..................................
عليه الجَزاءُ؛ لأنَّه قَتَل صَيْدًا حَرَمِيًّا بإرْسالِ كَلْبه عليه، فضَمِنَه، كما لو قَتَلَه بسَهْمِه.
وهذا اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ عبدِ العزيزِ.
وحَكَى صالِحٌ، عن أحمدَ، أنَّه إن كان الصَّيْدُ قرِيبًا مِن الحَرَمِ، ضمِنَه؛ لأنَّه فرّط بإرْسَالِه، وإلَّا لم يَضْمَنْه.
وهذا قَوْلُ مالكٍ.
فإن قَتَل صَيْدًا غيرَه لم يَضْمَنْه.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلِ الكَلْبَ على ذلك الصَّيْدِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَضْمَنُ إن كان الصَّيْدُ قَرِيبًا مِن الحَرَمِ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، فأشْبَهَ المسألةَ التى قَبْلَها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَأكُلُ الصَّيْدَ في هذه المَواضِع كُلِّها، ضَمِنَه أو لَا؛ لأنَّه صَيْدٌ حَرَمِىٌّ قُتِلَ في الحَرَمِ، كما لو ضَمِنَه، ولأنَّنَا إذا ألْغَيْنا فِعْلَ الآدَمِىِّ صارَ الكَلْبُ كأنَّه اسْتَرْسَلَ بنَفْسِه، فقَتَلَه.
..................................
فصل: فإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا فيه فجَرَحَه، فتَحامَلَ الصَّيْدُ، فدَخَلَ الحَرَمَ، فماتَ فيه، حَلَّ أَكْلُه، ولا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الذَّكاةَ حَصَلَتْ في الحِلِّ، فأشْبَهَ ما لو جَرَح صَيْدًا ثم أحْرَمَ، فماتَ الصَّيْدُ بعدَ إحْرامِه.
ويُكْرَهُ أكْلُه؛ لمَوْتِه في الحَرَم.
فصل: وإن وَقف صَيْدٌ، بعضُ قَوائِمِهَ في الحِلِّ، وبعضُها في الحَرَمِ، فقَتَلَه قاتِلٌ، ضَمِنَه، تَغْلِيبًا للحَرَمِ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ.
وإن نَفَّرَ صَيْدًا مِن الحَرَمِ، فأصابه شئٌ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِف بشَرَكِه أو شَبَكَتِه، وإن سَكَن مِن نُفُورِه ثم أصَابَه شئٌ لم يَضْمَنْه.
نَصَّ عليه.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه لم يَكُنْ سَبَبًا لِإتْلافِه.
وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه وَقَع على رِدائِه حَمامَةٌ، فأطَارَهَا، فوَقَعَتْ على واقِفٍ فانتهَزَتْها حَيَّةٌ، فاسْتَشارَ عثمانَ ونافِعَ بنَ عبدِ الحارِثِ، فحَكَما عليه بشاةٍ 1. وهذا يَدُلُّ على أَنَّهُم رَأوْا عليه الضَّمانَ بعدَ سُكُونِه.
فإنِ انتقَلَ عن المكانِ الثانى، فأصابَه شئٌ،
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ، إِلَّا الْيَابِسَ وَالإذْخِرَ، وَمَا زَرَعَهُ الْآدَمِىُّ.
وَفِى جَوَازِ الرَّعْىِ وَجْهَانِ.
فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه خَرَج عن المكانِ الذى طُرِدَ إليه، وقَوْلُ الثَّوْرِىِّ وأحمدَ يَدُلّ على هذا.
قال سُفْيانُ: إذا طَرَدْتَ في الحَرَمِ شَيْئًا، فأصابَ شَيْئًا قبلَ أن يَقَعَ أو حينَ وَقَع، ضَمِنْتَ، وإنْ وَقَعَ مِن ذلك المكانِ إلى مَكانٍ آخَرَ، فليس عليك شئٌ.
فقال أحمدُ، رَحِمَهْ الله: جَيِّدٌ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله: (ويَحْرُمُ قَطْعُ 1 شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه، إلَّا اليابِسَ والإذْخِرَ، ومما زَرَعَه الآدَمىُّ.
وفى جَوازِ الرَّعْىِ وَجْهان) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على تَحْرِيمِ قَطْع شَجَرِ الحَرَمِ البَرِّىِّ، الذى لم يُنْبِتْه الآدَمِىُّ، وعلى إباحَةِ أخْذِ الِإذْخِرِ وما انبتَه الآدَمِىُّ مِن البُقُولِ والزُّرُوعِ والرَّيَاحِينِ.
حَكَى ذلك ابنُ المُنْذِرِ، والأصْلُ ما رَوَيْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عباسٍ.
وروَى أبو شُرَيْحٍ، وأبو هُرَيْرَةَ بنَحْوِه، والكُلُّ مُتَّفَقٌ
..................................
عليها 1. وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ: «ألَا وَإنَّهَا سَاعَتِى هذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا».
وروَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبى هُرَيْرَةَ، وفيه: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُها، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا».
فأمّا ما أنْبتَه الآدَمِىُّ مِن الشَّجَرِ، فقال أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: له قَلْعُه مِن غيرِ ضَمانٍ، كالزَّرْعِ.
وقال القاضى: ما نَبَت في الحِلِّ، ثم غُرِسَ
..................................
في الحَرَمِ، فلا جَزاءَ فيه، وما نَبَت أصْلُه في الحَرَمِ، ففيه الجَزاءُ بكلِّ حالٍ.
وقال الشافعىُّ: في شَجَرِ الحَرَمِ الجَزاءُ بكلِّ حالٍ، أنْبتَه الآدَمِيُّون أو نَبَت بنَفْسِه.
وحَكَى ابنُ البَنَّا في «الخصالِ» مثلَ ذلك؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا».
وقال أبو حنيفةَ: لا جَزاءَ فيما أنْبَتَ الآدَمِيُّونَ جنْسَه، كالجَوْز واللَّوْز والنَّخْل ونحْوه، ولا فيما أنْبَتَه الآدَمِىُّ مِن غيرِه، كالدَّوْحِ وَالسَّلَمَ ونحوِه؛ لأنَّ الحَرَمَ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه ما كانَ وَحْشِيًّا مِن الصَّيْدِ، كذلك الشَّجَرُ.
وقولُ شيخِنا: وما زَرَعَه الآدَمِىُّ.
يَحْتَمِلُ اخْتِصاصَه بالزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ، فيكونُ كما حَكَاهُ ابنُ البَنَّا.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَعُمَّ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ، كقَوْلِ أبى الخَطّابِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ما أنْبتَ الآدَمِيُّون
..................................
حَشِيشَه.
قال شيخُنا 1: والأوْلَى الأخْذُ بعُمُومِ الحَدِيثِ في تحْرِيم الشَّجَرِ كُلِّه، إلَّا ما أنْبتَه الآدَمِيُّونَ مِن جِنْسِ شَجَرِهم، بالقِياسِ على ما أنْبَتُوه مِن الزَّرْعِ، والأهْلِىِّ مِن الحَيَوانِ، فإنَّنا إنَّما أخْرَجْنا مِن الصَّيْدِ ما كان أصْلُه إنْسِيًّا دُونَ ما تَأنَّسَ مِن الوَحْشِىِّ، كذا ههُنا.
..................................
فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ والعَوْسَجِ (1). وقال القاضى، وأبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْرُمُ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، ومُجاهدٍ، وعَمْرِو بنِ دينارٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّه يُؤْذِى بطَبْعِه، أشْبَهَ السِّباعَ مِن الحَيَوانِ.
ولَنا، قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» 2. وفى حديثِ أبى هُرَيْرَةَ: «لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا».
وهذا صَرِيحٌ، وهو راجِحٌ على القِياسِ.
فصل: ولا بَأْسَ بقَطْعِ اليابِسِ مِن الشَّجَرِ والحَشِيشِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المَيِّتِ، ولا بقَطْعِ ما انْكَسَرَ ولم يَبِنْ؛ لأنَّه قد تَّلِف، فهو بمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ المُنْكَسِرِ.
ولا بَأْسَ بالانْتِفاعِ بما انْكَسَرَ مِن الأغْصانِ، وانْقَلَعَ مِن الشَّجَرِ بغيرِ فِعْلِ آدَمِىٍّ، ولا فيما سَقَط مِن الوَرَقِ.
نَصَّ عليه.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في القَطْعِ، وهذا لم يُقْطَعْ.
فأمَّا إذا قَطَعَه آدَمِىّ، فقال أحمدُ: لم أسْمَعْ، إذا قُطِعَ يُنْتَفَعُ به.
وقال في الدَّوْحَةِ تُقْطَعُ:
..................................
مَن شَبَّهَه بالصَّيْدِ لم يَنْتَفِعْ بحَطَبِها.
لأنَّه مَمْنُوِعٌ مِن إتْلافِه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فإذا قَطَعَه مَن يَحْرُمُ عليه قَطْعُه، لم يُنْتَفعْ به، كالصَّيْدِ يَذْبَحُه المُحْرِمُ.
ويَحْتَمِلُ أن يُباحَ لغيرِ القاطِعِ 1 الانْتِفاعُ به؛ لأنَّه انْقَطَعَ بغيرِ فِعْلِه، فأُبِيحَ له الانْتِفاعُ به، كما لو قَلَعَتْه الرِّيحُ، ويُفارِقُ الصَّيْدَ الذى ذَبَحَه؛ لأنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها الأهْلِيَّةُ، ولهذا لا يَحْصُلُ بفِعْلِ البَهِيمَةِ، بخِلافِ هذا.
فصل: وليس له أخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ.
وقال الشافعىُّ: له أخْذُه؛ لأنَّه لا يَضُرُّ به.
وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ في أخْذِ وَرَقِ السَّنَى 2، يُسْتَمْشَى به، ولا يُنْزَعُ مِن أصْلِه.
ورَخَّصَ فيه عَمْرُو بنُ دِينارٍ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا».
رَواه مسلم 3. ولأنَّ ما حُرِّمَ أخْذُه جُرِّمَ كل شئٍ منه، كرِيشِ الطّائِرِ.
وقوْلُهم: لا يَضُرُّ به.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه يُضْعِفُه، ورُبَّما آل إلى تَلَفِه.
فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ حَشِيشِ الحَرَمِ، إلَّا ما اسْتَثْناه الشَّرعُ مِن
..................................
الإِذْخِرِ، وما أنْبتَهُ الآدَمِيُّون، واليابِسَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا».
وفى اسْتِثْنائِه الإذْخِرَ دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما عَداه.
وفى جَوازِ رَعْيِه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ ما حَرُمَ إتْلافُه، لم يَجُزْ أن يُرْسَلَ عليه ما يُتْلِفُه، كالصَّيْدِ.
والثانى، يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الهَدَايا كانت تَدْخُلُ الحَرَمَ، فتَكْثُرُ فيه، فلم يُنْقَلْ أنَّها كانت تُسَدُّ أفْواهُها, ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه،
وَمَنْ قَلَعَهُ ضَمِنَ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ، وَالْحَشِيشَ بِقِيمَتِهِ، وَالْغُصْنَ بِما نَقَصَ.
فَإِنِ اسْتَخْلَفَ سَقَطَ الضَّمَانُ، في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
أشْبَهَ قَطْعَ الِإذْخِرِ، ويُباحُ أخْذُ الكَمْأةِ (1) مِن الحَرَمِ، وكذلك الفَقْعُ (2)؛ لأنَّه لا أَصْلَ له، فأشْبَهَ الثّمَرَةَ.
وروَى حَنْبَلٌ، قال: يُؤْكَلُ مِن شَجَرِ الحَرَمِ الضَّغابِيسُ (3)، والعِشْرِقُ (4)، وما سَقَطَ مِن الشَّجَرِ، وما أنْبَتَ النَّاسُ.
1251 -
مسألة: (ومَن قَطَعه ضَمِن الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَصَ 5. فإنِ اسْتَخْلَفَ سَقَط الضَّمانُ، في أحَدِ الوَجْهَيْن) يَجِبُ الضَّمانُ في إتْلافِ شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشِه. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ،1234
..................................
وأبو [ثَورٍ، و] 1 داودُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ المُحْرِمَ لا يَضْمَنُه في الحِلِّ، فلا يَضْمَنُ في الحَرَمِ، كالزَّرْعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أجِدُ دَلالَةً أُوجِبُ بها في شَجَرِ الحَرَمِ فَرْضًا؛ مِن كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، وأقولُ كما قال مالكٌ: نَسْتَغْفِرُ الله تعالى.
ولَنا، ما روَى أبو هَشِيمَةَ، قال: رَأْيتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِيَ الله عَنه، أمَر بشَجَرٍ كان في المَسْجِدِ يَضُرُّ بأهْلِ الطَّوافِ، فقُطِعَ، وفُدِىَ.
قال: وذَكَر البَقَرَةَ.
..................................
رَواه حَنْبَلٌ في «المَناسِك».
وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه قال: في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفى الجَزْلَةِ شاةٌ.
قال: والدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ، والجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ.
ونحوُه عن عَطاءٍ.
ولأنَّه مَمْنُوعٌ منه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فضُمِن، كالصَّيْدِ، ويُخالِفُ المُحْرِمَ، فإنَّه لا يُمْنَعُ مِن قَطْع شَجَرِ الحِلِّ، ولا زَرْعِ الحَرَم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشَاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَص، كأعْضاءِ الحَيَوانِ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَضْمَنُ الكُلَّ بقِيمَتِه.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعنه، في الغُصْنِ الكَبِيرِ شاةٌ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىْ ما يَحْرُمُ إتْلافُه، فكان فيه ما يُضْمَنُ بمُقَدَّرٍ، كالصَّيْدِ.
فإن قَطَع غُصْنًا أو حَشِيشًا، فاسْتَخْلَفَ، سَقَط ضَمانُه، كما لو قَطَع شَعَرَ آدَمِىٍّ فنَبَتَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ الثانِىَ غيرُ الأوَّلِ، فهو كما لو حَلَق المُحْرِمُ شَعَرًا، فعادَ.
فصل: ومَن قَلَع شَجَرَةً مِن الحَرَمِ، فغَرَسَها في مَكانٍ آخَرَ، فيَبِسَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه أتْلَفَها.
وإن غَرَسَها في الحَرَمِ، فنَبَتَتْ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه لم يُتْلِفْها، ولم يُزِلْ حُرْمَتَها، وإن نَقَصَتْ، ضَمِنَ نَقْصَها.
..................................
وإن غَرَسَها في الحِلِّ فَنَبَتَتْ، فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه أزَالَ حُرْمَتَها.
فإن تَعَذَّرَ رَدُّها، أو رَدَّها فيَبِسَتْ، ضَمِنَها.
وإنْ قَلَعَها غيرُه مِن الحِلِّ، فقال القاضى: الضَّمانُ على الثانى؛ لأنَّه أتْلَفَهَا.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ على المُخْرِجِ، كالصَّيْدِ إذا نَفَّرَه إنْسَانٌ مِن الحَرَمِ، فقَتَلَه إنْسانٌ في الحِلِّ،
وَمَنْ قَطع غُصْنًا في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ.
فَإِنْ قَطَعَهُ في الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْهُ، فِى أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
فإنَّ الضَّمانَ على المُنَفِّرِ؟ قُلْنا: الشَّجَرُ لا يَنْتَقِلُ بنَفْسِه، ولا تَزُولُ حُرْمَتُه بإخْراجِه، ولهذا وَجَب على مُخْرِجِه رَدُّه, والصَّيْدُ يكونُ تارَةً في الحَرَمِ، وتارَةً في الحِلِّ، فمَن نَفَّرَه فقد فَوَّتَ حُرْمَتَه، فلَزِمَه جَزاؤُه، وهذا لم يُفوِّتْ حُرْمَتَه (1) بالِإخْرَاجِ، فكان الجَزاءُ على المُتْلِفِ؛ لأنَّه أتْلَفَ شَجَرًا حَرَمِيًّا مُحَرَّمًا إتْلافُه.
1252 -
مسألة: (وإن قَطَع غُصْنًا في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، ضَمِنَه. وإن قَطَع غُصْنًا في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ
1
..................................
الوَجْهَيْن) إذا كانتِ الشَّجَرَةُ في الحَرَمِ غُصْنُها في الحِلِّ، فعلى قاطِعِه الضَّمانُ؛ لأنَّه تابِعٌ لأصْلِه، وإن كانت في الحِلِّ وغُصْنُها في الحَرَمِ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه تابعٌ لأصْلِه، فهى كالتى قَبْلَها.
وفى الآخَرِ، يَضْمَنُه.
اخْتارَه ابنُ أبى موسى؛ لأنَّه في الحَرَم.
فإن كان بعضُ الأصْلِ في الحَرَمِ، وبعضُه في الحِلِّ، ضَمِنَ الغُصْنَ، سَوَاءٌ كان في الحِلِّ، أو في الحَرَمِ، تَغْلِيبًا لحُرْمَةِ الحَرَمِ، كالصيدِ الواقِفِ بعضُه في الحِلِّ، وبعضُه في الحَرَم.
فصل: يُكْرَهُ إخْراجُ تُرابَ الحَرَمِ وحَصاه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ كَرِهاه.
ولا يُكْرَهُ إخْراجُ ماءِ زَمْزَمَ؛ لأنَّه يُسْتَخْلَفُ، فهو كالثّمَرَةِ.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا، إِلَّا مَا تَدْعُو فصل: قال، رَحِمَه الله: (ويَحرُمُ صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها،
الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ.
وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا, فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ.
إلَّا ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه مِن شَجَرِها للرَّحْلِ والعارِضَةِ القائِمَةِ ونَحْوِها، ومِن حَشِيشِها للعَلَفِ.
ومَن أدْخَلَ إليها صَيْدًا، فله إمْساكُه وذَبْحُه).
صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها حَرامٌ.
وبه قال مالك، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَبَيَّنه النَّبِى - صلى الله عليه وسلم - بَيانًا عامًا، ولَوَجَبَ فيه الجَزاءُ، كصَيْدِ الحَرَمِ.
ولَنا، ما روَى على، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، [مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ] 1». مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى تَحْرِيمَ المَدِينَةِ أبو هُرَيْرَةَ، ورافِعٌ، وعبدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ في
..................................
المُتَّفَقِ عليه 1، ورَواه مسلمٌ 2 عن سَعْدٍ، وجابِرٍ، وأنَسٍ، رَضِىَ الله عنهم.
وهذا يَدُلُّ على تَعْمِيمِ البَيانِ، وليس هو في الدَّرَجَةِ دُونَ أخْبارِ تَحْرِيمِ الحَرَم، وقد قبِلُوه وأثْبَتُوا أحْكامَه، على أنَّه ليس بمُمْتَنعٍ أن يُبَيِّنَه بَيانًا خاصًّا، أَو بَيَّنَهَ بَيانًا عامًّا، فيُنْقَلُ خاصًّا، كصِفَةِ الأذانِ والوِتْرِ والإقامَةِ.
فصل: ويُفارِقُ حَرَمُ المَدِينَةِ حَرَمَ مَكَّةَ في شَيْئَيْن؛ أحدُهما، أنَّه يَجُوزُ أن يُؤْخَذَ مِن شَجَرِ حَرَمِ المَدِينَةِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه، للمَسانِدِ والوَسائِدِ والرَّحْلِ، ومِن حَشِيشِها ما يُحْتاجُ إليه للعَلَفِ؛ لِما روَى الِإمامُ أحمدُ 3، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا حَرَّمَ المَدِينَةَ، قالوا: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا أصحابُ عَمَلٍ، وأصحابُ نَضحٍ 4، وإنَّا لا
..................................
نَسْتَطِيعُ أرْضًا غيرَ أرْضِنا، فَرَخِّصْ لنا.
فقال: «القَائِمَتَانِ، وَالوِسَادَةُ، وَالعَارِضَةُ، وَالمَسَدُ 1، فأمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَئٌ».
قِيلَ: المَسَدُ (1) مِرْوَدُ البَكَرَةِ.
فاسْتَثْنَى ذلك، وجَعَلَه مُباحًا، كاسْتِثْناءِ الإِذْخِرِ بمَكَّةَ.
وعن علىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «المَدِينَةُ حَرَامٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ 2 إلَى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ، إلَّا أنْ يَعْلِفَ زَجُل بَعِيرَهُ».
رَواه أبو داودَ 3. ولأنَّ المَدِينَةَ يَقْرُبُ منها شَجَرٌ وزَرْعٌ، فلو مَنَعْنا مِن احْتِشاشِها، أفْضَى إلى الضَّرَرِ، بخِلافِ مَكَّةَ.
الثانى، أن مَن صادَ مِن خارِجِ المدينَةِ صَيْدًا، ثم أدْخَلَه إليها لم يَلْزَمْه إرْسَالُه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: «يَا أَبا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» 4. وهو طائِرٌ صَغِيرٌ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أباحَ إمْساكَه بالمَدِينَةِ،
وَلَا جَزَاءَ في صَيْدِ الْمَدِينَةِ.
وَعَنْهُ، جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أخَذَهُ.
ولم يُنْكِرْ ذلك.
وحُرْمَة مَكَّةَ أعْظَمُ مِن حُرْمَةِ المَدِينَةِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَدْخُلُها إلَّا مُحْرِمٌ، وإذا جازَ إمْساكُ الصَّيْدِ فيها، جازَ ذَبْحُه فيها، كغيرِها.
1253 -
مسألة: (ولا جَزاءَ في صَيْدِ المَدِينَةِ. وعنه، جَزاؤُه سَلَبُ القاتِلِ لمَن أخَذَه)
ليس في صَيْدِ المَدينَةِ وشَجَرِها جَزاءٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه مَوْضِغ يَجُوزُ دُخُولُه بغيرِ إحْرامٍ، فلم يَجِبْ فيه جَزاءٌ، كصَيْدِ وَجٍّ 1. والثانيةُ، فيه الجَزاءُ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ أبى ذِئْبٍ.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ القَدِيمُ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إنِّى أُحَرِّمُ المَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» 2. ونَهَى أن يُعْضَدَ شَجَرُها، ويُؤْخَذَ طَيْرُها 3، فوَجبَ في هذا
..................................
الحَرَمِ الجَزاءُ، كما وَجَبَ في ذلك، إذ لم يَظْهَرْ بَيْنَهما فَرْقٌ.
وجَزاؤُه إباحَةُ سَلَبِ القاتِلِ، لِمَن 1 أخَذَه؛ لِما روَى مسلمٌ 2، بإسْنادِه، عن عامِرِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ سَعدًا، رَضِىَ الله عَنه، رَكِبَ إلى قَصْرِه بالعَقِيقِ، فوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا ويَخْبِطُه، فسَلَبَه، فلمّا جاءَ سَعْدٌ جاءَه أهْلُ العَبْدِ، فكَلَّمُوه أن يَرُدَّ على غُلامِهِم أو عليهم، فقال: مَعاذَ اللهِ أن أرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وأربى أن يَرُدَّ عليهم.
وعن سعدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -, قال: «مَنْ وَجَدَ أحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ».
رَواه أبو داودَ 3. فعلى هذا
وَحَدُّ حَرَمِهَا مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ، وَجَعَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى.
يُباحُ لمَن وَجَد آخِذَ الصَّيْدِ، أو قاتِلَه، أو قاطِعَ الشَّجَرِ، سَلَبُه، وهو أخْذُ جَمِيعِ ثِيابِه، حتى السَّرَاوِيلِ.
فإن كان على دابَّةٍ لم يَمْلِكْ أخْذَها؛ لأنَّ الدَّابَّةَ ليست مِن السَّلَبِ، وإنَّما أَخَذَها قاتِلُ الكافِرِ في الجهادِ؛ لأنَّها يُسْتَعانُ بها على (1) الحَرْبِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فإن لم يَسْلُبُه أحَدٌ، فلا شئَ عليه سوى التَّوْبَةِ.
1254 -
مسألة: (وحَدُّ حَرَمِها بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَىْ عَشرً مِيلًا حِمًى)
حَدُّ حَرَمِ المَدِيتَةِ ما بَيْنَ لابَتَيْها؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا1
..................................
بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. واللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وهى أرْضٌ بِها حِجارَةٌ سُودٌ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: ما بينَ لابتَيْها حَرامٌ.
بريدٌ في بَرِيدٍ، كذا فَسَّرَه مالكُ بنُ أنَسٍ.
والبَرِيدُ أرْبَعَةُ فَرَاسِخَ.
وروَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل حَوْلَ المَدينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى.
رَواه مسلمٌ 2. وقد روَى علىٌّ، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «حَرَمُ المدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. قال أهْلُ العِلْمِ بالمَدِينَةِ:
.................................. لا نَعْرِف بها ثَوْرًا ولا عَيْرًا، وإنَّما هُما جَبلان بمَكَّةَ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَرادَ قَدْرَ ما بينَ ثَوْرٍ وعَيْرٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ جَبَلَيْن بالمَدِينَةِ، وسَمّاهُما ثَوْرًا وعَيْرًا تَجَوُّزًا 1. واللهُ تَعالَى أعْلَمُ.
..................................
فصل: ولا يَحْرُمُ صَيْدُ وَجٍّ ولا شَجَرُه، وهو وادٍ بالطّائِفِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ؛ لأنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «صَيْدُ وَجٍّ وَعِضَاهُهَا مُحَرَّمٌ».
رَواه الإِمامُ أحْمَدُ 1. ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والحَدِيثُ
.................................. ضَعَّفَه أحمدُ، ذَكَرَه أبو بكْرٍ الخَلَّالُ، في كتابِ «العِلَلِ» 1.
بَابُ ذِكْرِ دُخُولَ مَكَّةَ
يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أعْلَاهَا، مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ،
بابُ ذِكرِ دُخُولِ مَكَّةَ
يُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ لدُخُولِ مَكَّةَ؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا دَخَل أدْنَى الحَرَمِ أمْسَكَ عن التَّلْبِيَةِ، ثم يَبِيتُ بذِى طُوَى، ثم يُصَلِّى به الصُّبْحَ ويَغْتَسِلُ، ويُحَدِّثُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان يَفْعَلُ ذلك.
رَواه البخارىُّ (1). ولأنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أهْلِ النُّسُكِ، فإذا قَصَدَها اسْتُحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالخارِجِ إلى الجُمُعَةِ.
والمَرْأةُ كالرَّجُلِ، وإن كانت حائِضًا، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ، وقد حاضَتْ: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطوفِى بِالْبَيْتِ» (2). ولأنَّ الغُسْلَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ، وهو يَحْصُلُ مع الحَيْضِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وفَعَلَه عُرْوَةُ، والأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، والحارثُ بنُ سُوَيْدٍ (3).
1255 -
مسألة (ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخلَ مَكَّةَ مِن أعْلَاها، مِن ثَنِيَّةِ
123
ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِى شَيْبَةَ.
كَدَاءٍ، ثم يَدْخُلَ المَسْجِدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ) لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل مَكَّةَ مِن الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التى بالبَطْحَاءِ، وخَرَجَ مِن السُّفْلَى.
ورَوَتْ عائِشَةُ، أنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا جاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِن أعْلاهَا، وخَرَجَ بِن أسْفَلِها.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ولا بَأْسَ بدُخُولِها لَيْلًا ونَهارًا.
لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل مَكَّةَ لَيْلًا ونَهارًا، رَواهما النَّسائىُّ 2.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ المَسْجدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ؛ لِما روَى
فَإِذَا رَأى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ، وقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْريفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ، مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ
جابِرٌ في حَدِيثِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفاعَ الضُّحَى، وأناخَ راحِلَتَه عندَ بابِ بَنِى شَيْبَةَ، ودَخَلَ المَسْجِدَ.
رَواهُ مسلمٌ وغيرُه 1.
1256 -
مسألة: (فإذا رَأى البَيْت رَفَعَ يَدَيْه وَكَبَّرَ، وقال: اللَّهُمَّ أنْتَ السّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنَا بالسَّلامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هذا البَيْتَ تَعْظِيمًا وتَشريفًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً وبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَه
تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، الْحَمْدُ لِلّه رِبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالحَمْدُ لِلّه اِلَّذِى بَلَّغَنِى بَيْتَهُ، وَرَآنِى لِذَلِكَ أهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، وَاعْفُ عَنِّى، وَأصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ.
يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ.
وشَرّفَه، مِمَّن حَجَّه واعْتَمَرَه تَعْظِيمًا وتَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً وبرًّا، الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيرًا كما هو أهْلُه، وكما يَنْبَغِى لكَرَم وَجْهِه وعِزِّ جَلالِه) وعَظِيمِ شَأْنِه (الحمدُ للهِ الذى بَلَّغَنِي بَيْتَه، ورَآنِى لذلك أهْلًا، والحمدُ لله عِلى كُلِّ حالٍ، اللهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرامِ، وقد جِئْتُك لذلك، اللهُمّ تَقَبَّلْ مِنِّى، واعْفُ عَنِّى، وأصلِحْ لى شَأنِى كُلّه، لا إله إلَّا أَنْتَ.
يَرْفَعُ بذلك صَوْتَه) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْن عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ.
..................................
يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وكان مالكٌ لا يَرَى رَفْعَ اليَدَيْنِ؛ لِما رُوِىَ عن المُهاجِرِ المَكِّىِّ قال: سُئِلَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن الرجلِ يَرَى البَيْتَ، أيَرْفَعُ يَدَيْه؟ فقال: ما كُنْتُ أظُنُّ أحَدًا يَفْعَلُ هذا إلَّا اليَهُودَ، حَجَجْنَا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم نَكُنْ نَفْعَلُه.
رَواه النَّسائىُّ 1. ولَنا، ما روَى ابنُ المُنْذِرِ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تُرفَعُ الأيدِى إلَّا فِى سَبْعَةِ مَوَاطِنَ؛ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، واسْتِقْبَالِ البَيْتِ، وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَعَلَى المَوْقِفَيْنِ، وَالجَمْرَتَيْنِ» 2. وهذا قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -, وذلك قولُ جابِرٍ وخَبَرُه عن ظَنِّه وفِعْلِه، وقد خالَفَه ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ.
ولأنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ، وقَدْ أُمِرَ برَفْع اليَدَيْن عندَ الدُّعَاءِ.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ بالدُّعاءِ الذى ذَكَرْناه؛ لِما روَى ابنُ جُرَيْجٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رَأى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْه، وقال: «اللهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا».
وعن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان حينَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، يقولُ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ.
رَواهُما الشافعىُّ بإسْنادِه 1. وباقِى الدُّعاءِ ذَكَرَه الأثْرَمُ وإبْرَاهِيمُ الحَرْبِى.
قال بعضُ أصحابِنا: ويَرْفَعُ بذلك صَوْتَه، وما زادَ في الدُّعاءِ فحَسَنٌ.
فصل: إذا دَخَل المَسْجِدَ، فذَكَرَ صلاةً مَفْرُوضَةً أو فائِتَةً، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، قَدَّمَهما على الطَّوافِ؛ لأنَّ ذلك فَرْضٌ، والطَّوافُ تَحِيَّةٌ، ولأنَّه لو أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو في طَوافِه، قَطَعَه لأجْلِها، فَلَأن يَبْدَأَ بها أوْلَى.
وإن خافَ فَواتَ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، أو الوِتْرِ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، قَدَّمَها؛ لأنَّها تَفُوتُ، بخِلافِ الطَّوافِ.
ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، أوْ طَوَافِ الْقُدُومِ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أوْ قَارِنًا.
1257 - مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ بطوافِ العُمْرَةِ، إن كان مُعْتَمِرًا، وبطوافِ القُدومِ، إن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا)
يُسْتَحَبُّ لمَن دَخَل المَسْجِدَ أن يَبْدَأ بالطَّوافِ بالبَيْتِ اقْتِداءً برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ جابِرًا قال في حَدِيِثه: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فرَمَلَ ثَلاثًا، ومَشَى أرْبَعًا 1. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -، حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، تَوَضَّأ، ثم طافَ بالبَيْتِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وغيرِهم.
ولأنَّ الطوافَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فاسْتُحِبَّ البِدايَةُ به، كما اسْتُحِبَّ لداخِلِ غيرِه مِن
وَيَضْطَبع بِرِدَائِهِ، فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.
المساجِدِ البِدايَةُ بتَحِيَّةِ المَسْجدِ بصلاةِ رَكْعَتَيْن.
فإنْ كان مُعْتَمِرًا، بَدَأ بطوافِ العُمْرَةِ، ولم يَحْتَجْ إلًّا أن يَطوفَ لها طَوافَ قُدُومٍ؛ لأنَّ المَقْصُودَ به تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، ومَن دَخَل المَسْجِدَ وقد قامَتِ الصلاةُ، اشْتَغَلَ بها، وأجْزَأتْ عن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ، كذلك ههُنا.
وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا بَدَأ بطَوافِ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ بغَيْرِ خِلافٍ.
1258 -
مسألة: (ويَضْطَبعُ برِدائِه، فيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيْسَرِ)
صِفَةُ الاضْطِباعِ ما ذَكَرَه ههُنا، وهو مَأخُوذٌ مِن الضَّبْع، وهو عَضُدُ الإنسانِ، افْتِعالٌ منه، وكان أصْلُه اضْتَبَعَ، فقَلَبُوا التّاءَ طاءً؛ لأنَّ التَّاءَ متى وَقَعَتْ بعد صادٍ أو ضادٍ أو طاءٍ ساكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً.
وهو مُسْتَحَبٌّ في طَوافِ القُدُومِ, وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ، ومَن في مَعْناه؛ لِما روَى أبو داودَ، وابنُ ماجَه 1، عن يَعْلَى
..................................
ابنِ أُمَيَّةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ مُضْطَبِعًا.
ورَوَيَا 1 عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه اعْتَمَرُوا مِن الجِعْرانَةِ، فرَمَلُوا بالبَيْتِ، وجَعَلُوا أرْدِيَتَهم تحتَ آباطِهم، ثم قَذَفُوها على عَواتِقِهم اليُسْرَى.
وبه قال الشافعىّ، وكَثِيرٌ مِن أهلِ العِلْمِ.
وقال مالكٌ: ليس الاضْطِباعُ بسُنَّةٍ.
وقال: لم أسْمَعْ أحَدًا ببلدِنا يَذْكُرُ أنَّ الاضْطِباعَ سُنَّة.
وقد ثَبَت بما رَوَيْنا أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه فَعَلُوه، وقد أمَرَ اللهُ تَعالى باتِّبَاعِه.
وقد روَى أسْلَمُ 2 عن عمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه اضْطَبَعَ ورَمَلَ، وقال: ففيمَ الرَّمَلُ؟ ولِمَ نُبْدِى مَناكِبَنا وقد نَفَى الله المُشْرِكِينَ؟ بل لن نَدَعَ شَيْئًا فَعَلْناه على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ 3.
فصل: فإذا فَرَغ مِن الطَّوافِ سَوَّى رِداءَه؛ لأنَّ الاضْطِباعَ غيرُ مُسْتَحَبٍّ في الصلاةِ.
وقال الأثْرَمُ: يُزِيلُ الاضْطِباعَ إذا فَرَغ مِن الرَّمَلِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ قولَه: طافَ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم - مُضْطَبِعًا.
يَنْصَرِفُ إلى جَمِيعِه.
ولا يَضْطَبعُ في السَّعْىِ.
وقال الشَّافعىُّ: يَضْطَبعُ؛ لأنَّه أحَدُ
ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَيُحاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ، وَإنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَإنْ شَاءَ أشَارَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ وَالله أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ.
الطَّوافَيْن، فأشْبَهَ الطَّوافَ بالبَيْتِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَضْطَبع فيه، والسُّنَّةُ في الاقْتِداءِ به.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله: ما سَمِعْنا فيه شَيْئًا.
ولا يَصِحُّ القِياسُ إلَّا فيما عُقِلَ مَعْناه، وهذا تَعَبُّدٌ مَحْضٌ.
1259 -
مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيع بَدَنِه، ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، وإن شاء اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه، وإن شاءَ أشارَ إليه، ثم يقولُ: اللهُ أكْبَرُ إيمانًا بك، وتَصْدِيقًا بكِتابِكَ، ووَفَاءً بعَهْدِكَ، واتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. كُلَّمَا اسْتَلَمَه)
يَبْتَدِئُ الطَّوافَ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيعِ بَدَنِه، فإن حاذاه ببعضِه احْتَمَلَ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالبَدَنِ، فأجْزَأ فيه بَعْضُه، كالحَدِّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ، واسْتَلَمَه.
وظاهِرُ هذا أنَّه اسْتَقْبَلَه بجَمِيع بَدَنِه، ولأنَّ ما لَزِمَه اسْتِقْبالُه لَزِمَه بجَمِيع بَدَنِه،
..................................
كالقِبْلَةِ.
فإذا قُلْنا بوُجُوبِ ذلك، فلم يَفْعَلْه، أول بَدَأ بالطَّوافِ مِن دُونِ الرُّكْنِ، كالبابِ ونحوِه، لم يُحْتَسَبْ له بذلك الشَّوْطِ، ويُحْتَسَبُ بالشَّوْطِ الثانِى وما بعدَه، ويَصِيرُ الثانِى أوَّلَه؛ لأنَّه قد حاذَى فيه الحَجَرَ بجَمِيع بَدَنِه، وأتَى على جَمِيعِه، فمتَى أكمَلَ سَبْعَةَ أشْوَاطٍ غيرَ الأوَّلِ صَحَّ طَوافُه، وأجْزَأه، وإلَا فلا.
فصل: ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، ومَعْنَى الاسْتِلامِ المَسْحُ باليَدِ، مَأْخُوذٌ مِن السِّلَامِ، وهى الحِجَارَةُ، فإذا مَسَح الحَجَرَ، قِيلَ: اسْتَلَمَ.
أى:
..................................
مَسَّ السِّلامَ.
قالَه ابنُ قُتَيْبَةَ 1، وذلك لِما روَى أسْلَمُ، قال: رَأيْتُ عمرَ ابنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَبَّلَ الحَجَرَ، وقال: إنِّي لأعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلَا أنِّى رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى ابنُ ماجَه 3، عن ابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنه، قال: اسْتَقْبَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحَجَرَ ثم وَضَعَ شَفَتَيْه عليه يَبْكِى طَوِيلًا، ثم الْتَفَتَ، فإذا هو بعمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، يَبْكِى، فقال: «يَا عُمَرُ، ههُنا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ».
فإن لم يَكُنِ الحَجَرُ مَوْجُودًا - والعِياذُ باللهِ- فإَّنه يَقفُ مُقابِلًا لمكانِه، ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ.
فإن شَقَّ اسْتِلامُه
..................................
وتَقْبِيلُه، اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَة، وأبى سعيدٍ، وابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال مالكٌ: يَضَعُ يَدَه على فِيهِ مِن غيرِ تَقْبِيلٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَمَه، وقَبَّلَ يَدَه.
رَواهُ مسلمٌ 1. فإن شَقَّ عليه، اسْتَلَمَه بشئٍ في يَدِه، وقَبَّلَه.
رَواهُ ابنُ عباسٍ مَرْفُوعًا.
أخْرَجَه مسلم 2. وإلَّا قامَ بحِذَائِه واسْتَقْبَلَه بوَجْهِه، وأشارَ إليه، وكَبَّرَ وهَلَّل.
وكذا إنْ طافَ راكِبًا، لِما روَى البُخَارِىُّ 3، عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
على بَعِيرٍ كُلَّما أتَى الحَجَرَ أشارَ إليه بشَئٍ في يَدِه وَكَبَّرَ.
فإن أمْكَنَه اسْتِلامُه بشئٍ في يَدِه كالعَصَا ونحوِه، فَعَل، فقد روَى ابنُ عباسٍ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ في حَجَّةِ الوَداعِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ 1. وهذا كُلُّه مُسْتَحَبٌّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يقولَ عندَه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ السائِبِ، أنَّ النبىَّ