وَهُوَ مُحَرَّمٌ.
كتابُ الظِّهارِ
الظِّهارُ: مُشْتَقٌّ مِن الظَّهْرِ، وإنَّما خَصُّوا الظَّهْرَ بذلك مِن بينِ سائرِ الأعْضاءِ؛ لأنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا، لحُصُولِ الرُّكُوبِ على ظَهْرِه في الأغْلَبِ، فشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بذلك (وهو مُحَرَّم) لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ 1. ومعناه أنَّ الزَّوْجَةَ ليسَتْ كالأمِّ في التَّحْرِيمِ.
قال الله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (1). وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 2. والأصْلُ في الظِّهار الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 3 مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ 4. والآيَةُ التي بعدَها.
وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى أبو داودَ 5،
..................................
بإسْنادِه عن خُوَيلَةَ بنتِ مالكِ بنِ ثَعْلَبَةَ، قالت: تَظاهَرَ مِنِّي أوسُ بنُ الصَّامِتِ، فجِئْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أشْكُو، ورسَولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُجادِلُنِي فيه 1، ويقولُ: «اتَّقِي الله فَإنَّه ابْنُ عَمِّكِ».
فما بَرِحْت حتى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ 2. فقال: «يَعْتِقُ رَقَبَةً».
فقُلْتُ: لا يَجِدُ.
فقال: «يَصُومُ شَهْرَين مُتَتَابِعَين».
فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه 3 شَيخٌ كبيرٌ ما به مِن صِيامٍ، قال: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
قلتُ: ما عندَه مِن شيءٍ يتصَدَّقُ به 4. قال: «فَإنِّي سَأعِينُه بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ».
فقُلْتُ: يا رسولَ الله، فإنِّي سأعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ.
قال: «قَدْ أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي عنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ».
قال الأصْمَعِيُّ: العَرَق، بفَتْحِ العَينِ والرَّاءِ: هو ما سُفَّ 5 مِن خُوصٍ، كالزِّنْبِيل الكبيرِ.
وروَى أيضًا 6، بإسْنادِه عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ، قال: كنت أصِيبُ مِن النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غيرِي، فلمَّا دَخَلَ = في المسند 6/ 410، 411: وأصل الحديث عند البخاري معلقا، انظر: باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ من كتاب التوحيد.
صحيح البخاري 9/ 144.
..................................
شَهْرُ رَمضانَ، خِفْتُ أن أصِيبَ مِن امرَأتِي شيئًا يَتَتايَعُ 1 حتى أصْبِحَ، فظاهَرْتُ منها حتى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ، فبَينا 2 هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيلَةٍ، إذ تَكَشَّفَ لي منها شيءٌ، فلم ألْبَثْ أن نَزَوْتُ عليها 3، فلمَّا أصْبَحْتُ خَرَجْتُ إلى قَوْمِي، فأخْبَرْتُهم الخبرَ، وقُلْتُ: امْشُوا معي إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. قالُوا: لا واللهِ.
فانْطَلَقْت إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأخْبَرْتُه الخبرَ، فقال: «أنْتَ بذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟» 4 فقُلْتُ: أنا بذَاكَ يا رسولَ اللهِ، وأنا صابِر لحُكْمِ اللهِ، فاحْكُمْ فِيَّ ما أراكَ الله.
قال «حَرِّرْ رَقَبَةً» قُلْتُ: والذي بعثك بالحَقِّ ما أمْلِكُ رَقَبَةً غيرَها 5، وضَرَبْتُ صَفحَةَ رَقَبَتِي.
قال: «فَصُمْ شَهْرَينْ مُتَتَابعَين».
قُلْتُ: وهل أصَبْتُ [الذي أصَبْتُ] 6 إلَّا مِن الصِّيامِ؟ قال: «فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِن تَمْر بَينَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لقد بِتْنا وَحْشَين 7، ما لنا طَعامٌ.
قال: «فَانْطَلِقْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيكَ».
قال: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِن تَمْر، وكُلْ أنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيتَّهَا».
فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي، فقلتُ: وَجَدْتُ عندَكُم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأي، وَوَجَدْتُ عندَ رسولِ اللهِ
وَهُوَ أنْ يُشَبِّهَ امْرَأتهُ أوْ عُضْوًا مِنْهَا، بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيهِ عَلَى التَّأبِيدِ، أوْ بِهَا أوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَيَقُولَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي.
أوْ: كَيَدِ أخْتِي.
أوْ: كَوَجْهِ حَمَاتِي.
أوْ: ظَهْرُكِ.
أوْ: يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْر أمِّي.
أوْ: كَيَدِ أخْتِي.
أوْ: خَالتِي.
مِنْ نَسَبٍ أوْ رَضَاعٍ.
- صلى الله عليه وسلم - السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأي، وقد أمَرَ لي بصَدَقَتِكُم.
3717 -
مسألة: (والظِّهارُ أن يُشَبِّهَ امْرأتَه أو عُضْوًا منها، بظَهْرِ مَن تَحرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، أو بها أو بعُضْوٍ منها، فيَقُولَ: أنْتِ علَيَّ كظَهْرِ أمِّي.
أو: كَيَدِ أخْتِي.
أو: كوَجْهِ حَمَاتِي.
أو)
يَقُولَ: (ظَهْرُكِ.
أو: يَدُكِ عَلَيَّ كظهْرِ أمِّي.
أو: كيَدِ أخْتِي.
أو: خالتي.
مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ) فمتى شَبَّه امْرَأتَه بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، فقال: أنت عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي [أو أختي.
فهو مظاهِرٌ، وهُنَّ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: أنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي] 1. فَهذَا ظِهارٌ
..................................
إجْماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ تَصْرِيحَ الظِّهارِ أن يقولَ: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي.
وفي حديثِ خُوَيلَةَ امرأةِ أوْسِ بنِ الصامت، أنه قال لها: أنتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي.
فذَكَرَ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَه بالكفَّارَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أن يُشَبِّهَها بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه مِن ذَوي رَحِمِه، كجَدَّتِه وعَمَّتِه وخالتِه واخْتِه.
فهذا ظِهار في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، وعَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثوْرِيُّ، والأوْزَاعِي، ومالك، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرّأي.
وهو جَدِيدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في القَدِيمِ: لا يكونُ الظهارُ إلَّا بَامٍّ [أو جَدَّةٍ] 1؛ لأنَّها أم أيضًا؛ لأنَّ اللفْظَ الذي وَرَدَ به القُرآنُ مُخْتَصٌّ بالأمِّ، فإذا عدَلَ عنه، لم يتَعَلَّقْ به ما أوْجَبَه الله تعالى فيه.
ولَنا، أنَّهُن مُحَرماتٌ بالقَرابَةِ، فأشْبَهْنَ الأمَّ.
وأمَّا الآيَةُ فقد قال فيها: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وهذا مَوْجُود في مَسْألتِنا، فجَرَى مَجْراه وتَعْليقُ الحُكمِ بالأمِّ لا يَمْنَعُ الحُكْمَ في غيرِها إذا كانت مِثْلَها.
الثالِثُ، أن يُشَبِّهَها بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه على التأبِيدِ سِوى الأقارِبِ، كالأمَّهَاتِ المُرْضِعاتِ، والأخَواتِ مِن الرَّضاعَةِ، وحلائلِ الآباءِ والأبناءِ، وأمهاتِ النِّساءِ، والرَّبائبِ اللاتِي
..................................
دَخَلَ بأمِّهِنَّ، فهو ظِهار أيضًا.
والخِلافُ فيها كالتي قَبْلَها.
ووَجْهُ المذْهَبَينِ ما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُ في الأمَّهاتِ المُرْضِعاتِ 1 دُخُولُها في عُمُومِ الأمَّهاتِ، وسائِرُهُنَّ في مَعْناها، فيَثْبُتُ فيهنَّ حُكْمُها.
فصل: فإن قال: أنتِ عندي.
أو: مِني.
أو: مَعِي كظَهْرِ أمِّي.
كان ظِهارًا بمَنْزِلَةِ «عَلَيَّ»؛ لأنَّ هذه الألْفاظَ في مَعْناه.
وإن قال: جُمْلتكِ.
أو: بَدَنُك 2. أو: جسْمُكِ.
أو: ذَاتُكِ 3. أو: كُلُّكِ 4 عَلَي كظَهْرِ أمِّي.
كان ظِهارًا؛ لأَنَّه أشار إليها، فهو كقولِه: أنتِ.
وإن قال: أنتِ كظَهْرِ أمِّي.
كان ظِهارًا؛ لأنه أتَى بما يَقتَضِي تَحْرِيمَها عليه، فانْصَرفَ الحكمُ إليه، كما لو قال: أنتِ طالق.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: ليس بظِهارٍ؛ لأنَّه أليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك في حَقِّه.
وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّها إذا كانت كظَهْرِ أمِّه، فظَهْرُ أمِّه مُحَرَّمٌ عليه.
وأمَّا إذا شَبَّهَ عُضْوًا مِن امْرأتِه بظَهْرِ أمِّه أو عُضْو 5 مِن أعْضائِها، فهو مُظاهِرٌ، فلو قال: فَرْجُكِ -أو- ظهْرُكِ -أو- رأسُكِ -أو- جلْدُكِ كظَهْرِ أمِّي -أو- بَدنِها -أو- رَأسِها -أو- يَدِها.
فهو مُظاهِرٌ.
وبهذا قال مالكٍ.
وهو
..................................
نَصُّ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِواية أخْرَى، أنَّه ليس بمُظاهِر حتى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرأتِه؛ لأنَّه لو حَلَفَ باللهِ لا يَمسُّ عُضْوًا منها, لا يَسْرِي إلى غيرِه، فكذلك المُظاهَرَةُ 1، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوص عليه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصٍ؛ لأن تَشْبِيهَه بِجُمْلَتِها تَشْبِية بمَحَلِّ الاستِمْتاعِ بما يتَأكَّدُ تَحْريمُه، وفيه تحْريمٌ لجُمْلَتِها، فيكونُ آكَدَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن شَبَّهَها بما يَحْرُمُ النَّظَرُ إليه مِن إلَّا، كالفَرْجِ والفَخِذِ ونحوهما، فهو مُظاهِرٌ، وإن لم يحْرُمِ النَّظَرُ إليه، كالرأسِ والوَجْهِ، لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ [لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إليه، فلم يَكُنْ مُظاهِرًا، كما لو شَبَّهها بعُضْو زوجةٍ له أخْرَى.
ووَجْهُ الأولى، أنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ] 2 مِن أمِّه، فكان مُظاهِرًا، كما لو شَبهها بظَهْرِها، وفارَقَ الزَّوْجَةَ؛ فإنه لو شَبَّهَها بظَهْرِها لم يكُنْ مُظاهِرًا، والنظَرُ إن لم يَحْرُمْ، فإن التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ، وهو المُسْتَفادُ بعَقْدِ النِّكاحِ.
فصل: فإن قال: كشَعَرِ أمِّي، أو: سنِّها، أو: ظُفُرِ ها.
أو شَبَّهَ شيئًا مِن ذلك مِن امْرأتِه بأمِّه، أو بعُضْوٍ مِن أعْضمائِها, لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّها ليستْ مِن أعْضاءِ الأمِّ الثابِتَةِ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليها، فكذلك الظِّهارُ.
وكذلك إن قال: برُوحِ أمِّي.
فإنَّ الرُّوحَ لا تُوصَفُ بالتَّحْريمِ، ولا هي مَحَل للاسْتِمْتاعِ.
وكذلك الرِّيقُ، والعَرَقُ، والدَّمُ.
فإن قال:
..................................
وَجْهِي مِن وَجْهِكِ حرامٌ.
فليس بظِهارٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شيءٌ يقولُه النَّاسُ، ليس بشيءٍ.
وذلك لأن هذا يُسْتَعْمَلُ كثيرًا في غيرِ الظِّهارِ، ولا يُؤَدِّي مَعْنَى الظِّهارِ، فلم يكُنْ ظِهارًا، كما لو قال: لا أكَلِّمُكِ.
فصل: فإن قال: أنا مُظاهِر.
أو: عَلَى الظِّهارُ.
أو: عليَّ الحَرامُ.
أو: الحرامُ لِي لازِمٌ.
ولا [نِيَّةَ له] 1، لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الظِّهار، [ولا نوَى به الظِّهارَ] 2. وإن نَوَى به الظِّهارَ، أو اقْتَرنَت به قَرِينَة تدُلُّ على إرادَةِ الظِّهارِ، مثلَ أنْ يُعَلِّقَه على شَرْطٍ، مثِلَ أن يقولَ: علَيَّ الحرامُ إن كَلَّمْتُكِ.
احْتَمَلَ أن يكونَ ظِهارًا؛ لأنَّه أحَدُ نوْعَيْ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فصَحَّ بالكِنايَةِ مع النِّيَّةِ 3، كالطَّلاقِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ الظِّهارُ به؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ به بصَرِيحِ لَفْظِه، وهذا ليس بصَريحٍ فيه، ولأنَّه يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بغيرِ الصَّريحِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
فصل: يُكْرَهُ أن يُسَمِّيَ الرجلُ امْرأتَه بمَن تَحْرُمُ عليه، كأمّه، وأخْتِه، وبِنْتِه؛ لِمَا روَى أبو داودَ 4، بإسْنادِه عن أبي تَمِيمَةَ 5
وإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَأمِّي.
كَانَ مُظَاهِرًا.
وَإنْ قَال: أرَدْتُ كَأمِّي في الْكَرَامَةِ، أَوْ نَحْوهِ.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ في الْحُكْمِ؟ يُخَرجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الهجَيمِيِّ، أنَّ رَجلًا قال لامْرأتِه: يا أُخَيَّةُ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أخْتكَ هِيَ!».
فكَرِهَ ذلك، ونَهَى عنه.
ولأنه لَفْظٌ يُشْبهُ لَفْظَ الظِّهارِ (1). ولا تَحْرُمُ بهذا, ولا يَثْبُتُ حكمُ الظِّهارِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُلْ له: حَرُمَتْ عليكَ.
ولأنّ هذا اللّفْظَ ليس بصَريح في الظهار ولا نواه به، فلا يَثْبُت التَّحْريمُ.
وفي الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ أرْسَلَ إليه جَبَّارٌ، فسأله عنها -يَعْنِي عن سارَةَ- فقال: إنَّها أخْتِي (2). ولم يَعُدّ ذلك ظِهارًا.
3718 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ عَليَّ كأمِّي. كان مُظاهِرًا. فإن قال: أرَدْتُ كأمِّي في الكَرامَةِ، أو نَحْوهِ. دُيِّنَ. وهل يقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخرَّجُ على رِوايَتَين)
إذا قال: أنتِ عليَّ كأمِّي.
أو: مِثْلُ أمِّي.12
..................................
ونَوَى به 1 الظِّهارَ، فهو ظِهارٌ، في قولِ عامّةِ العُلَماءِ؛ منهم أبو حنيفةَ وصاحباه، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وإنْ أطْلَقَ، فقال أبو بَكْر: هو صَريحٌ في الظِّهارِ.
وهو قول مالكٍ، ومحمدِ بنِ الحسَنِ.
وقال ابن أبي موسى: فيه رِوايتان، أظْهَرهما أنه ليس بظِهارٍ حتى يَنْويَه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ هذا يسْتَعْمَلُ في الكَرامَةِ 2 أكثرَ ممَّا يُسْتعمل في التّحريمِ، فلم يَنصَرِفْ إليه بغير نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ.
والثَّانية هو ظِهارٌ؛ لأنَّه شَبَّهَ امْرأتَه بجُمْلَةِ أُمِّه، فكان مُشَبِّهًا لها بظَهْرِها، فيَثْبُت الظِّهارُ كما لو شَبَّهَهَا به مُنْفَرِدًا.
قال شيخُنا 3: والذي يَصِحُّ عندِي في قياسِ المذْهَبِ، أنه أن وُجِدَتْ قَرِينة تدلُّ على الظِّهارِ، مثلَ أن يُخْرِجَه مَخْرَجَ الحَلِفِ، فيقولُ: إن فعلتِ كذا فأنتِ عليَّ مثلُ أمِّي.
أو قال ذلك حال الخصُومَةِ والغَضَبِ، فهو ظِهارٌ؛ لأنه إذا أخْرَجَه مَخرَجَ الحَلِفِ،
..................................
فالحَلِفُ يرادُ للامْتِناعِ مِن شيءٍ أو الحَثِّ عليه، وإنَّما يحْصُلُ ذلك بتَحْريمِها عليه، ولأنَّ كَوْنَها مثلَ أمِّه في صِفَتِها وكرامَتِها, لا يتَعَلَّقُ بشَرْطٍ، فيدُلُّ على أنَّه إنَّما أراد الظِّهارَ؛ ووُقُوعُ ذلك في حالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ، دليلٌ على أنَّه أراد به ما يتَعَلَّقُ بأذاها 1، ويُوجِبُ اجْتِنابَها وهو الظِّهارُ.
وإن عُدِمَ ذلك فليس بظِهارٍ؛ لأنه مُحْتَمِل لغيرِه احْتِمالًا كثيرًا، فلا يتَعَيَّنُ الظِّهارُ فيه بغيرِ دليل.
ونحوُه قولُ أبي ثَوْرٍ.
فأمَّا إن قال: أرَدْتُ كأمِّي في الكرامَةِ، ونحو ذلك.
فإنَّه يُدَيَّنُ؛ لأنَّ ما قاله مُحْتَمِلٌ، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
اخْتارَه شيخُنا 2؛ لأنَّه لمَّا احْتَمَلَ الظِّهارَ وغيرَه، ترَجَّحَ عَدَمُ الظِّهارِ بدَعْوَى الإرادَةِ.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه لما قال: أنتِ علي كأمِّي.
اقْتَضَى أن يكونَ عليه فيها تحْرِيمٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وَإنْ قَال: أَنْتِ كَأُمِّي.
أَوْ: مِثْلُ أمِّي.
فَذَكَرَ أبو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَينِ.
وَالأوْلَى أنَّ هَذَا لَيسَ بِظِهَارٍ، إلا أنْ يَنْويَهُ، أو يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ.
3719 - مسألة: (وإن قال: أنتِ كأمِّي. أو: مِثْلُ أمِّي)
ولم يَقُلْ: عَلَيَّ.
ولا: عِنْدِي.
فإن نَوَى 1 به الظِّهارَ، كان ظِهارًا؛ لأنه يَحْتَمِلُه.
قال شيخُنا 2: وحكْمُه؛ إذا قال: أنتِ عَلَيَّ كأمِّي.
أو قال: أنتِ أمي.
أو: امْرأتِي أمي (1). إن نواه، أو كان مع الدليلِ الصَّارِفِ له إلى الظِّهارِ، فهو ظِهارٌ، وإلَّا فلا.
(وذكَرَ أبو الخَطابِ فيها رِوايَتَين) مثلَ قَوْلِه: أنتِ علَيَّ كأمي (والأوْلَى أنَّ هذا ليس بظِهارٍ) إذا أطْلَقَ؛ لأنَّه ليس بصَريح في الظهارِ، لكَوْنِه غيرَ اللَّفْظِ المُسْتَعْملِ فيه، فلا يكونُ ظِهارًا بغيبرِ نِيَّةٍ، كما لو قال: أنتِ كبيرة مثلُ أمي.
ولأنَّه يَحْتَمِلُ التَّشْبيهَ في التَّحريمِ وغيرِه، فلا يجوزُ أن يَتَعَيَّنَ التحْريمُ بغيرِ نِيَّةٍ.
فأمَّا إن قال: أمي امْرأتِي.
أو: مِثْلُ امْرأتِي.
لم يكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه تَشْبِيهٌ لأمِّه، ووصْفٌ لها, وليس بوَصفٍ لامْرأتِه.
وَإِنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أبِي.
3720 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أبي)
ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، هو ظِهارٌ؛ لأنَّه شَبَّهَها بظَهْرِ مَن يَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، أشْبَهَ الأمَّ.
وكذلك إن شَبَّهَها بظَهْرِ غيرِه مِن الرِّجالِ، أو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ البَهِيمَةِ.
أو: أنتِ عليَّ كالمَيتَةِ والدَّمِ.
قال المَيمُونِيُّ:
أوْ: كَظَهْرِ أجْنَبِيَّةٍ.
أوْ: أُخْتِ زَوْجَتِي.
أوْ: عَمَّتِهَا.
أوْ: خَالتِهَا.
فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
قلتُ لأحمدَ: إن ظاهرَ مِن ظَهْرِ الرجل؟ قال: فظَهْرُ الرجُلِ حَرامِّ، يكونُ ظِهارًا.
وبهذا قال ابنُ القاسمِ صاحبُ مالكٍ، فيما إذا قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أبي.
ورُوِيَ ذلك عن جابرِ بنِ زَيدٍ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، ليس بظِهارٍ.
وهو قولُ أكثرِ العُلماءِ؛ لأنَّه تَشْبِية بما ليس بِمَحَلٍّ للاسْتِمْتاعِ، أشبهَ ما لو قال: أنتِ عليَّ كمالِ زيدٍ.
وهل فيه كفَّارَة؟ على رِوايَتَين؛ إحداهُما، فيه كفارَة؛ لأنه نَوْعُ تَحْريم، أشْبَهَ ما لو حَرمَ ماله.
والثَّانية.
ليس فيه شيءٌ.
نقلَ ابنُ القاسمِ عن أحمدَ، في مَن شَبَّه امْرأتَه بِظَهْرِ الرجلِ: لا يكونُ ظِهارًا، ولم أرَ يَلْزَمُه فيه شيءٌ؛ وذلك لأنَّه تَشْبِية لامْرأتِه بما ليس بمَحَلٍّ للاسْتِمْتاعِ، أشْبَهَ التَّشْبِيهَ بمالِ غيرِه.
وإن قال: أنا عليكِ كظَهْرِ أَبِي (1). أو: حرامٌ.
ونَوَى به الظِّهارَ، فهل هو ظِهارٌ؟ على وَجْهَين.
ذكَرَه في «المُحَرَّرِ».
3721 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أجْنَبِيَّةٍ. أو: أُخْتِ زَوْجَتِي. أوْ: عَمَّتِها. أو: خالتِها. فعلى رِوايَتَين)
إذا شَبَّهَ امْرأتَه بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه تحْريمًا مُؤَقَّتًا، كأخْتِ امْرأتِه، أو عَمَّتِها، أو الأجْنَبِيَّةِ،1
..................................
فعن أحمدَ فيه رِوايتانِ؛ إحداهما، أنَّه ظِهار.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ أصحاب مالكٍ.
والثَّانيةُ، ليس بظِهارٍ.
وهو مذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها غيرُ مُحَرَّمَةٍ على التَّأبيدِ، فلا يكونُ التَّشْبِيهُ بها ظِهارًا، كالحائِضِ 1، والمُحْرِمَةِ مِن نِسائِه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّه شَبَّهَها بمُحَرَّمَةٍ، فأشْبَهَ ما لو شَبَّهَها بالأمِّ، ولأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِه: أنتِ عليَّ حرام.
إذا نَوَى به الظِّهارَ، ظِهارٌ 2، والتَّشْبِيهُ بالمُحَرَّمةِ تَحْريمٌ، فكان ظِهارًا.
فأمَّا الحائِضُ، فيُباحُ الاستِمْتاعُ بها في غيرِ الفَرْجِ، والمُحرِمَةُ يَحِلُّ النَّظَرُ إليها ولَمْسُها بغيرِ 3 شَهْوَةٍ، وليس في وَطْء واحدةٍ منهما حَدٌّ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
واخْتارَ أبو بَكْر أنَّ الظِّهارَ لا يكونُ إلَّا مِن ذَواتِ المَحارِمِ.
[فقال: أصلُ الظِّهارِ 4 لا يكونُ إلا مِن ذَواتِ المحارِمِ] 5 مِن النِّساءِ، قال: فبهذا أقولُ.
وَإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهرِ الْبَهِيمَةِ.
لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا.
وَإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
فَهُوَ مُظَاهِرٌ، إلا أنْ يَنْويَ طَلَاقًا أو يمِينًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أو مَا نَوَاهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
3722 - مسألةْ: (وإن قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ البَهِيمَةِ. لم يَكُنْ مُظَاهِرًا لأنَّه ليس بمَحَلّ للاسْتِمْتاعِ. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يكونُ مُظاهِرًا، كما لو شَبَّهَها بظَهْرِ أبِيه.
3723 -
مسألة: (وإن قال: أنت عَلَيَّ حَرامٌ. فهو ظِهارٌ، إلَّا أن يَنْويَ طَلاقًا أو يَمِينًا، فهل يَكُونُ ظِهارًا أو ما نواه؟ على رِوايَتَين)
إذا نَوَى به الظِّهارَ، فهو ظِهار، في قولِ عامَّتِهِم.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ،
..................................
والشافعي.
وإن نَوَى به الطَّلاقَ، فقد ذَكَرْناه في بابِ صَرِيحِ الطَّلاقِ وكِنايته.
وإن أطْلَقَ، ففيه روايتان؛ إحداهما، أنَّه ظِهارٌ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
ونصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ جماعةٍ مِن أصحابِه.
وحكاه إبراهيمُ الحَرْبِيُّ، عن عثمانَ، وابنِ عباس، وأبي قِلابَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومَيمُونِ بنِ مِهْرانَ، والبَتِّيِّ، أنَّهم قالوا: الحرامُ ظِهارٌ.
ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أن التَّحْريمَ يَمِينٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس أنَّه قال: إن 1 التَّحْرِيمَ يَمِينٌ في 2 كتاب اللهِ عزَّ وجل 3. قال اللهُ عزَّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾, ثُمَّ قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 4. وأكثرُ الفُقَهاءِ على أنَّ التَّحْريمَ إذا لم يَنْو به الظِّهارَ، فليس بظِهارٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ للآيَةِ المذْكُورَةِ، ولأنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ، منه ما هو ظِهارٍ 5 وبطلاقٍ وبحَيضٍ وإحرامٍ و [صيام، فلا] 6 يكونُ التَّحْريمُ صريحًا في واحدٍ منها, ولا يَنْصَرِفُ إليه بغيرِ نِيَّةٍ، كما لا يَنْصَرِفُ إلى تحْريمِ الطَّلاقِ.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّه تَحْريمٌ أوْقَعَه في امْرأتِه، فكان بإطْلاقِه ظهارًا، كتَشْبِيهِها بظهرِ أُمِّه.
..................................
قولُهم: إنَّ التَّحْريمَ يَتَنَوعُ.
قُلْنا: إلَّا أن تلك الأنْواعَ مُنْتَفِيَة، ولا يحْصُلُ بقَوْلِه منها إلَّا الطَّلاقُ، وهذا أوْلَى منه؛ لأنَّ الطَّلاق تَبِينُ به المرأةُ، وهذا يُحَرِّمُها 1 مع بقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فكان أدْنَى التَّحْريِمَين، فكان أوْلَى.
فأمَّا إن قال ذلك لمُحَرَّمَةٍ عليه بحَيض أو نحْوه، ونوَى الظِّهارَ، فهو ظِهارٌ، وإن قصَدَ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه بذلك، فليس بظِهارٍ، [ولا شَيءَ فيه، وإن أطْلَقَ فليس بظِهارٍ] 2؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الخبرَ عن حالِها، ويَحْتَمِلُ إنشاءَ التَّحْريمِ فيها بالظِّهارِ، فلا يتعَيَّنُ أحَدُهما بغيرِ تَعْيِينٍ.
فصل: فإن قال 3: الحِلُّ عليَّ حرامٌ.
أو: ما أحَلَّ الله عليَّ حرامٌ.
أو: ما أنْقلِبُ إليه حرامٌ.
وله امْرأة، فهو مُظاهِرٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الصُّوَرِ الثَّلاثِ؛ وذلك لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِي العُمُومَ، فيتَناولُ المرأةَ بعُمُومِه.
وإن صَرَّحَ بتَحْريمِ المرأةِ، أو نَواها، فهو آكَدُ.
قال أحمدُ في مَن قال: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ مِن أهْلٍ ومالٍ: عليه كَفَّارَةُ الظِّهارِ، هو يَمِينٌ.
ويُجْزِئُه
..................................
كفَّارَةٌ واحِدَةٌ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ هذا واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يَلْزَمُه كفَّارتان للظِّهارِ ولتحْريمِ المالِ؛ لأنَّ التَّحْريمَ يتَناوَلُهما، وكُلُّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ أوْجَبَ كفَّارَةً، فكذلك إذا اجْتَمَعا.
ولَنا، أنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فلا تُوجِبُ كفَّارَتَين، كما لو تَظاهَرَ مِن امْرَأتَين، أو حَرمَ مِن مالِه شَيئَين.
وما ذكَرَه مُنْتَقِضٌ بهذا.
وفي قولِ أحمدَ: هو يَمِينٌ.
إشارةٌ إلى التَّعْليلِ بما ذَكَرْناه؛ لأنَّ اليَمِينَ الواحِدَةَ لا تُوجِبُ أكثرَ مِن كفَّارَةٍ 1. فإن نَوَى بقَوْلِه: ما أحَل اللهُ عليَّ حرامٌ -أو غيرِه من لَفَظاتِ العُمُومِ المال، لم يَلْزَمْه إلا كفَّارَةُ يَمِين؛ لأنَّ اللَّفْظَ العامَّ يَجوزُ اسْتِعْمالُه في الخاصِّ.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى التي تقولُ: إنَّ الحرامَ بإطلاقِه ليس بظِهارٍ.
لا يكونُ ها هُنا مُظاهِرًا، إلَّا أن يَنْويَ الظهارَ.
..................................
فصل: وإن قال: أنتِ عليّ كظَهْرِ 1 أمِّي حرامٌ.
فهو صَريحٌ في الظِّهارِ، لا ينْصَرِفُ إلى غيرِه، سواءٌ نَوَى الطَّلاقَ أو لم يَنْوه.
وليس فيه اخْتِلافٌ بحَمْدِ اللهِ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالظِّهارِ، وبَيَّنَه بقَولِه: حرامٌ.
وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كظهرِ أمِّي.
أو: كأمِّي.
فكذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والقَوْلُ الثَّانِي، إذا نَوَى الطَّلاقَ فهو طَلاقٌ.
وهو قولُ أبي يوسُفَ ومحمدٍ، إلَّا أنَّ أبا يوسُفَ قال: لا أقْبَلُ قَوْلَه في نَفْي الظِّهارِ.
ووَجْهُ قوْلِهم، أنَّ قَوْلَه: أنتِ عليَّ حرام.
إذا نَوَى به الطَّلاقَ فهو طلاقٌ، وزِيادَةُ قَوْلِه: كظَهْرِ أمِّي.
بعدَ ذلك لا تَنْفِي الطَّلاقَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ كظَهْرِ أمِّي.
ولَنا، أنَّه أتَى بصَريحِ الظِّهارِ، فلم يَكُنْ طَلاقًا، كالتي قَبْلَها.
وقَوْلُهم: إنَّ التَّحْريمَ مع نِيَّةِ الطَّلاقِ طَلاق.
لا نُسَلِّمُه.
وإن سَلَّمْناه لكنَّه فَسَّرَ لَفْظَه ها هُنا بصَرِيحِ الظِّهارِ بقولِه، فكان العملُ بصَرِيحِ القَوْلِ أولَى مِن العَملِ بالنيةِ.
فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ كظَهْرِ أمِّي.
طَلُقَتْ، وسَقَطَ قَوْلُه: كظَهرِ أمِّي.
لأنَّه أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ أوَّلًا، وجَعَلَ قوْلَه: كظهرِ أمِّي.
صِفَة له.
فإن نَوَى بقولِه: كَظَهْرِ أمِّي.
تَأكِيدَ الطَّلاقِ، لم يكُنْ ظِهارًا، كما لو أطْلَقَ.
وإن نَوَى به الظِّهارَ، وكان الطَّلاقُ بائِنًا، فهو كالظهارِ مِن الأجْنَبِيَّةِ؛ لأنَّه أتَى به بعدَ بَينُونَتِها بالطَّلاقِ.
وإن كان رَجْعِيًّا، كان ظِهارًا صَحِيحًا.
ذكَرَه القاضي.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أتَى بلَفْظِ الظهارِ
..................................
في مَن 1 هي زَوْجَةٌ.
وإن نَوَى بقَوْلِه: أنتِ طالق.
الظِّهارَ، لم يَكُنْ ظِهارًا؛ لأنَّه نَوَى الظِّهارَ بصَريحِ الطَّلاقِ.
وإن قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي طالقٌ.
وقعَ الظِّهارُ والطَّلاقُ معًا، سواء كان الطَّلاقُ بائِنًا أو رَجْعِيًّا؛ لأنَّ الظِّهارَ سَبَقَ الطلاقَ.
فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ حرام.
ونَوَى الطَّلاقَ والظِّهارَ معًا، كان ظِهارًا، ولم يكُنْ طَلاقًا؛ لأنَّ اللَّفْظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أوْلَى بهذا اللَّفْظِ، فيَنْصَرِفُ إليه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يقالُ له: اخْتَرْ أيهما شِئْتَ.
وقال بعْضُهم: إن قال: أرَدْتُ الطَّلاقَ والظِّهارَ.
كان طلاقًا؛ لأنَّه بَدَأ به.
وإن قال: أرَدْتُ الظِّهارَ والطَّلاقَ.
كان ظِهارًا؛ لأنَّه بَدَأ به، فيكونُ ذلك اخْتِيارًا له، ويَلْزَمُه ما بَدَأ به.
ولَنا، أنَّه أتَى بلَفْظةِ الحرامِ يَنْوي بها الظِّهارَ، فكانت ظِهارًا، كما لو انْفَرَدَ الظِّهارُ بنِيَّته، ولا يكونُ طَلاقًا؛ لأنَّه زاحَمَتْ نِيته نِيَّةَ الظِّهارِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، والظِّهارُ أوْلَى بهذه اللَّفْظَةِ؛ لأن مَعْناهما واحِدٌ، وهو التَّحْريمُ، فيجبُ أنْ يُغَلَّبَ ما هو الأولَى، أمَّا الطَّلاقُ فإنَّ معناه الاطْلاقُ، وهو حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، وإنَّما التَّحْريمُ حُكْم له في بعضِ أحْوالِه، وقد يَنْفَكُّ عنه؛ فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُطَلَّقَةٌ مُباحةٌ.
وأمّا التَّخْيِيرُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه اللَّفْظَةَ قد ثَبَتَ حكمُها حينَ لَفَظَ بها, لكَوْنِه أهْلًا والمَحَلِّ قابلًا, ولهذا لو حَكَمْنا بأنَّه طَلاق، لكانَتْ عِدَّتُها مِن حينَ أوْقَعَ الطَّلاقَ، وليس إليه رَفْعُ حُكْم ثَبَتَ
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِح طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
وَالأقْوَى عِنْدِي أنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ ظِهَارٌ وَلَا إِيلَاءٌ؛ لأنهُ يَمِينٌ مُكَفرَةٌ، فَلَم تنْعَقِدْ في حَقهِ.
في المَحَلِّ باخْتِيارِه، وإبْدالِه بإرادَتِه.
والقولُ الآخَرُ مَبْنِي على أنَّ له الاخْتِيارَ.
وهو فاسِدٌ على ما ذَكَرْنا.
ثُمَّ إنَّ الاعْتبارَ بجَمِيعِ لَفْظِه، لا بما بَدَأ به، ولذلك 1 لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه.
لم يَلْزَمْه طَلاقُ الأولَى.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (ويَصِحُّ مِن كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُه، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا) كُل زَوْج صَحَّ طَلاقُه صَحَّ ظِهارُه، وهو البالِغُ العاقِلُ، مسْلِمًا كان أو كافِرًا، حُرًّا أو عَبْدًا.
قال أبو بَكْر: وظِهارُ السَّكْرانِ مَبْنِي على طَلاقِه.
قال القاضي: وكذلك ظِهارُ الصَّبِيِّ مَبْنِي على طَلاقِه.
قال شيخُنا: (والأقْوَى عندِي أنَّه لا يَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ ظهارٌ ولا إيلاءٌ؛ لأنَّها يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكفَّارَةِ، فلم تَنْعَقِدْ) منه 2، كاليَمِينِ باللهِ
..................................
تعالى، ولأنَّ الكفَّارَةَ وجَبَتْ لِمَا فيه مِن قَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، وذلك مَرْفوعٌ عن الصَّبِيِّ؛ لكَوْنِ القَلَمِ مَرْفُوعًا عنه.
فأمَّا ظِهارُ 1 العَبْدِ، فهو صَحِيحٌ.
وقيلَ: لا يَصِحُّ ظِهارُه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 2. والعبدُ لا يَمْلِكُ الرِّقابَ.
ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ يَصِحُّ طَلاقُه، فصَحَّ ظِهارُه، كالحُرِّ.
وأمَّا إيجابُ الرَّقَبَةِ، فإنَّما هو على مَن يَجِدُها, ولا يُنْفَى الظِّهارُ في حَقِّ مَن لم يَجِدْها، كالمُعْسِرِ، فَرْضُه الصِّيامُ.
ويَصِحُّ ظِهارُ الذِّمِّيِّ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ منه 3؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَصِحُّ منه، وهي الرَّافِعَةُ للتَّحْريمِ، فلا يصِحُّ منه التَّحْرِيمُ، ودليلُ أنَّ الكفَّارَةَ لا تصِحُّ منه، أنَّها عبادةٌ (3) تَفْتَقِرُ إلى النيةِ، فلا تصِحُّ منه، كسائرِ العباداتِ.
ولَنا، أنَّ
..................................
مَن صَحَّ طلاقُه صَحَّ ظِهارُه، كالمسلمِ.
فأمَّا ما ذَكَرُوه فيَبْطُلُ بكفَّارَةِ الصَّيدِ إذا قَتَلَه في الحَرَم، وكذلك الحَدُّ يُقامُ عليه.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّكْفِيرَ لا يصِحُّ منه؛ فإنَّه يصحُّ منه العِتْقُ، وإنَّما لا يصِحُّ منه الصِّيامُ، فلا تمتنعُ صِحَّةُ الظِّهارِ بامْتِناعِ بعْضِ أنواعِ الكفَّارَةِ، كما في حَقِّ العَبْدِ.
والنيةُ إنَّما تُعْتَبَرُ لتَعْيينِ الفِعْلِ للكفَّارَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ذلك في حَقِّ الكافِرِ، كالنيَّةِ في كِناياتِ الطَّلاقِ.
ومَن يُخْنَقٌ 1 في الأحْيانِ، يصِحُّ ظِهارُه في إفاقَتِه، كما يصِح طلاقُه فيه.
وَيَصِح مِن كل زَوْجَةٍ،
فصل: ومَن لا يصِحُّ طَلاقُه لا يصحُّ ظِهارُه، كالطِّفْلِ، والزَّائِل العَقْلِ بجُنونٍ، أو إغْماءٍ، أو نَوْم، أو غيرِه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرأي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا, ولا يصِحُّ ظِهارُ المُكْرَهِ.
وبه قال الشافعيّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يوسفَ: يصِحُّ ظِهارُه.
والخِلافُ في ذلك مَبْنِي على الخِلافِ في صِحَّةِ طَلاقِه.
وقد مَضَى ذكْرُه (1).
3724 -
مسألة: (ويَصِحُّ مِن كلِّ زَوْجَةٍ)
كبِيرَةً كانت أو صَغِيرَةً، مُسْلِمَةً أوْ ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤهَا أو غيرَ مُمْكِن.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يصِحُّ الظِّهارُ ممَّن لا يُمْكِنُ وَطْؤُها؛ لأن1
فَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ أمَتِهِ، أوْ أُمِّ وَلَدِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ.
الظِّهارَ لتَحْريمِ وَطْئِها، وهو مُمْتَنِعٌ منه بغيرِ اليَمِينِ.
ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ، ولأنَّها زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلاقُها، فَصحَّ الظِّهارُ منها كغيرِها.
3725 -
مسألة: (فإن ظَاهرَ مِن أمَتِه، أو أمِّ وَلَدِه، لم يَصِحَّ، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين. ويَحْتَمِلُ أن تَلزمَه كَفَّارَةُ ظِهَارٍ)
وممَّن رُوِيَ عنه أنَّه لا يصِحُّ الظِّهارُ منهما؛ ابنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرو، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه.
ورُوِيَ عن الحسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخعِيِّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وسليمانَ بنِ يَسارٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، في الظِّهارِ مِن الأمَةِ كفَّارَة تامَّةٌ؛ لأنَّها مُباحَة له، فصَحَّ الظِّهارُ منها كالزَّوْجَةِ.
وعن الحسَنِ، والأوْزَاعِيِّ، إن كان يَطَؤُها فهو ظِهارٌ،
..................................
وإلَّا فلا؛ لأنَّه إذا لم يَطَأها فهو كتَحْريمِ مالِه.
وقال عَطاءٌ: عليه نِصْفُ كفَّارَةِ حُرةٍ؛ لأنَّ الأمَةَ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ في كثير مِن أحْكامِها، وهذا مِنِ أحْكامِها، فتكونُ على النِّصْفِ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 1 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
فخَصَّهُنَّ به، ولأنه لَفْظ تَعَلَّقَ به تَحْريمُ الزَّوْجَةِ، فلا تَحْرُمُ به الأمَةُ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الظِّهارَ كان طلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فنُقِلَ حُكْمُه وبَقِيَ مَحَلُّه.
قال أحمدُ: قال أبو قِلابَةَ، وقَتادَةُ: إنَّ الظِّهارَ كان طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ.
ويَلْزَمُه كفَّارَةُ يَمِين؛ لأنَّه تَحْريمٌ لمُباحٍ مِن مالِه، فكانت فيه كفَّارَةُ يَمِين, كتَحْريمِ سائِرِ مالِه.
قال نافع: حَرَّمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جارِيَتَه، فأمَرَه الله أن يُكَفِّرَ يَمِينَه 2. وعن أحمدَ، عليه كفَّارَةُ ظِهارٍ؛ لأنَّه أتَى بالمُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزُّورِ.
وكما لو قالتِ المرأةُ لزَوْجِها: أنتَ عليَّ كظَهْرِ أبي 3. قال أبو بَكْرٍ: لا يتَوَجهُ هذا على مَذْهَبه؛ لأنَّه لو كانت عليه كفَّارَةُ ظِهارٍ كان ظِهارًا.
ويحْتَمِل أن لا يَلْزَمَه شيءٌ.
قاله أبو الخَطَّابِ، بِناءً على قَوْلِه في المرأةِ إذا قالت لزَوْجِها: أنتَ
وَإنْ قَالتِ الْمَرأة لِزَوْجِهَا: أنت عَلَيَّ كَظَهْرِ أبي.
لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً،
عليَّ كظَهْرِ أبي.
لا يَلْزَمُها شيءٌ.
فإن قال لأمَتِه: أنتِ عليَّ حرامٌ.
فعليه كفَّارَةُ يَمِين؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوْلِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
نزَلَتْ في تَحْريمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لجارِيته في قَوْلِ بعْضِهم.
ويُخَرَّجُ على الرِّوايَةِ الأخْرى أن تَلْزَمَه كفَّارَةُ ظِهارٍ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ.
والأوَّلُ هو الصحِيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
3726 -
مسألة: (وإن قالتِ المرأةُ لزَوْجِها: أنتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أبي. لم تَكُنْ مُظاهِرَةً)
وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا قالت لزَوْجِها 1: أنتَ عليَّ كظَهْرِ أبي.
أو قالت: إن تَزَوَّجْتُ فُلانًا فهو عَلَيَّ كظَهْرِ أبي.
فليس ذلك بظِهارٍ.
قال القاضي: لا تكونُ مُظاهِرَةً، رِوايةً واحِدَةً.
وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٍ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
وقال الزُّهْرِيُّ والأوْزَاعِيُّ: هو ظِهارٌ.
ورُوِيَ ذلك
وَعَلَيهَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ.
وَعَنْهُ، كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، لَا شَيْءَ عَلَيهَا.
عن الحسَنِ، والنَّخَعِيِّ، إلَّا أنَّ النَّخَعِيَّ قال: إذا قالت ذلك بعدَ ما تُزَوَّجُ 1 فليس بشيء 2. ولعَلَّهم يحْتَجُّونَ بأنها أحَدُ الزَّوْجَين ظاهَرَ مِن الآخرِ، فكان مُظاهِرًا كالرجل.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 3 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
فخصَّهُم بذلك، ولأنَّه قَوْل يُوجِبُ تَحْرِيمًا في الزَّوْجة، يملكُ الزَّوْجُ رَفْعَه، فاخْتَصَّ به الرجلُ، كالطلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ في المرْأةِ حق للرّجُلِ، فلم تَمْلِكِ المرْأةُ إزالتَه، كسائِرِ حُقوقِه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فاخْتُلِفَ عن أحمدَ في الكفَّارَةِ، فنقَلَ عنه جماعَة: عليها كفَّارَةُ الظِّهارِ؛ لِما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن إبراهيمَ، أنَّ عائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قالت: إن تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بنَ الزُّبَيرِ، فهو عليَّ كظَهْرِ أبي.
فسألتْ أهلَ المدينَةِ، فرَأوا أنَّ عليها الكفَّارَةَ.
ورَوى عليُّ بنُ مُسْهِر، عن الشَّيبانِيِّ، قال: كنتُ جالِسًا في المسْجِدِ، أنا وعبدُ الله بنُ المُغَفَّلِ المُزَنِي 4،
..................................
فجاء رجل حتى جلَسَ إلينا، فسألْتُه: مَن أنْتَ؟ فقال: أنا مَوْلًى لعائِشَةَ بنتِ طَلْحَةَ، أعْتَقَتْنِي عن ظِهارِها، خَطَبَها مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيرِ، فقالت: هو عليّ كظَهْرِ أبي إن تزَوَّجْتُه.
ثم رَغِبَتْ فيه بَعْدُ، فاسْتَفْتَتْ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهم يومَئذٍ كثير، فأمَرُوها أن تُعْتِقَ رَقَبَةً وتَتَزَوَّجَه، فَتَزَوَّجَتْه وأعْتَقَتْني.
ورَوى سعيدٌ 1 هذَينِ الخَبَرَين 2 مُخْتَصَرَين.
ولأنَّها زَوْجٌ أتَى بالمُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزورِ، فلَزِمَه كفّارَةُ الظِّهارِ كالآخَرِ، ولأنَّ الواجِبَ كفَّارَةُ يَمِين، فاسْتَوَى فيها الزَّوْجانِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، عليها كفَّارَةُ يَمِينِ.
قال أحمدُ: قد ذهبَ عَطاءٌ مذْهَبًا حَسَنًا، جَعَلَه بمَنْزِلَةِ مَن حَرَّمَ على نفْسِه شيئًا [مثلَ الطَّعامِ] 3 وما أشْبَهَه.
وهذا أقْيَسُ على مذهبِ أحمدَ وأشْبَهُ بأصُولِه؛ لأنه ليس بظِهارٍ، ومُجَرَّدُ المُنْكَرِ مِن القَوْلِ والزورِ لا يُوجبُ كفَّارَةَ الظهارِ، بدليلِ سائرِ الكَذِبِ، والظِّهارِ قبلَ العَوْدِ، والظِّهارِ مِن أمَتِه وأمِّ وَلَدِه، ولأنَّه تحْريمٌ لا يُثْبِتُ التَّحْريمَ في المَحَلِّ، فلم يُوجب كفَّارَةَ الظهارِ، كتَحْريمِ سائرِ الحَلالِ، ولأنَّه ظِهارٌ مِن غيرِ امْرأتِه، فأشْبَهَ الظِّهارَ مِن
وَعَلَيهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
أمَتِه، وما رُوِيَ عن عائشة بنتِ طلحةَ في عتْقِ الرَّقَبَةِ، فيَجُوزُ أن يكونَ إعْتاقُها تكْفِيرًا لِيَمينها، فإنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ أحَدُ خِصَالِ كفَّارَةِ اليَمِينِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لكَوْنِ الموْجُودِ منها ليس بظِهارٍ، وكلامُ أحمدَ في روايةِ الأثْرَمِ، لا يَقْتَضِي وُجوبَ كفَّارَةِ الظِّهارِ، وإنَّما قال: الأحْوَطُ أن يُكَفِّرَ.
وكذا حكاه (1) ابنُ المُنْذِرِ.
ولا شَكَّ أنَّ الأحْوَطَ التَّكْفِيرُ بأغْلَظِ الكفَّاراتِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالثة، لا شيءَ عليها.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه قَوْلٌ مُنْكَرٌ وزُورٌ، وليس بظِهارٍ، فلم يُوجِبْ كفَّارَةً، كالسَّبِّ والقَذْفِ.
وإذا قُلْنا بوُجوبِ الكفَّارَةِ عليها، فلا تجبُ عليها حتى يَطَأها وهي مُطاوعَةٌ.
فإن طَلَّقَها، أو مات أحَدُهما قبلَ وَطْئِها، أو أكرَهَها على الوَطْءِ، فلا كفَّارَةَ عليها؛ لأنَّها يَمِينٌ، فلم تجبْ كفَّارَتُها قبلَ الحِنْثِ فيها، كسائِرِ الأيمانِ.
ويجوزُ تَقْدِيمُها لذلك.
3727 -
مسألة: (وعليها تَمْكِينُ)
زَوْجها مِن وَطْئِها (قبلَ التَّكْفِيرِ) لأنَّه حَق له عليها، فلا يَسْقُطُ بيَمِينها, ولأَنَّه ليس بظِهارٍ، وإنَّما هو تحْرِيمٌ للحَلالِ، فلا يُثْبِتُ تَحْرِيمَها، كما لو حَرَّمَ طعامَه.
وقيلَ: ظاهِرُ1
..................................
كلامِ أبي بَكْرٍ، أنَّها لا تمَكِّنُه قبلَ التَّكْفيرِ، إلْحاقًا بالرَّجلِ.
وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ الرجلَ ظِهارُه صَحِيحٌ، وظِهارُ المرأةِ غير صَحِيح، ولأنَّ حِلَّ الوَطْءِ حَق للرَّجُلِ، فَمَلَكَ رَفْعَه، وهو حَق عليها، فلا تَمْلِكُ إزالتَه.
وَإنْ قَال لأجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي.
لَمْ يَطَأهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتى يُكَفِّرَ.
3728
- مسألة: (وَإن قال لأجْنَبِيَّةٍ: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي.
لم يَطَأها إن تَزَوَّجَها حَتَّى يُكَفِّرَ) الظِّهارُ مِن الأجْنَبِيَّةِ صحيحٌ، سواءٌ قال ذلك لامْرأةٍ بعَينها، أو قال: كُلُّ النِّساءِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وسواءٌ أوْقَعَه مُطْلَقًا، أو عَلَّقَه على التَّزْويجِ، فقال: كُلُّ امرأةٍ أتزَوَّجُها فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
ومتى تزَوَّجَ التي ظاهَرَ منها, لم يَطَأها حتى يُكَفِّرَ.
يُرْوَى نحوُ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، وعَطاء، والحسَنُ، ومالك، وإسْحاقُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ حكمُ الظِّهارِ قبلَ التَّزْويجِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ورُوِيَ ذلك في ابنِ عباس؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 1 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
والأجْنَبِيَّةُ ليستْ مِن نِسائِه، ولأنَّ الظِّهارَ يَمِينٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بحُكْمِها مُقَيَّدًا بنِسائِه، فلم يَثْبُتْ حُكْمُها في الأجْنَبِيَّةِ،
..................................
كالإيلاءِ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 1 مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
كما قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 2. ولأنَّها ليست بزَوْجَةٍ، فلم يَصِحَّ الظِّهارُ منها، كأمَتِه، ولأَنه حَرَّمَ مُحَرَّمَة، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قال: أنتِ حرامٌ.
ولأَنه نَوْعُ تَحْريم، فلم يتَقَدَّمِ النِّكاحَ، كالطَّلاقِ.
ولَنا، ما روَى الإمامُ أحمدُ 3 بإسْنادِهِ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَنه قال في رجل قال: إن تَزَوَّجْتُ فُلانةَ فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
فتَزَوَّجَها.
قال: عليه كَفَّارَةُ الظِّهارِ.
ولأنَّها يَمِين مُكَفَّرَةٌ، فصَحَّ انْعِقَادُها قبلَ النِّكاحِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
وأمَّا الآيَةُ، فإنَّ التَّخْصِيصَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الانْسانَ إنَّما يُظاهِرُ من نِسائِه، فلا يُوجبُ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بهنَّ، كما أنَّ تخْصِيصَ الرَّبِيبَةِ التي في حِجْرِه بالذِّكْرِ، لم يُوجِبِ اخْتِصاصَها بالتَّحْريمِ.
وأمَّا الإِيلاءُ، فإنَّما اخْتَصَّ حُكْمُه بنِسائِه؛ لكَوْنِه يَقْصِدُ الإِضْرارَ بهنَّ دُونَ غَيرِهنَّ، والكفَّارَةُ وجَبَتْ ها هُنا لقَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، فلا يَخْتَصُّ ذلك بنِسائِه، ويُفارِقُ الظِّهارُ الطَّلاقَ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النكاحِ، ولا يُمْكِنُ حَلُّه قَبْلَ عَقْدِه، والظِّهارُ تحْريمٌ للوَطْءِ، فيَجوزُ تَقْدِيمُه على العَقْدِ
..................................
كالحَيضِ.
الثاني، أنَّ الطَّلاقَ يَرْفَعُ العَقْدَ، فلم يَجُزْ أن يَسْبِقَه، وهذا لا يَرْفَعُه، وإنَّما يُعَلِّقُ الإِباحةَ على شَرْطٍ، فجاز تَقَدُّمُه، وأمَّا الظِّهارُ مِن الأمَةِ، فقد انْعَقَدَ يَمِينًا وَجَبَتْ به الكفَّارَةُ، ولم تَجِبْ كفَّارَةُ الظِّهارِ؛ لأنَّها ليستِ امْرأةً له حال التَّكْفيرِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: إذا قال: كلُّ امْرأةٍ أتَزَوَّجُها، فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وقُلْنا بصِحَّة الظِّهارِ مِن الأجْنَبِيَّةِ، ثم تَزَوَّج نساءً، وأراد العَوْدَ، فعليه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، سواء تَزَوّجَهُنَّ في عَقْدٍ أو في عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عُرْوَةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها يَمِين واحِدَة، فكَفَّارَتُها واحِدَة.
كما لو ظاهَرَ مِن أرْبَعِ نساءٍ بكَلِمَةٍ واحدةٍ.
وعنه، أنَّ لكُل عَقْدٍ كَفَّارَةً؛ فلو تَزَوَّجَ اثْنَتَين في عَقْدٍ، وأراد العَوْدَ، فعليه, كفَّارَة واحدة، ثم إذا تزَوَّجَ أخْرَى، وأرادَ العَوْدَ، فعليه كفَّارَة أخْرَى.
ورُوِيَ ذلك عن إسْحاق؛ وإن المرأةَ الثّالثَةَ وُجِدَ العَقْدُ عليها الذي يَثْبُت به الظِّهارُ، وأرادَ العَوْدَ إليها بعدَ التكْفيرِ عن الأولَيَينِ، فكانت لها عليه كَفَّارَةٌ، كما لو ظاهَرَ منها ابْتِداءً.
فإن قال لأجْنَبِيّةٍ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وقال: أرَدْتُ أنَّها مِثْلُها في التَّحْريمِ في الحالِ.
دُيِّنَ في ذلك.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه صَرِيحٌ للظِّهارِ، فلا يُقْبَلُ صَرْفُه إلى
وَإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
يُرِيدُ في كُلِّ حَالٍ، فَكَذَلِكَ، وَإنْ أرَادَ في تِلْكَ الْحَالِ فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ؛ لِأنَّهُ صَادِقٌ.
غيرِه.
والثَّانِي، يُقْبَلُ؛ لأنَّها حرامٌ عليه، كما أنَّ أمَّه عليه حرامٌ.
3729 -
مسألة: (وإن قال)
لأجْنَبِيَّةٍ: (أنتِ عَلَيَّ حَرام.
وأرادَ في تلك الحالِ، لم يَكُنْ عليه شَيءٌ؛ لأنَّه صادِقٌ) وإن أرادَ في كُلِّ حالٍ، لم يَطَأهَا إن تَزَوَّجَها حتى يُكَفِّرَ.
أمَّا إذا أراد تَحْرِيمَها في الحالِ، أو 1 أطْلَقَ، فلا شيءَ عليه؛ لذلك.
وإن أراد تَحْرِيمَها في كُلِّ حالٍ، فهو ظِهارٌ؛ لأنَّ لَفْظَةَ الحرامِ -إذا أرِيدَ بها الظِّهارُ- ظهارٌ في الزَّوْجَةِ، فكذلك في الأجْنَبِيَّةِ، وصار كقَوْلِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي.
وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلًا وَمُعَلَّقًا بشَرْطٍ، وَمُطْلَقًا وَمُؤقَّتًا، نَحْوَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ.
أو: أَنْ دَخَلْتِ الدَّارَ.
فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ زَال الظِّهَارُ، وَإنْ أصَابَهَا فِيهِ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيهِ.
3730 - مسألة: (ويَصِحُّ الظهارُ مُعَجَّلًا ومُعَلَّقًا بشَرْطٍ، ومُطْلَقًا ومُؤقَّتًا، نحوَ)
أن يَقُولَ: (أنتِ عَلَيَّ كظهْرِ أمِّي) في (شَهْرِ رَمَضانَ.
أو: إن دَخَلْتِ الدَّارَ.
فمتى انْقَضَى الوَقْتُ زال الظِّهارُ، وإن أصابَها فيه، وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ عليه) أمَّا الظِّهارُ المُطْلَقُ فهو أن يقولَ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
وقد سَبَقَ ذِكْرُه.
ويَصِحُّ مُؤَقَّتًا، مثلَ أن يقولَ: أنتِ علَيَّ كظَهْرِ أمِّي شَهْرًا.
أو: حتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ.
فإذا مَضَى الوَقْتُ زال الظِّهارُ، وحَلَّتْ بلا كفَّارَةٍ، ولا يكونُ عائِدًا إلَّا بالوَطْءِ في المُدَّةِ.
[وهذا قولُ ابنِ عباس، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ.
وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يكونُ ظِهارًا] 1. وبه قال ابن أبي لَيلَى، واللَّيثُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بلَفْظِ الظِّهارِ مُطْلَقًا، وهذا
..................................
لم يُطْلِقْ، فأشْبَهَ ما لو شَبَّهَها بمَن تَحْرُمُ عليه في وقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
وقال طاوُسٌ: إذا ظاهَرَ في وَقْتٍ، فعليه الكفَّارَةُ وإن بَرَّ.
وقال مالكٌ: يَسْقُطُ التَّأقِيتُ، ويكونُ مُظاهِرًا مُطْلَقًا؛ لأنَّ هذا لَفْظ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فإذا وَقَّتَه لم يَتَوَقَّتْ كالطلاقِ 1. ولَنا 2، حَدِيثُ سَلَمَةَ بنِ صخرٍ 3، وقولُه: ظَاهَرْتُ 4 مِن امْرأتِي حتى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ.
وأخْبَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أصابَها في الشَّهْرِ، فأمره, بالكفَّارَةِ، ولم يُغَيِّرْ عليه تَقْيِيدَه، ولأنَّه مَنَعَ نفْسَه منْها بيَمِين لها كفَّارَة، فصَحَّ مُؤَقَّتًا كالإِيلاءِ، وفارَقَ الطَّلاقَ؛ فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، وهذا يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُه التَّكْفِيرُ، فجازَ تَأقِيتُه.
ولا يَصِحُّ قولُ مَن أوْجَبَ الكفَّارَة وإن بَرَّ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أوْجَبَ الكفَّارَةَ على الذين يَعُودُونَ لِما قالوا، ومَن بَرَّ وتَرَكَ العَوْدَ في الوَقْتِ الذي ظاهَرَ فيه، فلم يَعُدْ لِمَا قال، فلا تَجبُ عليه كفَّارَة (1). وفارَقَ التَّشْبِيهَ بمَن لا تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ؛ لأنَّ تَحْريمَها غيرُ كامِلٍ، وهذه حَرَّمَها في هذه المُدةِ 5 تَحْرِيمًا مُشَبَّهًا بتَحْريم ظَهْرِ أُمِّه.
على أنَّا نَمْنَعُ الحكمَ فيها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإَّنه لا يكونُ عائِدًا إلَّا بالوَطْءِ في المُدَّةِ.
وهذا المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ.
وقال بعْضُ أصحابِه: إن لم يُطَلِّقْها عَقِيبَ
..................................
الظِّهارِ، فهو عائِدٌ عليه الكفَّارَةُ.
وقال أبو عُبَيدٍ: إذا أجْمَعَ على غِشْيانِها في الوَقْت، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّ العَوْدَ العَزْمُ على الوَطْءِ.
ولَنا، حَدِيثُ سَلَمَةَ بنِ صَخْر، وأنَّه لم يُوجِبْ عليه الكَفَّارَةَ إلَّا بالوَطْءِ، ولأنَّها يَمِينٌ لم يَحْنَثْ فيها، فلا يَلْزَمُه كفَّارَتُها، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولأنَّ المُظاهِرَ في وَقتٍ, عازمٌ على إمْساكِ زَوْجَتِه في ذلك الوقتِ، فمَن أوْجَبَ عليه الكفَّارَةَ، كان قَوْلُه كقَوْلِ طاوُسٍ، فلا مَعْنَى لقَولِه: يَصِحُّ الظِّهارُ مُؤَقَّتًا؛ لعَدَمِ تَأثِيرِ التَّأقِيتِ.
فصل: ويصِحُّ تَعْلِيقُ الظِّهار [بالشُّرُوطِ] 1، نحوَ أن يقولَ الرجلُ 2: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
أو: إن شاء زيدٌ فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
فمتى شاءَ زيدٌ أو دَخَلَتِ الدَّارَ، صارَ مُظاهِرًا، وإلَّا فلا.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه يَمِينٌ، فجازَ تَعْليقُه على شَرْطٍ كالإيلاءِ، ولأنَّ أصْلَ الظِّهارِ أنَّه كان طَلاقًا، والطَّلاقُ يصِحُّ تَعْليقُه بالشَّرْطِ، فكذلك الظِّهارُ، ولأنَّه قَوْلٌ تَحْرُمُ به الزَّوْجَةُ، فصَحَّ تَعْليقُه على شَرْطٍ كالطَّلاقِ.
ولو قال لامْرأتِه: إن تَظاهَرْتُ مِن امْرأتِي الأخْرَى، فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
ثم تظاهَرَ مِن الأخرَى، صار مُظاهِرًا منهما جميعًا.
وإن قال: إن تظاهَرْتُ مِن فُلانَةَ الأجْنَبِيَّةِ، فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
ثم قال للأجْنَبِيَّةِ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي.
صار مُظاهِرًا مِن امرأتِه، عندَ مَن
..................................
يَرَى الظِّهارَ مِن الأجْنَبِيةِ، ومَن لا فلَا.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي إن شاءَ الله.
لم يَنْعَقِدْ ظِهارُهْ.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا قال: امْرَأتُه 1 عليه كظَهْرِ أُمِّه إن شاءَ الله.
فليس عليه شيءٌ، هي يَمِينٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو مُظاهِرٌ.
ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ».
وإذا قال: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ إن شاء الله.
وله أهلٌ، هي يَمِينٌ، ليس عليه شيءٌ.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّها يَمِينٌ مُكَفَّرَة، فصَحَّ الاسْتِثْناءُ فيها، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، أو كتَحْريمِ مالِه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَلَفَ على يَمِين، فقال: إن شاء اللهُ.
فلا حِنْثَ عَلَيهِ».
رَواه التِّرْمِذِيّ 2، وقال: حديث حسن غريبٌ.
وفي لفظٍ: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإن شَاءَ فَعَلَ، وَإن شَاءَ رَجَعَ غَيرَ حِنْثٍ».
رَواه [الإِمامُ أحمدُ و] 3 أبو داودَ، والنَّسائِيُّ وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، واللهِ لا أكَلِّمُكِ إن شاءَ الله.
عادَ الاسْتِثْناءُ إليهِما، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا، عادَ إلى جَمِيعِها، إلَّا أن يَنْويَ الاسْتِثْناءَ في بعْضِها، فيعودُ إليه وحدَه.
وإن قال: أنتِ عليَّ حرام إذا شاءَ اللهُ.
أو: إلَّا ما شاءَ اللهُ.
أو: إلى أن يشاءَ الله.
أو: ما شاءَ اللهُ.
فكُله