الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 211-252

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

صفحات 211-252

..................................  كالتَّكْبيرِ للصلاةِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال في قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: الإِهْلالُ.
وعن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ: هو التَّلْبِيَةُ.
ولأنَّ النُّسُكَ عِبادَةٌ ذاتُ إحْرامٍ وإحْلالٍ فكانَ في أوَّلِها ذِكْرٌ واجِبٌ، كالصلاةِ.
ولَنا، أنَّها ذِكْرٌ، فلم تَجِبْ في الحَجِّ، كسائِرِ الأذْكارِ، وفارَقَ الصلاةَ، فإنَّ النُّطْقَ في آخِرِها يَجبُ، فوَجَبَ في أوَّلِها، بخِلافِ الحَجِّ.
ويُسْتحَبُّ رَفْعُ الصَّوْب بها؛ لأَنَّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أىُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ» 1. حديثٌ غرِيبٌ.
العَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ، والثَّجُّ إسالَةُ الدِّماءِ بالذَّبْحِ والنَّحْرِ.
وروَى التِّرْمِذِىُّ 2 بإسْنادِه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «أتَانِى جِبْرِيلُ يَأمُرُنِى أنْ آمُرَ أصْحَابِى أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُم بِالتَّلْبِيَةِ».
وهو حديث حسنٌ صَحِيحٌ.
وقال أنَسٌ:

..................................  سَمِعْتُهُم يَصْرُخُون بهما صُراخًا 1. وقال أبو حازِمٍ: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَبْلُغُون الروحاءَ 2، حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهم مِن التَّلْبِيَةِ.
وقال سالِمٌ: كان ابنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ، فلا يَأْتِى الرَّوْحاءَ حتى يَصْحَل 3 صَوْتُه.
ولا يُجْهِدُ نفْسَه في رَفْعِ الصَّوْتِ زِيادَةً على الطَّاقَةِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُه وتَلْبِيَتُه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ منها على كلِّ حالٍ؛ لِما روَى ابنُ ماجه، عن عبدِ اللهِ بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، رَضِىَ اللهُ عَنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِم يَضْحَى للهِ، يُلَبِّى حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إلَّا غابَتْ بذُنُوبِه، فعادَ كَمَا وَلَدَتْه أُمُّه».
رَواه ابنُ ماجه 4. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها في مَساجِدِ الأمْصارِ، ولا في الأمْصارِ، إلَّا في مَكَّةَ والمَسْجِدِ الحَرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ،

..................................  رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه سَمِع رجلًا يُلَبِّى بالمَدِينَةِ، فقالَ: إنَّ هذا لمَجْنُونِّ، إنَّما التَّلْبِيَةُ إذا بَرَزْتَ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُلَبِّى في المساجِدِ كلِّها، ويَرْفَعُ صَوْتَه؛ لعُمُومِ الحديثِ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباس، ولأنَّ المساجِدَ إنَّما بُنِيَتْ للصلاةِ، وجاءَتِ الكَراهَةُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ عامًّا 1، إلَّا الإِمامَ خاصَّةً، فوَجَبَ إبْقاؤها على عُمُومِها.
فأمّا مَكَّةُ فتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فيها؛ لأنَّها مَحَلُّ النُّسُكِ، وكذلك المَسْجِدُ الحَرامُ وسائِرُ مساجِدِ الحَرَمِ، كمَسْجِدِ مِنًى، وفى عَرَفاتٍ أيضًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ يعدَها، فيَسْألُ اللهَ الجَنَّةَ، ويَسْتَعِيذُ به مِن النّارِ، ويَدْعُو بما أحَبَّ؛ لِما روَى الدّارَقُطْنِىُّ 2 بإسْنادِه، عن خُزَيْمَةَ ابنِ ثابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فَرَغ مِن تَلْبِيَتِه سَأل اللهَ مَغْفِرَتَه ورِضْوانَه، واسْتَعاذَه برَحْمَتِه مِن النّارِ.
وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: يُسْتَحَبُّ للرجلِ إذا فَرَغ مِن تَلْبِيَيه أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِع فيه ذِكْرُ الله تِعالى، فشُرِعَ فيه الدُّعاءُ، ولأنَّ الدُّعاءَ مَشْرُوعٌ مُطْلَقًا، فتأكَّدَتْ مَشْرُوعِيَّتُه بعدَ ذِكْرِ الله تِعالى.
ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على

..................................  النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِعَ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى، فشُرِعَتْ فيه الصلاةُ على رسولِه، كالصلاةِ، أو فشُرِعَ فيه ذِكْرُ رسولِه، كالأذانِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ ما أحْرَمَ به في تَلْبِيَيه.
قال أحمدُ: إن شِئْتَ لَبَّيْتَ بالحَجِّ، وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بعُمْرَةٍ، وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، فقُلْتَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: لاَ يُستَحَبُّ.
ويُرْوَى عنِ ابنِ عُمَرَ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ جابِرًا قال: ما سَمَّى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في تَلْبِيَيه حَجًّا ولا عُمْرَةً.
وسَمِع ابنُ عُمَرَ رجلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ بعُمْرَةٍ.
فضَرَبَ صَدْرَه، وقال: تُعْلِمُه ما في نَفْسِك 1. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا».
وقال جابِرٌ: قَدِمْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونحن نَقُولُ: لَبَّيْكَ بالحَجِّ.
وقال ابنُ عباسٍ: قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابُه وهم يُلَبُّون بالحَجِّ.
وقال ابنُ عُمَرَ: بَدَأ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأهَلَّ بالعمْرَةِ، ثم أهَلَّ بالحَجِّ.
مُتَّفَقٌ على هذه الأحاديثِ 2. وقال أنَسٌ: سَمِعْتُهم يَصْرُخُون بهما صُراخًا.
رَواه البخارىُّ 3. وهذه الأحاديثُ أصَحُّ مِن حديثِهم

وَيُلَبِّى إِذَا عَلَا نَشزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِى دُبُرِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ،  وأكْثَرُ.
وقولُ ابنِ عُمَرَ يُخالِفُه قولُ أبِيه، فإنَّ النَّسائِىَّ روَى بإسْنادِه، عن الصُّبَىِّ (1) بنِ مَعْبَدٍ، أنَّه أوَّلَ ما حَجَّ لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا، ثم ذَكَر ذلك لعُمَرَ، فقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّك - صلى الله عليه وسلم - (2). وإن لم يذكُرْ ذلك في تَلْبيَتِه، فلا بَأْسَ، فإنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّها القَلْبُ، واللهُ سبحانه عالِمٌ بها.
فَصل: ولا يُلَبِّى بغيرِ العَرَبِيَّةِ، إلَّا أن يَعْجِزَ عنها؛ لأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلا يُشْرَعُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، كالأذانِ والأذْكارِ المَشْرُوعَةِ في الصلاةِ.
فصل: وإن حَجَّ عن غيرِه، كَفاه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ عنه.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالحَجِّ عن الرجلِ، ولا يُسَمِّيه.
وإن ذَكَره في التَّلْبِيَةِ فحسنٌ.
قال أحمدُ: إذا حَجَّ عن رجلٍ يَقُولُ أوَّلَ ما يُفمى: عن فُلانٍ.
ثم لا يُبالِى أن لايَقُولَ بعدَ ذلك؛ لِقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - للذى سَمِعَه يُلَبِّى عن شُبْرُمَةَ: «لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (3). ومتى لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ بَدَأ بذِكْرِ العُمْرَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ وذلك لقولِ أنَسٍ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (4).

1175 -

مسألة: (ويُلَبِّى إذا عَلا نَشْزًا، أوْ هَبَطَ وادِيًا، وفى دُبُرِ

1234

وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ.
الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، وإقْبالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وإذا الْتَقَتِ الرِّفاقُ) التَّلْبِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، ويَتأكَّدُ اسْتِحْبابُها في ثَمانِيَةِ مَواضِعَ؛ منها السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ، والسّابعُ إذا فعل مَحْظُورًا ناسِيًا، الثّامنُ إذا سَمِع مُلَبِّيًا؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّى في حَجَّتِه إذا لَقِىَ راكِبًا، أو عَلا أكَمَةً 1، أو هَبَط وادِيًا، وفى دُبُرِ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ، ومِن آخِرِ اللَّيْلِ 2. وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: كانُوا يَسْتَحِبُّون التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصلاةِ المَكْتُوبَةِ، وإذا هَبَط وادِيًا، وإذا عَلا نَشْزًا 3، وإذا لَقِى راكِبًا، وإذا اسْتَوتْ به راحِلَتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وقد كان قبلُ يَقُولُ مِثْلَ قولِ مالكٍ: لا يُلَبِّى عندَ اصْطِدامِ الرِّفاقِ.
والحديثُ يَدُلُّ عليه، وكذلك قولُ النَّخَعِىِّ.
فصل: ويُجْزِىُّ مِن التَّلْبِيَةِ في 4 دُبُرِ الصلاةِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: ما شئٌ يَفْعَلُه العامَّةُ، يُلَبُّون في دُبُرِ الصلاةِ

..................................  ثَلاثًا؟ فتَبَسَّمَ، وقال: ما أدْرِى مِن أين جاءُوا به؟ قُلْتُ: أليس يُجْزِئُه مَرَّةٌ واحِدَةٌ؟ قال: بلى.
وذلك لأنَّ المَرْوِىَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا، مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، وذلك يَحْصُلُ بمرَّةٍ واحِدَةٍ، وهكذا التَّكْبِيرُ في أدْبارِ الصَّلَواتِ، في أيّام الأضْحَى، وأيّام التَّشْرِيقِ.
وإن زادَ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ ذلك زِيادَةُ ذِكْرٍ وخَيْرٍ، وتَكْرارُه ثَلاًثا حسنٌ، فإنَّ اللهَ وِتْر يُحِبُّ الوِتْرَ.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّلْبِيَةِ في طَوافِ القُدُومِ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءُ بنُ السّائِبِ، ورَبِيعَةُ بنُ عبدِ الرحمن، وابنُ أبِى لَيْلَى، وداودُ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه قال: لا يُلَبِّى حولَ البَيْتِ.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ما رَأيْنا أحَدًا يُقْتَدَى به يُلَبِّى حولَ البَيْتِ، إلَّا عَطاءَ بنَ السّائِبِ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يُلَبِّى.
وهو قولٌ للشافعىِّ؛ لأنَّه مُشْتَغِلٌ بذِكْر يَخُصُّه، فكانَ أوْلَى.
ولَنا، أنَّه زَمَنُ التَّلْبِيَةِ، فلم يُكْرَهْ له، كما لو لم يَكُنْ حولَ البَيْتِ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ التَّلْبِيَةِ والذِّكْرِ المشْرُوعِ في الطَّوافِ.
ويُكْرَهُ له رَفْعُ الصَّوْتِ بالتَّلْبِيَةِ حولَ البَيْتِ؛ لئَلَّا يَشْغَلَ الطَّائِفِين عن طَوافِهم وأذْكارِهِم.
فصل: ولا بَأْسَ أن يُلَبِّىَ الحَلالُ.
وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وعَطاءُ ابنُ السّائِبِ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وكَرِه هذا مالكٌ.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مُسْتَحَبُّ للمُحْرِمِ، فَلم يُكْرَهْ لغيرِه، كسائِرِ الأذْكارِ.

وَلَا تَرْفَعُ الْمَرأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا.

1176 - مسألة: (ولا تَرْفَعُ المَرْأةُ صَوْتَها بالتَّلْبيَةِ، إلَّا بِقَدْرِ ما تُسْمِعُ نَفْسَهَا)

1 قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ السُّنَّةَ في المَرْأةِ أن لا ترْفَعَ صَوْتَها، وإنَّما عليها أن تُسْمِع نَفْسَها.
وبهذا قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِىٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ، أنَّه قال: السُّنَّةُ عندَهم أنَّ المَرْأةَ لا تَرْفَعُ صَوْتَها بالإِهْلالِ.
وإنَّما كُرِهَ لها رَفْعُ الصَّوْتِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ بها، ولهذا لا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ، والمَسْنُونُ لها في التَّنْبِيهِ في الصلاةِ التَّصْفِيقُ دُونَ التَّسْبِيحِ.

بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ

وَهِىَ تِسْعَةٌ؛ حَلْقُ الشَّعَرِ،  بابُ مَحْظُوراتِ الإِحْرامَ

(وهى تِسْعَةٌ)

1177 - مسألة: (حَلْقُ الشَّعَرِ)

أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا يَجُوزُ للمُحْرِم أخْذُ شيءٍ مِن شَعَرِه، إلَّا مِن عُذْرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1. وروَى كَعْبُ ابنُ عُجْرَةَ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَعَلَّكَ يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟».
قال: نعم يا رسولَ اللهِ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاَثةَ أيّام، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ففيه دَلِيلٌ على أنَّ الحَلْقَ كان مُحَرَّمًا قبلَ ذلك.
فصل: فإن كان له عُذْرٌ مِن مَرَضٍ أو قَمْلٍ أو غيرِه، ممّا يَتَضَرَّرُ بإبْقاءِ الشَّعَرِ، فله إزاالَتُه؛ لقَوْله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾

وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ،  وللحديثِ المَذْكُور.
قال ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾.
أى برَأْسِه قُرُوحٌ، ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾.
أى قَمْلٌ.

1178 -

مسألة: (وتَقْلِيمُ الأظْفارِ)

أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن تَقْلِيمِ أظْفارِه، إلَّا مِن عُذْرٍ؛ لأنَّه إزالَةُ جُزْءٍ مِن بَدَنِه يَتَرَفَّهُ به، أشْبَهَ الشَّعَرَ.
فإنِ انْكَسَر، فله إزالَتُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ للمُحْرِمِ أن يُزِيلَ ظُفْرَه بنَفْسِه إذا

فَمَنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ إِلَّا فِى أَرْبَعٍ فَصَاعِدًا.
انْكَسَرَ؛ لأنَّ (1) بقاءَه يُؤْلِمُه، أشْبَهَ الشَّعَرَ النّابِتَ في عَيْنِه.

1179 -

مسألة: (فمَن حَلَق أو قَلَّمَ ثَلاثَةً، فعليه دَمٌ. وعنه، لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا)

الكَلامُ في هذه المسْألَةِ في فَصْلَيْن؛ أحَدُهما، في وُجُوبِ الفِدْيَةِ بحَلْقِ شَعَرِ رَأْسِه، ولا خِلافَ في ذلك إذا كان لغيرِ عُذْرٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على مَن حَلَق وهو مُحْرِمٌ لغيرِ عِلَّةٍ.
والأصْلُ في وُجُوبِها ما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والخَبَرِ.
وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بينَ أن يَقْطَعَ شَعَرَه لعُذْرٍ أو غيرِه، أو كان عامِدًا أو مُخْطِئًا، أنَّه يَجِبُ به الفِدْيَةُ.
وقد دَلَّ عليه ظاهِرُ الآيَةِ، والخَبَرُ، وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ.
وبه قال الشافعىُّ.
ونحوُه عن الثَّوْرِىِّ.
وفيه وَجْةٌ آخَرُ، أنَّه لا فِدْيَةَ على النّاسِى.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِىَ لأُمَّتِى عنِ الْخَطَإِ والنِّسْيَانِ» 2.1

..................................  ولَنا، أنَّه إتْلافٌ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه، كإتْلافِ مالِ الآدَمِىِّ.
ولأنَّ الآيةَ قد دَلَّتْ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على مَن حَلَق رَأْسَه للأذَى، وهو مَعْذُورٌ، فكانَ تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَعْذُورِ، وفيها دَلِيلٌ على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بغيرِ الأذَى، مِثْلَ المُحْتَجِمِ الذى يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعَرًا عن شَجَّتِه.
وفى مَعْنَى النّاسِى النّائمُ 1 الذى يَقْلَعُ شَعَرَه، أو يُصَوِّبُ رَأْسَه إلى نارٍ، فيَحْرِقُ لَهَبُها شَعَرَه، ونحوُ ذلك.
الفصل الثّانِى في القَدْرِ الذى تَجِبُ به الفِدْيَةُ، وذلك ثَلاثُ شَعَراتٍ فما زادَ.
قال القاضى: هذا المَذْهَبُ.
وهو قولُ الحَسنِ، وعَطاءٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه شَعَرُ آدَمِىٍّ يَقَعُ عليه الجَمْعُ المُطْلَقُ، أشْبَهَ رُبْعَ الرَّأْسِ.
وفيه روايَةٌ أُخْرَى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، أنَّه لا يَجبُ إلَّا في أرْبَعٍ فصاعِدًا؛ لأنَّ الأرْبَعَ كثِيرٌ أشْبَهَتْ رُبْعَ الرَّأْسِ، أمّا الثَّلاثُ فهى آخِرُ القِلَّةِ، وآخِرُ الشئِ منه، فأشْبَهَتْ ما كان دُونَها.
وذَكَر ابنُ أبى موسى رِوايَةً، أنَّه لا يَجِبُ فيما دُونَ الخَمْس.
ولا نَعْلَمُ وَجْهًا لذلك.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ بدُونِ رُبْعِ الرَّأسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الكلِّ، ولهذا إذا رَأى رجلًا يَقُولُ: رَأْيتُ فُلانًا.
وإنَّما أُرِىَ إحْدَى جِهاتِه.
وقال مالكٌ:

وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مُدٌّ مِنْ طَعَام.
وَعَنْهُ، قَبْضَةٌ.
وَعَنْهُ، دِرْهَمٌ.
إذا حَلَق مِن رَأْسِه ما أماطَ به الأذَى وَجَب الدَّمُ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على ما ذَهَبْنا إليه.
وقولُ أبِى حنيفةَ: إنَّ الرُّبْعَ يَقَعُ عليه اسمُ الكلِّ.
مَمْنُوعٌ، وما ذَكَرَه مِن المثالِ غيرُ مُقَيَّدٍ بالرُّبْعِ، بل هو مَجازٌ يَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ.
وهل يَجِبُ الدَّمُ بقَصِّ ثَلاَثةِ أظْفارٍ، أو لا يَجِبُ إلَّا في أرْبَعٍ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في الشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، وعلى ما حَكاه ابنُ أبى موسى، لا يَجِبُ إلَّا في خَمْسَةِ أظْفارٍ، قياسًا على الشَّعَرِ.
واللهُ أعْلَمُ.

1180 -

مسألة: (وفيما دُونَ ذلك في كلِّ واحِدٍ مُدٌّ مِن طَعامٍ. وعنه، قَبْضَةٌ. وعنه، دِرْهَمٌ)

يَعْنِى إذا حَلَق أقَلَّ مِن ثَلاثِ شَعَراتٍ، أو أقَلَّ مِن أرْبَعٍ، على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فعليه مُدٌّ مِن طَعامٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الحسنِ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ: في الشَّعَرَةِ دِرْهَمٌ، وفى الشَّعَرَتَيْن دِرْهَمان.
وعنه: في كلِّ شَعَرَةٍ قَبْضَةٌ مِن طَعامٍ.
رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ونحوُه عن مالكٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ.
قال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ قَلِيلٍ.
وقال مالكٌ: فيما قَلَّ مِن الشَّعَرِ إطْعامُ طعامٍ.
ووَجْهُه أنَّه لا تَقْدِيرَ فيه، فيَجِبُ

..................................  فيه أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ الصَّدَقَةِ.
وعن مالكٍ، في مَن أزالَ شَعَرًا يَسِيرًا: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ في حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وألْحَقْنا به ما يَقَعُ عليه اسْمُ الرَّأْسِ.
ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَتْ جُمْلَتُه ضُمِنَتْ أبْعاضُه، كالصَّيْدِ.
والأوْلَى وُجُوبُ الإِطْعامِ؛ لأنَّ الشّارِعَ إنَّما عَدَل عن الحَيَوانِ إلى الإِطْعامِ في جَزاءِ الصَّيْدِ، وههُنا أوْجَبَ الإِطْعامَ مع الحَيَوانِ على وَجْهِ التَّخْيِيرِ، فيَجِبُ أن يَرْجِعَ إليه فيما لا يَجِبُ فيه الدَّمُ، والأوْلَى مُدُّ؛ لأنَّه أقَلُّ ما وَجَب بالشَّرْعِ فِدْيَةً، فكانَ واجِبًا في أقَلِّ الشَّعَرِ، والطَّعامُ الذى يُجْزِئُ إخْراجُه في الفِطرَةِ مِن البُرِّ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، كالذى يُجْزِئُ في الأرْبَعِ مِن الشَّعَرِ.
فصل: وحُكْمُ الأظْفارِ حُكْمُ الشَّعَرِ فيما ذَكَرْنا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن أخْذِ أظْفارِه، وعليه الفِدْيَةُ بِأخْذِها في قولِ أكْثَرِهم؛ منهم حَمّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بفِدْيَةٍ.
ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ إزالَتَه لأجْلِ التَّرفُّهِ، فوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، كحَلْقِ الشَّعَرِ.
وعَدَمُ النَّصِّ لا يَمْنَعُ قياسَه على المَنْصُوصِ،

..................................  كشَعَرِ البَدَنِ مع شَعَرِ الرَّأْسِ.
والحُكْمُ في فِدْيَةِ الأظْفارِ، وفيما يَجِبُ فيما دُونَ الثَّلاثِ منها، أو الأرْبَعِ على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، وفيما يَجبُ في الأرْبَعِ والثَّلاثِ كالحُكْمِ في الشَّعَرِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفصِيلِ والاخْتِلافِ فيه.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بتَقْلِيم أظْفارِ يَدٍ كامِلَةٍ.
فلو قَلَّمَ مِن كلِّ يَدٍ أرْبَعَةً، لم يَجِبْ عليه دَمٌ عندَه؛ لأَنَّه لم يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ اليَدِ، أشْبَهَ ما دُونَ الثَّلاثِ.
ولَنا، أنَّه قَلَّمَ مَا يَقَعُ عليه اسْمُ الجَمْعِ، أشْبَهَ ما لو قَلَّمَ خَمْسًا مِن يَدٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهم يَبْطُلُ بما إذا حَلَق رُبْعَ رَأْسِه، فإنَّه لم يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ العُضْوِ، ويَجِبُ به الدَّمُ، وقَوْلُهم يُفْضِى إلى وُجُوبِ الدَّمِ في القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ.
فصل: وفى قَصِّ بعضِ الظُّفْر ما في جَمِيعِه، وكذلك في قَطْعِ بَعْضِ الشَّعَرَةِ ما في قَطْعِ جَمِيعِها؛ لأنَّ الفِدْيَةِ تَجِبُ في الشَّعَرِ والظُّفْرِ، سَواءٌ طال أو قَصُر، وليس بمُقَدَّرٍ 1 بمساحَةٍ فيَتَقَدَّرُ الضَّمانُ عليه،

وَإنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِإِذْنِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ.
بل هو كالموضِحَةِ، يَجِبُ في الصَّغِيرَةِ منها ما يَجِبُ في الكَبِيرَةِ.
وخَرَّجَ ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، أنَّه يَجِبُ بحِسابِ المُتْلَفِ، كالإِصْبَعِ يَجِبُ في أُنْمُلتِهَا ثُلُثُ دِيَتِها.

1181 -

مسألة: (وإن حُلِق رَأْسُه بإذْنِه، فالفِدْيَةُ عليه، وإن كان مُكْرَهًا أو نائِمًا، فالفِدْيَةُ على الحالِقِ)

إذا حَلَق مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بإذْنِه، أو حَلَقَه حَلالٌ بإذْنِه، فالفِدْيَةُ على المَحْلُوقِ رَأْسُه؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾.
الآية.
وقد عَلِم أنَّ غَيْرَه هو الذى يَحْلِقُه، فأضافَ الفِعْلَ إليه، وجَعَل الفِدْيَةَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ الضَّمانُ على الحالِقِ؛ لأنَّه شَعَرٌ مُحْتَرَمٌ، أشْبَهَ شَعَرَ الصَّيْدِ.
ذَكَرَه ابنُ عقيلٍ في الفُصُولِ.
وإن حَلَق رَأْسَه وهو ساكِتٌ لم يَنْهَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما،

وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
يَجبُ علي الحالِقِ، كما لو أتْلَفَ مالَه وهو ساكِتٌ.
والثّانِى، على المُحْرِم؛ لأَنَّه أمانَةٌ عندَه، فهو كما لو أتْلَفَ إنْسانٌ الوَدِيعَةَ فلم يَنْهَه.
وإن حَلَقَه مُكْرَهًا أو نائِمًا، فلا فِدْيَةَ على المَحْلُوقِ رأْسُه.
وبه قال إسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ القاسِمِ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: عليه الفِدْيَةُ.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّه لم يَحْلِقْ رَأْسَه، ولم يُحْلَقْ بإذْنِه، فأشْبَهَ ما لو انْقَطَعَ الشَّعَرُ بنَفْسِه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ الفِدْيَةَ تَجِبُ على الحالِقِ، مُحْرِمًا كان أو حَلالًا.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: على الحَلال صَدَقَةٌ.
وقال عَطاءٌ: عليهما الفِدْيَةُ.
ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ مِن إزالَتِه لأَجْلِ الإِحْرامِ، فكانَتِ الفِدْيَةُ عليه، كالمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِه.

1182 -

مسألة: (وإن حَلَق مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلالٍ، فلا فِدْيَةَ عليه)

وَقَطْعُ الشَّعَرِ وَنَتْفُهُ كَحَلْقهِ، وَشَعَرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ.
وكذلك إن قَلَّمَ أظْفارَه.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، والشافعَىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، في مُحْرِمٍ قَصَّ شارِبَ حَلالٍ: يَتَصَدَّقُ بدِرْهَمٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه صَدَقَةٌ؛ لأنَّه مُحْرِمٌ أتْلَفَ شَعَرًا، أشْبَهَ شَعَرَ المُحْرِمِ.
ولَنا، أنَّه شَعَرٌ مُباحُ الإِتْلافِ، فلم يَجِبْ بإتْلافِه شئٌ، كشَعَرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ.

1183 -

مسألة: (وقَطْعُ الشَّعَرِ ونَتْفُه كحَلْقِه، وشَعَرُ الرَّأْسِ والبَدَنِ واحِدٌ. وعنه، لكلِّ واحِدٍ حُكْمٌ مُفْرَدٌ)

لا فَرْقَ بينَ حَلْقِ الشَّعَرِ، وإزالَتِه بالنُّورَةِ، أو قَصِّه، أو غيرِ ذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك القولُ في الأظْفارِ.
وشَعَرُ الرَّأْسِ والبَدَنِ واحِدٌ، سَواءٌ في وُجُوبِ الفِدْيَةِ، في

..................................  ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قولُ الأكْثَرِين، خِلافًا لداودَ؛ لأنَّه شَعَرٌ يَحْصُلُ به التَّرَفُّهُ والتَّنْطِيفُ، أشْبَهَ الرَّأْسَ.
فإن حَلَق.
شَعَرَ رَأْسِه وبَدَنِه، ففى الجَمِيع فِدْيَةٌ واحِدَةٌ، وإن حَلَق مِن رَأْسِه شَعَرَتَيْن، ومِن بَدَنه كذلك، فعليه دَمٌ.
هذا اخْتِيارُ أبى الخَطّابِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه إذا قَلَع مِن رَأْسِه وبَدَنِه ما يَجِبُ الدَّمُ بكلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فعليه دَمان.
وهذا الذى ذَكَرَه القاضى، وابنُ عَقيلٍ.
وعلى هذه الرِّوايَةِ، لو قَطَع مِن رَأْسِه شَعَرَتَيْن، ومِن بَدَنِه كذلك، لم يَجِبْ عليه دَمٌ؛ لأنَّ الرَّأْسَ يُخالِفُ البَدَنَ بحُصُولِ

وَإِنْ خَرَجَ فِى عَيْنَيْهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَقَصَّهُ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، أَوْ قَلَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعَرٌ، [64 و] فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
التَّحَلُّلِ بحَلْقِه دُونَ شَعَرِ البَدَنِ.
ولَنا، أنَّ الشَّعَرَ كلَّه جِنْسٌ واحِدٌ في البَدَنِ، فلم تَتَعَدَّدِ الفِدْيَةُ بتَعَدُّدِه فيه، بخِلافِ مَواضِعِه، كسائِرِ البَدَنِ، وكما لو لَبِس قَمِيصًا وسَراوِيلَ.

1184 -

مسألة: (وإن خَرَج في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ فقَلعَه، أو نَزَل شَعَرُه فغَطَّى عَيْنَيْه فقَصَّهُ، أو انْكَسَرَ ظُفْرُه فقَصَّه، أو قَلَعِ جِلْدًا عليه شَعَرٌ، فلا فِدْيَةَ عليه)

إذا خَرَج في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ، أو اسْتَرْسَلَ شعَرُ حاجِبَيْهِ على عَيْنَيْه فغَطّاهما، فله إزالَتُه، وكذلك إنِ انْكَسَر ظُفْرُه، فله قَصُّ ما انْكَسَرَ منه،

..................................  ولا شئَ عليه؛ لأنَّه إزالَةٌ لأذاه، فلم يَكُنْ عليه فِدْيَةٌ، كقَتْلِ الصَّيْدِ الصّائِلِ، وكذلك إن قَطَع جِلْدَةً عليها شَعَرٌ، لم يَكُنْ عليه فِدْيَةٌ؛ لأنَّه زال تَبَعًا لغيرِه، والتّابعُ لا يُضمَنُ، كما لو قَلَعَ أشْعارَ عَيْنَىْ إنْسانٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُ أهْدابَهما.
فأمّا إن كان الأذى مِن غيرِ الشَّعَرِ، كالقَمْلِ، والقُرُوحِ، والصُّداعِ، وشِدَّةِ الحَرِّ عليه لكَثْرَةِ الشَّعَرِ، فله إزالَتُه، وعليه الفِدْيَةُ، كما لو احْتاجَ إلى أكْلِ الصَّيْدِ في حالِ المَخْمَصَةِ، وكذلك إنِ احْتاجَ إلى مُداواةِ قُرْحَةٍ لا يُمْكِنُه مُداواتُها إلّا بقَصِّ ظُفْرِه، فله قَصُّه، وعليه الفِدْيَةُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال ابنُ القاسِمِ، صاحِبُ مالكٍ: لا فِدْيَةَ عليه.
ولَنا، أنَّه أزالَ ما مُنِعَ إزالَتَه لضَرَرٍ في غيرِه، أشْبَهَ حَلْقَ رَأْسِه دَفْعًا لضَرَرِ القَمْلِ.
وإن وَقَع في أظْفارِه مَرَضٌ، فأزالَها لذلك المَرَضِ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه أزالَها لإزالَةِ مَرَضِها، أشْبَهَ قَصَّ الظُّفْرِ لكَسْرِه.
والله تعالى أعْلَمُ.
وإنِ انْكَسَرَ ظُفْرُه، فأزالَ أكثرَ ممّا انْكَسَرَ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إلى إزالَتِه.

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ؛ فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ،  فصل: وِإن خَلَّلَ شَعَرَه، فسَقَطَتْ شَعَرَةٌ، فإن كانَتْ مَيِّتةً فلا شئَ عليه، وإن كانتْ مِن الشَّعَرِ النابِتِ، ففيها الفِدْيَة؛ لأنَّه أزالَها بفِعْلِه، فإن شَكَّ فيها، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ نَفْىُ الضَّمانِ، وبَراءَة الذِّمَّةِ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، وإن قَطَع إصْبَعًا عليها ظُفْرٌ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه تبَعٌ.
والله أعْلمُ.
فصل: قال رَحِمَه اللهُ: (الثّالِثُ، تَغْطِيَةُ رَأْسِه، فمتى غَطّاهُ بعِمامَةٍ

أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ عَصَبَهُ، أَوْ طَيَّنهُ بِطِينٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِه، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَة.
أو خِرْقَةٍ، أو قِرْطاس فيه دَواءٌ أو غيرُه، أو عَصَبَه، أو طَيَّنَه بطِينٍ أو حِنّاءٍ أو غيره، فعليه الفِدْيَةُ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن تَغْطِيَةِ رَأْسِه.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
وقد دَلَّ عليه نَهْىُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - المُحْرِمَ عن لُبْسِ العَمائِمِ والبَرانِسِ 1. وقَوْلُه عليه السلامُ في المُحْرِمِ الذى وَقَصَتْهُ راحِلَتُه: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، فإنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مُلَبِّيًا» 2. فعَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِه ببَقائِه على إحْرامِه، فعُلِمَ أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ منه.
وكان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، يَقُولُ: إحْرامُ الرَّجُلِ في رَأْسِه.
وذَكَر القاضى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إحْرَامُ الرَّجُلِ فِى رَأْسِهِ، وَإحْرَامُ الْمَرْأةِ في وَجْهِهَا» 3. وأنَّه عليه السلامُ نَهَى أن يَشُدَّ المُحْرِمُ رَأْسَه 4 بالسَّيْرِ 5. فصل: والأُذُنانِ مِن الرَّأْسِ، تَحْرُمُ.
تَغْطِيتُهما، كسائِرِ الرَّأْسِ.

وَإِنِ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمِلِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
وأباحَ ذلك الشافعىُّ.
ولَنا، قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (1). وقد ذَكَرْناه في الطَّهارَةِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يُمْنَعُ مِن تَغْطِيَةِ بعضِ رَأْسِه، كما يُمْنَعُ تَغْطِيَةَ جَمِيعِه؛ لأنَّ المَنْهِىَّ عنه يَحْرُمُ بَعْضُه، كما يَحْرُمُ جَمِيعُه، ولذلك لَمّا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (2). حَرُمَ حَلْقُ بَعْضِه.
وسَواءٌ غَطّاه بالمَلْبُوسِ المُعْتادِ، أو بغيرِه، مثلَ أن عَصَبَه بعِصابَةٍ، أو شَدَّه بسَيْرٍ، أو جَعَل عليه قِرْطاسًا فيه دَواءٌ، أو لا دَواءَ فيه، أو خَضَبَهُ بحِنَّاءٍ أو طَلاه بِطِينٍ، أو نُورَةٍ، أو جَعَل عليه دَواءً، فإنَّ جَمِيعَ ذلك سَتْرٌ له وتَغْطِيَةٌ، وهو مَمْنُوعٌ منه.
وسَواءٌ كان ذلك لعُذْرٍ أو غيرِه، تَجِبُ به الفِدْيَةُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾.
الآية.
ولحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (3). وبهذا كلِّه قال الشافعىُّ.
وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ في العِصابَةِ مِن الضَّرُورَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، كما لو لَبِس قَلَنْسُوَةً للبردِ.

1185 -

مسألة: (وإنِ اسْتَظَلَّ بالمَحْمِلِ، ففيه رِوايتان)

كَرِه123

..................................  أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، للمُحْرِمِ الاسْتِظْلَالَ بالمحْمِلِ وما كان في مَعْناه، كالهَوْدَجِ والعَمّارِيَّةِ ونحوِ ذلك على البَعِيرِ، رِوايَةً واحِدَةً.
ويُرْوَى كَراهَتُه عن ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِىٍّ، وأهْلِ المَدِينَةِ.
وكان سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: لا يَسْتَظِلُّ البَتَّةَ.
ورَخَّصَ فيه رَبِيعَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ ذلك عن عُثمانَ، وعَطاءٍ؛ لِما رَوَتْ أُمُّ الحُصَيْنِ، قالت: حَجَجْتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةَ الوَادعِ، فرَأيْتُ أُسامَةَ وبِلالًا، وأحَدُهما آخِذٌ بخِطامِ ناقَةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، والآخَرُ رافِعٌ ثَوْبَه يَسْتُرُه مِن الحَرِّ، حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
رَواه مسلمٌ 1. ولأنَّه يُباحُ له التَّظَللُ في البَيْتِ والخِباءِ، فجاز في حالِ الرُّكُوبِ، كالحَلالِ.

..................................  واحْتَجَّ أحمدُ، بأنَّ عَطاءً روَى أنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، رَأى على رَحْلِ عُمَرَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبِي رَبِيعَةَ عُودًا يَسْتُرُه مِن الشَّمسِ، فنَهاه.
وعن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه رَأى رجلًا مُحْرِمًا على رَحْلٍ، وقد رَفَع عليه ثَوْبًا على عُودٍ يَسْتُرُه مِن الشَّمسِ، فقالَ: أضْحِ لمن أحْرَمْتَ له.
أى ابرُزْ للشمسِ.
رَواهما الأثْرَمُ 1. ولأنَّه يَسْتُرُه بما يَقْصِدُ به التَّرَفُّهَ أشْبَهَ ما لو غَطّاهُ.
والحديثُ الذى اسْتَدَلُّوا به قد ذَهَب إليه أحمدُ، ولم يَكْرَهْ الاسْتِتَارَ بالثَّوْبِ، فإنَّ ذلك لا يَقْصِدُ الاسْتِدامَةَ، والهَوْدَجُ بخِلافِه، والخَيْمَةُ والبَيْتُ يُرادان لجَمْعِ الرَّحْلِ وحِفْظِه، لا للتَّرَفُّهِ.
إذا ثَبَت ذلك فإنَّ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، إنَّما كَرِه ذلك كَراهَةَ تَنْزِيهٍ في الظاهِرِ

..................................  عنه؛ لوُقُوعِ الخِلافِ فيه، وقولِ ابنِ عُمَرَ، ولم يَرَ ذلك حَرامًا ولا مُوجِبًا للفِدْيَةِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن المُحْرِمِ يَسْتَظِلُّ على المَحمِلِ؟ قال: لا.
وذَكَر حديثَ ابنِ عُمَرَ.
قيلَ له: فإن فَعَل، يُهَرِيقُ دَمًا؟ قال: أمّا الدَّمُ فلا.
وعنه، أنَّه تَجِبُ عليه الفِدْيَةُ.
اختارَه الخِرَقِىُّ.

..................................  وهو قولُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّه سَتَر رَأْسَه بما يُسْتَدامُ ويُلازِمُه غالِبًا، أشْبَهَ ما لو سَتَرَه بشئٍ يُلاقِيه.
ويُرْوَى عن الرِّياشِىِّ 1، قال: رَأيْتُ أحمدَ بنَ المَعَذَّلِ 2 في الموقِفِ في يوم شَدِيدِ الحَرِّ، وقد ضَحَى للشمسِ، فقُلْتُ له: يا أبا الفَضْلِ، هذا أمْرٌ قد اخْتُلِفَ فيه، فلو أخَذْتَ بالتَّوْسِعَةِ.
فأنْشأ يَقُولُ: ضَحَيْتُ له كى أسْتَظِلَّ بظِلِّه … إذا الظِّلُّ أضْحَى في القِيامَةِ قالِصَا فوا أسَفا إن كان سَعْيُك باطِلًا … وواحَسْرَتا إن كان حَجُّكَ ناقِصَا

وَإنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا، أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا، أوِ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أوْ شَجَرَةٍ أوْ بَيْتٍ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.

1186 - مسألة: (وإن حَمَل على رَأْسِه شَيْئًا، أو نَصَب حِيالَه ثَوْبًا، أو اسْتَظَلَّ بخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ أو بَيْتٍ، فلا شئَ عليه)

إذا حَمَل على رَأْسِه طَبَقًا أو مِكْتَلًا أو نحوَه، فلا فِدْيَةَ عليه.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ.
وقال الشافعىُّ: عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه سَتَرَه.
ولَنا، أن هذا لا يُقْصَدُ به السِّتْرُ غَالِبًا، فلم تَجِبْ به الفِدْيَةُ، كما لو وَضَع يَدَيْه على رَأْسِه.
وسَواءٌ قَصَد به السِّتْرَ أولم يَقْصِدْ؛ لأنَّ ما تَجِبُ به الفِدْيَةُ لا يَخْتَلِفُ بالقَصْدِ وعَدَمِه، فكذلك ما لا تَجِبُ به.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ وُجُوبَ الفِدْيَةِ إذا قَصَد به السِّتْرَ؛ لأنَّ الحِيَلَ لا تُحِيلُ الحُقُوقَ.
ولأنَّه لو جَلَس عند العَطَّارِ لقَصْدِ شَمِّ إلطِّيب، وَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، وإن لم يَقْصِدْ لم تَجِبْ، كذلك هذا.
وإن سَتَرَ رَأْسَه ببَدَنِه فلا شئَ عليه؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ السِّتْرَ ببَعْضِ بَدَنِه لا يَثْبُتُ لهْ حُكْمُ السِّتْرِ، ولذلك 1 لو وَضَع يَدَه على فَرْجِه، لم تُجْزِئْه في السّتْرِ، ولأنَّ المُحْرِمَ مَأْمُورٌ بمَسْحِ رَأْسِه، وذلك يَكُونُ بوَضْعِ يَدِه

..................................  عليه.
وإن طَلا رَأْسَه بغِسْلٍ 1 أو صَمْغ؛ ليَجْتَمِعَ الشَّعَرُ وَيَتَلَبَّدَ فلا يَدْخُلُه الغُبارُ ولا يُصِيبُه الشَّعَثُ ولا يَقَعُ فيه الدَّبِيبُ، جاز، وهذا التَّلْبيدُ الذى جاء في حديثِ ابنِ عُمَرَ: رَأْيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ مُلَبِّدًا.
مُتَّفَّقٌ عليه 2. وإن كان في رَأْسِه طِيبٌ ممّا جَعَلَه فيه قبلَ الإِحْرامِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه، قال: كأنِّى أنْظُرُ إلى وَبِيصِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِمٌ 3. فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَظِلَّ بالسَّقْفِ والحائِطِ والشَّجَرَةِ والخِباءِ، وإن نَزَل تحتَ شَجَرَةٍ، وطَرَح عليها شَيْئًا يَسْتَظِلُّ به، فلا بَأْسَ به عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وقد صَحَّ به النَّقْلُ.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، في حديثِ حَجَّةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها، حتى إذا زاغتِ الشمسُ.
رَواه مسلمٌ 4. ولا بَأْسَ

وَفِى تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ.
أن يَنْصُبَ حِيالَه ثَوْبًا يَقِيهِ الحَرَّ والبَرْدَ، إمّا أن يُمْسِكَه إنْسانٌ، أو يَرْفَعَه على عودٍ، على نحوِ ما رُوِىَ في حديثِ أمِّ الحُصَيْنِ، أنَّ بِلالًا أو (1) أُسامَةَ كان رافِعًا ثَوْبَه يَسْتُرُ به النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - (2). ولأنَّ ذلك لا يُقْصَدُ به الاسْتِدامَةُ، فلم يَكُنْ به بَأْسٌ، كالاسْتِظْلالِ بحائِطٍ.

1187 -

مسألة: (وفى تَغْطِيَةِ الوَجْهِ رِوايَتان)

إحْداهما، يُباحُ.
رُوِىَ ذلك عن عُثْمانَ بنِ عفّانَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بنِ أبِى وَقاصٍ، وجابِر، والقاسِمِ، وطاوُسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ.
والثّانِيَةُ، لا يُبَاحُ.
وهو مَذْهَبُ أبِى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لِما رُوِىَ عن [ابنِ عباسٍ] 3، أنَّ رجلًا وَقَع عن12

..................................  راحِلَتِه، فأقْعَصَتْهُ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا رَأْسَه، فَإنَّهُ يُيْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلبِّيًا» 1. ولأَّنه مُحَرَّمٌ على المَرْأةِ، فَحُرِّمَ على الرجلِ، كالطِّيبِ.
ولَنا، قولُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، ولا نَعْرِفُ لهم مُخالفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولما رُوِىَ عنه عليه السلامُ، أنَّه قال: «إحْرامُ الرَّجُلِ فِى رَأْسِه، وإحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا» 2. وحديثُ ابنِ عباسٍ المَشْهُورُ فيه: «وَلَا تُخمِّرُوا رَأْسَهُ».
هذا المُتَّفَقُ عليه، وقَوْلُه: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ».
فقالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِيه أبو بِشْرٍ، ثم سَأْلتُه عنه بعدَ عَشْرِ سِنين، فجاء بالحديثِ كما كان يُحَدِّثُ، إلَّا أنَّه قال: «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ».
ففى قَولِه دَلِيلٌ على أنَّه ضَعَّفَ هذه الزِّيادَةَ.
وقد رُوِىَ في بعضِ ألْفاظِه: «خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
فتَعَارَضَ الرِّوايتان، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلُبْسِ القُفّازَيْن.

فَصْلٌ: الرَّابعُ، لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ،

1188 - مسألة: (الرَّابِعُ، لُبْسُ المَخِيطِ والخُفَّيْن)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن لُبْسِ القَمِيصِ، والعَمائِمِ، والسَّراوِيلاتِ، والبَرانِس، والخِفافِ.
والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ عُمَر، رَضِىَ الله عنهما، أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِن الثِّيابِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إلَّا أحَدًا لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقطَعْهُمَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ 1». مُتَّفَقٌ عليه 2.

إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْن, فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلَا يَقْطَعْهُمَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
نَصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأشْياءِ، وألْحَقَ بها أهْلُ العِلْمِ ما في مَعْناه، مِثْلَ الجُبَّةِ، والدُّرّاعَةِ (1)، والتُّبّانِ، وأشْباهِ ذلك.
فلا يَجُوزُ للمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِه بما عُمِل على قَدْرِه، ولا سَتْرُ عُضْوٍ مِن أعْضائِه بما عُمِلَ على قَدْرِه، كالقَمِيصِ للبَدَنِ، والسَّراوِيلِ لبعضِ البَدَنِ، والقُفَّازَيْن، لليَدَيْن، والخفَّيْن للرِّجْلَيْن، ونحوِ ذلك.
وليس في هذا اخْتِلافٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لايَجُوز لُبْسُ شئٍ مِن المَخِيطِ عندَ جَميعِ أهْلِ العِلْمِ، وأجْمَعُوا على أن المرادَ بهذا الذُّكُورُ دُونَ الإِناثِ.

1189 -

مسألة: (إِلَّا أن لا يَجِدَ إزارًا، فلْيَلْبَسْ 2 سَراوِيلَ، أو لا يَجِدَ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسْ (2) خُفَّيْن، ولا يَقْطَعْهما، ولا فِدْيَةَ عليه) إذا لم يَجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، فله أن يَلْبَسَ سَراوِيلَ، وإذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْن، فله لبْسُ الخفَّيْن. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. والأصْلُ فيه ما روَى ابنُ عباسٍ، قال:1 = الدارمى 2/ 32. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 3، 4، 29، 32، 41، 47، 54، 63، 65، 66، 73، 77، 74، 81، 111، 119، 139.

..................................  سَمِعْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ بعَرَفاتٍ، يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِم» مُتَّفَقٌ عليه 1. ولا فِدْيَةَ عليه في لُبْسِهما عندَ ذلك في قولِ عَطاء، وعِكرِمَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا مالكًا، وأبا حنيفةَ، قالا: على مَن لبِس السَّراوِيلَ الفِدْيَةُ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ الذى قَدَّمْناه، ولأنَّ ما وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بلُبْسِه مع وُجُودِ الإِزارِ، وَجَبَتْ مع عَدَمِه، كالقَمِيصِ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، وهو صَرِيحٌ في الإِباحَةِ، ظاهِرٌ في إسْقاطِ الفِدْيَةِ؛ لأنَّه أمَرَ بلُبْسِه، ولم يَذْكُرْ فِدْيَة، ولأنَّه يَخْتَصُّ لُبْسُه بحالَةِ عَدَمِ غيْرِه، فلم تَجِبْ به فِدْيَةٌ، كالخُفَّيْنِ المَقْطُوعَيْن.
وحديثُ ابنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بحديثِ ابنِ عباسٍ.
وأمّا القَمِيصُ فيُمْكِنُه أن يَأْتَزِرَ به مِن غيرِ لُبْسٍ، ويَحْصُلُ به السَّتْرُ، بخِلافِ السَّراوِيلِ.

..................................  فصل: وإذا لَبِس الخُفَّيْن، مع عَدَمِ النَّعْلَيْن، لم يَلْزَمْه قَطْعُهما، في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
يُرْوَى ذلك عن علىِّ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وبه قال عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، أَّنه يَقْطَعُهما حَتَّى يَكُونا أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إن لَبسَهما مِن غيرِ قَطْعٍ افْتَدَى.
وبه قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه.
وهو مُتَضَمِّنٌ لزِيادَةٍ على حديثِ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
قال الخَطّابِيُّ 1: العَجَبُ مِن أحمدَ في هذا، فإنَّه لا يكادُ يُخالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُه، وقَفتْ سُنَّة لم تَبْلُغْه.
ووَجْهُ الأُولَي حديثُ ابنِ عباس، وجابِرٍ: «وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفيْنِ» 2. مع

..................................  قولِ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: وقَطْعُ الخُفَّيْنِ فَسادٌ، يَلْبَسُهما كما هما.
مع مُوافَقَةِ القِياسِ، فإنَّه مَلْبُوسٌ أُبِيحَ مع عَدَمِ غَيْرِه، أشْبَهَ السَّراوِيلَ، ولأن قَطْعَه لا يُخْرِجُه عن حالَةِ الحَظْرِ، فإنَّ لُبْسَ المَقْطُوع مُحَرَّمٌ مع القُدْرَةِ على النَّعْلَيْن، كلُبْسِ الصحِيحِ، وفيه إتْلاف مالِه، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه.
فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد قِيلَ: إنَّ قَوْلَه: «فَلْيَقْطَعْهُمَا».
مِن كَلام نافِعٍ.
كذلك رُوِىَ في «أمالِى أبى القاسِمِ ابنِ بِشْران 1» بإسْنادٍ صَحِيحٍ، أنَّ نافِعًا قال بعدَ رِوايَتِه للحديثِ: ولْيَقْطَعِ الخُفَّيْنِ أسْفَلَ مِن الكَعْبَيْن.
وروَى ابنُ أبِى موسى، عن صَفِيَّةَ بنتِ أبِى عُبَيْدٍ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ للمُحْرِمِ أن يَلْبَسَ الخُفَّيْن، ولا يَقْطَعَهما.
وكان ابنُ عُمَرَ يُفْتِى بقَطْعِهما.
قالَتْ صَفِيَّةُ: فلما أخْبَرْتُه بهذا رَجَع 2. وروَى أبو حَفصٍ، بإسْنادِه،

..................................  في «شرحه» عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه طاف وعليه خُفّان، فقالَ له عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: والخُفّانِ مع القَباءِ! فقالَ: قد لَبِسْتُهما مع مَن هو خيْرٌ مِنْكَ 1. يَعْنِي رسولَ - صلى الله عليه وسلم -. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الأمْرُ بقَطْعِهما مَنْسُوخًا، فإن عَمْرَو بنَ دِينارٍ روَى الحديثَيْن جَمِيعًا، وقال: انْظُرُوا أيَّهما كان قَبْلُ.
قال الدّارَقُطنِيُّ 2: قال أبو بَكْرٍ النَّيْسابُورىُّ: حديثُ ابنِ عُمَرَ قَبْلُ؛ لأنَّه قد جاء في بعضِ رِواياتِه، قال: نادَى رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو في المَسْجِدِ، يعنى بالمَدِينَةِ، فكأنَّه كان قبلَ الإحْرامِ.
وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، يَقُولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَخطُبُ بِعَرَفاتٍ يَقُولُ: «مَنْ تمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» 3، فيَدُلُّ على تَأخُّرِه عن حديثِ ابن عُمَرَ، فيَكُونُ ناسِخًا له، لأنَّه لو كان القَطْعُ واجبًا لبَيَّنَه للنّاسِ، فإنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن.
وقْتِ الحاجَةِ إليه، والمَفْهُومُ مِن إطْلاقِ لُبْسِهما لُبْسُهُما على حالِهما، مِن غيرِ قَطْعٍ.
قال شيخُنا 4: والأوُلَى قَطْعُهما؛ عَمَلًا بالحديثِ الصَّحِيحِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأخْذًا بالاحْتِياطِ.
والذى قالَه صَحِيحٌ.

..................................  فصل: فإن لَبِس 1 المَقْطُوعَ مع وُجُودِ النَّعْلِ، لم يَجُزْ له، وعليه الفِدْيَةُ.
نَصَّ عليه.
وبه قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لو كان لُبْسُه مُحَرَّمًا وفيه فِدْيَةٌ لَما أُمِرَ بقَطْعِه؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - شَرَط لإباحَةِ لُبْسِهما عَدَمَ النَّعْلَيْن، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ مع وُجُودِهما، ولأنه مَخِيطٌ لِعُضْوٍ على قدْرِه، فوَجَبَ على المُحْرِمِ الفِدْيَة بلُبْسِه، كالقُفّازَيْن.
فصل: وقِياسُ قولِ أحمدَ في اللَّالِكَةِ 2، والجُمْجُمِ 3، ونحوِهما، أنَّه لا يَلْبَسُهما، فإنَّه قال: لا يَلْبَسُ النَّعْلَ التى لها قَيْدٌ.
وهذا أشَدُّ منها.
وقد قال في رَأْسِ الخُفِّ الصَّغِيرِ: لا يَلْبَسُه.
وذلك لأنَّه يَسْتُرُ القَدَمَ، وقد عُمِل لها على قَدْرِها فأشْبَهَ الخُفَّ، فإن عَدِم النَّعْلَيْن، فله لُبْسُ ذلك، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَ لُبْسَ الخُفِّ عندَ ذلك، فما دُونَ الخُفِّ أوْلَى.
فصل: فأمّا النَّعْلُ فيُباحُ لُبْسُها كيفما كانَتْ، ولا

..................................  يَجِبُ قَطْعُ شَئٍ منها؛ لأنَّ إباحَتَها وَرَدَت مُطْلَقًا.
ورُوِيَ عن أحمدَ في القَيْدِ في النَّعْلِ: يَفْتَدِى؛ لأنَّنا لا نَعْرِفُ النِّعالَ هكذا.
وقال: إذا أحْرَمْتَ فاقْطَعِ المَحْمَلَ الذى على النِّعالِ، والعَقِبَ الذى يُجْعَلُ للنَّعْلِ، فقد كان عطاءٌ يَقُولُ: فيه دَمٌ.
وقال ابنُ أبِى موسى في «الإرْشادِ»: في القَيْدِ والعَقِبِ الفِدْيَةُ.
والقَيْدُ: هو السَّيْرُ المُعْتَرِضُ على الزِّمامِ.
قال القاضى: إنَّما كَرِهَهما إذا كانا عَرِيضَيْن.
وهذا هو الصَّحِيحُ، فإنَّه لم يَجِبْ قَطْعُ الخُفَّيْن السّاتِرَيْن للقَدَمَيْن والسَّاقَيْن، فقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أوْلَى أن لا يَجِبَ.
ولأن ذلك مُعْتادٌ في النَّعْلِ، فلم يَجِبْ إزالَتُه، كسائِرِ سُيُورِها، ولأنَّ قَطْعَ القَيْدِ والعَقِبِ رُبَّما تَعَذَّرَ معه المَشْىُ في النَّعْلَيْن؛ لسُقُوطِهما بِزَوالِ ذلك، فلم يَجِبْ، كقَطْع القِبالِ 1. فصل: فإن وَجَد نَعْلًا لم يُمْكِنْه لُبْسُها، فله لُبْسُ الخُفِّ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُه كالمَعْدُومِ، فأشْبَهَ ما لو كانَتِ النَّعْلُ

جارٍ التحميل