الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 449-488

كِتَابُ اللِّعَانِ

صفحات 449-488

فَإِذَا قَال: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ زَنَتْ.
يَقُولُ: وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي.
وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ كَذَبَ، وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ.
باللهِ إنِّي لَمِنَ الصَّادِقينَ فيما رَمَيتُها به مِن الزِّنى (يقولُ: وما هذا الولَدُ ولَدِي.
وتقولُ هي: أشْهَدُ باللهِ لقد كَذَبَ) فيما رَمانِي به مِن الزِّنَى (وهذا الولدُ ولَدُه) في كلِّ لَفْظَةٍ.
وقال الشافعيُّ: لا تحْتاجُ المرأةُ إلى ذِكْرِه؛ لأنَّها لا تَنْفِيه.
ولَنا، أنَّها أحَدُ الزَّوْجَين، فكان ذِكْرُ الولدِ شَرْطًا في لِعانِه، كالزَّوْجِ.
وقال أبو بكر: لا يُحْتاجُ إلى ذكرُ الولَدِ ونَفْيِه، ويَنتفِي بزوالِ الفِراشِ؛ لأن حَدِيثَ سَهْلِ بنِ سعدٍ، الذي وَصَفَ فيه اللِّعانَ، لم يذكُرْ فيه الولدَ، وقال فيه: ففَرَّقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، وقَضَى أن لا يُدْعَى ولَدُها لأبٍ، [ولا تُرْمَى] 1 ولا يُرْمَى ولَدُها.
رواه أبو داودَ 2. وفي حَدِيثٍ رواه مُسْلِمٌ 3، عن عبدِ الله 4، أنَّ رَجُلًا لَا عَنَ امرأةً على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ففَرَّقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، والحَقَ الوَلَدَ بأُمِّه.
ولَنا، أنَّ مَن

..................................  سَقَطَ حَقُّه باللِّعانِ، كان ذِكْرُه شَرْطًا، كالمرأةِ، ولأنَّ غايةَ ما في اللِّعانِ أن يَثْبُتَ زِنَاها، وذلك لا يُوجِبُ نَفْيَ الوَلَدِ، كما لو 1 أقَرَّتْ به، أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، فأمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بنِ سعدٍ، فقد رُوِيَ فيه: وكانت حامِلًا، فأنْكَرَ حَمْلَها.
مِن روايةِ البُخَارِيِّ 2. وروَى ابنُ عمرَ، أنَّ رَجُلًا لاعَنَ امرأتَه في زمنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وانْتَفَى مِن وَلَدِها، ففَرَّقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَينَهما، وألْحَقَ الولدَ بالمرأةِ 3. والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
فعلى هذا، لا بُدَّ مِن ذِكْرِ الولدِ في كلِّ لَفْظَةٍ، ومعِ اللَّعْنِ في الخامسةِ؛ لأنَّها مِن لَفَظاتِ اللِّعانِ.
وذكرَ الخِرَقِي شرْطًا خامسًا، وهو تَفْرِيقُ الحاكمِ بَينَهما.
وهذا على الرِّوايةِ التي تَشْتَرِطُ تَفْرِيقَ الحاكمِ بَينَهما لوُقُوعِ الأُخْرَى، فَأمَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فلا يُشْتَرَطُ تَفْريقُ الحاكمِ

..................................  لنَفْي الوَلَدِ، كما لا يُشْتَرَطُ لدَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا لفَسْخِ النِّكاحِ.
وشَرَطَ أيضًا شَرْطًا سادِسًا، وهو أن يكونَ قد قَذَفَها.
وهذا مِن شُرُوطِ اللِّعانِ.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: متى كان اللِّعانُ لِنَفْي الوَلَدِ اشْتُرِطَ ذِكْرُه [في لعانِهما.
وقال الشافعيُّ: لا تحتاجُ المرأةُ إلى ذكرِه؛ لأنَّها لا تَنْفِيه.
ولَنا، أنَّ مَن سَقَط حَقُّه باللعانِ، اشْتُرِطَ ذِكْرُه فيه، كالمرأةِ، وهي أحدُ الزوجينِ، فكان ذِكْرُ الولدِ شرطًا في لعانِها كالزوجِ.
وظاهرُ كلامِ الخِرَقيِّ أنَّه يُكْتَفَى بقولِ الزوجِ: وما هذا الولدُ ولدي.
ومِن المرأةِ بقولِها: وهذا الولدُ ولدُه.
وقال القاضي] 1: يُشْتَرَطُ أن يقولَ: هذا الوَلَدُ مِن زِنًى، وليس هو مِنِّي.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُ بقوله: ليس هو مِنِّي.
يَعْنِي خَلْقًا وخُلُقًا، ولم يَقْتَصِر على قولِه: هو مِن زِنًى؛ لأنَّه قد يَعْتَقِدُ أنَّ الوَطْءَ في النِّكاحِ الفاسِدِ زِنّى، فأكَّدْنا بذِكْرِهما جَمِيعًا.
ولَنا، أنَّه نَفَى الولدَ في اللِّعانِ، فاكْتُفِيَ 2 به، كما لو ذكَر اللَّفْظَين، وما ذَكَرُوه مِن

وإِنْ نَفَى الحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ، لَمْ يَنْتَفِ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ.
التَّأْكِيدِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ، ولا يَنْتَفِي الاحْتِمالُ (1) بضَمِّ إحْدَى اللَّفْظَتَين إلى الأُخْرَى، فإنَّه إذا اعْتَقَدَ أنَّه مِن وطْءٍ فاسدٍ، واعْتَقَدَ أنَّ ذلك زِنًى، صَحَّ منه أن يقولَ اللَّفْظَين جميعًا (2)، وقد [يُرِيدُ أنَّه لا] (3) يُشْبِهُني خَلْقًا ولا خُلُقًا، وأنَّه مِن وَطْءٍ فاسدٍ.
[فإن لم يَذْكُرِ الولدَ في اللعانِ، لم يَنْتَفِ عنه، فإن أراد نَفْيَه، أعاد اللعانَ، وذَكَرَه فيه.
وقال أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ واحدٌ منهما إلى ذِكْرِه، ويَنْتَفِى بزوالِ الفراشِ.
والقولُ الأولُ قولُ الخِرَقِيِّ ومَن وافقه، وقد ذكرناه] (4).

3818 -

مسألة: (وإن نَفَى الحَمْلَ في الْتِعانِه، لم يَنْتَفِ حَتَّى يَنْفِيَه عندَ وَضْعِفَا له ويُلاعِنَ)

اخْتلَف أصحابُنا في ذلك، فقال الخِرَقي وجماعَة: لا يَنْتَفِي الحملُ بِنَفْيِه قبلَ الوَضْعِ، ولا يَنْتَفِي حتى يُلاعِنَها بعدَ الوَضْعِ، ويَنْتَفِي الولدُ فيه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وجماعةٍ مِن أهْلِ الكُوفةِ؛ لأنَّ1234

..................................  الحملَ غيرُ مُسْتَيقَنٍ، يجوزُ أن يكونَ رِيحًا أو غيرَها، فيَصِيرُ نَفْيُه مَشْرُوطًا بوُجُودِه، ولا يجوزُ تَعْلِيقُ اللِّعانِ بشَرْطٍ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ، وجماعةٌ مِن أهْلِ الحِجَازِ: يَصِحُّ نَفيُ الحملِ، [ويَنْتَفِي عنه] 1. مُحْتَجِّينَ بحَدِيثِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ، وأنَّه نَفَى حَمْلَها فنَفاه عنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وألْحَقَه بالأُمِّ 2. [ولا خفاءَ] 3 بأنَّه كان حَمْلًا، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرُوهَا، فإنْ جَاءَت بِهِ كذا وكذا».
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: الآثارُ الدَّالَّةُ على صِحَّةِ هذا القولِ كثيرَةٌ.
وأوْرَدَها.
ولأن الحملَ مَظْنُونٌ بأماراتٍ تَدُلُّ عليه، ولهذا ثَبَتَ للحامِلِ أحْكامٌ تُخَالِفُ فيها الحائلَ؛ مِن النَّفَقَةِ، والفِظْرِ في الصِّيامِ 5، وتَرْكِ إقامَةِ الحَدِّ عليها، وتَأْخِيرِ القِصاصِ عنها، وغيرِ ذلك مما يَطُولُ ذِكْرُه.
ويَصِحُّ اسْتِلْحاقُ الحملِ، فكان كالولَدِ بعدَ وَضْعِه.
وهذا القولُ الصَّحِيحُ؛ لمُوافَقَتِه 6 ظواهِرَ الأحادِيثِ، وما خالفَ الحَدِيثَ لا يُعْبَأُ به كائِنًا ما كان.
وقال أبو بكرٍ: يَنتَفِي الولَدُ بزَوالِ الفِراشِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه في اللِّعانِ.

..................................  احْتِجاجًا بظاهِرِ الأحادِيثِ، حيث لم يُنْقَلْ فيها نَفْيُ الحَمْلِ، ولا التَّعَرُّضُ لِنَفْيِه.
فأمَّا مَن قال: إنَّ الوَلَدَ لا يَنتفِي إلَّا بِنَفْيِه بعدَ الوَضْعِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى إعادَةِ اللِّعانِ بعدَ الوَضْعِ.
وقال أبو حنيفةَ ومَن وافَقَه: إنْ لاعَنَها حامِلًا، ثم أتَتْ بوَلَدٍ، لَزِمَه، ولم يتَمَكنْ مِن نَفْيِه؛ لأنَّ اللِّعانَ لا يكونُ إلَّا بينَ زَوْجَين، وهذه قد بانَتْ بلِعانِها في حَمْلِها.
وهذا فيه إلْزامُه ولدًا ليس منه، وسَدُّ بابِ الانْتِفَاءِ مِن أَوْلادِ الزِّنَى، والله تَعالى قد جَعَلَ له إلى ذلك طَرِيقًا 1، فلا يجوزُ سَدُّه، وإنَّما تُعْتَبَرُ الزَّوْجِيَّةُ في الحالِ التي أضافَ اليها الزِّنَى فيه؛ لأن الولَدَ الذي 2 يأْتِي به يَلْحَقُه إذا لم يَنْفِه، فيَحتاجُ إلى نَفْيِه، وهذه كانت زَوجةً في تلك الحالِ، فمَلَكَ نَفْيَه.
واللهُ أعْلمُ.
فصل: فإنِ اسْتَلْحَقَ الحملَ، فمَن قال: لا يَصِحُّ [نَفْيُه.
قال: لا يصحُّ] 3 اسْتِلْحاقُه.
وهو المنْصوصُ عن أحمدَ، ومَن أجازَ نَفْيَه، قال: يَصِحُّ اسْتِلْحاقُه: وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مَحْكومٌ بوُجُودِه، بدليلِ وُجُوبِ النفقةِ، ووَقْفِ المِيراثِ، فَصحَّ الإقرارُ به كالمولودِ، وإذا (2) اسْتَلْحَقَه لم يَمْلِكْ نَفْيَه بعدَ ذلك، كما لو اسْتَلْحَقَه بعدَ الوضْعِ.
ومَن قال: لا يَصِحُّ اسْتِلْحاقُه.
قال: لو صَحَّ اسْتِلْحاقُه للَزِمَه بتَرْكِ نفْيِه كالمولودِ، ولا يَلْزَمُه ذلك (2) بالإِجْماعَ، ولأنَّ للشبَهِ أثَرًا في الاسْتِلْحاقِ، بدليلِ

فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ نَفْي الْوَلَدِ أَنْ لَا يُوجَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ بِتَوأَمِهِ، أَوْ نَفَاهُ وَسَكَتَ عَنْ تَوْأَمِهِ،  حديثِ المُلاعَنةِ، وذلك مُخْتَصٌّ بما بعدَ الوضعِ، فاخْتُصَّ صحةُ الاسْتِلْحاقِ به.
فعلى هذا، لو اسْتَلْحَقَه ثم نَفاه بعدَ وَضْعِه، كان له ذلك، فأمّا إن سَكَتَ عنه، فلم يَنْفِه، ولم يَسْتَلحِقْه، لم يَلْزَمْه عندَ أحَدٍ عَلِمْنا قولَه؛ لأنَّ تَرْكَه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لأنَّه لا يتَحَقَّقُ وُجُودَه إلَّا أن يُلَاعِنَها، فإنَّ أبا حنيفةَ ألْزَمَه الولدَ، على ما أسْلَفْناه.
فصل: (ومِن شَرْطِ نَفْي الولدِ أن لا يُوجَدَ) منه (دليلٌ على الإقْرارِ به، فإن أقَرَّ به) لم يَمْلِكْ نَفْيَه في قولِ جماعةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الشَّعْبِي، والنَّخَعِيُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْي (وإن أقَرَّ بتَوْأمِه، أو نَفاه وسَكَتَ عن تَوْأمِه) لَحِقَه نَسَبُه، ولم يَكُنْ له نَفْيُه، وقد ذَكَرْناه، ولأنَّه إذا أقَرَّ بأحَدِهما كان إقْرارًا

أَوْ هُنِّيء بِهِ فَسَكَتَ، أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ، أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ.
بالآخَرِ، إذ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ الذي له منهما (1)، فإذا نَفَى الآخَرَ كان رُجُوعًا عن إقْرارِه، فلا يُقْبَلُ منه، ومثلُه إذا نَفَاه وسَكَتَ عن تَوْأمِه.

3819 -

مسألة: (وإن هُنِّيء بِهِ فَسَكَتَ)

كانَ إقْرارًا.
ذكَرَهُ أبو بَكْرٍ؛ لأنَّ السُّكُوتَ صَلُحَ دالًّا على الرِّضَا في حَقِّ البِكْرِ، فههنا أوْلَى.
3820 -

مسألة: (فإن أمَّنَ على الدُّعاءِ)

لَزِمَه فِي قَوْلِهِم جميعًا، فإن قال: أحْسَنَ اللهُ جَزاءَكَ (2). أو: بارَكَ اللهُ عليك.
أو: رَزَقَكَ الله مثلَه.
لَزِمَه الولدُ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعي: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه جازاه على قصْدِه.
وإذا قال: رَزَقَكَ اللهُ مثلَه.
فليس ذلك إقْرارًا، ولا مُتَضَمِّنًا له.
ولَنا، أنَّ ذلك جَوابُ الرَّاضِي في العادَةِ، فكان إقرارًا، كالتَّأْمِينِ على الدُّعاءِ.
3821 -

مسألة: (وإن أخَّرَ نَفْيَهُ مع إمْكانِه، لَزِمَه نَسَبُه)

ولم يَكُنْ12

..................................  لَهُ نَفْيُه بعدَ ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
قال أبو بكرٍ: لا يتَقَدَّرُ ذلك بثلاثٍ، بل هو على ما جَرَتْ به العادةُ، إن كان ليلًا فحتى يُصْبِحَ ويَنْتَشِرَ الناسُ، وإن كان جائِعًا أو ظَمْآنَ فحتى يأكُلَ أو يَشْرَبَ، أو ينامَ إن كان ناعِسًا، أو يَلْبَسَ ثِيابَه ويُسْرِجَ دابَّتَهَ ويَرْكَبَ، ويُصَلِّيَ إن حَضَرتِ الصلاةُ، ويُحْرِزَ ماله إن كان غيرَ مُحْرَزٍ، وأشْباهُ هذا مِن أشْغالِه، فإن أخَّرَه بعدَ هذا كلِّه، لم يكنْ له نَفْيُه.
وقال أبو حنيفةَ: له تَأْخيرُ نَفْيِه يومًا ويومينِ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ النَّفْيَ عَقِيبَ الولادَة يَشُقُّ، فقُدِّرَ باليَوْمين لقِلَّتِها.
وقال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ: يتَقَدَّرُ بمُدَّةِ النِّفاسِ؛ لأنَّها جارِيَةٌ مَجْرَى الولادَةِ في الحُكْمِ.
وحُكِيَ عن عطاءٍ، ومُجاهِدٍ، أن له نَفْيَه ما لم يَعْتَرِفْ به، كحالةِ الولادَةِ.
ولَنا، أنَّه خِيارٌ 1 لدَفْعِ ضَرَرٍ متَحَقِّقٍ، فكان على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعَةِ، ولأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الوَلَدُ للفِرَاشِ» 2. عامٌّ خرَج منه ما اتَّفَقْنا عليه مع السُّنَّةِ الثَّابتةِ، فما عَداه يَبْقَى على عُمُوم الحدِيثِ.
وما ذَكَره أْبو حنيفةَ يَبطُلُ بخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، والأخْذِ بالشَفْعَةِ.
وتَقْدِيرُه بمُدَّةِ النِّفاسِ تحَكُّم لا دَلِيلَ عليه.
وما قاله عَطاءٌ يَبْطُلُ أيضًا بما ذَكَرْناه، ولا يَلْزَمُ عليه القِصاصُ؛ فإنَّه لاسْتِيفاءِ حَقٍّ لا لِدَفْعِ ضَرَرٍ، ولا الحَمْلُ؛ لأنَّه لا يَتَحَقَّقُ ضَرَرُه.
وهل يتَقَدَّرُ

وَإِنْ قَال: أَخَّرْتُ نَفْيَهُ رَجَاءَ مَوْتِهِ.
لَمْ يُعْذَرْ بِذَلِكَ.
وَإِنْ قَال: لَمْ أَعْلَمْ بِهِ.
أوْ: لَمْ أَعْلَمْ أن لِي نَفْيَهُ.
أَوْ: لَمْ أَعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمكَنَ صِدْقُهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ.
الخِيارُ في النَّفْي بمَجْلِسِ العِلْمِ، أو بإمْكانِ النَّفْي؟ على وجْهين، بِناءً على المُطالبَةِ بِالشُّفْعَةِ.

3822 -

مسألة: (فإن قال: أخرْتُه رَجاءَ مَوْتِه. لم يُعْذَرْ بذلك)

ويَبْطُلُ خِيارُه؛ لأنَّه أخَّرَ نَفيَه مع إمْكانِه لِغَيرِ عُذْرٍ.
3823 -

مسألة: (وإن قال: لم أعْلَمْ به. أو: لم أعْلَمْ أنَّ لي نَفْيَه. أو: لم أعْلَمْ أنَّ ذلك على الفَوْرِ. وأمْكَنَ صِدْقُه، قُبِلَ منه)

إذا أخَّرَ نَفْيُه، ثم ادَّعَى أنَّه لم يَعْلَمْ بالولادَةِ، وأمْكَنَ صِدْقُه، بأن يكونَ في مكانٍ يَخْفَى عليه ذلك، كمَن هو في مَحَلَّةٍ أخْرَى، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلِ عدَمُ العِلْمِ، فإن لم يُمْكِنْ، مثلَ أن يكونَ معها في الدَّارِ، لم يُقْبَل؛ لأنَّ ذلك لا يَكادُ يَخْفَى عليه.
وإن قال: عَلِمْتُ ولادَتَه، ولم أعْلَمْ أن لي نَفْيَه.

وَإِنْ أخَّرَهُ لِحَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أوْ غَيبَةٍ، أوْ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ.
أو: عَلِمْتُ ذلك، و (1) لم أعْلَمْ أنَّه علي الفَوْرِ.
وكان مِمَّن يَخْفَى عليه ذلك، كعامَّةِ الناسِ، قُبِلَ منه؛ لأن هذا ممَّا يَخْفَى عليهم، فأشبَهَ ما لو كان حَدِيثَ عَهْدٍ بالإِسْلامِ، فإن كان فَقِيهًا، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه ممَّا لا يَخْفَى عليه ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه؛ لأن الفَقِيهَ يَخْفَى عليه كثيرٌ مِن الأحْكامِ.
وقال أصْحابُنا: لا يُقْبَلُ ذلك مِن الفَقِيةِ، ويقْبَلُ مِن الناشئ ببادِيَةٍ، وحَديثِ العَهْدِ بالإِسْلامِ.
ويُقْبَلُ مِن سائِرِ الناسِ.
وفيه وجْهٌ آَخَرُ (2)، أنَّه لا يُقْبَلُ.
والأوَّلُ أوْلَى.

3824 -

مسألة: (وإن أخَّرَه لمَرَضٍ، أو غَيبَةٍ، أو شيءٍ يَمْنَعُه ذلك، لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُه)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان له عذرٌ يَمْنَعُه مِن الحُضُورِ لِنَفْيِه) كالمَرَضِ والحَبْسِ، أو الاشْتِغالِ بحِفْظِ مالٍ يخافُ12

..................................  ضَيعَتَه، أو بمُلازَمَةِ غَرِيمٍ يخافُ فوتَه أو غَيبَتَه، نَظَرْتَ؛ فإن كانت مُدَّةُ ذلك قصيرةً فأخَّرَهُ إلى الحضُورِ ليَزُولَ عُذْرُه، لم يَبْطلْ نَفْيُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن عَلِمَ ذلك ليلًا فأَخَرَه إلى الصُّبْحِ، وإن كانت تَتَطاولُ، فأمْكَنَه التَّنْفِيذُ إلى الحاكمِ، لِيَبْعَثَ إليه مَن يَسْتَوْفِي عليه اللِّعانَ والنَّفْيَ، فلم يَفْعَلْ، سَقَطَ نَفْيُه، وإن لم يُمْكِنْه، أشْهَدَ على نَفْسِه أنَّه نافٍ لوَلَدِ امرأتِه، فإن لم يَفْعَلْ، بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه إذا لم يَقْدِرْ على نَفْيِه، قام الإِشْهادُ مَقامَه، كما يُقِيمُ المريضُ الفَيئَةَ بالقَوْلِ بدَلًا عن الفَيئَةِ بالجِماعِ.
فصل: فإن قال: لم أُصَدِّقِ المُخْبِرَ به.
وكان مُسْتَفِيضًا مُنْتَشِرًا، لم يُقْبَلْ قولُه.
وإن لم يكنْ مُسْتَفِيضًا، وكان المُخْبِرُ مَشْهُورَ العَدالةِ، لم يُقْبَلْ قولُه، وإلَّا قُبِلَ.
وإن قال: لم أعْلَمْ أنَّ عليَّ ذلك.
قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه ممَّا يَخْفَى.
وإن عَلِمَ وهو غائِبٌ، فأمْكَنَه السَّيرُ، فاشْتَغَلَ به، لم يَبْطُلْ خِيارُه، وإن أقامَ مِن غيرِ حاجةٍ، بَطَلَ؛ لأنَّه أخَّرَ لغيرِ عُذْرٍ.
وإن كانت له حاجةٌ تَمْنَعُه مِن السَّير، فهو على ما ذكرْنا مِن قبلُ.
وإن أخَّرَه مِن غيرِ عُذْرٍ، بَطَلَ.
وفي كلِّ مَوْضِع لَزِمَه الولدُ، لم يكنْ له نَفْيُه بعدَ ذلك، في قولِ جماعةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال الحسنُ: له أن يُلاعِنَ لِنَفْيِه، ما دامَتْ أُمُّه عندَه يَصِيرُ لها الوَلَدُ، ولو أقَرَّ به.
والذي عليه الجُمْهورُ أوْلَى، فإنَّه

وَمَتَى أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَلَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتِ الْمَراةُ مُحْصَنَةً، أَو التَّعْزِيرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً.
أقَرَّ به، فلم يَمْلِكْ جَحْدَه، لو بانَتْ منه أُمُّه، ولأنَّه أقَرَّ بحَق عليه، فلم يُقْبَلْ منه جِحْدُه، كسائِرِ الحُقُوقِ.

3825 -

مسأَلة: (ومَتى أكْذَبَ نَفْسَه بعدَ نَفْيِه، لَحِقَه نَسَبُه، ولَزِمَه الحَدُّ إن كانتِ المَرأةُ مُحْصَنَةً، أو التَّعْزِيرُ إن لم تَكُنْ مُحْصَنَةً)

إذا لاعَنَ الرجلُ امرأَته، ونفَى ولَدَها 1، ثم أكْذَبَ نَفْسَه، لَحِقَه الوَلَدُ إذا كان حَيًّا، غَنِيًّا كان أو فقيرًا، بغيرِ خِلافٍ بينَ أهْلِ العِلْمِ، وكذلك إن كان مَيِّتًا.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الثَّوْرِيُّ: إذا اسْتَلْحَقَ الولَدَ المَيِّتَ، وكان ذا مالٍ، لم يَلْحَقْه؛ لأنَّه إِنَّما يَدَّعِي مالًا، وإن لم يكنْ له مالٌ، لَحِقَه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن كان الولدُ المَيِّتُ تَرَكَ ولدًا، ثَبَتَ نَسَبُه مِن المُسْتَلْحِقِ، وتَبِعَه نَسَبُ ابْنِه، وإن لم يكنْ تَرَكَ ولَدًا، لم يَصِحَّ اسْتِلْحاقُه، ولم يَثْبُتْ نسَبُه، ولا يَرِثُ منه المُدَّعِي شيئًا؛ لأنَّ نَسَبَه مُنْقَطِعٌ بالموتِ، فلم يَصِحَّ اسْتِلْحاقُه، فإذا كان له ولدٌ كان مُسْتَلْحِقًا لوَلَدِه، وتَبِعَه نَسَبُ المَيِّتِ.
ولَنا، أنَّ هذا وَلَدٌ نَفَاهُ 2

..................................  باللِّعانِ، فكان له اسْتِلْحاقُه، لو كان حَيًّا، أو كان له ولدٌ، ولأنَّ ولَدَ الولدِ يَتْبَعُ نَسَبَ الولدِ، وقد جَعَل أبو حنيفةَ نَسَبَ الولدِ تابعًا لنَسَبِ ابْنِه، فجَعَلَ الأصْلَ تابِعًا للفَرْعِ، وذلك باطِلٌ.
فأمَّا قولُ الثَّوْرِيِّ: إنَّه إنَّما يَدَّعِي مالًا.
قُلْنا: إنَّما يَدَّعِي النَّسَبَ، والمِيراثُ تَبَعٌ له.
فإن قِيلَ: فهو مُتَّهَمٌ في أنَّ غَرَضَه 1، حُصُولُ المِيراثِ.
قُلْنا: النَّسبُ لا تَمْنَعُ التُّهْمَةُ لُحُوقَه، بدليلِ أنَّه لو كان له أخٌ يُعادِيه، فأقَرَّ بابنٍ، لَزِمَه، وسَقَطَ مِيراثُ أخِيه، ولو كان الابنُ حَيًّا غنِيًّا والأبُ فَقِيرًا، فاسْتَلْحَقَه، فهو مُتَّهَمٌ في إيجابِ نَفَقَتِه على ابنِه، ويُقْبَلُ قولُه، كذلك ههُنا، ثم كان يَنْبَغِي أنَّ يَثْبُتَ النَّسَبُ 2 ههُنا؛ لأنَّه حَق للوَلَدِ، ولا تُهْمَةَ فيه، ولا يثْبُتُ المِيراثُ المُخْتَصُّ بالتهْمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن انْقِطاعِ [التبَّعَ انْقِطاعُ] (3) الأصْلِ.
قال القاضي: يَتَعَلَّقُ باللِّعانِ أرْبعةُ أحكامٍ؛ حَقَّانِ عليه، وُجُوبُ الحَدِّ، ولُحُوقُ النسبِ، وحَقَّان له؛ الفُرْقَةُ، والتَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ، فإذا أكْذَبَ نَفْسَه، قُبِلَ قولُه فيما عليه، فلَزِمَه الحَدُّ والنَّسَبُ، ولم يُقْبَلْ فيما له، فلم تَزُلِ الفُرْقَةُ ولا التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ.

..................................  فصل: فإن لم يُكْذِبْ نَفْسَه، ولكن لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ، ولا 1 لَاعَنَ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ.
فإن أُقِيمَ عليه 2 بعْضُه قبلَ 3 اللِّعانِ، وقال: أنا أُلاعِنُ.
قُبِلَ منه؛ لأن اللِّعانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الحَدِّ، فيُسْقِطُ بعضَه، كالبَيِّنَةِ.
فإنِ ادَّعَتْ زَوْجَتُه أنَّه قَذَفَها بالزِّنَى، فأنْكَرَ، فأقامَتْ عليه بَيِّنَةً أنَّه قَذَفَها بالزِّنَى.
فقال: صَدَقَتِ البَيِّنَةُ، وليس ذلك قَذْفًا؛ لأنَّ القَذْفَ الرَّمْىُ بالزِّنَي كَذِبًا، وأنا صادِقٌ فيما رَمَيتُها به.
لم 4 يكنْ ذلك إكْذابًا لِنَفْسِه؛ لأنِّه مُصِرٌّ على رَمْيِها بالزِّنَى، وله إسْقاطُ الحدِّ باللِّعانِ.
ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الفصلِ كمَذْهَبِنا.
فأمَّا إن قال: ما زَنَتْ، ولا رَمَيتُها بالزِّنَى.
فقامَتِ البَيِّنَةُ عليه بقَذْفِها، لَزِمَه الحدُّ، ولم تُسْمَعْ بِيَّنَتُه ولا لِعانُه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ قولَه: ما زَنَتْ.
تَكْذِيبٌ للبَيِّنَةِ واللِّعانِ، فلا تَثْبُتُ له حُجَّةٌ قد أكْذَبَها.
وجَرَى هذا مَجْرَى قولِه في الوَدِيعةِ إذا ادُّعِيَتْ عليه، فقال: ما أوْدَعْتَنِي.
فقامتْ عليه البَيِّنَةُ بالوَدِيعَةِ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ.
ولو أجابَ بأنَّه ما له عندِي شيءٌ.
أو لا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شيئًا.
فقامتْ عليه البَيِّنَةُ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، قُبِلَ منه.

..................................

3826 - مسألة: ويَلْزَمُه الحَدُّ إذا أكْذَبَ نَفْسَه، سَواءٌ أكْذَبَها قَبْلَ لِعانِها أو بعدَه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّ اللِّعانَ أُقِيمَ مُقامَ البَيِّنَةِ في حَقِّ الزَّوْجِ، فإذا أكْذَبَ نَفْسَه بان أنَّ لِعانَه كَذِبٌ، وزِيادَةٌ في هَتْكِها، وتَكْرارٌ لِقَذْفِها، فلا أقَلَّ مِن أن يَجِبَ الحَدُّ الذي كان واجِبًا بالقَذْفِ المُجَرَّدِ.
فإن عاد عن إكْذابِ نَفْسِه، وقال: لي بَيِّنَةٌ أُقِيمُها

1 بِزِناها.
أو أراد إسْقاطَ الحَدِّ عنه باللِّعانِ، لم يُسْمَعْ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ واللِّعانَ لتَحْقِيقِ ما قاله، وقد أقَرَّ بكَذِبِ نَفْسِه، فلا يُسْمَعُ منه خِلافُه.
وهذا إذا كانتِ المَقْذُوفَةُ مُحْصَنةً، فإن

فَصْلٌ فِيمَا يَلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ: مَنْ أَتَتِ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُ بِهَا، وَلِأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، وَهُوَ مِمَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ،  كانتْ غيرَ مُحْصَنةٍ، فعليه التَّعْزيرُ.
فصل فيما يَلْحَقُ مِن النَّسَبِ: (مَن أتَتِ امرأتُه بولَدٍ يُمْكِنُ كونُه منه؛ وهو أن تَأْتِيَ به بعدَ سِتَّةِ أشْهُرِ منذ أمْكَنَ اجْتِماعُه بها، ولأقَلَّ مِن أرْبعِ سِنينَ منذُ أبانها، وهو ممَّن يُولَدُ لمِثْلِه) كابْنِ عشْرِ سِنِينَ (لَحِقَه) الولدُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: [«الوَلَدُ للِفِرَاشِ»] 1. ولأنَّ مع ذلك يُمْكِنُ كونُه منه، وقَدَّرْناه بِعَشْرِ سِنِينَ [فما زاد] 2؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «واضْرِبُوهُم عَلَيها لِعَشْرٍ، وفَرِّقُوا بَينَهم في المَضَاجِعِ» 3. وقال القاضي: يَلْحَقُ به] 4 إذا أتَت به 5 لتسعَةِ 6 أعْوامٍ ونِصْفِ عامٍ 7

..................................  مُدَّةَ الحملِ، قِياسًا على الجارِيَةِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَلْحَقُه حتى يَبْلُغَ؛ لأنَّ الولَدَ إنَّما يكونُ مِن الماءِ، ولا يُنْزِلُ حتى يَبْلُغَ.
ولَنا، أنَّه زَمَن يُمْكِنُ البُلُوغُ فيه، فيَلْحَقُه الوَلَدُ، كالبالِغِ.
وقد رُوِيَ أنَّ عمرَو بنَ العاصِ وابْنَه، لم يَكُنْ بَينهما إلَّا اثنا عَشَرَ عامًا، وأمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّفْرِيقِ بَينَهم، دَلِيلٌ على إمْكانِ الوَطْءِ الذي هو سَبَبُ الولادَةِ.
وأمَّا قِياسُ الغُلامِ على الجاريةِ، فغيرُ صَحِيحٍ، فإن الجارِيَةَ يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها لِتِسْعٍ عادةً، وقد تَحِيضُ لِتِسْع، والغُلامُ لا يُمْكِنُه الاسْتِمْتاعُ لتسعٍ، وما عُهِدَ بُلُوغُ غُلامٍ لِتِسْعٍ.

وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ مِنْهُ؛ مِثْلَ أن تَأْتِيَ بِهِ لِأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، أوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، أوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ لأكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا،

3827 - مسألة: (فأمَّا إن أتَتْ به لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَها، أو لأكْثَرَ مِن أرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أبانها)

لم يلْحَقْ بالزَّوْجِ؛ لأنَّا عَلِمْنا أنَّها عَلِقَتْ به قَبْلَ النِّكاحِ، ولَا يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِهِ بِاللِّعانِ، لأنَّ اللِّعانَ يَمِينٌ، واليَمِينُ جُعِلَتْ لِتَحْقِيقِ أحَدِ الجائِزَينِ ونَفْيِ أحَدِ المُحْتَملَينِ، وما لا يَجُوزُ لَا يُحْتَاجُ إلى نَفيِه.
3828 -

مسألة: (وإن أقَرَّتْ بانْقِضاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ، ثم أتَتْ به لأَكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ)

لم يلْحَقْ بِالزَّوْجِ.
وهذا قولُ أبي العباسِ ابنِ سُرَيجٍ 1. وقال غيرُه مِن أصْحابِ الشافعيِّ: يلْحَقُ به؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن

..................................  يكونَ منه، والوَلَدُ يُلْحَقُ بالإِمْكانِ.
ولَنا، أنَّها أتَتْ به بعدَ الحُكْمِ بانْقِضاءِ عدَّتِها، في وقتٍ يُمْكِنُ أن لا يكونَ منه، فلم يَلْحَقْه، كما لو انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الإمْكانُ مع بقاءِ الزَّوْجِيَّةِ أو العِدَّةِ، وأمَّا بعدَهما، فلا يُكْتَفَى بالإمْكانِ لِلَحاقِه، وإنَّما يُكْتَفَى بالإمْكانِ لِنَفْيِه، وذلك لأنَّ الفِراشَ سَبَبٌ، ومع وُجُودِ السَّبَبِ يُكْتَفَى بإمْكانِ الحِكْمةِ واحتمالِها، فإذا انْتَفَى السَّبَبُ وآثارُه، انْتَفَى الحُكْمُ لانْتِفائِه، ولا يُلْتَفَتُ إلى مُجَرَّدِ 1 الإِمْكانِ.
فأمَّا إن طَلَّقَها فاعْتَدَّتْ بالأَقْراء، ثم وَلَدَتْ ولدًا قبلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن آخِرِ أقْرائِها، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لأنَّا تَيَقَّنَّا أنَّها [لم تَحْمِلْه بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، ويُعْلَمُ أنَّها كانت حامِلًا به في زَمَنِ رُؤْيةِ الدَّمِ، فيَلْزَمُ أن لا يكونَ الدَّمُ حَيضًا] 2، فلم تَنْقَضِ عِدَّتُها به.

أَوْ فَارَقَهَا حَامِلًا، فَوَضَعَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِآخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، أوْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا، كَالَّتِي يَتَزَوَّجُهَا بِمَحْضَرِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فِي الْمَجْلِسِ، أوْ يَتَزَوَّجُهَا وَبَينَهُمَا مَسَافَةٌ لَا يَصِلُ إِلَيهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَتَتْ بِالْوَلَدِ فِيهَا،

3829 - مسألة: فإن طَلَّقَها وهي حامِلٌ، فَوَلَدَتْ، ثم وَلَدَتْ آخَرَ قبلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فهو مِن الزوجِ؛ لأنَّا نَعْلَمُ أيُّهُما حملٌ واحِدٌ، فإذا كان أحَدُهما منه، فالآخَرُ منه.
وإن كان بَينَهما أكْثَرُ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يُلْحَقْ بالزَّوْجِ، وانْتَفَى عنه مِن غيرِ لِعانٍ؛ لأنَّه لا

(1) يُمْكِنُ أن يكونَ الوَلدان حَمْلًا واحِدًا وبَينهما مُدَّةُ الحملِ، فعُلِمَ أنَّها عَلِقَتْ به بعدَ زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ، وانْقِضاءِ العِدَّةِ، وكَوْنِها أجْنَبِيَّةً، فهي كسائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ.
3830 -

مسألة: (أو مع العِلْمِ بِأنَّه لم يَجْتَمِعْ بها، كالذي يَتَزَوَّجُها بِحَضْرَةِ الحاكمِ، ويُطَلِّقُها في المَجْلِسِ)

قبل غيبَتِه عنهم، ثم أتَتِ المرأةُ بولَدٍ لسِتةِ أشْهُرٍ (أو يَتَزَّوجُها وبَينَهما مسافَةٌ لا يَصِلُ إليها في1

..................................  المُدَّةِ التي ولَدَتْ فيها) كمَشْرِقِيِّ يَتَزَوَّجُ بمَغْرِبِيَّةٍ، ثم مَضَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأتَتْ بولَدٍ، لم يَلْحَقْه.
وبذلك قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الوَلَدَ إنَّما يَلْحَقُه بالعَقْدِ ومُدَّةِ الحَمْلِ، ألَا تَرَى أنَّكُم قُلْتُمْ: إذا مَضَى زمانُ الإمْكانِ، لَحِقَ الولدُ وإن عُلِمَ أنَّه لم يَحْصُلْ منه الوَطْءُ.
ولَنا، أنَّه لم يَحْصُلْ منه 1 إمْكانُ الوَطْءِ في هذا العقدِ، فلم يلْحَقْ به الولدُ، كزَوْجَةِ 2 الطِّفْلِ، أو كما لو وَلَدَتْه لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّ الإِمْكانَ إذا وُجِدَ لم يُعْلَمْ أنَّه ليس منه قَطْعًا، لجَوازِ أن يكونَ وَطِئَها مِن حيثُ لا نَعْلَمُ، ولا سَبِيلَ لنا إلى معرفةِ حقيقةِ الوَطْءِ، فعَلَّقْنا الحُكْمَ على إمْكانِه في النِّكاحِ، ولم يَجُزْ حَذْفُ الإمْكانِ عن الاعْتبارِ؛ لأَنه إذا انْتَفَى حصلَ اليَقِينُ بانْتِفائِه عنه، فلم يَجُزْ إلْحاقُه [به مع] 3 يَقِينِ كَوْنِه ليس منه.

أَوْ يَكُونُ صَبِيًّا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أوْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَينِ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ قُطِعَ أحَدُهُمَا، فَقَال أصْحَابُنَا: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ.
وَفِيهِ بُعْدٌ.

3831 - مسألة: (أو صَبِيٍّ له دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أو مَقْطُوعِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَين)

أمَّا الصَّبِيُّ الذي له دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، فقد ذَكَرْناه في أوَّل الفَصْلِ، [وذكرنا الخِلافَ فيه] 1. وأمّا مَقْطُوعُ الذَّكَرِ والأُنْثَيَينِ، فلا يلْحَقُ به الوَلَدُ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ منه الإيلاجُ والإنْزالُ.
فإن قُطِعَتْ أُنْثياهُ دون ذَكَرِه، فكذلك؛ لأنَّه لا يُنْزِلُ ما 2 يُخْلَقُ منه الولدُ (وقال أصْحابُنا: يَلْحَقُه.
وفيه بُعدٌ) قالوا: لأنَّه يُتَصَورُ منه الإِيلاجُ، وبُنْزِلُ ماءً رَقِيقًا.
ولَنا، أن هذا لا يُخْلَقُ منه الولدُ عادَةً، ولا وُجِدَ ذلك، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ ذَكَرُه معهما، ولا اعتِبارَ

..................................  بإيلاجٍ لا يُخْلَقُ منه الولدُ، فهو كما لو أوْلَجَ إِصْبَعَه.
فأمَّا إن قُطِعَ ذَكَرُه وحدَه، فقد قِيلَ: يَلْحَقُه الولدُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يُساحِقَ، فيُنْزِلَ ما يُخْلَقُ منه الولدُ، فيَدْخُلَ الماءُ إلى فرْجِ المرأةِ، ولهذا ألْحَقْنا ولَدَ الأمَةِ بسَيِّدِها إذا اعْتَرَفَ بوَطْئِها فيما دُونَ الفَرْجِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ في ذلك، كنحو ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ عندَنا.
وقال ابنُ اللَّبّانِ: لا يَلْحَقُه الولَدُ في هاتَين الصُّورَتَين، في قولِ الجُمْهُورِ.
وقال بعضُهم.
يَلْحَقُه بالفِراشِ.
وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ الولَدَ إنَّما يُلْحَقُ بالفِراشِ إذا أمْكَنَ، ألَا تَرَى أنَّها إذا ولَدَتْ بعدَ شَهْرٍ 1 منذُ تَزَوَّجَها لم يَلْحَقْه، وههُنا لا يُمْكِنُ؛

..................................  لِفَقْدِ المَنيِّ مِن المَسْلُولِ، وتَعَذُّرِ إيصالِ المَنِيِّ إلى قَعْرِ الرَّحِمِ مِن المَجْبُوبِ.
ولا مَعْنَى لقولِ مَن قال: يَجوزُ أن تَسْتَدْخِلَ المرأةُ مَنيَّ الرَّجُلِ، فتَحْبَلَ.
لأنَّ الولَدَ مَخْلُوقٌ مِن مَنِيِّ الرَّجُلِ والمرأةِ جميعًا، ولذلك يأْخُذُ الشَّبَهَ منهما، فإذا اسْتَدْخَلَتِ المَنِيِّ بغيرِ جِماعٍ، لم يَحْدُثْ لها لَذَّةٌ تُمْنِي بها، فلا يَخْتَلِطُ منِيُّهُما، ولو صَحَّ ذلك، لكان الأجْنَبِيَّان الرجلُ والمرأةُ إذا تَصادَقا أنَّها اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّه، وأنَّ الولَدَ مِن ذلك المَنِيِّ،

وَإنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ طَلَّقَهَا، وَلأقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ مُنْذُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
يَلْحَقُه نَسَبُه، وما قال ذلك أحَدٌ، والذي ذَكَرَه ابنُ اللَّبَّانِ إنَّما يَصِحُّ إذا اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّه مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، فأمَّا مع المُباشَرَةِ والمُساحَقَةِ، فيُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ لها شَهْوَةٌ، يَنْزِلُ المَنِيُّ معها، فتَحْبَلُ، فلا يُشْبِهُ ما ذَكَرَه مِن الأصْلِ.
واللهُ أعلمُ.

3832 -

مسألة: (وإنْ طَلَّقَها طَلاقًا رَجْعِيًّا، فوَلَدَتْ لأكْثَرَ مِن أرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ طَلَّقَهَا، ولأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ انقَضَتْ عِدَّتُها، ففيه وَجْهان)

أحَدُهما، لا يَلحَقه نَسَبُه، ويَنْتَفِي عنه بغيرِ لِعانٍ؛ لأنَّها عَلِقتْ

..................................  به بعدَ طَلَاقِها، فأشْبَهَتِ البائِنَ.
والثاني، يَلْحَقُه؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ في السُّكْنَى والنَّفَقَةِ والطَّلاقِ والظِّهارِ والإِيلاء، [والحلِّ في رِوايَةٍ] 1، فأشْبَهَتْ ما قبلَ الطَّلاقِ.
فأمَّا إن وضَعَتْه لأكْثَرَ مِن أرْبعِ سِنين مُنْذُ انْقَضَتِ العِدَّةُ، لم يَلْحَقْ به؛ لأنَّها حَمَلَتْ 2 به بعدَ زَوالِ الفِراشِ، وكذلك إن كان الطلاقُ بائِنًا، فوَضَعَتْه لأكْثَرَ مِن أربعِ سِنِينَ مِن حينِ الطَّلاقِ، فإنَّه يَنْتَفِي عنه بغيرِ لِعانٍ، ولا يَلْحَقُه؛ لذلك.
فصل: إذا غاب عن زَوْجَتِه سِنِينَ، فبلَغتْها وفاتُه، فاعْتَدَّتْ، ونَكَحَتْ نِكاحًا صَحِيحًا في الظاهرِ، ودَخَلَ بها الثاني، وأوْلَدَها أولادًا، ثم قَدِمَ الأوَّلُ، فُسِخَ نِكاحُ الثاني، ورُدَّتْ إلى الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الثاني، ولها عليه صَداقُ مِثْلِها، والأوْلادُ له؛ لأنَّهم وُلِدوا على فِراشِه.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأهْلِ العِرَاقِ، وابنِ أبي لَيلَى، [ومالكٍ] 3، وأهْلِ الحِجازِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي يُوسفَ، وغيرِهم مِن أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أبا حنيفةَ، قال: الولدُ للأوَّلِ؛

..................................  لأنَّه صاحِبُ الفِراشِ، لأنَّ نِكاحَه صَحِيحٌ ثابِتٌ، ونِكاحُ الثاني غيرُ ثابتٍ، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.
ولَنا، أنَّ الثانيَ انْفَرَدَ بوَطْئِها في نكاحٍ يَلْحَقُ النَّسَبُ 1 في مِثْلِه، فكانَ الولدُ له، كوَلَدِ الأمَةِ مِن زَوْجِها يَلْحَقُه دُونَ سَيِّدِها، وفارَقَ الأجْنَبِيَّ، فإنَّه ليس له نِكاحٌ.
فصل: ولو وَطِئَ رجلٌ امرأةً لا زَوْجَ لها بشبْهَةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه نَسَبُه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ.
وقال القاضي: وجَدْتُ بخَطِّ أبي بكرٍ، أنَّه لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّ النَّسَبَ لا يَلْحَقُ إلَّا في نِكاحٍ صحيحٍ، أو فاسدٍ، أو مِلْكٍ، أو شُبْهَةِ مِلْكٍ، ولم يُوجَدْ شيءٌ مِنِ ذلك، ولأنَّه وَطْءٌ لا يَسْتَنِدُ إلى عَقْدٍ، فلم يَلْحَقِ الوَلَدُ فيه الواطِئَ، كالزِّنى.
والصَّحِيحُ في المذهبِ الأوَّلُ.
قال أحمدُ: كلُّ مَن دَرَأْتُ عنه الحَدَّ ألْحَقْتُ به الوَلَدَ.
ولأنَّه وَطْءٌ اعْتَقَدَ الواطِيء حِلَّه، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ.
وفارَقَ وَطْءَ الزِّنَى، فإنَّه لا يَعْتَقِدُ الحِلَّ فيه.

..................................  فصل: ولو تَزَوَّجَ رجلانِ أُخْتَين، فغُلِطَ بهما عندَ الدُّخُولِ، فَزُفَّتْ كلُّ واحدَةٍ مهما إلى زَوْجِ الأُخْرَى، فوَطِئَها، وحَمَلَتْ منه، لَحِقَ الوَلَدُ بالوَاطِئِ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلَّه، فلَحِقَ به النَّسَبُ، كالواطِئِ في نِكاح فاسدٍ.
وقال أبو بكرٍ: لا يكونُ الولَدُ للواطِئ، وإنَّما يكونُ للزَّوْجِ.
وهو الذي يَقْتَضِيه مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الولَدَ للفِراشِ.
ولَنا، أن الواطِئَ انْفَرَدَ بوَطْئِها فيما يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فلَحِقَ به، كما لو لم تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ، وكما لو تَزَوَّجَتِ امرأةُ المفْقُودِ عندَ الحُكْمِ بوَفاتِه، ثم بانَ حَيًّا، والخبرُ مَخْصُوصٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه ما كان في مَعْناه.
فصل: وإن وُطِئَتِ امرأتُه أو أمَتُه بشُبْهَةٍ في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، فاعْتَزَلها حتى أتَتْ بوَلَدٍ لسِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوَطْءِ، لَحِقَ الواطِئَ، وانْتَفَى عن الزَّوْجِ مِن غيرِ لِعانٍ.
وعلى قولِ أبي بكرٍ، وأبي حنيفةَ، يَلْحَقُ الزَّوْجَ؛ لأنَّ الوَلَدَ للفِراشِ.
وإن أنْكَرَ الواطِيء الوَطْءَ، فالقولُ قولُه بغيرِ يَمِين، ويَلْحَقُ نَسَبُ الولدِ بالزَّوْجِ؟ لأنَّه لا يُمْكِنُ إلْحَاقُه بِالمُنْكِرِ، ولا تُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ في قَطْعِ 1 نَسَبِ الولدِ.
وإن أتَتْ بالولَدِ لدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوَطْءِ، لَحِقَ الزَّوْجَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّه ليس مِن الواطئ.
فإنِ اشْتَرَكا في وَطْئِها في طُهْرٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لأن الولدَ للفِراشِ، وقد أمْكَنَ كونُه منه.
وإنِ ادَّعَى الزَّوْجُ أنَّه

..................................  مِن الوَاطِئِ، فقال بعضُ أصْحابِنا: يُعْرَضُ على القَافَةِ معهما فيُلْحَقُ بمَن ألْحَقَتْه به منهما، فإن ألْحَقَتْه بالواطِئِ لَحِقَه، ولم يَمْلِكْ نَفْيَه عن نَفسِه، وانْتَفَى عن الزَّوْجِ بغيرِ لِعانٍ، وإن ألْحَقَتْه بالزَّوْجِ لَحِقَ، ولم يملكْ نَفْيَه باللِّعانِ في أصَحِّ الرِّوايَتَين، وإن ألْحَقَتْه بهما، [لَحِقَ بهما] 1، ولم يَمْلِكِ الواطِئُ نَفْيَه عنِ نَفْسِه.
وهل يَمْلِكُ الزَّوْجُ نَفْيَه باللِّعانِ؟ على روايتَين.
فإن لم تُوجَدْ قافَةٌ، [وأنْكَرَ الواطِئُ الوَطْءَ] 2، أو [اشْتَبهَ على القافَةِ] 3، لَحِقَ الزَّوْجَ؛ لأنَّ المُقْتَضِيَ لِلَحاقِ النَّسَب به مُتَحَقِّق، ولم يُوجَدْ ما يُعارِضُه، فوَجَبَ إثْباتُ حُكْمِه.
ويَحْتَمِلُ أَن يَلْحَقَ الزَّوْجَ بكلِّ حالٍ؟ لأن دَلالةَ قَوْلِ القَافَةِ ضعِيفَةٌ، ودلالةَ الفِراشِ قَويَّةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ دلالتِه لمُعارَضَةِ دلالةٍ ضَعِيفةٍ.
فصل: فإن أتَتِ امْرأتُه بولدٍ، فادَّعَى أنَّه مِن زَوْجٍ قَبْلَه، نَظَرْنا؛ فإن كانت تَزَوَّجَتْ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، لم يَلْحَقْ بالأوَّلِ بحالٍ، وإن كان بعدَ أربعِ سِنِينَ منذُ بانَتْ مِن الأَوَّلِ، لم يَلْحَقْ به أيضًا، وإن وضَعَتْه لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ تزَوَّجَها الثاني، [لم يَلْحَقْ به، ويَنْتَفِي عنهما، وإن كان لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، فهو ولَدُه، وإن كان لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ منذُ تزَوَّجَها الثاني] 4، ولأقَلَّ مِن أرْبعِ سِنِينَ مِن طَلاقِ الأوَّلِ، ولم يُعْلَم انْقِضاءُ العِدَّةِ، عُرِضَ على القافَةِ، وأُلحِقَ بمَن ألْحَقَتْه به منهما، فإن

فَصْلٌ: وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ أَوْ دُونَهُ، فَأتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ وَإِنِ ادَّعَى الْعَزْلَ، إلا أَنْ يَدَّعِيَ الاسْتِبْرَاءَ.
وَهَلْ يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ألْحَقَتْه بالأوَّلِ، انْتَفَى عن الزَّوْجِ بغيرِ لِعانٍ، وإن ألْحَقَتْه بالزَّوْجِ، انْتَفَى عن الأوَّلِ وأُلْحِقَ بالزَّوْجِ.
وهل له نَفْيُه باللِّعانِ؟ على رِوايتَين.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ومَنِ اعْتَرَفَ بوَطْءِ أمَتِه في الفَرْجِ أو دُونَه، فأتَتْ بولدٍ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، لَحِقَه نسَبُه وإنِ ادَّعَى العَزْلَ، إلَّا أن يَدَّعِي الاسْتِبْراءَ.
وهل يَحْلِفُ؟ على وجْهَين) مَن اعترفَ بوَطْءِ أمَتِه في الفرْجِ، صارَتْ فِراشًا له، فإذا أتَتْ بولدٍ لمُدَّةِ الحَمْلِ مِن يومِ الوَطْءِ، لَحِقَه نسَبُه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَصِيرُ فِراشًا حتى يُقِرَّ بولَدِها، فإذا أقَرَّ به صارَتْ فِراشًا، ولَحِقَه أولادُه بعدَ ذلك؛ لأنَّها لو صارَتْ فِراشًا بالوَطْءِ، لصارَتْ فِراشًا بإباحَتِه،

..................................  كالزَّوْجَةِ.
ولَنا، أنَّ سَعْدًا نازَعَ عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ في ابنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فقال: هو أخي، وابنُ وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: يا هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وللعَاهِرِ الحَجَرُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى ابنُ عمرَ، أن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، قال: ما بالُ رجالٍ يطَؤُونَ وَلَائِدَهم، ثم يَعْزِلُونَ، لا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُها أنَّه ألَمَّ بها، إلَّا ألحقتُ به ولَدَها، فاعْزِلُوا بعدَ ذلك أو اترُكُوا 2. ولأنَّ الوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِه تحْريمُ المُصاهَرَةِ، فإذا كان مَشْرُوعًا صارتْ به المرأةُ فِراشًا، كالنِّكاحِ، ولأنَّ المرأةَ إنَّما سُمِّيَتْ فِراشًا تَجَوُّزًا، إمَّا لمُضاجَعَتِه لها على الفِراشِ، وإمَّا لكَوْنِها تَحْتَه في حالِ المُجامَعَةِ، وكلا الأمْرَين يَحْصُلُ في الجِماعِ، وقِياسُهم الوَطْءَ على الملكِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَتَعَلَّقُ به تَحْريمُ المُصاهَرَةِ، [ولا يَحْصُلُ منه الوَلَدُ بدونِ الوطْءِ، ويُفارِقُ النِّكاحَ؛ فإنَّه لا يُرادُ إلا للوطْءِ، ويتَعَلَّقُ به تَحْريمُ المُصَاهَرَةِ] 3،

..................................  ولا يَنْعَقِدُ في مَحَلٍّ يحْرُمُ الوَطْءُ فيه، كالمَجُوسِيَّةِ والوَثَنِيَّةِ وذَواتِ مَحارمِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا أرادَ نَفْيَ ولدِ أمتِه التي يَلْحَقُه ولدُها، فطَرِيقُه أن يدَّعِيَ أنه اسْتَبْرَأها بعدَ وَطْئِه لها بحَيضَةٍ، فيَنْتَفِي بذلك.
وإنِ ادَّعَى أنَّه كانَ يَعْزِلُ عنها، لَحِقَه النَّسَبُ، ولم يَنْتَفِ عنه بذلك؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: جاءَ رجلٌ مِن الأنْصارِ إلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّ لي جارِيةً، وأنا أطُوفُ 1 عليها، وأنا أكْرَه أن تَحْمِلَ.
فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْتَ، فإنَّه سَيَأْتِيهَا ما قُدِّرَ لَهَا».
رواه أبو داودَ 2. ولِمَا ذَكَرْنا مِن حديثِ عمرَ.
ورُوِيَ عن أبي سعيدٍ، أنَّه قال: كنت أعْزِلُ عن جارِيَتِي، فولَدَتْ أحَبَّ الخَلْقِ إلَيَّ 3. يعني ابْنَه.
ولأنَّه حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبَرْ معه الإِنْزالُ، كسائرِ الأحْكامِ.
وقد قِيلَ: إنَّه يَنْزِلُ مِن الماءِ ما لا يُحَسُّ به.
فأمَّا إن أقَرَّ بالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ،

..................................  لم تَصِرْ بذلك فِرَاشًا؛ لأنَّه ليس بِمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّها تَصِيرُ فِراشًا؛ لأنَّه قد يُجامِعُ، فيَسْبِقُ الماءُ إلى الفَرْجِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين.
وإذا ادَّعَى الاسْتِبْراءَ، قُبِلَ قولُه بغيرِ يَمِينٍ، في أحدِ الوجْهَين؛ لأن مَن قُبِلَ قولُه في الاسْتِبْراءِ قُبِلَ بغيرِ يَمِينٍ، كالمرْأةِ تَدَّعِي انْقِضاءَ عِدَّتِها.
وفي الآخرِ، يُسْتَحْلَفُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِه عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ: «ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» 1. ولأنَّ الاسْتِبْراءَ غيرُ مُخْتَصٍّ به، فلم يُقْبَلْ قولُه فيه بغيرِ يَمِينٍ، كسائِرِ الحُقُوقِ.
ومتى لم يَدَّعِ الاسْتِبْراءَ لَحِقَه وَلَدُها، ولم يَنْتَفِ عنه.
وقال الشافعي في أحدِ قَوْلَيه: له نَفْيُه باللِّعانِ؛ لأنَّه ولَدٌ لم يَرْضَ به، فأشْبَهَ ولَدَ المَرْأةِ.
ولنا، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ 2. فخَصَّ بذلك الأزْواجَ، ولأنِّه ولَدٌ يَلْحَقُه نَسَبُه

..................................  مِن غيرِ الزُّوْجَةِ، فلم يَمْلِكْ نفْيَه باللِّعانِ، كما لو وَطِئَ أجْنَبِيَّةً بشُبْهَةٍ، فألْحَقَتِ القَافَةُ ولَدَها به، ولأنَّ له طَريقًا إلى نَفيِ الوَلَدِ بغيرِ اللِّعانِ، فلم يَحْتَجْ إلى نَفْيِه باللِّعانِ، فلا يُشْرَعُ، ولأنَّه لو وَطِئَ أمَتَه ولم يَسْتَبْرِئْها، فأتَتْ بوَلَدٍ، احْتَمَلَ أن يكونَ منه، فلم يَجُزْ له نفْيُه؛ لكَوْنِ النَّسَبِ يَلْحَقُ بالإِمْكانِ 1، فكيف مع الظُّهُورِ ووُجُودِ سَبَبِه 2! فإنِ ادَّعَى الاسْتِبْراءَ، فأتَتْ بولَدَينِ، فأقَرَّ بأحَدِهما ونَفَى الآخَرَ، لَحِقاه معًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ جَعْلُ أحَدِهما منه والآخَرِ مِن غيرِه، وهما حَمْلٌ واحِدٌ، ولا يَجُوزُ

فَإن أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فَهُوَ وَلَدُهُ، وَالْبَيعُ بَاطِلٌ.
نَفْيُ الولَدِ المُقَرِّ به عنه مع إقْرارِه به (1)، فوَجَبَ إلْحاقُهُما به معًا.
وكذلك لو أتَتْ أمتُه (2) التي لم يعْتَرِفْ بوَطْئِها بتَوْأَمَينِ (3)، فاعْتَرفَ بأحَدِهما، ونَفَى الآخَرَ.

3833 -

مسألة: (وإن أعْتَقَها أو باعها بعدَ اعْتِرافِه بوَطْئِها، فأتَتْ بوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ)

مِن حِينِ العِتْقِ أو البَيعِ (فهو وَلَدُه) لأنَّها حَمَلَتْ به وهي فِراشُه؛ لأنَّ أقَلَّ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فإذا أتَتْ به لأقَلَّ مِن ذلك، عُلِمَ أنَّ حَمْلَها كان قبلَ بَيعِها، فيَلْحَقُ النَّسَبُ به، كما لو لم يَبِعْها، وتَصِيرُ أمَّ ولدٍ (والبَيعُ باطِلٌ) لأنَّها صارَتْ أمَّ ولدٍ.123

وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَأَتتْ بهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فادَّعَى المُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْهُ، سَوَاءٌ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ.

3834 - مسألة: (وكذلِك إن لم يَسْتَبْرِئْها فأتَتْ به لأَكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، فَادَّعَى المُشْتَرِي أنَّه منه، سَواءٌ ادَّعَاهُ البائِعُ أو لم يَدَّعِهِ)

لأنَّه وُجِدَ منه سَبَبُه، وهو الوَطْءُ، ولم يُوجَدْ ما يُعارِضُه ولا يَمْنَعُه، فتَعَيَّنَ إحالةُ حُكْمِه 1 عليه، وإلْحَاقُ الولدِ بمَن وُجدَ السَّبَبُ منه، سواءٌ ادَّعاهُ البائِعُ أو لا.

وَإنِ اسْتُبْرِئَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لأكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تُسْتَبْرا، وَلَمْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي لَهُ بِهِ.
فَأمَّا إِنْ لَمْ يَكُن الْبَائِعُ أقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ بَيعِهَا، لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ بِحَالٍ، إلا أنْ يَتَّفِقَا عَلَيهِ، فَيَلْحَقَهُ نَسَبُهُ،

3835 - مسألة: (وإنِ اسْتُبْرِئَتْ ثمَّ أتَتْ بِوَلَدٍ لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه)

لأنَّ الاسْتِبْراءَ يدُلَّ على بَراءَتِها مِن الحَمْلِ، وقد أمْكَنَ أن يكونَ مِن غيرِه؛ لوُجُودِ مُدَّةِ الحَمْلِ بعدُ الاسْتِبْراءِ مع قِيامِ الدَّليلَ على ذلك، فأمَّا إن أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، فقد (1) عَلِمْنا أنَّها كانت حامِلًا في زَمَنِ الاسْتِبْراءِ، فيكونُ الاسْتِبْراءُ غيرَ صَحيحٍ، وتكونُ بمَنْزِلَةِ مَن لم يَسْتَبْرِئْها، (وكذلك إن لم تُسْتَبْرأْ.
ولم يقرَّ المُشْتَرِي له به) لأنَّه ولدُ أمَةِ المُشْتَرِي، فلا تُقْبَلُ دَعْوى غيرِه له إلَّا بإقْرارٍ مِن المُشْتَرِي.
3836 -

مسألة: (فأمَّا إن لم يَكُنِ البائِعُ أقَرَّ بِوَطْئِهَا قبلَ بَيعِهَا، لَمْ يَلْحَقْه الوَلَدُ بحالٍ)

سَواءٌ وَلَدَتْه لِسِتَّةِ أشْهُرٍ أو لأقَلَّ مِنْهَا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ1

وَإنِ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي.
أن يكونَ مِن غيرِه.
وإنِ اتَّفَقا على أنَّه ولدٌ البائعِ، لَحِقَه؟ لأنَّ الحَقَّ لهما، [فيَثْبُت باتِّفاقِهِما] (1).

3837 -

مسألة: (وإنِ ادَّعاة البائِعُ، فهو عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي)

ولا تقْبَل دَعْوَى البائعِ في (2) الإِيلادِ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي في الظاهرِ، فلا يُقْبَل قولُ البائعِ فيما يُبْطِل حقَّه، كما لو باع عَبْدًا، ثم أقَرَّ أنَّه كان أعْتَقَه، والقول قول المُشْتَرِي مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
وهل يَلْحَقُ البائِعَ نَسَبُه؟ على وجْهَين؛ أحَدُهما، يَلْحَقه مع كوْنِه عبْدًا للمُشْتَرِي؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ابْنًا لواحدٍ، مَمْلوكًا لآخرَ، [كولدِ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ.
والثاني، لا يَلْحَقُه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على المُشْتَرِي، فإنَّه لو أعْتَقَه كان أبوه أحَقَّ بمِيراثِه] 1 منه.2

وَإِذَا وَطِئَ الْمَجْنُونُ مَنْ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيهَا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ.

3838 - مسألة: (وإن وَطِئَ المَجْنُونُ مَن لَا مِلْكَ له عليها ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فأتَتْ بِوَلَدٍ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه)

لأنَّه لا يَسْتَنِدُ إلى مِلْكٍ، ولا اعْتِقادِ إباحَةٍ، فإن أكْرَهَها على الوَطْءِ، فعليه مَهْرُ مِثْلِها، كالمُكَلَّفِ؟ لأن الضَّمانَ يَسْتَوي فيه المُكَلَّفُ وغيرُه.
والله تَعالى أعلمُ.

جارٍ التحميل