الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 170-209

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 170-209

..................................  السّاقِيَةِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُجْرِيَ فيها أكثَرَ مِن مائِها 1، والماءُ الذي على السَّطْحِ يَفْتَقِرُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ السَّطْحِ؛ لأنَّه يَجْرِي منه القَلِيلُ والكَثِيرُ.
فإن كان السَّطْحُ الذي يَجْرِي عليه الماءُ مُسْتَأجَرًا، أو عارِيَّةً، لم يَجُزْ أن يُصالِحَ على إجْراءِ الماءِ عليه؛ لأنَّه يَتَضَرَّرُ بذلك، ولم يُؤذَنْ له فيه، فلم يَكنْ له أن يَتَصَرَّفَ به، بخِلافِ الماءِ في الساقِيَةِ المَحْفُورَةِ، فإنَّ الأرْضَ لا تَتَضَرَّرُ به.
وإن كان ماءُ السَّطْحِ يَجْرِي على أرْض، احْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ له الصُّلْحُ على ذلك؛ لأنَّه إنِ احْتاجَ إلى حَفْرٍ, لم يَجُزْ له 2 أن يَحْفِرَ في أرْضِ غيرِه، ولأنَّه يَجْعَلُ لغيرِ صاحِبِ الأرْضِ رَسْمًا، فرُبَّما ادَّعَى اسْتِحْقاقَ ذلك على صاحِبِها.
واحْتَمَلَ الجَوازَ إذا لم يَحْتَجْ إلى حَفْرٍ، ولم يَكنْ فيه مَضَرَّةٌ؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ إجْراءِ الماءِ في ساقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ.
ولا يَجُوزُ إلَّا مُدَّةً لا تَزِيدُ على مُدَّةِ الإِجارَةِ، كما قُلْنا في إجْراءِ الماءِ في الساقِيَةِ.
والله أعلمُ.

..................................  فصل: وإذا أراد أن يُجْرِيَ ماءً في أرْضِ غيرِه لغيرِ ضَرورَةٍ، لم يَجزْ إلَّا بإذْنِه، وإن كان لضَرورَةٍ، مثلَ أن يكونَ له أرْضٌ للزِّراعةِ، لها ماءٌ لا طَرِيقَ له إلَّا أرضُ جارِه، فهل له ذلك؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، لا يَجوز؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في أرْضِ غيرِه بغيرِ إذْنِه فلم يَجزْ، كما لو لم تَدْعُ إليه ضَرُورة، ولأنَّ مثلَ هذه الحاجَةِ لا تبِيحُ مال غيرِه، بدَلِيلِ أنَّه لا يُباحُ له الزَّرْعُ في أرْضِ غيرِه، ولا البِناءُ فيها, ولا الانْتِفاعُ بشيءٍ مِن مَنافِعِها المُحَرَّمَةِ عليه بمثلِ هذه 1 الحاجَةِ.
والأخْرى، يَجُوز؛ لِما رُوِيَ أنّ الضَّحاكَ بنَ خَلِيفَةَ ساق خليجًا مِن العُرَيضِ 2، فأراد أن يَمُرَّ به في أرْضِ محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ، فأبَى، فقال له الضَّحّاك: لِمَ تَمْنَعُنِي وهو مَنْفَعَة لك، تَشْرَبُه أوَّلًا وآخِرًا, ولا يَضُرُّك؟ فأبَى محمد، فكَلَّمَ فيه الضَّحّاك عُمَرَ، فدَعا عمَر محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ وأمَرَه أن يُخَلِّيَ سَبِيلَه، فقال محمدٌ: لا واللهِ.
فقال له 3 عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أخاك ما يَنْفَعُه وهو لك نافِعٌ، تَشرَبُه

..................................  أوَّلًا وآخِرًا؟ فقال محمد: لا واللهِ.
فقال عُمَرُ: واللهِ لَيَمُرَّنَّ به ولو على بَطْنِك.
فأمَرَه عُمَرُ أن يَمُر به، ففَعَلَ.
رَواهُ مالِكٌ في «مُوَطَّأه» 1، وسعيدٌ في «سُنَنِه».
والأوَّل أقْيَسُ، وقولُ عُمَرَ يُخالِفه قولُ محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ، وهو مُوافِقٌ للأصُولِ، فكان أوْلَى.

..................................  فصل: وإن صالحَ رجلًا على أن يَسْقِيَ أرْضَه مِن نَهْرِ الرجلِ يَوْمًا أو يوْمين، أو مِن عَينه، وقَدَّرَه بشيءٍ يُعْلَمُ به، لم يَجُزْ.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ الماءَ ليس بمَمْلُوكٍ، ولا يَجُوزُ بَيعُه، فلا يَجُوزُ الصُّلْحُ عليه، ولأنَّه مَجْهُولٌ.
قال: وإن صالحَه على سَهْم مِن العَينِ أو النَّهْرِ كالثُّلُثِ أو الرُّبْعِ، جاز، وكان بَيعًا للقَرارِ، والماءُ تابعٌ له.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ الصُّلْحُ على السَّقْي مِن نهْرِه، وقَناتِه؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، والماءُ ممّا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه في الجُمْلَةِ، بدَلِيلِ ما لو أخَذَه في قِرْبَتِه، والصُّلْحُ يَجُوزُ على ما لا يجوزُ بَيعُه؛ بدَلِيلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، والصُّلْحِ على المَجْهُولِ.

وَيَجُوزُ أنْ يَشتَرِيَ مَمَرًّا في دَارٍ، وَمَوْضِعًا في حَائِطِهِ يَفْتَحُهُ بَابًا، وَبُقْعَةً يَحْفِرُهَا بِئْرًا، وَعُلْوَ بَيتٍ يَبْنِي عَلَيهِ بُنْيَانًا مَوْصُوفًا.
فَإِنْ كَانَ الْبَيتُ غَيرَ مَبْنِيٍّ، لَمْ يَجُزْ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَجُوزُ إِذَا وُصِفَ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ.

1884 - مسألة: (ويجوزُ أن يَشْتَرِيَ مَمَرًا في دارٍ، من مَوْضِعًا في حائِطِه يَفْتَحُه بابًا، وبُقْعة يَحْفِرُها بِئْرًا)

لأنَّ هذه الأماكنَ يَجُوزُ بَيعُها وإجارَتُها، فجاز الاعْتِياضُ عنها بالصُّلْحِ (1)، كالدُّورِ.
1885 -

مسألة: (و)

أن يَشْتَرِيَ (عُلْوَ بَيتٍ يَبْنِي عليه بُنْيانًا مَوْصُوفًا) إذا كان البَيتُ مَبْنِيًّا؛ لِما ذَكَرْناه.
(فإن كان البَيتُ غيرَ مَبْنِيٍّ، لم يَجُزْ في أحَدِ الوَجْهَينِ) ذَكَرَه القاضي، وأصْحابُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ 2 للهَواءِ دُونَ القَرارِ (والثانِي، يَجُوزُ) لأنَّه مِلْكٌ للمُصالِحِ، فجاز له أخْذُ عِوَضِه، كالقَرارِ.
وإنَّما يَجُوزُ بشَرْطِ (أن يَصِفَ العُلْوَ1

..................................  والسُّفْلَ) بما يُعْلَمُ به؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ البَيعِ العِلْمَ بالمَبِيعِ.

وَإنْ حَصَلَ في هَوَائِهِ أغْصَانُ شَجَرَةِ غَيرِهِ، فَطَالبَهُ بِإِزَالتِهَا، لَزِمَهُ.
فَإنْ أبَى، فَلَهُ قَطْعُهَا.

1886 - مسألة: (وإن حصَل في هَوائِه أغْصانُ شَجَرَةِ غيرِه، فطالبَه بإزالتِها، فله ذلك. فإن أبى، فله قَطْعُها)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حَصَلَتْ أغْصانُ شَجَرَتِه في هَواء مِلْكِ غيرِه، أو هَواءِ جِدارٍ له فيه شَرِكَةٌ، لَزِم مالِكَ الشَّجَرةِ إزَالةُ تلك الأَغْصانِ؛ إمّا برَدها إلى ناحيةٍ أخْرَى، وإمّا بالقَطْعِ؛ لأنَّ الهَواءَ مِلْكٌ لصاحِبِ القَرارِ، فوَجَبَ إزالةُ ما يَشْغَلُه مِن مِلْكِ غيرِه، كالقَرارِ.
فإنِ امْتَنَعَ المالِكُ مِن إزالتِه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه مِن غيرِ فِعْلِه، فلم يُجْبَرْ على إزالتِه، كما لو لم يَكُنْ مِلْكَه.
وإن تَلِفَ بها شيءٌ،

فَإِنْ صَالحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَض، لَمْ يَجُزْ.
لم يَضْمَنْه؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ على إزالتِه ويَضْمَنَ ما تَلِف به، إذا أمِر بإزالتِه فلم يَفْعَلْ، بِنَاءً على ما إذا مال حائِطُه إلى مِلْكِ غيرِه، على ما سنذكُرُه، إن شاء الله تعالى.
وعلى كلا الوَجْهَين، إذا امْتَنَعَ مِن إزالتِه كان لصاحِبِ الهَواءِ إزالته بأحَدِ الأمْرَين؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ البَهِيمةِ التي تَدْخل دارَه، له إخْراجها، كذا ها هنا.
لي هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فإن أمْكَنَه إزالتها بلا إتْلافٍ ولا قَطْع مِن غيرِ مَشَقةٍ تَلْزَمُه ولا غَرامةٍ، لم يَجُزْ له إتْلافُها، كما أنه إذا أمْكَنَه إخْراجُ البَهِيمةِ مِن غيرِ إتْلافٍ، لم يَجُزْ له إتْلافُها.
فإن أتْلَفَها في هذه الحالِ غَرِمَها.
وإن لم يُمْكِنْه إزالتها إلا بالاتْلافِ، فله ذلك، ولا شيءَ عليه، فإنَّه لا يَلْزَمُه إقْرارُ مالِ غيرِه في مِلْكِه.

1887 -

مسألة: (فإن صالحَه عن ذلك بعِوَض، لم يَجُزْ)

اخْتَلَفَ أصحابُنا في ذلك، فقال أبو الخَطّابِ: لا تَصِحُّ المُصالحةُ عن ذلك بحالٍ،

..................................  رَطْبًا كان الغُصْنُ أو يابِسًا؛ لأنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ ويتَغَيَّرُ، واليابِسَ يَنْقُصُ، ورُبَّما ذَهَب كلُّه.
وقال ابنُ حامدٍ وابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ ذلك، رَطْبًا كان الغُصْنُ أو يابسًا؛ لأنَّ الجَهالةَ في المُصالحِ عنه لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ؛ لكَونِها لا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، بخِلافِ العِوَضِ، فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى العِلْمِ لوُجُوبِ تَسْلِيمِه، ولأنَّ الحاجَةَ داعِيةٌ إلى ذلك؛ لكوفيِ ذلك يَكْثُرُ في الأمْلاكِ المُتَجاورَةِ، وفي القَطْعِ إتْلافٌ وضَرَرٌ، والزِّيادَةُ المُتَجَدِّدَةُ يُعْفَى عنها، كالسِّمَنِ الحادِثِ في المُسْتَأجَرِ للرُّكُوبِ، والمُسْتَأجِرِ للغُرْفَةِ يتَجَدَّدُ له الأوْلادُ، والغِراسِ المُسْتَأجَرِ له الأرْضُ يَعْظُمُ ويَجْفُو.
وقال القاضي: إن كان يابِسًا مُعْتَمِدًا على نَفْسِ الجدارِ، صَحَّتِ المُصالحةُ عنه؛ لأنَّ الزِّيادَةَ مَأمُونَةٌ فيه، ولا يَصِحُّ الصُّلْحُ على غيرِ ذلك؛ لأنَّ الرَّطْبَ يَزيدُ في كلِّ وَقْتٍ، وما لا يَعْتَمِدُ على الجِدارِ، لا يَضِحُّ الصُّلْحُ عليه؛ لأنه تَبَعُ الهَواءِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 1: والّلائِقُ

وَإنِ اتَّفَقَا عَلَى أنَّ الثَّمَرَةَ لَهُ أوْ بَينَهُمَا، جَازَ، وَلَمْ يَلْزَمْ.
بمَذْهَبِ أحمدَ صِحَّتُه؛ لأنَّ الجَهالةَ في المُصالحِ عنه لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذا لم يَكُنْ إلى العِلْمِ به سَبِيل، وذلك لدُعاءِ الحاجَةِ إليه، وكَوْنِه لا يَحْتاجُ إلى تَسْلِيمٍ، وهذا كذلك.
والهَواءُ كالقَرارِ في كَوْنِه مِلْكًا لصاحِبِه، فجاز الصُّلْحُ على ما فيه، كالذي في القَرارِ.

1888 -

مسألة: (فإنِ اتَّفَقا على أنَّ الثَّمَرةَ له أو بينَهما، جاز، ولم يَلْزَمْ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا صالحَه عن ذلك بجُزْءٍ مِن الثَّمَرةِ أو بالثَّمَرةِ كلِّها، فقد نَقَل المَرُّوذِيُّ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ، عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن ذلك فقال: لا أدْرِي.
فيَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ.
ونحوَ قال مَكْحُولٌ، فإنه نُقِلَ عنه أنَّه قال: أيُّما شَجَرَةٍ ظَلَّلَتْ على قَوْم، فهم بالخِيارِ بينَ قَطْع ما ظَلَّلَ، أو أكلِ ثَمَرِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ.
وهو قولُ

..................................  الأكْثَرِين 1. وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، فإنَّ الثَّمَرَةَ مَجْهُولة وجُزْؤها مَجْهُولٌ، ومِن شَرْطِ الصُّلْحِ العِلْمُ بالعِوَضِ، ولأنَّ المُصالحَ عليه أيضًا مجهولٌ؛ لأنَّه يَزِيدُ ويتَغَيَّرُ، على ما أسْلَفْناه.
ووَجْهُ الأوّل، أنَّ هذا ممَّا يَكْثُرُ في الأمْلاكِ، وتَدْعُو الحاجَةُ إليه، وفي القَطْعِ إتْلافٌ، فجاز مع الجَهالةِ، كالصُّلْحِ على مَجْرَى مِياه الأمْطارِ، وعلى المَوارِيثِ الدّارِسَةِ، والحُقُوقِ المَجْهُولةِ التي لا سَبِيلَ إلى عِلْمِها.
قال شيخُنا 2: ويَقْوَى عندِي أنَّ الصُّلْحَ هنا يَصِحُّ، بمَعْنَى أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُبِيحُ صاحِبَه ما بَدَل له، فصاحب الهَواءِ يُبِيحُ صاحبَ الشَّجَرةِ إبْقاءَها، ويَمْتَنِعُ مِن قَطْعِهَا وإزالتِها، وصاحبُ الشجرةِ يُبِيحُه ما بَذَل له مِن ثَمَرَتِها, ولا يكونُ هذا بمَعْنَى البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ لا يَصِحُّ بمَعْدُوم ولا مَجْهُولٍ، والثَّمَرةُ في حالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَة مَجْهُولةٌ، ولا هو لازِمٌ، بل لكلِّ واحِدٍ منهما الرُّجُوعُ عما بَذَلَه، والعَوْدُ فيما قاله؛ لأنَّه مُجَرَّدُ إباحَةٍ مِن كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبه، فجَرَى مَجْرَى قولِ كل واحدٍ منهما

..................................  لصاحِبِه، اسْكُنْ دارِي وأسْكُنُ دارَك.
مِن غيرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا ذِكْرِ شُرُوطِ الإجارَةِ، أو قولِه: أُبحْتُك الأكْلَ مِن ثَمَرةِ بُسْتانِي، فأبِحْنِي الأكْلَ مِن ثَمَرةِ بُسْتانِك.
وكذلك قَوْلُه: دعْنِي أجْرِي في أرْضِكَ ماءً ولك أن تَسْقِيَ به ما شِئْتَ، وتَشْرَبَ منه.
ونحو ذلك، فهذا مِثْلُه بل أوْلَى، فإن هذا ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه كَثِيرًا، وفي إلْزامِ القَطْعِ ضَرَر كَثِير وإتْلافُ أمْوالٍ كَثِيرةٍ، وفي التَّرْكِ مِن غيرِ نَفْع يَصِلُ إلى 1 صاحِبِ الهَواءِ ضَرَر عليه.
وفيما ذَكَرْنا جَمْع بينَ الأمْرَين، ونَظَرٌ للفَرِيقَين، وهو على وَفْقِ الأصُولِ، فكان أوْلَى.
فصل: وكذلك الحُكْمُ فيما امْتَدَّ مِن عُرُوقِ شَجَرِ إنْسانٍ إلى أرْضِ جارِه، سَواء أثَّرَتْ ضَرَرًا مثلَ تَأثِيرِها في المَصانِعِ، وطَيِّ الآبارِ، وأساسِ الحِيطانِ أو مَنْعِها مِن نَباتِ شَجَر لصاحِبِ الأرْضِ أو زَرْعٍ، أو لم تُؤثِّرْ، فإنَّ الحُكْمَ في قَطْعِه والصُّلْحِ عنه، كالحُكْمِ في الغُصْنِ 2، إلَّا أنَّ العُرُوقَ لا ثَمَرَ لها.
فإنِ اتفَقا على أنَّ ما يَنْبُتُ مِن عُرُوقِها لصاحِبِ الأرْضِ، أو جُزْءٍ مَعْلُوم منه، فهو كالصُّلْحِ على الثَّمَرَةِ فيما ذَكَرْنا.
فعلى قَوْلِنا، إذا اصْطَلَحا على ذلك فمَضَتْ مُدّة ثم أبى صاحِبُ

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا، وَلَا سَابَاطًا، وَلَا دكَانًا.
الشَّجَرَةِ دَفْعَ نَباتِها إلى صاحب الأرْضِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ؛ لأنه إنَّما تَرَكَه في أرْضِه لهذا، فلَمّا لم يُسَلِّمْ له، رَجَع بأجْرِ المِثْلِ، كما لو بَذَلَها بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، وكذلك الحكْم (1) في مَن مال حائِطُه إلى هَواءِ مِلْكِ غيرِه، أو زَلَقَ (2) مِن أخْشابِه إلى مِلْكِ غيرِه، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا.

1889 -

مسألة: (ولا يجوزُ أن يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ جَناحًا، ولا ساباطًا 3، ولا دُكّانًا) الجَناحُ هو الرَّوْشَنُ 4 يكون على أطْرافِ خَشَبَةٍ مَدْفُونةٍ في الحائِطِ، وأطْرافُها خارِجَة إلى الطَّريقِ، لا يَحوزُ إخْراجه، سَواءٌ كان يَضُرُّ بالمارَّةِ في العادَةِ أو لا يَضُرُّ. ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ عليها ساباطًا بطَرِيقِ الأوْلَى، وهو المُسْتَوْفِي لهَواءِ الطَّرِيقِ كلِّه على جِدارَين، سَواءٌ كان الجِدارانِ مِلْكَه أو لم يَكُونا، أذِنَ الإمامُ في ذلك أو لم يَأذَنْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، جاز بإذْنِ الامامِ؛ [لأنه نائِئهمْ] 5،12

..................................  فجَرَى إذنه مَجْرَى إذْنِ المُشْتَرِكِينْ في الدَّرْبِ الذي ليس بنافِذٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ مِن ذلك ما لا ضَرَرَ فيه، وإن عارَضَه رجلٌ مِن المسلمين وَجَب قَلْعُه.
وقال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَجُوزُ إذا لم يَضُرَّ بالمارَّةِ، ولا يَمْلِكُ أحد مَنْعَه؛ لأنَّه ارْتَفَقَ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ فيه مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فأشْبَهَ المَشْيَ في الطَّرِيقِ والجُلُوسَ فيها.
واخْتَلَفوا في الذي لا يَضُرُّ ما هو؟ فقال بعضُهم: إن كان في شارعٍ تَمُرُّ فيه الجُيُوشُ [والأحْمالُ] 1، فيكونُ بحيثُ إذا سار فيه الفارِسُ ورُمْحُه مَنْصُوبٌ لا يبلُغُه.
وقال أكثَرُهم: لا يُقَدَّرُ بذلك، بل

..................................  يكون بحيثُ لا يَضُرُّ بالعَمّارِيّاتِ 1 والمَحامِلِ.
ولَنا، أنه بَنَى في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كبِناءِ الدَّكَّةِ 2، أو بِناءِ ذلك في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه.
ويُفارِقُ المُرُورَ في الطَّريقِ؛ فإثَّها جُعِلَتْ لذلك، ولا مَضَرةَ فيه، والجُلُوسُ لا يَدُومُ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا مَضَرَّةَ فيه، فإنَّه يُظْلِمُ الطَّرِيقَ، ورُبَّما سَقَط على المارَّةِ، أو سَقَط منه شيءٌ، وقد تَعْلُو الأرْضُ بمُرُورِ الزَّمانِ، فيَصْدِمُ رُءُوسَ النّاسِ، ويَمْنَعُ مُرُورَ الدَّوابِّ بالأحْمالِ، ويَقْطَعُ الطَّرِيقَ إلَّا على الماشِي، وقد رَأينا مثلَ هذا كثيرًا، وما يُفْضِي إلى الضَّرَرِ في ثانِي الحالِ، يَجِبُ المَنْعُ منه

..................................  في ابْتِدائِه، كما لو أراد بِناءَ حائِطٍ مائل إلى الطَّريقِ يُخْشَى وُقُوعُه على مَن يَمُرُّ فيها.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّه بَنَى في حَق مُشْتَرَكٍ، لو مَنَع منه بعضُ أهْلِه لم يَجُزْ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِهم، كما لو أخْرَجَه إلى هَواءِ دارٍ مُشْتَرَكةٍ، وذلك لأنَّ حَقَّ الآدمِيِّ لا يجوزُ لغيرِه التَّصَرُّفُ فيه بغيرِ إذْنِه، وإن كان ساكِنًا، كما لا يَجُوزُ إذا مَنَع.
فأما الدُّكّانُ، فلا يجوزُ بِناوه في الطَرِّيقِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، سَواء كان الطرَّيقُ واسِعًا أو لا، وسَواءٌ أذنَ فيه الإِمامُ أو لم يَأذَنْ؛ لأنَّه بِناءٌ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ولأنَّه يُؤذِي المارَّةَ ويُضَيقُ عليهم، ويَعْثُرُ به العاثِرُ، أشْبَهَ ما لو كان الطرَّيقُ ضَيِّقًا.

..................................  فصل: ولا يَجُوزُ إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الطَّرِيقِ الأعْظَمِ، ولا إلى دَرْبٍ 1 نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: يَجُوزُ إخْراجُه إلى الطرَّيقِ الأعْظَمِ؛ لأنَّ عُمَرَ اجْتازَ على دارِ العباسِ وقد نَصب مِيزابًا إلى الطرَّيقِ، فقَلَعَه، فقال العباسُ: تَقْلَعُه وقد نَصَبَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بيَدِه.
فقال: واللهِ لا نَصَبْتَه إلَّا على ظَهْرِي.
وانْحَنَى حتى صَعِد على ظَهْرِه، فنَصَبَه 2. وما فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلغيرِه فِعْلُه، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصاصِه به، ولأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك، ولا يُمْكِنُه رَدُّ مائِه

..................................  إلى الدّارِ، ولأنَّ النّاسَ يَعْمَلون ذلك في جَمِيعِ بلادِ الإسْلامِ مِن غيرِ نَكِيرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا تَصَرُّفٌ في هَواءٍ مشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِه،

وَلَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في مِلْكِ إِنْسَانٍ، وَلَا دَرْبٍ غَيرِ نَافِذٍ إلا بِاذْنِ أهْلِهِ.
فلم يَجُزْ، كما لو كان الطَّرِيقُ غيرَ نافِذٍ، ولأنَّه يَضُر بالطَّرِيقِ وأهْلِها، فلم يَجُزْ، كبِناءِ دَكَّةٍ فيها أو جَناحٍ يَضُر بأهْلِها, ولا يَخْفَىِ ما فيه مِن الضَّرَرِ، فإنَّ ماءَه يَقَعُ على المارَّةِ، ورُبَّما جَرَى فيه البَوْلُ أو ماء نجِسٌ فيُنَجِّسُهم، ويُزَلِّقُ الطَّرِيقَ، ويَجْعَلُ فيها الطِّينَ، والحَدِيثُ قَضِيَّة في عَين، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، أو تَجَدَّدَتِ الطَّرِيقُ بعدَ نَصْبِه.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ ذلك؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إليه، والعادَةُ جارِية به، مع ما فيه مِن الخَبَرِ المَذْكُورِ.

1890 -

مسألة: (ولا)

يَجُوزُ (أن يَفْعَلَ ذلك في مِلْكِ إنْسانٍ، ولا دَرْب غيرِ نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه) أمّا في مِلْكِ الانْسانِ فلا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِه؛ لأنّه تَصَرف في مِلْك الغيرِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِه، ولا يَجُوزُ ذلك في الدَّرْبِ.
وبه قال الشافعيُّ في الجَناحِ والسّاباطِ، إذا لم يَكُنْ له في الدَّرْب باب، وإن كان له في الدرْبِ باب، فقد اخْتَلَفَ أصْحابُه، فمنهم مَن مَنَعَه أَيضًا، ومنهم مَن أجاز له إخْراجَ الجَناحِ والسّاباطِ؛ لأن له في الدرب اسْتِطْراقًا، فمَلَكَ ذلك، كما يَمْلِكُه في الدَّرْبِ النافِذِ.
ولَنا، أنَّه بِناء في هَواءِ مِلْكِ قَوْم مُعَيَّنين، أشْبَهَ إذا لم يَكُنْ له فيه بابٌ، ولا نُسَلِّمُ الأصْلَ الذي قاسُوا عليه.
فإن أذِنَ أهْلُ الدرْبِ فيه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجاز بإذْنِهم، كما لو كان لمالِكٍ واحدٍ.

فَإِنْ صَالحَ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، جَازَ في أحَدِ الْوَجْهَينِ.

1891 - مسألة: (فإن صالحَ عن ذلك بعِوَض، جاز في أحَدِ الوَجْهَين)

وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ في الجَناحِ والسّاباطِ؛ لأنَّه بَيعٌ للهَواءِ دُونَ القَرارِ.
ولَنا، أنَّه يَبْنِي فيه بإذْنِهم، فجاز، كما لو أذِنُوا له بغيرِ عِوَض، ولأنَّه مِلْكٌ لهم، فجاز لهم أخْذُ عِوَضِه، كالقَرارِ.
إذا ثبت هذا، فإنَّما يَجُوزُ بشرْطِ كَوْنِ ما يُخْرِجُه مَعْلُومَ المِقْدارِ في الخُرُوجِ والعُلُوِّ، وهكذا الحُكْمُ فيما إذا أخْرَجَه إلى مِلْكِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، يَجُوزُ بإذْنِه، بعِوَضٍ وبغيرِه، إذا كان مَعْلُومَ المِقْدارِ.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَحْفِرَ في الطَّرِيقِ النافِذَةِ بِئْرًا لنَفْسِه، سَواء جَعَلَها لماءِ المَطَرِ، أو ليَسْتَخْرِجَ منها ماءً يَنْتَفِعُ به، ولا غيرِ ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وإن أراد حَفْرَها للمسلمين ونَفْعِهم، أو لنَفْعِ الطرَّيقِ، مثلَ أن يَحْفِرَها ليَسْقِيَ 1 الناسَ مِن مائِها، ويَضْرَبَ منه المارَّةُ، أو ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ عن الطرَّيقِ، نَظَرْنا؛ فإن كان الطرَّيقُ ضَيِّقًا، أو كانت في مَمَرِّ

وَإذَا كَانَ ظَهْرُ دَارِهِ في دَرْب غَيرِ نَافِذٍ، فَفَتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيرِ الاسْتِطْرَاقِ، جَازَ.
وَيَحْتَمِلُ ألا يَجُوزَ.
النّاسِ بحيث يُخافُ سُقُوطُ إنْسانٍ فيها أو دابَّةٍ، أو يُضَيِّقُ عليهم مَمَرَّهم، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ضرَرَها أكْثَرُ مِن نَفْعِها (1). وإن حَفَرَها في زاويةٍ مِن طَرِيقٍ واسِع، وجَعَل عليها ما يَمْنَعُ الوُقُوعَ فيها، جاز؛ لأنَّ ذلك نَفعٌ (2) بلا ضَرَرٍ، فجاز، كتَمْهِيدِها وبِناءِ رَصِيفٍ فيها.
فأمّا (3) فِعْلُه في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فلا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِ أهْلِه؛ لأنَّ هذا مِلْكٌ لقَوْم مُعَيَّنِين، فلم يَجُزْ فِعْلُ ذلك بغيرِ إذْنِهم، كما لو فَعَلَه في بُسْتانِ إنْسانٍ.
ولو صالحَ أهْلَ الدَّرْبِ عن ذلك بعِوَضٍ، جاز، سَواء حَفَرَها لنَفْسِه ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ عن دارِه، أو ليَسْتَقِيَ منها ماءً لنَفْسِه، أو حَفَرَها للسَّبِيلِ ونَفْعِ الطَّرِيقِ.
وكذلك إن فَعَل ذلك في مِلْكِ إنْسانٍ مُعَيَّن.

1892 -

مسألة: (وإذا كان ظَهْرُ دارِه في دَرْبٍ غيرِ نافذٍ، ففَتَحَ فيه بابًا لغيرِ الاسْتِطراقِ، جاز)

لأنَّ له رَفْعَ جَمِيع حائِطِه، فبَعْضُه أوْلَى.
قال ابنُ عَقِيل: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ) لأن123

وَإنْ فَتَحَهُ للِاسْتِطْرَاقِ، لَمْ يَجُزْ، إلا بِإِذْنِهِمْ في أحَدِ الْوَجْهَين وإنْ صَالحَهُمْ، جَازَ.
شَكْلَ البابِ مع تَقادُمِ العَهْدِ رُبَّما اسْتُدِلَّ به على حَقِّ الاسْتِطْراقِ، فيَضُرُّ بأهْلِ الدَّرْبِ، بخِلافِ رَفْعِ الحائِطِ؛ فإنَّه لا يَدُلُّ على شيءٍ.

1893 -

مسألة: (وإنْ فَتَحَه للاسْتِطْراقِ، لم يَجُزْ إلَّا بإذْنِهِم)

لأنَّه ليس له 1 حَقّ في الدَّرْبِ الذي هو مِلْكُ غيرِه.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّ له رَفْعَ [جَمِيعِ حائِطِه] 2. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الدَّرْبَ لا حَقَّ له فيه، فلم يَجُزْ أن يُجْعَلَ له فيه حَقُّ اسْتِطْراقٍ (فإن صالحَهم، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهم، فأشْبَهَ دُورَهم إذا صالحَهم على شيءٍ منها.
فصل: وإن كان ظَهْرُ دارِه إلى زُقاقٍ نافِذٍ، ففَتَحَ في حائِطِه بابًا إليه، جاز؛ لأنَّه يَرْتَفِقُ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ عليه.
فإن قِيلَ: هذا فيه إضْرارٌ بأهْلِ الدَّرْبِ؛ لأنَّه يَجْعَلُه نافِذًا يَسْتَطْرِقُ إليه مِن الشّارِعِ.
قُلْنا: لا يَصِيرُ الدَّرْبُ نافِذًا، وإنَّما تَصِيرُ دارُه نافِذَةً، وليس لأحَدٍ اسْتِطْراقُ دارِه.

وَلَوْ أنَّ بَابَهُ في آخِرِ الدَّرْبِ، مَلَكَ نَقْلَهُ إِلَى أوَّلِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ إِلَى دَاخِل مِنْهُ في أحَدِ الْوَجْهَينِ.

1894 - مسألة: (ولو كان بابُه في آخِرِ الدَّرْبِ، مَلَك نَقْلَه إلى أوَّلِه، ولم يمْلِكْ نَقْلَه إلى داخِل منه في أحَدِ الوَجْهَين)

لأنَّه إذا نقَل بابَه إلى ما يلي بابَ الدَّرْب، فقد تَرَكَ بعضَ حَقِّه.
ومتى أراد رَدَّ بابِه إلى مَوْضِعِه الأوَّلِ، كان له؛ لأنَّ حَقّه لم يَسْقُطْ.
فأمّا إن أراد نَقْلَ بابِه إلى تِلْقَاءِ صَدْرِ الزُّقاقِ، لم يَكُنْ له ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنّه يُقَدِّمُ بابَه إلى موضِعٍ لا اسْتِطْراقَ له فيه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّه كان له أن يَجْعَلَ بابَه في أوَّلِ البِناءِ أيِّ مَوْضِعٍ شاء، فتَرْكُه في مَوْضِعٍ لا يُسْقِطُ حَقَّه، كما أنَّ تَحْويلَه بعدَ فَتْحِه لا يُسْقِطُه، ولأنَّ له أن يرْفعَ حائِطَه كلَّه، فلم

..................................  يُمْنَعْ مِن رَفْعِ بعضِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن جَوازِ رَفْعِ الحائِطِ جَوازُ الاسْتِطْراقِ، كالمسألةِ التي قبلَها.
فصل: فإن كان في الدَّرْب بابانِ لرَجُلَينِ؛ أحَدُهما قَرِيبٌ مِن بابِ الزُّقاقِ، والآخَرُ في داخِلِه، فأراد صاحِبُ الدّاخِلِ أن يُحَوِّلَ بابَه، فله تَحْويلُه حيثُ شاء؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له فيما يُجاوزُ البابَ الأوَّلَ، إذا قُلْنا: إن صاحِبَ القَرِيب ليس له أن يُقَدِّمَه إلى داخِلِ الدَّرْبِ.
وإن قُلْنا: له تَقْدِيمُه.
جاز لكلِّ واحِدٍ منهما.
فإن كان في داخِلِ الدَّرْبِ بابٌ لثالِثٍ، فحُكْمُ الأوْسَطِ حُكْمُ الأولِ فيما ذَكَرْناه.

..................................  فصل: إذا كان لرجلٍ دارانِ مُتَلاصِقَتان، ظَهْرُ كلِّ واحِدةٍ منهما إلى ظَهْرِ الأخْرَى، وبابُ كل واحِدةٍ منهما إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فرَفعَ الحاجِزَ بينَهما وجَعَلَهما دارًا واحِدةً، جاز؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به 1. وإن فَتَح مِن كلِّ واحِدةٍ منهما بابًا إلى الأخْرَى ليَتَمَكَّنَ مِنَ 2 التَّطَرُّقِ مِن كل واحِدةٍ منهما إلى كلا الدَّرْبَين، فقال القاضي: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ ذلك يُثْبِتُ الاسْتِطراقَ في الدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ مِن دارٍ لم يَكُنْ لها فيه طَرِيقٌ، ولأنَّه رُبَّما أدَّى إلى إثْباتِ الشُّفْعةِ في قولِ مَن يُثْبِتُها بالطَّرِيقِ لكلِّ واحِدَةٍ مِن الدّارَين في زُقاقِ الأخْرَى.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ له رَفْعَ الحاجِزِ جَميعِه، فبَعْضُه أوْلَى.
قال شيخُنا 3: وهذا أشْبَهُ، وما ذَكَرْناه للمَنْعِ يَنْتَقِضُ بما إذا رَفَع الحائِطَ جَمِيعَه.
وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: ليس له فِعْلُه.
إذا صالحَه أهْلُ الدَّرْبِ، جاز، وكذلك إن أذِنوا له بغيرِ عِوَضٍ.

..................................  فصل: إذا تنازَعَ صاحِبا 1 البابَين في الدَّرْبِ، ولم يَكُنْ فيه باب لغيرِهما، ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّه يُحْكَمُ بالدَّرْبِ مِن أوَّلِه إلى البابِ الذي يَلِيه بينَهما؛ لأنَّ لهما الاسْتِطْراقَ فيه جَمِيعًا، وما بعدَه إلى صَدْرِ الدَّرْبِ للآخَرِ؛ لأنَّ الاسْتِطْراقَ في ذلك له وَحْدَه، فله اليَدُ والتَّصَرُّفُ.
والثّانِي، أنَّ مِن أوَّلِه إلى أقصَى حائِطِ الأوَّلِ بينَهما؛ لأنَّ ما يُقابِلُ ذلك لهما التَّصَرُّفُ فيه، بِناءً على أنَّ للأوَّلِ أن يَفتَحَ بابَه فيما شاء مِن حائِطِه، والباقِي للثّانِي؛ لأنَّه ليس بفِناءٍ للأوَّلِ، ولا له فيه اسْتِطْراقٌ.
والثّالِثُ، يَكُونُ بينَهما؛ لأنَّ لهم يَدًا وتَصَرُّفًا.
وهكذا الحُكْمُ فيما إذا كان لرجلٍ عُلْوُ خانٍ، ولآخَرَ سُفْلُه، ولصاحِبِ العُلْو دَرَجة في أثْناءِ صَحْنِ الخانِ، فاخْتَلَفَا في الصَّحْنِ، فالذي مِن الدَّرَجَةِ إلى بابِ الخانِ بينَهما، وما

..................................  [وراءَ ذلك] 1 إلى صَدْرِ الخانِ على الوَجْهَينِ.
فإن كانتِ الدَّرَجةُ في صَدْرِ الصَّحْنِ، فالصَّحنُ بينَهما؛ لوُجُودِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ منهما جَمِيعًا.
فعلى الوَجْهِ الذي يَقُولُ: إنَّ صَدْرَ الدَّرْبِ مُخْتَص بصاحِبِ البابِ الصَّدْرانِيِّ.
له أن يَسْتَبِدَّ بما يَخْتَصُّ به منه، بأن يَجْعَلَه دِهْلِيزًا لنَفْسِه، أو يُدْخِلَه في دارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بجارِه.
ولا يَضعُ على حائِطِه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مِلْكٌ له يَنْفَرِدُ به.

وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ في حَائِطِ جَارِهِ، وَلَا في الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ رَوْزَنَةً وَلَا طَاقًا، إلَّا بإِذْنِ صَاحِبِه.

1895 - مسألة: (وليس له أن يَفْتَحَ في حائِطِ جارِه، ولا الحائِطِ المُشْتَرَكِ رَوْزَنةً 1 ولا طاقًا بغيرِ إذْنِ صاحِبِه) لأنَّ ذلك انْتِفاعٌ بمِلْكِ

وَلَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَيهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورةِ، بِأنْ لَا يُمْكِنَهُ التَّسْقِيفُ إلا بِهِ.
غيرِه وتَصَرُّفٌ فيه بما [يَضرُّ به] (1). وكذلك لا يَجُوزُ أن يَغرِزَ فيه وَتِدًا، ولا يُحْدِثَ عليه حائِطًا ولا سترَةً، ولا يَتَصَرَّفَ فيه نَوْعَ تَصَرُّفٍ؛ لأَنه يَضُرُّ بحائِطِ غيرِه، فهو كنَقْضِه.
وإن صالحَه عن (2) ذلك بعِوَضٍ، جاز.
فأمّا الاسْتِنادُ إليه وإسْنادُ شيءٍ لا يَضُرُّه، فلا بَأسَ به؛ لكَوْنِه لا مَضَرّةَ فيه، ولا يمْكِن التّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الاسْتِظْلال به.

1896 -

مسألة: (وليس له وَضْعُ خَشَبِه عليه إلَّا عندَ الضَّرورةِ، بأن لا يُمْكِنَه التّسْقِيفُ إلَّا به)

أمّا وَضْعُ خَشَبِه عليه، فلا يَجُوز إذا كان يَضُرُّ بالحائِطِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا12

..................................  ضَرَرَ ولا ضِرَارَ 1». وإن كان لا يَضُرُّ به إلَّا أنَّ به عنه غِنًى لإِمْكانِ وَضْعِه على غيرِه، فقال أكثرُ أصْحابِنا: لا يَجُوزُ أيضًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه انْتِفاعٌ بمِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَجُزْ، كبِناءِ حائِطٍ عليه.
واخْتارَ ابنُ عَقِيل جَوازَه؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَمْنَع أحَدُكُم جَارَهُ أنْ يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ».
مُتَّفَق عليه 2. ولأنَّ ما أُبِيحَ للحاجَةِ العامَّةِ لم يُعْتَبَرْ فيه حَقِيقَةُ الحاجَةِ، كالشُّفْعةِ، والفَسْخِ بالخِيارِ أو بالعَيبِ، واتِّخاذِ الكَلْبِ للصَّيدِ، وإباحَةِ السَّلَمِ، ورُخَصِ السَّفَرِ، وغيرِ ذلك.
فأمّا إن دَعَتِ

..................................  الحاجَةُ إلى وَضْعِه على جدارِ جارِه، أو الحائِطِ المُشْتَرَكِ، بحيث لا يُمْكِنُه التَّسْقِيفُ إلَّا به، فإنَّه يَجُوزُ وَضْعُه بغيرِ إذْنِ الشَّرِيكِ.
وهو قولُ الشافعيِّ 1 القَدِيمُ.
وقال في الجَدِيدِ: ليس له وَضْعُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ 2؛ لأنَّه انْتِفاعٌ بمِلْكِ غيرِه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَجُزْ، كزِراعَتِه.
ولَنا، الخَبَرُ، ولأنَّه انْتِفاعٌ بحائِطِ جارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ به، أشْبَهَ الاسْتِنادَ إليه والاسْتِظْلال به.
ويُفارِقُ الزَّرْعَ، فإنَّه يَضُرُّ، ولم تَدْعُ إليه حاجَةٌ.
إذا ثَبَت هذا، فاشْتَرَطَ القاضي وأبو الخَطّابِ للجَوازِ

..................................  أن يكونَ له حائِطٌ واحِدٌ ولجارِه ثَلاثةُ حَوائِطَ.
وليس هذا في كلامِ أحمدَ، إنَّما قال، في رِوَاية أبي داودَ: لا يَمْنَعُه إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، وكان الحائِطُ يَبْقَى.
ولأنَّه قد يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ على حائِطَين إذا كانا غيرَ مُتَقابِلَين، أو كان البيتُ واسعًا يَحْتاجُ إلى 1 أن يَجْعَلَ فيه 2 جِسْرًا ثم يَضَعَ الخَشَبَ على ذلك الجِسْرِ.
قال شيخُنا 3: والأَولَى اعْتِبارُه بما ذَكَرْنا مِن امْتِناعِ التَّسْقِيفِ بدُونِه.
ولا فَرْقَ فيما ذَكَرْنا بينَ البالِغِ واليَتِيمِ، والعاقِلِ والمَجْنُونِ؛ لِما ذَكَرْنا.

وعَنْهُ، لَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسجِدِ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ.

1897 - مسألة: (وعنه، ليس له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ المَسْجِدِ. وهذا تَنْبِيهٌ على أنَّه لا يَضَعُهْ على جِدارِ جارِه)

اخْتَلَفتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في وَضْعِ خَشَبِه على جِدارِ المَسْجِدِ مع وُجُودِ الشَّرْطَين، فعنه، الجَوازُ؛ لأنَّه إذا جاز وَضْعُه في مِلْكِ الجارِ مع أنَّ حَقَّه مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ففي حُقُوقِ اللهِ تعالى المَبْنِيَّةِ على المُسامَحَةِ أوْلَى.
وعنه، لا يَجُوزُ.
نَقَلَها عنه أبو طالِبٍ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِي المَنْعَ في حَقِّ الكلِّ، تُرِك في حَقِّ الجارِ للخَبَرِ الوارِدِ فيه، فوَجَبَ البَقاءُ في غيرِه على مُقْتَضَى القِياسِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وخَرَّجَ أبو الخَطّابِ مِن هذه الرِّوايةِ وَجْهًا للمَنْعِ مِن وَضْعِ الخَشَبِ في مِلْكِ الجارِ؛ لأنَّه إذا مُنِع مِن وَضْعِ الخَشَبِ في الجِدارِ المُشْتَرَكِ بينَ المسلمين وللواضِعِ فيه حَقٌّ، فَلَأن يُمْنَعَ من المِلْكِ المُخْتَصِّ بغْيرِه أوْلَى.
ولأنَّه إذا مُنِع في حَقِّ اللهِ تعالى مع أنَّه مَبْنِيٌّ

..................................  على المُسامَحَةِ؛ لغِنَى اللهِ تعالى وكَرَمِه، فَلأن يُمْنَعَ في حَقِّ الآدَمِيِّ مع شُحِّه وضِيقِه أوْلَى.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا تُجِيزُون فَتْحَ الطّاقِ والبابِ في الحائِطِ، قِياسًا على وَضْعِ الخَشَبِ؟ قُلْنا: الخَشَبُ يُمسِكُ الحائِطَ ويَنْفَعُه، بخِلافِ الطّاقِ والبابِ، فإنَّه يُضْعِفُ الحائِطَ؛ لأنَّه 1 يَبْقَى مَفْتُوحًا، والذي يَفْتَحُه للخَشَبةِ يَسُدُّه بها، ولأن وَضْعَ الخَشَبِ تَدْعُو إليه الحاجَةُ، بخِلافِ 2 غيرِه.

..................................  فصل: ومَن مَلَك وَضْعَ خَشَبِه على حائِطٍ، فزال لسُقُوطِه، أو قَلْعِه 1، أو سُقُوطِ الحائِطِ، ثم أُعِيدَ، فله إعادَةُ خَشَبِه؛ لأنَّ السَّبَبَ المُجَوِّزَ لوَضْعِه مُسْتَمِرٌّ، فاسْتَمَرَّ الاستِحقاقُ.
وإن زال السَّبَبُ، مثلَ أن خشِيَ على الحائِطِ مِن وَضْعِه عليه، أو اسْتَغْنَى عن وَضْعِه، لم تَجُزْ إعادَتُه؛ لزَوالِ السَّبَبِ المُبِيحِ.
فإن خِيفَ سُقُوطُ الحائِطِ بعدَ وَضْعِه عليه، لَزِم إزالتُه؛ لأنَّه يَضُرُّ بالمالِكِ.
وإن لم يُخَفْ عليه، لحَنِ اسْتُغْنِيَ عن إبْقائِه عليه، لم تَلْزَمْه إزالتُه؛ لأنَّ في إزالتِه ضَرَرًا بصاحِبِه، ولا ضَرَرَ على صاحِبِ الحائِطِ في إبْقائِه، بخِلافِ ما لو خَشِيَ سُقُوطَه.

..................................  فصل: وإذا كان له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ غيرِه، لم يَمْلِكْ إجارَتَه ولا إعارَتَه؛ لأنَّه إِنَّما مَلَك ذلك لحاجَتِه الماسَّةِ إلى وَضْعِ خَشَبِه، ولا حاجَةَ له 1 إلى وَضْعِ خَشَبِ غيرِه، فلم يَمْلِكْه.
وكذلك لا يَمْلِكُ بَيعَ حَقه مَن وَضَعَ خَشبَه، ولا المُصَالحةَ عنه للمالِكِ ولا لغيرِه؛ لأنَّه أُبِيحَ له مِن حَقِّ غيرِه لحاجَتِه، فلم يَجُزْ له ذلك فيه، كطَعامِ غيرِه إذا أُبِيحَ له في حالِ الضَّرُورَةِ.
ولو أراد صاحِبُ الحائِطِ إعارَةَ الحائِطِ أو إجارَتَه، على وَجْهٍ يَمْنَعُ هذا المُسْتَحِقَّ مِن وَضْعِ خَشَبِه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه وَسِيلةٌ إلى مَنْعِ ذي الحَقِّ مِن حَقِّه، فلم يَمْلِكْه، كمَنْعِه.
ولو أراد هَدْمَ الحائِطِ لغيرِ حاجَةٍ، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لِما فيه مِن تَفْويتِ الحَقِّ.
وإنِ احْتاجَ إلى ذلك للخَوْفِ مِن انْهِدامِه أو لتَحْويِله إلى مكانٍ آخَرَ، أو لغَرَضٍ صَحِيحٍ، مَلَك ذلك؛ لأنَّ صاحِبَ الخَشَبِ إنَّما يَثْبُتُ حَقُّه للإِرْفاقِ به مَشْرُوطًا بعَدَمِ الضَّرَرِ بصاحِبِ الحائِطِ، فمتى أفْضَى إلى الضَّرَرِ، زال الاسْتِحْقاقُ؛ لزَوالِ شَرْطِه.
فصل: فإن أذِنَ صاحِبُ الحائِطِ لجارِه في البِناءِ على حائِطِه، أو وَضْعِ سُتْرَةٍ عليه، أو وَضْعِ خَشَبِه عليه في المَوْضِعِ الذي لا يَسْتَحِقُّ وَضْعَه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ له، فجاز بإذْنِه.
فإذا فَعَل ما أُذِنَ فيه، صارَتِ العارِيَّةُ لازِمةٌ، تُذْكَرُ في بابِ العارِيَّةِ.

..................................  فصل: وإن أذِنَ له في وَضْعِ خَشَبِه، أو البِناءِ على جِدارِه بعِوَضٍ، جاز، سَواءٌ كان إجارَةً في مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أو صُلْحًا على وَضْعِه على التَّأْبِيدِ.
ومتى زال، فله إعادَتُه، سَواءٌ زال لسُقُوطِه، أو سُقُوطِ الحائِطِ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ إبْقاءَه بعِوَضٍ.
ويَحْتاجُ أن يكونَ البناءُ مَعْلُومَ العَرْضِ والطُّولِ، والسُّمْكِ، والآلاتِ مِن الطِّينِ واللَّبِنِ [أَو الطِّينِ] 1 والآجُرِّ، وما أشْبَهَ ذلك؛ لأنَّ هذا يَخْتَلِفُ فَيُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه.
وإذا سَقَط الحائِطُ الذي عليه البِناءُ 2 أو الخَشَبُ، في أثْناءِ مُدَّةِ الإِجارَةِ، سُقُوطًا لا يَعُودُ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، ورَجَع مِن الأُجْرةِ بقِسْطِ ما بَقِيَ مِن المُدَّةِ.
وإن أُعِيدَ، رَجَع مِن الأُجْرةِ بقَدْرِ المُدَّةِ التي سَقَط البِناءُ والخَشَبُ عنه.
وإن صالحَه مالِكُ الحائِطِ على رَفْعِ خَشَبِه أو بِنائِه بشيء مَعْلُوم، جاز، كما يَجُوزُ الصُّلْحُ على وَضْعِه، سَواءٌ كان ما صالحَه به مِثْلَ العِوَضِ الذي صُولِحَ به على وَضْعِه، أو أقلَّ أو أكْثَرَ؛ لأنَّ هذا عِوَضٌ عن المَنْفَعةِ المُسْتَحَقَّةِ له.
وكذلك لو كان له مَسِيلٌ في أرْضِ غيرِه، أو مِيزابٌ، أو غيرُه، فصالحَ صاحِبُ الأرْضِ مُسْتَحِقَّ ذلك بعِوَضٍ ليُزِيلَه عنه، جاز، وإن كان الخَشَبُ أو الحائِطُ قد سَقَط، فصالحَه بشيءٍ على أن لا يُعِيدَه، جاز؛ لأنَّه لَمّا جاز أن يَبِيعَ ذلك منه، جاز أن يُصالِحَ عنه؛ لأنَّ الصُّلْحَ بَيعٌ.

..................................  فصل: وإذا وَجَد بِناءَه أو خَشَبَه على حائِطٍ مُشْتَرَكٍ، أوْ حائِطِ جارِه، ولم يَعْلَمْ سَبَبَه، فمتى زال فله إعادَتُه؛ لأنّ الظّاهِرَ أنَّ هذا الوَضْعَ بحَقٍّ مِن صُلْحٍ أو غيرِه، فلا يَزُولُ هذا الظّاهِرُ حتى يُعْلَمَ خِلَافُه.
وكذلك لو وَجَد مَسِيلَ مائِه في أرْضِ غيرِه، [أو مَجْرَى ماءِ سَطْحِه على سَطْحِ غيرِه] 1، وما أشْبَهَ هذا، فهو له؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه له بحَقٍّ، فجَرَى مَجْرَى اليَدِ الثّابِتَةِ.
ومتى اخْتَلَفَا في ذلك، هل هو بحَق أو بعُدْوانٍ؟ فالقَوْلُ قولُ صاحِبِ الخَشَبِ والبِناءِ والمَسِيلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه.
فصل: وإذا ادَّعَى رجلٌ دارًا في يَدِ أخَوَين، فأنْكَرَه أحَدُهما، وأقَرَّ له الآخَرُ، ثم صالحَه على ما أقَرَّ له بعِوَضٍ، صَحَّ الصُّلْحُ، ولأخِيه الأخْذُ بالشُّفْعةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُفرُّقَ بينَ ما إذا كان الإنْكارُ مُطْلَقًا، وبينَ ما إذا قال: هذه لَنا وَرِثْناها جَمِيعًا عن أبينا أو أخِينا.
فيُقالُ: إذا كان الإِنْكار مُطْلَقًا، كان له الأخْذُ بالشُّفْعةِ.
وإن قال: وَرِثْناها.
فلا شُفْعةَ له؛ لأنَّ المُنْكِرَ يَزْعُمُ أنَّ المِلْكَ لأخِيه المُقِرِّ لم يَزُلْ، وأنَّ الصُّلْحَ باطِلٌ، فيُؤاخَذُ بذلك، فلا يَسْتَحِقُّ 2 شُفْعةً.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ المِلْكَ ثَبَت للمُدَّعِي حُكْمًا، وقد رَجَع إلى المُقِرِّ بالبَيعِ، وهو مُعْتَرِفٌ بأنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ، فتَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان الإنْكارُ مُطْلَقًا.
ويجُوزُ أن يكون نَصِيبُ المُقِرِّ

وَإِنْ كَانَ بَينَهُمَا حَائِطٌ فَانْهَدَمَ، فَطَالبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ، أُجْبِرَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْبَرُ،  انْتَقَلَ إلى المُدَّعِي ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو سَبَبٍ مِن الأسْبابِ، فلا يَتنافَى إنْكارُ المُنْكِرِ وإقْرارُ المُقِرِّ، كحالةِ إطْلاقِ الإِنْكارِ.
وهذا أصَحُّ.

1898 -

مسألة: (وإن كان بينَهما حائِطٌ فانْهَدَمَ، فطالبَ أحَدُهما صاحِبَه ببنائِه، أُجْبِرَ عليه. وعنه، لا يُجْبَرُ)

إذا كان بينَ الشَّرِيكَينِ حائطٌ فانْهَدَمَ، فطَلَبَ أحَدُهما إعادَتَه، وأبَى الآخَرُ، فذَكَر القاضِي فيه رِوايَتَين، إحْداهما، يُجْبَرُ.
نَقَلَها ابنُ القاسِمِ، وحَرْبٌ، وسِنْدِيٌّ.
قال القاضي: هي أصَحُّ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وعلى ذلك أصْحابُنا.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ، وقولُ الشافعيِّ القَدِيمُ، واخْتارَه بعضُ أصْحابِه، لأنَّ في تَرْكِ بِنائِه إضْرارًا فيُجْبَرُ عليه، كما يُجْبَرُ على القِسْمةِ إذا طَلَبَها أحَدُهما، وعلى نَقْضِ الحائِطِ عندَ خَوْفِ سُقُوطِه عليهما، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ 1». وهذا وَشَرِيكُه

..................................  يَتَضَرَّران في تَرْكِ بنائِه.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُجْبَرُ.
نُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك.
وهو أقوَى في النَّظرَ، ومَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه مِلْكٌ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، فلم يُجْبَرْ مالِكُه على الإِنْفاقِ عليه، كما لو انْفَرَدَ به، ولأنَّه بِناءُ حائِطٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالابتِداءِ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمّا أن يُجْبَرَ على بِنائِه لحَقِّ نَفْسِه، أو لحَقِّ جارِه، أو لهما جميعًا، لا يَجُوزُ أن يُجْبَرَ لحَقِّ نَفْسِه، بدَلِيلِ ما لو انْفَرَدَ به، ولا لحَقِّ غيرِه، كما لو انْفَرَدَ به جارُه، وإذا لم يَكُنْ واحِدٌ منهما مُوجَبًا عليه، فكذلك إذا اجْتَمَعَا.
وفارَقَ القِسْمَةَ، فإنَّها دَفْع للضَّرَرِ عنهما بما لا ضَرَرَ فيه، والبِناءُ فيه ضَرَرٌ؛ لِما فيه مِن الغَرامَةِ وإنْفاقِ مالِه، ولا يَلْزَمُ مِن إجْبارِه على إزالةِ الضَّرَرِ بما لا ضَرَرَ فيه، إجْبارُه على إزالتِه بما فيه ضَرَرٌ، بدَلِيلِ قِسْمةِ ما في قِسْمَتِه ضَرَرٌ.
ويُفارِقُ هَدْمَ الحائِطِ إذا خِيفَ سُقُوطُه؛ لأنَّه يَخافُ سُقُوطَه على ما يُتْلِفُه،

جارٍ التحميل