٌ، فلا يبْطُلُ بالبَيعِ، كالإِجارَةِ والنِّكاحِ، ويَبْقَى على كتابَتِه عندَ المُشْتَرِي وعلى نُجومِه، كما كان عندَ البائِعِ، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، يُؤَدِّي إلى (4) المُشْتَرِي ما كان يُؤَدِّي إلى البائِع.

3014 -

مسألة: (فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه له، وإن عجز عاد قِنًّا له، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتَبٌ، فله الرَّدُّ أو (5) الأرْشُ) إذا أدَّى إلى المُشْتَرِي عَتَقَ؛ لأنَّ حقَّ المُكاتِبِ فيه انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي، فصار المُشْتَرِي 4 هو المُعْتِقَ، وولاؤُه له؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». وقد دَلَّ [على ذلك] 6 حديثُ بَرِيرَةَ؛ لأنَّه جَعَلَ1235

..................................  ولاءَها لعائشةَ حينَ اشْتَرَتْها وأعْتَقتْها.
وإن عَجَزَ عاد قِنًّا له؛ لأنَّه صار سيدَه، فقامَ مَقَامَ المُكاتِبِ، وإن لم يَعْلَمْ أنَّه مُكاتبٌ، ثم عَلِمَ ذلك، فله فَسْخُ البَيعِ، أو أخْذُ الأرْشِ؛ لأنَّ الكتَابَةَ عَيبٌ 1، لكَونِ المُشْتَرِي لا يقْدِرُ على التَّصَرُّفِ فيه، ولا يَسْتَحِقُّ كَسْبَه ولا اسْتِخْدامَه، ولا الوَطْءَ إن كانت أمَةً، فمَلَكَ الفَسْخَ، كشراءِ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ، فيُخَيَّرُ حِينَئذٍ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ، وبينَ الإِمْساكِ مع الأرْش، على ما ذَكَرْنا في البَيع.
فصل: فأمَّا بَيعُ الدَّينِ الذي على المُكاتَبِ كان نُجُومِه، فلا يَصِحُّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عطاءٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ السيدَ يَمْلِكُها في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، فجاز بَيعُها، كسائِرِ أمْوالِه.
ولَنا، أنَّه دَين غيرُ مُسْتَقِرٍّ, فلم يَجُزْ بَيعُه، كدَين السَّلَمِ، ودليلُ عَدَمِ الاسْتِقْرارِ، أنَّه مُعَرَّص للسُّقُوطِ بِعَجْزِ المُكاتَبِ، [ولأنَّه] 2 لا يَمْلِكُ السيدُ إجْبارَ العبدِ على أدائِه ولا إلْزَامَه بتَحْصِينه، فلم يجُزْ بَيعُه، كالعِدَةِ بالتَّبَرُّعِ، ولأنَّه في، مَقبُوضٍ، وقد نَهَى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ ما لم يُقْبَضْ 3. فإن باعه فالبَيعُ باطِلٌ، وليس للمُشْتَرِي مُطالبَةُ المُكاتَبِ بتَسْلِيمِه إليه، وله الرُّجوعُ بالثَّمَنِ على البائِع

..................................  إن كان دَفَعَه إليه.
وإن سلَّمَ المُكاتَبُ إلى المُشْتَرِي نُجومَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَعْتِقُ؛ لأنَّ البَيعَ تَضَمَّنَ الإِذْنَ في القَبْضِ، فأشْبَهَ قَبْضَ الوَكِيلِ.
والثاني، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّه لم يَسْتَنِبْه في القَبْضِ، وإنَّما قَبَضَ لِنَفْسِه بحُكْمِ البَيعِ الفاسِدِ، فكان القَبْضُ فاسِدًا، فلم يَعْتِقْ، بخِلافِ وَكيله، فإنَّه اسْتَنابَه.
ولو صَرَّحَ بالإِذْنِ لم يكُنْ مُسْتَنِيبًا له في ألقَبْضِ، وإنَّما إذنه في القَبْضِ بحُكْمِ المُعاوَضَةِ، فلا فَرْقَ بينَ التَّصْرِيحِ وعَدَمِه.
فإن قُلْنا: يَعْتِقُ بالأداءِ.
بَرِئ المُكاتَبُ مِن مالِ الكِتابَةِ، ويَرْجِعُ السيدُ على المُشْتَرِي بما قَبَضَه؛ لأنَّه كالنَّائِبِ عنه، فإن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ، وكان قد تَلِفَ، تَقَاصَّا بقَدْرِ أقَلِّهما، ورجَعَ ذو الفَضْلِ بفَضْلِه.
وإن قُلْنا: لا يَعْتِقُ بذلك.
فمالُ الكِتابَةِ باقٍ في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، ويَرْجِعُ المُكاتَبُ على المُشْتَرِي بما دَفَعَه إليه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ.
فإن سَلَّمَه المُشْتَرِي إلى البائِعِ، لم يَصِحَّ تَسْلِيمُه؛ لأنَّه قَبَضَه بغيرِ إذْنِ المُكاتَبِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه.
وإن كان مِن غَيرِ جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَرَاجَعا بما لِكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ.
وإن باعَهُ [ما أخَذَه بما لَه] 1 في ذِمَّتِه، وكان ممَّا يجوزُ البَيعُ فيه، جاز إذا كان ما قَبَضَه السيدُ باقِيًا، وإن كان قد تَلِفَ ووَجَبَتْ قِيمَتُه، وكانت 2 مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، تَقاصَّا، وإن كان المقبوضُ مِن جِنْسِ مالِ الكتابَةِ، فتَحاسَبا به، جاز.

وَإنِ اشْتَرَى كُلّ وَاحِدٍ منَ الْمُكَاتَبَينِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَا لِوَاحِدٍ أوْ لِاثْنَينِ.
فصل: وإذا كان للمُكاتَبِ وَلَدٌ يَتْبَعُه في الكِتابَةِ، فباعَهُما، صَحَّ؛ لأنَّهما مِلْكُه، ولا مانِعَ مِن بَيعِهما، ويكونان عندَ المُشْتَرِي كما كانا عندَ البائِعِ سَواءً.
وإن باع أحَدَهما دُونَ صاحِبِه، أو باع أحَدَهما لرجُلٍ، وباع الآخرَ لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّه لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الوَالِدِ ووَلَدِه في البَيعِ إلَّا بعدَ البُلُوغِ؛ على إحْدَى الرِّوايَتَين.
والثاني، أنَّ الولدَ تابعٌ لوالِدِه، وله كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه، فصارَ في مَعْنى مَمْلوكِه، فلم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بَينَهما.
وعلى الروايةِ الأخْرَى، يَحْتَمِلُ أن يجوزَ بَيعُه بعدَ البُلُوغِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للبَيعِ، صَدَرَ فيه التَّصَرُّفُ مِن أهْلِه، ويكونُ عندَ مَن هو عندَه على ما كان عليه قبلَ بَيعِه، لوالِدِه كَسْبُه، وعليه نَفَقَتُه وأرْشُ جِنايته، ويَعْتِقُ بعِتْقِه، كما لو بِيعَ مع والدِه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصيَّةُ لمُكاتَبِه؛ لأنَّه مع سيدِه في المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ، ولذلك جازَا دفْعُ زَكاتِه إليه.
فإن قال: ضَعُوا عن مُكاتَبِي بعضَ كِتابَتِه، أو: بعضَ ما عليه.
وَضَعُوا ما شاءُوا، قليلًا كان أو كثيرًا.
وقد ذَكَرْنا نَحْوَه في الوَصايَا (1).

3015 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحدٍ مِن المُكاتَبَين الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأوَّلِ، وبَطَلَ شِرَاءُ الثاني، وسَواءٌ كانا لواحِدٍ أو لاثْنَين)

1

..................................  لا خِلافَ في أنَّ المُكاتَبَ يَصِحُّ شِراؤه للعبِيدِ 1، والمُكاتَبُ يجوزُ بَيعُه على ما ذَكرْنا، في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ.
فإذا اشْتَرَى أحَدُهما الآخرَ، صَحَّ شِراؤُه، ومَلَكَه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِن أهلِه في مَحَلِّه، وسَواءٌ كانا مُكاتَبَين لسيدٍ واحدٍ أو لاثْنَين.
فإن عاد الثاني فاشْتَرَى الذي اشْتَراه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه سيدُه ومالِكُه، وليس للمَمْلُوكِ أن يَمْلِكَ مالِكَه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَناقُضِ الأحْكامِ، إذْ كلُّ واحِدٍ منهما يقولُ لصاحِبِه: أنا سيدُكَ، ولي عليك مالُ الكتابَةِ تُؤَدِّيه إليَّ، وإن عَجَزْتَ فلي فَسْخُ كتابَتِكَ ورَدُّكَ إلى أن تكونَ رَقِيقًا لي 2. وهذا تناقُضٌ، وإذا [تنافى أنَّ تَمْلِكَ] 3 المرأةُ زَوْجَها مِلْكَ اليَمِين؛ لثُبُوتِ مِلْكِه عليها في النِّكاحِ، فها هُنا أوْلَى، ولأنَّه لو صَحَّ هذا، [لتَقاصَّ الدَّينان] 4 إذا تساوَيا، وعَتَقَا جَمِيعًا.
إذا ثَبَتَ هذا، فشراءُ الأوَّلِ صحيحٌ، والمَبِيعُ منهما باقٍ على كتابتِه، فإن أدَّى عَتَقَ، ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ، فإن أدَّى سيدُه كتابَتَه، كان الوَلاءُ له؛ لأنَّه عَتَقَ بأدائِه إليه، وإن عَجَزَ، فوَلاؤُه لسيدِه؛ لأنَّ العبدَ لا يثْبُتُ له ولاءٌ (2)، وَلأنَّ السيدَ يأخُذُ ماله، فكذلك حُقُوقُه.
هذا مُقْتَضَى قولِ

وَإنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَسَدَ الْبَيعَانِ.
القاضِي.
ومُقْتَضَى قَولِ أبي بكر، أنَّ الوَلاءَ لسيدِه؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ لا يثْبُتُ له الوَلاءُ، فيثْبُتُ لسيده.
ذكَرَا (1) ذلك (2) فيما إذا أعْتَقَ (3) بإذْنِ سيدِه، أو كاتَبَ عَبْدَه فأدَّىَ كتابَتَه، وهذا نَظِيرُه.
ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما، لكونِ العِتْقِ ثَمَّ (4) بإذْذِا السيدِ، فيَحْصُلُ الإِنْعامُ عنه بإذْنِه فيه، وها هنا لا يفْتَقِرُ إلى إذْنِه، فلا نعمَةَ له عليه، فلا يكونُ له عليه وَلاءٌ، ما لم يُعَجِّزْه (5) سيدُه.

3016 -

مسألة: فإن لم يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُما (فَسَدَ البَيعَان)

وهذا قولُ أبي بكر، ويُرَدُّ كلُّ كل واحد منهما إلى كِتايَته؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَشْكوكٌ في صِحَّةِ بَيعِه، فيُرَدُّ إلى اليَقينِ.
وذَكَرَ القاضي أنَّه يَجْرِي مَجْرَى12345

وَإنْ أسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأحَبَّ سيِّدُهُ، أخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، وَإلَّا فَهُوَ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، يَعْتِقُ بِالْأدَاءِ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ.
ما إذا زَوَّجَ الوَلِيَّان فأشْكَلَ الأوَّلُ منهما.
فيَقْتَضِي هذا أن يُفْسَخَ البَيعَانِ كما يُفْسَخُ النِّكاحَان.
وعلى قولِ أبي بكرٍ، لا يُحْتاجُ إلى الفَسْخِ؛ لأنَّ النِّكاحَ إنَّما احْتِيجَ فيه (1) إلى الفَسْخِ مِن أجْل المرِأةِ؛ فإنَّها مَنْكُوحَةٌ نِكاحًا صحيحًا لواحدٍ منهما يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بفسْخٍ، وفي مسألتِنا لم يَثْبُتْ تَعَيُّنُ (2) البَيعِ في واحدٍ بعَينِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى فَسْخٍ.
والله أعلمُ.

3017 -

مسألة: (وإن أسَرَ العَدُوُّ المُكاتَبَ، فاشْتَراه رجلٌ، فأحَبَّ سيدُه، أخَذَه بما اشْتَراه، وإلَّا فهو عندَ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ، ووَلاؤُه له)

إذا أسَرَ 3 الكُفَّارُ مُكاتبًا، ثم اسْتَنْقَذَه المسلمون، فالكتابةُ بحالِها.
فإن أُخِذَ في الغَنائِم فعُلِمَ بحالِه، أو أدْرَكَه سيدُه قبلَ قَسْمِه، أخَذَه بغيرِ شيءٍ، وهو على كتابتِه، كمَن لم12

..................................  يُؤْسَرْ، وإن لم يُدْرِكْه حتى قُسِمَ، وصار في سَهْمِ بعضِ الغانِمين، أو اشْتَراه رجلٌ مِن الغَنِيمَةِ قبلَ قَسْمِه، أو مِن المشركين، وأخْرَجَه إلى سيدِه، فإنَّ السيدَ أحَقُّ به بالثَّمَنِ الذي ابْتاعَه به.
وفيما إذا كان غَنِيمَةً رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه إذا قُسِمَ فلا حَقَّ لسيدِه فيه بحالٍ.
فيُخَرَّجُ في المُشْتَرَى مثلُ ذلك.
وعلى كلِّ تَقْديرٍ، فإنَّ سيدَه إن أخَذَه، فهو مُبْقىً على ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، وإن تَرَكَه، فهو في يَدِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِه، يَعْتِقُ بالأداءِ في المَوْضِعَين، ووَلاؤُه لمَن يُؤَدِّي إليه، كما لو اشْتَراه مِن سيدِه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَثْبُتُ عليه مِلْكُ الكُفَّارِ، ويُرَدُّ إلى سيدِه بكلِّ حالٍ.
ووافَقَ أبو حنيفةَ الشافعيَّ 1، في المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ خاصَّةً؛ لأنَّهما عندَه لا يجوزُ بَيعُهما ولا نَقْلُ 2 المِلْكِ فيهما، فأشْبَها أمَّ الوَلَدِ.
وقد تَقَدَّمَ الكلامُ في الدَّلالةِ على أنَّ 3 ما أدْرَكَه صاحِبُه مَقْسُومًا لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُه أخْذَه بغيرِ شيءٍ 4، وكذلك ما اشْتَراهُ مُسْلِمٌ مِن دارِ الحَرْبِ، وفي أنَّ المُكاتَبَ والمُدَبَّرَ يجوزُ بَيعُهما، بما يُغْنِي عن إعادَتِه ها هُنا.

..................................  فصل: وهل يَحْتَسِبُ عليه بالمدَّةِ التي كان فيها عندَ الكُفَّارِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّ الكِتابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ والكَسْبِ في هذه المدَّةِ، فإذا لم يَحْصُلْ ذلك لم يَحْتَسِبْ، [كما لو حَبَسَه] 1 سيدُه.
فعلى هذا، يَبْنِي على ما مَضَى مِن المُدَّةِ قبلَ الأسْرِ، وتُلْغَى مُدَّةُ الأسْرِ، كأنَّها لم تُوجَدْ.
والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بها؛ لأنَّها مِن مُدَّةِ الكِتابَةِ، مَضَتْ [مِن غيرِ] 2 تَفْرِيطٍ مِن سيدِه، فاحْتَسَبَ عليه بها، كمرضِه، ولأنَّه مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِن أجَلِ دَينه في حَبْسِه، فاحْتَسَبَ عليه، كسائِرِ الغُرَماءِ، وفارَقَ ما إذا حَبَسه سيدُه بما ذَكَرْناه.
فعلى هذا، إذا حلَّ عليه نَجْمٌ عندَ اسْتِنقاذِه جازَتْ مُطالبَتُه به.
وإن حَلَّ ما يجوزُ تَعْجيزُه بتَرْكِ أدائِه فلسيدِه تَعْجِيزُه وردُّه إلى الرِّقِّ.
وهل له 3 ذلك بنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكمِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصولُ إلى المالِ في وَقْتِه، أشْبَهَ ما لو كان حاضِرًا، [يُحَقِّقُه أنَّه لو كان حاضِرًا] 4

..................................  والمالُ غائِبًا يَتَعَذَّرُ إحْضارُه وأداؤُه في مُدَّةٍ قَريبَةٍ، كان لسيدِه الفَسْخُ، والمالُ ها هنا إمَّا مَعْدومٌ وإمَّا غائِبٌ يَتَعَذَّرُ أداؤُه، وفي كِلا الحالين يجوزُ الفَسْخُ.
والثاني، ليس له ذلك إلَّا بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مع الغَيبَةِ يحْتاجُ إلى أن يَبْحَثَ، هل له مالٌ أم لا, وليس كذلك إذا كان حاضِرًا، فإنَّه يُطالبُه، فإن أدَّى، وإلَّا فقد عَجَّزَ نَفْسَه، فإن فَسَخَ الكتابَةَ بِنَفْسِه أو بحُكْمِ الحاكِمِ، ثم خَلَص المُكاتَبُ، وادَّعَى أنَّ له مالًا في وَقْتِ الفَسْخِ يَفِي 1 بما عليه، وأقامَ بذلك بَيَنةً، بَطَلَ الفَسْخُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يبْطُلَ حتى يَثْبُتَ أنَّه كان 2 يمْكنه أداؤُه؛ لأنَّه إذا كان مُتَعَذِّرَ الأداءِ، كان وُجودُه كعَدَمِه.

فَصْلٌ: وَإنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، أوْ أجْنَبيٌّ، فَعَلَيهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الكِتَابَةِ.
وَقَال أبو بَكْرٍ: يَتَحَاصَّانِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضيَ الله عنه: (وإن جَنَى على سيدِه، أو أجْنَبِي، فعليه فِداءُ نَفْسِه مُقَدَّمًا على الكِتابَةِ.
وقال أبو بكر: يتَحاصَّان) وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ إذا جَنَى جِنايةً مُوجِبةً للمالِ 1، تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، ويُؤَدِّي مِن المالِ الذي في يَدِه.
وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحمادٌ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والحسنُ بنُ صالح، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عطاء، والنَّخَعِي، وعمرُو بنُ دِينارٍ: جنايَتُه على سيدِه.
وقال عَطاءٌ: ويَرْجِعُ سيدُه بها عليه.
وقال الزُّهْرِيُّ: إذا قَتَلَ رَجُلا خَطَأ، كانت كِتابَتُه ووَلاؤُه لوَلِيِّ المَقْتُولِ، إلَّا أن يَفْدِيَه سيدُه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِه» 2. ولأنَّها جِنايةُ عَبْدٍ، فلم تَجِبْ في ذِمَّةِ سيدِه، كالقِنِّ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَبْدا بأداءِ

..................................  الجِنايةِ قبلَ الكِتابة، سَواءٌ حَلَّ عليه نَجْمٌ أبي لم يَحِلَّ.
نصَّ عليه أحمدُ، وهو المَعْمُولُ به في المذهبِ.
وذكر أبو بكر قولًا آخرَ، أنَّ السيدَ يُشارِكُ ولِيَّ الجِنايةِ، فيضْرِبُ بما حَلَّ مِن نُجُوم كِتابتِه؛ لأنَّهما دَينان، فيتَحاصَّان، قياسا على سائِرِ الدُّيُونِ.
ولَنا، أنَّ أرشَ الجِنايَةِ مِن العبدِ يُقَدَّمُ على سائِرِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقةِ به، ولذلك قُدِّمَتْ على حَقِّ المالكِ وحَقِّ المُرْتَهِنِ، وغيرهما، فوَجَبَ أن تُقَدَّمَ ها هُنا.
يُحَقِّقُه أنَّ [أرْشَ الجِنايةِ] 1 مُقَدَّمٌ على مِلْكِ السيدِ في عبدِه، فيَجِبُ تقديمُه على عِوَضِه، وهو مالُ الكِتابَة، بطرِيقِ الأوْلَى؛ لأنَّ المِلْكَ فيه قبلَ الكِتابةِ كان مُسْتَقِرًا، ودَين الكتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فإذا قُدِّمَ على المُسْتَقِرِّ، فعلى غيرِه أوْلَى.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أرْشِ جِنايَته؛ لأنَّه إن كان أرشُ الجنايةِ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثرُ مِن مُوجَب جِنايَته، وهو أرْشُها، وإن كان أكثرَ، لم يكُنْ عليه أكثرُ مِن قِيمَتِه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مِن بَذْلِ 2 المَحَلِّ الذي تَعَلَّقَ به الأرْشُ.
فإن بدأ بدَفْعِ المالِ إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ، فوَفَّى بأرْشِ الجِنايةِ، وإلَّا باع الحاكِمُ منه بما بقِيَ 3 مِن

..................................  أرْشِها، [وبَطَلَ الكِتابَةُ فيما باع منه] 1، وباقِيه باقٍ على كِتابَتِه.
وإنِ اختار السيدُ الفَسْخَ فله ذك، ويَعُودُ عَبْدًا قِنًّا مُشْتَرَكًا بينَ السيدِ والمُشْتَرِي.
وإن أبقاه السيدُ على الكِتابَةِ، فأدَّى، عَتَقَ بالكِتابَةِ، وسَرَى العِتْقُ إلى باقِيه إن كان المُكاتَبُ مُوسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه، وإن كان مُعْسِرًا، عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وباقِيه رَقِيقٌ.
فإن لم يكُنْ في يَدِه مالٌ، ولم يفِ بالجِنايةِ إلَّا قِيمَتُه كلُّها، بِيعَ كُلُّه فيها، وبَطَلَتْ كِتابَتُه.
فصل: وإن بَدَأ بدَفْعَ المالِ إلى سيدِه، وكان وَلِيُّ الجِنَايةِ سألَ الحاكمَ فحَجَرَ على المُكاتَبِ، ثَبَتَ الحَجْرُ عليه، وكان النَّظرُ فيه إلى الحاكمِ، فلا يَصِحُّ دَفْعُه إلى سيدِه، ويَرْتَجِعُه الحاكمُ، ويُسَلِّمُه إلى وَلِيِّ الجنايةِ، فإن وَفَّى، وإلَّا كان الحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا مِن قبلي.
وإن لم يكُنِ الحاكمٌ حَجَرَ عليه صَحَّ دَفْعُه إلى السيدِ؛ لأنَّه يَقضِي حَقًّا عليه، فجاز، كما لو قَضَى بعضَ غُرَمائِه قبلَ الحَجْرِ عليه.
فإن كان ما دَفَعَه إليه جميعَ مالِ الكتابةِ عَتَقَ.

وَإنْ عَتَقَ، فَعَلَيه فِدَاءُ نَفْسِهِ، وَإنْ عَجَزَ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، إِنْ كَانت الْجِنَايَةُ علَيهِ.
وَإنْ كَانت عَلَى أَجْنَبِي، فَفَدَاهُ سَيِّدُهُ، وَإلَّا فُسِخَتِ الْكِتَابَا, وَبِيعَ في الجِنَايَةِ.

3018 - مسألة: (وعليه فداءُ نَفْسِه)

ويكونُ الأرْشُ في ذِمَّتِه، فيَضْمَنُ ما كان عليه قبلَ العِتْقِ، ويَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايته؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أكثرُ مما كان واجبًا عليه بالجنايةِ، فإن أعْتَقَه السيدُ، فعليه فداؤُه بذلك،؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الاسْتِحْقاقِ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه.
3019 -

مسألة: (وإن عَجَزَ، فلسيدِه تَعْجِيزُه)

ويَفْدِيه أيضًا بما ذَكَرْناه.
وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أخْرَى، أنه يَفْدِيه بأَرْشِ الجِنايةِ، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ لأنه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرْغَبَ فيه راغبٌ بأكثرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادَةَ بإعْتاقِه.

وَإنْ أعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَيه فِدَاؤُهُ، وَالْوَاجِبُ في الْفِدَاءِ أقلُّ الْأمْرَينِ؛ مِنْ قِيمَتِهِ، أوْ أرْشِ جِنَايتهِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ بِأرْشِ الْجِنَايَةِ كَامِلَةً.
فصل: فإن كانتِ الجِنايةُ على سيدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، فالسيدُ خَصْمُه فيها، فإن كانتْ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فلسيدِه القِصاصُ، كما يَجبُ على عبدِه القِنِّ؛ لأنَّ القِصاصَ يَجِبُ للزَّجْرِ، فيَحْتاجُ إليه العبدُ في حَقِّ سيدِه، وإن عَفا على مالٍ، أو كانت مُوجِبَة للمالِ، وَجَبَ له؛ لأنَّ المُكاتَبَ مع سيدِه كالأجْنَبِيِّ، يَصِحُّ أنْ يُبايِعَه، ويَثْبُتُ له في ذِمَّتِه المالُ والْحُقُوقُ، كذلك الجِنايةُ، ويَفْدِي نَفْسَه بأقَلِّ الأمْرَين، كالجِنايَةِ على الأجْنَبِيِّ.
وعنه، يَفْدِيه بأرْشِ الجِنايةِ كله.
فإن وَفَى ما في يَدِه بما عليه فلسيدِه مُطالبَتُه به [وأخْذُه] 1، وإن لم يَفِ به (فلسيدِه تَعْجِيزُه) فإذا عَجَّزَه وفَسَخَ الكِتابةَ سَقَطَ عنه مالُ الكِتابةِ وأرْشُ الجِنايةِ، وعاد عَبدًا قِنًّا, ولا يَثْبُتُ للسيدِ على عبدِه القِنِّ مالٌ.
وإن أعْتَقَه سيدُه ولا مال في يَدِه سَقَطَ الأرْشُ؛ لأنَّه مُتَعَلِّق برَقَبَتِه، وقد أتْلَفَها.
وإن كان في يَدِه مال لم يسْقُطْ؛ لأنَّ الحَقَّ كان مُتَعَلِّقًا بالذِّمَّةِ وما في يَدِه مِن المالِ، فإذا تَلِفَتِ الرَّقَبَةُ بَقِيَ الحَقُّ مُتَعَلِّقًا بالمالِ، فاسْتُوفِي منه، كما لو عَتَقَ بالأداءِ.
وهل يَجِبُ (أقَل الأمْرَين) أو (أرْشُ الجِناية) كلّه؟ على وَجْهَينِ.

..................................  ويَسْتَحِقُّ السيدُ مُطالبَتَه بأرْشِ الجِنايةِ قبلَ أداءِ مالِ الكِتابةِ؛ لمَا ذَكَرْنا مِن قبلُ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ.
وإنِ اختار تَأخيرَ الأرْش والبدايةَ بِقَبْضِ مالِ الكتابةِ جازَ.
ويَعْتِقُ إذا قَبَضَ مال الكتابةِ [كلَّه.
وقال أبو بكرٍ: لا يَعْتِقُ بالأداءِ قبلَ أرْشِ الجِنايةِكما لوُجُوبِ تَقْدِيمِه على مالِ الكِتابة] 1. ولَنا، أنَّ الحَقَّين جميعًا للسيدِ، فإذا تَراضَيَا على تَقْدِيمِ أحَدِهما على الآخَرِ جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَخْرجُ عنهما, ولأنَّه لو بَدَأ بأداءِ مالِ الكِتابةِ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ عَتَقَ، ففي حَقِّ السيدِ أوْلَى، ولأنَّ أرْش الجِنايةِ لا يَلْزَمُ أداؤُه قبلَ انْدِمالِ الجُرحِ، فيُمْكِنُ تقْديمُ وُجُوبِ الأداءِ عليه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا أدَّى عَتَقَ، ويَلْزَمُه أرْشُ الجِنايةِ، سَواءٌ كان في يَدِه مالٌ أو لم يَكُنْ، لأنَّ عِتْقَه بسَبَب مِن جِهَتِه، فلم يَسْقُطْ ما عليه، بخِلافِ ما إذا أعْتَقَه سيدُه، فإنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ 2 حَقِّه، بخِلافِ هذا.
وهل يَلْزَمُه.
أقَلُّ الأمْرَين، أو جَميعُ الأرْشِ؟ على وَجْهَين.
وإن كانت جِنايَتُه على نَفْس سيدِه، فلِوَرَثَتِه القِصاصُ في العَمْدِ، والعَفْوُ على مالٍ.
وفي الخطأَ، المالُ.
وحُكْمُ الوَرَثَةِ مع المُكاتَبِ حكمُ سيدِه معه؛ لأنَّ الكتابةَ انْتَقَلَتْ إليهم، والعَبْدُ لو عاد قِنًّا كان لهم.
وإن جَنَىَ على مَوْرُوثِ سيدِه، فوَرِثَه سيدُه، فالحكمُ فيه كما لو كانتِ الجِنايةُ على سيدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، على مَا مَضَى.

..................................  فصل: فإن جَنَى المُكاتَبُ جِناياتٍ تَعَلَّقَتْ برَقَبَتِه 1، واسْتَوَى الأوَّلُ والآخِرُ في الاسْتِيفاءِ، ولم يُقَدَّمِ الأوَّلُ على الثاني إن كانت مُوجِبَةً للمالِ؛ لأنَّها تَعَلَّقَتْ بمَحَلٍّ واحدٍ، وكذا إن كان بعضُها في حالِ كِتابَتِه وبعضُها بعدَ تَعْجِيزِه، فهي سَواءٌ، ويتَعَلَّقُ جَمِيعُها بالرَّقَبَةِ، فإن كان فيها ما يُوجِبُ القِصاصَ، فلِوَلِيِّ الجِنايةِ اسْتِيفَاؤُه، وتَبْطُلُ حقُوقُ الآخَرِين.
فإن عَفَا إلى مالٍ، صارَ حُكْمُه حُكْمَ الجِنايةِ المُوجِبَةِ للمال.
فإن أبرأه بَعْضُهم اسْتَوْفَى الباقون؛ لأنَّ حَقَّ كلِّ واحدٍ منهم 2 يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، يَسْتَوفِيه إذا انْفَرَدَ، فإذا اجْتَمَعُوا تزاحَمُوا 3، فإذا أبرأه بعضُهم سَقَطَ حَقُّه وتَزاحَمَ الباقُونَ، كما لو انْفَرَدُوا، كما في الوَصَايا ودُيُونِ المَيِّتِ.
فإن أدَّى وعَتَقَ فالضَّمانُ عليه، وإن أعْتَقَه سيدُه فعليه الضَّمانُ، وأيُّهما ضَمِنَ فالواجِبُ عليه أقَلُّ الأمْرَين، كما ذَكَرْنا في الجِنايةِ الواحدةِ، ولأنَّه لو عَجَّزَه الغُرَماءُ وعاد قِنًّا بِيعَ وتحَاصُّوا في ثَمَنِه، كذلك ها هُنا.
فأمَّا إن عَجَّزَه سيدُه وعادَ قِنًّا، خُيِّرَ بينَ فِدَائِه وتَسْلِيمِه، فإن اختارَ فِداءَه فدَاه بأقَلِّ الأمْرَين، كما لو أعْتَقَه أو قَتَلَه.
وفيه رِوايةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه أرشُ

وَإنْ لَزِمَتْهُ دُيُون تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
الجِنايةِ كُله؛ لأنَّه لو سَلَّمَه احْتَمَلَ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادَةَ باخْتِيارِه إمْساكَه، فكان عليه جَمِيعُ الأرْشِ.
ويُفارِقُ ما إذا أعْتَقَه أو قَتَلَه؛ لأنَّ المَحَلَّ تَلِفَ فتَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، فلم يَجِبْ أكثرُ مِن قِيمَتِه، والمَحَلُّ ها هُنا باقٍ يُمْكِنُ تَسْلِيمُه وبَيعُه، وقد ذَكَرْناه.
وإن أراد المُكاتَبُ فِداءَ نَفْسِه قبلَ تَعْجِيزِه أو عِتْقِه (1)، ففيما تُفْدَى به نَفْسُه وَجْهان، بِناءً على ما إذا عَجَّزَه سيدُه.
والله أعلمُ.

3020 -

مسألة: (وإن لَزِمَتْه دُيُون تَعَلَّقَتْ بذِمَّتِه، يُتبعُ بها بعدَ العِتْقِ)

إذا اجْتَمَعَ على المُكاتَبِ ثَمَنُ مَبِيعٍ، أو عِوَضُ قَرْض، أو غيرُهما مِن الدُّيُونِ مع مالِ الكِتابةِ، وفي يَدِه ما يَفي بها، فله أداؤُها، ويَبْدَأ بأيِّها شاء، كالحُرِّ.
وإن لم يَفِ بها ما في يَدِه، وكُلُّها حالَّة، ولم يَحْجُرِ الحاكِمُ1

..................................  عليه، فخَصَّ بعضَهم بالقَضاءِ، صَحَّ، كالحُرِّ.
وإن كان فيها مُؤَجَّلٌ، فعَجَّلَه بغيرِ إذْنِ سيدِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ تَعْجِيلَه تَبَرُّعٌ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِ سيدِه، كالهِبَةِ.
وإن كان بإذْنِ سيدِه جاز، كالهِبَةِ.
وإن كان التَّعْجِيلُ للسيدِ، فقَبُولُه بمَنْزِلَةِ إذْنِه، وإن كان الحاكمُ قد حَجَرَ عليه بسُؤالِ غُرَمائِه، فالنَّظرُ إلى الحاكِمِ، وإنَّما بحْجُرُ عليه بسُؤَالِهم.
فإن حَجَرَ عليه بغيرِ سُؤَالِهم لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فلا يُسْتَوْفَى بغيرِ إذْنِهم.
وإن سأله سيدُه الحَجْرَ عليه لم يُجِبْه إلى ذلك؛ لأنَّ حَقَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فلا يَحْجُرُ عليه مِن أجْلِه.
وإذا حَجَرَ عليه بسُؤَالِ الغُرَماءِ، فقال القاضي: عِندي أنَّه يَبْدَأ بقَضاءِ ثَمنِ المَبِيعِ وعِوَضِ القَرْضِ، يُسَوِّي بينَهما، ويقَدِّمُهما على أرْش الجِنايةِ ومالِ الكِتابةِ؛ لأنَّ أرشَ الجِنايَةِ مَحَلُّه الرَّقَبَةُ، فإذا لم يَحْصُلْ ممَّا في يَدِه اسْتُوْفِيَ مِن رَقَبَتِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقد ذَكَرْنا أنَّ أصحابَنا والشافعيَّ اتَّفَقُوا على تَقْدِيمِ أَرْشِ الجِنايةِ على مالِ الكِتابةِ، فيما مَضَى.
وإذا لم يَحْجُرْ عليه، [ودَفَعَ] 1 إلى السيدِ مال الكِتابةِ، عَتَقَ، وبَقِيَّةُ الدُّيُونِ في ذِمَّتِه، يُتْبَعُ بها بعدَ العِتْقِ؛ لأنَّه صار حُرًّا، فهو كالأحْرارِ، ولأنَّ المُدايِنَ رَضِيَ بذِمَّتِه حينَ أدائِه، فكان له ما رَضِيَ به، كالحُرِّ.

..................................  فصل: وإذا جَنَى بَعضُ عَبيدِ المُكاتَبِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، فللمَجْنِيِّ عليه الخِيارُ بينَ القِصاصِ والمالِ، فإنِ اختار المال، و 1 كانتِ الجنايةُ خطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ أو إتْلافَ مالٍ، تَعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه، وللمُكاتَبِ فداؤُه بأقَلِّ الأمْرَين؛ مِن قيمَتِه أو أرْشِ جِنايته؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ شِرائِه، وليس له فِداؤُه بأكثرَ مِن قِيمَتِه، كما لا يجوزُ له أن يشْتَرِيَه بذلك إلَّا أن يأذَنَ فيه سيدُه، فإن كان الأرْشُ أقَلَّ مِن قِيمَتِه لم يكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالزَّائِدِ.
وإن زادَ الأرْشُ على قِيمَتِه، فهل يَلْزَمُه تَسْلِيمُه أو يَفْدِيه بأقَلِّ الأمْرَين؟ لها رِوايَتَين.

..................................  فصل: فإن مَلَك المُكاتَبُ ابنَه أو بعضَ ذَوي رَحِمِه المَحْرَمِ، أو ولِدَ له ولدٌ مِن أمَتِه، فجَنَى جِنايَةً تَعَلَّقَ أرشُها برَقَبَتِه، [فللمُكاتَبِ فِداؤُه] 1 بغيرِ إذْنِ سيدِه، كما يَفْدِي غيرَه مِن عَبِيدِه.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: ليس له فِداؤُه بغير إذْنِه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إتْلافٌ [لمالِه، فإنَّ] 2 ذَوي رَحِمِه ليسوا بمالٍ له، ولا يتَصَرَّفُ فيهم، فلم يَجُزْ له إخْراج مالِه في مُقابَلَتِهم، ولا شِراؤهم، كالتبرعِ، ويُفارِقُ العَبدُ الأجْنَبِيَّ؛ فإنه يَنْتَفِعُ به، وله صَرْفُه في كِتابَتِه، فكان له فِداؤُه وشِراؤه، كسائِرِ أموالِه، ولكن إن كان لهذا الجاني كَسْبٌ فُدِيَ منه، وإن لم يكُنْ له كَسْب بِيعَ في الجنايةِ إنِ اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَه، وإن لم تَسْتَغْرِقْها بِيعَ بَعْضُه فيها، وما بَقِيَ للمُكاتَبِ.
ولَنا، أنَّه عَبدٌ له جَنَى 3، فمَلَكَ فِداءَه، كسائِرِ عَبِيدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَمْلِكُ شِراءَه.
وقولُهم: لا يتَصَرَّفُ فيه.

..................................  قُلْنا: إلَّا أنَّ كَسْبَه له، فإن عَجَزَ المُكاتَبُ صار رَقِيقًا معه لسيدِه، وإن أدَّى المُكاتَبُ لم يتَضَرَّرِ السيدُ بعِتْقِهم، وانْتَفَعَ به المُكاتَبُ، وإذا دار أمْرُه بينَ نَفْعٍ وانْتِفاءِ ضَرَرٍ، وجَبَ أن لا يُمْنَعَ منه.
وفارَقَ التبرعَ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ المال على السيدِ.
فإن قيل: فيه ضَرَرٌ، وهو مَنْعُه مِن أداءِ الكِتابةِ، فإنَّه إذا صَرَفَ المال فيه، ولم يَقدِرْ على صَرْفِه في الكِتابةِ، عَجَزَ عنها.
قُلْنا: هذا الضَّرَرُ لا يُمْنَعُ المُكاتَبُ منه، بدليلِ ما لو تَرَك الكَسْبَ مع إمْكانِه، أو امْتَنَعَ مِن الأداءِ مع قُدْرَتِه عليه، فإنَّه لا يُمْنَعُ منه ولا يُجْبَرُ على كَسْبٍ ولا أداءٍ، فكذلك لا يُمْنَعُ ممَّا هو في مَعْناه ولا ممَّا يُفْضِي إليه، ولأنَّ غايةَ الضَّرَرِ في هذا المَنْعُ مِن إتْمامِ الكِتابةِ، وليس إتْمامُها واجبًا عليه، فأشْبَهَ تَرْكَ الكَسْبِ، بل هذا أوْلَى، لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ هذا فيه نَفْعٌ للسيدِ، لمَصِيرِهم عَبِيدًا له.
والثاني، أنَّ فيه نَفْعًا للمُكاتَبِ بإعْتاقِ ولَدِه وذَوي رَحِمِه، ونَفْعًا لهم بالإِعْتاقِ على تَقْدِيرِ الأداءِ، فإذا لِم يُمْنَعْ ممَّا يُساويه في المَضَرَّةِ مِن غيرِ نَفْعٍ فيه، فلان لا يُمْنَع ممَّا فيه نفْعٌ لازِمٌ لإِحْدَى الجِهَتين أوْلَى.
ووَلَدُ المُكاتَبَةِ يدخلُ في كِتابَتِها، والحكمُ في جِنايته كالحُكْمِ في ولَدِ المُكاتَبِ سَواءٌ.
فصل: وإن جَنَى بعضُ عَبِيدِ المُكاتَبِ على بعض جِنايةً مُوجَبُها المالُ، لم يَثْبُتْ لها حكمٌ؛ لأنَّه لا يَجِبُ للسيدِ على عبدِه مالٌ.
وإن كان مُوجَبُها القِصاصَ، فقال أبو بكر: ليس له القِصاصُ؛ لأنَّه إتْلافٌ لمالِه باخْتِيارِه.
وهذا الذي ذَكَرَهُ شَيخُنا في الكِتابِ المشْرُوحِ، وذَكَرَه أبو

..................................  الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المسائِلِ».
وقال القاضي: له القِصاصُ؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَة مِلْكِه، فإنَّه لو لم يَقْتَصَّ أفْضَى إلى إقْدامِ بَعْضِهم على بعضٍ.
وليس له العَفْوُ على مالٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا يجوزُ بَيعُه في أرْش الجِنايَةِ؛ لأنَّ الأرْش لا يَثْبُت له في رَقَبَةِ عبدِه.
فإن كان الجانِي مِن عَبِيدِه ابته، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لذلك.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يجوزُ بَيعُه.
في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه قبلَ جِنايته، فيَسْتَفِيدُ بالجنايةِ مِلْكَ بَيعِه.
ولَنا، أنَّه عبدُه، فلم يَجِبْ له عليه أرْشٌ، كالأجْنَبِيِّ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالرَّهْنِ إذا جَنَى على رَاهنِه.
فصل: فإن جَنى عبدُ المُكاتَبِ عليه جِنايةً مُوجَبُها المالُ، كانت هَدْرًا؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان مُوجَبُها القِصاصَ 1، فله أنْ يَقتَصَّ فيما دُونَ النَّفْسِ؛ لأنَّ العَبْدَ يُقْتَصُّ منه لسيدِه، وإن عَفا على مالٍ، سَقَط القِصاصُ ولم يَجِبِ المالُ.
فإن كان الجاني أباه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه.
وإن جَنَى المُكاتَبُ عليه، لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنَّ السيدَ لا يُقْتَصُّ منه لعَبْدهِ.
وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْتَصُّ منه؛ لأنَّ حكْمَ الأبِ معه حُكْمُ الأحرارِ، بدِليلِ أنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه والتَّصَرُّفَ فيه، وجُعِلَتْ حُرِّيتُه مَوْقوفةً على حُرِّيته.
قال القاضي 2: ولا نَعْلَمُ مَوْضِعًا يَقْتَصُّ فيه المَمْلوكُ مِن مالِكِه غيرَ هذا المَوْضِعِ.

..................................  فصل: وإن جُنِيَ على المُكاتَبِ فيما دُونَ النَّفْس, فأرْشُ الجِنايةِ له دُونَ سيدِه، لثَلاثَةِ مَعانٍ؛ أحَدُها، أنَّ كَسْبَه له، وذلك عِوَضٌ عمَّا يَتَعَطَّلُ بقَطْعِ يَدِه مِن كَسْبِه.
والثاني، أنَّ المُكاتَبَةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ في النِّكاحِ، لتَعَلُّقِه بعُضْوٍ مِن أعضائِها، كذلك بَدَل العُضو.
الثالثُ، أنَّ السيدَ أخَذَ مال الكِتابةِ بَدَلًا عن نَفْسِ المُكاتبِ، فلا يجوزُ أن يَسْتَحِقَّ عنه عِوَضًا آخَرَ.
ثم لا يَخْلُو مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ: أحدُها، أن يكونَ الجانِي سيدَه، فلا قِصاصَ عليه لأمْرَين؛ أحدُهما، أنَّه حُرٌّ والمُكاتَبُ عَبْدٌ.
والثاني، أنَّه مالِكُه 1، ولا يُقْتَصُّ مِن المالِكِ لمَمْلُوكِه، ولكن يَجِبُ الأرْشُ إذا انْدَمَلَ الجُرْحُ، على ما يُذْكَرُ في الجِناياتِ.
ولأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا تُؤمَنُ سِرايَتُه إلى نفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه.
فإذا ثَبَتَ هذا، فسَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، انْفَسخَتِ الكِتابةُ، وكان الحُكْمُ فيه كما لو قَتَلَه، وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحُ وجب له أرشُه على سيدِه، ويَتقاصَّان إن كان مِن جِنْسِ مال الكِتابةِ وقد حَلَّ عليه نَجم، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابةِ أو لم يَحِلَّ عليه نَجْمٌ، لم يتَقاصَّا، ويُطالِبُ كلُّ واحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّه، فإنِ اتَّفَقا على أنْ يُجْعَلَ أحَدُهما عِوَضًا عن الآخرِ، وكانا مِن جِنْسَينِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، فإن قَبضَ أحَدُهما حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخرِ عِوَضًا عن حَقه، جاز.
وإن رَضِيَ المُكاتَبُ بتَعْجِيلِ الواجب له عما لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز،

..................................  إذا كان مِن جنْسِ مالِ الكِتابةِ.
الحالُ الثانيةُ، إذا كان الجانِي أجْنَبِيًّا حُرًّا، فلا قِصاصَ؛ [لأنَّ الحُرَّ] 1 لا يُقْتَلُ بالعبدِ، فإن سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه انْفَسَخَتْ كِتابَتُه، وعلى الجاني قِيمَتُه لسيدِه، وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحُ فعليه أرْشُه له، فإن أدَّى الكِتابَةَ وعَتَقَ، ثم سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه، وجَبَتْ دِيَتُه؛ لأنَّ اعْتِبارَ الضَّمانِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، ويكونُ ذلك لوَرَثَتِه.
فإن كان الجاني السيدَ أو غيرَه مِن الوَرَثَةِ، لم يَرِثْ منه شيئًا؛ لأنَّ القَاتِلَ لا يَرِثُ، ويكونُ لبيتِ المالِ إن لم يكُنْ له وارِثٌ.
ومَن اعْتَبَرَ الجِنايَةَ بحالةِ ابْتِدائِها، أوْجَبَ على الجانِي قِيمَتَه، ويكونُ أيضًا لوَرَثَتِه.
الحالُ الثالثُ، إذا كان الجانِي عَبْدًا أو مُكاتبًا، فإن كان مُوجَبُ الجِنايةِ القِصاصَ، وكانت على النَّفْسِ، انْفَسَخَتِ الكِتابَةُ، وسَيدُه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ والعَفْو على مالٍ يَتَعَلَّقُ برَقَبَةِ الجانِي.
وإن كانت فيما دُون النَّفْسِ، كقَطْعِ يَدِه، فللمُكاتَبِ اسْتيفاءُ القِصاصِ، وليس لسيدِه مَنعُه، كما أنَّ المريضَ يَقْتصُّ 2 ولا يَعْتَرِضُ عليه وَرَثَتُه، والمُفْلِسَ يَقْتصُّ (2) ولا يَعْتَرِضُ عليه غُرَماؤُه.
وإنْ عَفا على مالٍ، ثَبَتَ له، وإن عَفا مُطْلَقًا [أو إلى غيرِ مالٍ] (1)، انْبَنَى على الرِّوايَتَين في مُوجَبِ العَمْدِ؛ إن قُلْنا: مُوجَبُه القِصاصُ عَينًا.
صَحَّ، ولم يثْبُتْ له مالٌ، وليس لسيدِه

..................................  مطالبَته باشتراطِ مالٍ؛ لأنَّ ذلك تكَسُّبٌ، ولا يَمْلِكُ السيدُ 1 إجْبارَه على الكَسْب.
وإن قُلْنا: الواجِبُ أحد أمْرَين.
ثَبَتَ له دِيَة الجُرْحِ؛ لأنه لمَّا سَقَطَ 2 القِصاصُ، تَعَيَّنَ 3 المالُ، ولا يَصِحُّ عَفْوُه عن المالِ؛ لأنَّه لا يَمْلِك التبرعَ بغيرِ إذْنِ سيدِه.
وإن صالحَ على بعضِ الأرْشِ، فحكمه حكم العَفْو إلى غير مالٍ.
فصل: وإذا مات المُكاتَبُ وعليه ديون وأروش جِناياتٍ، ولم يكُنْ مَلَكَ ما يُؤَدِّي في كتابَتِه، انْفَسَخَتِ الكِتابة، وسَقَطَ أرْشُ الجناياتِ؛ لأنَّها مُتعلِّقَةٌ برَقَبته وقد تَلِفَت، وتُسْتَوْفَى دُيُونه ممَّا كان في يَدِه، فإن لم يَفِ بها سَقَطَ الباقِي.
قال أحمد: ليس على سيدِه قَضاءُ دينه، هذا كان يَسْعَى لِنَفْسِه.
وإن كان قد مَلَكَ ما يؤَدِّي في كِتابَتِه، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَين في عِتْقِ المكاتَبِ بمِلْكِ ما يؤَدِّيه، وقد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَين، الظَّاهِرُ منهما أنَّه لا يَعْتِقُ بذلك، فتَنْفَسِخ الكِتابَة أيضًا، ويُبْدَأ بقَضاءِ الدَّينِ، على ما ذَكَرْنا في الحالِ الأوَّلِ.
وهذا قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ, وشُرَيح، وعَطَاءٍ، وعَمرِو بنِ دينارٍ، وأبي الزِّنادِ، ويحيى الأنْصارِيِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
والثانيةُ، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّي صار حُرًّا.
فعلى هذا، يضْرِبُ السيدُ معَ الغرَماءِ بما حَلَّ مِن نُجُومِه.
رُويَ نحوُ هذا عن شُرَيح، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ،

جارٍ التحميل