الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 213-252

كِتَابُ الشَّركَةِ

صفحات 213-252

فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاح الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا؛ مِنَ  فصل: قال رَحِمَه الله: (وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ مَا فِيهِ صَلَاح الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا؛

السَّقْي، وَالْحَرْثِ، وَالزِّبَارِ، وَالتَّلْقِيحِ، وَالتَّشْمِيسِ وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَمَوْضِعِ التَّشمِيسِ، وَنَحْوهِ.
مِن السَّقْي، والحَرْثِ، والزِّبارِ 1، والتَّلْقِيحِ، والتَّشْمِيسِ، وإصلاحِ طُرُقِ الماءِ ومَوْضِعِ التَّشْمِيسِ، ونحوه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَلْزَمُ العامِلَ بإطْلاقِ عَقدِ المُساقاةِ ما فيه صَلاحُ الثَّمَرَةِ وزِيادَتُها؛ مِن حَرْثِ الأَرْضِ تَحْتَ الشَّجَرِ، والبَقَرِ الَّذي يَحْرُثُ، وآلةِ الحَرْثِ، وسَقي الشَّجَرِ، واسْتِقاءِ الماء، وإصْلاحِ طُرُقِ الماءِ، وقَطْعِ الحَشِيش المُضِرِّ والشَّوْكِ، وقَطْعِ الشَّجَرِ اليابِسِ، وزِبارِ الكَرْم، وقَطْعِ ما يَحْتاجُ إلى قَطْعِه، وتَسْويَةِ الثَّمَرَةِ، وإصْلاحِ الأَجَاجِين، وهي الحُفَرُ التي يَجْتَمِعُ فيها الماءُ على أُصُولِ النَّخْلِ، وإدارةِ الدُّولابِ، وحِفْظِ فيِ الثَّمَرِ في الشَّجَرِ وبعدَه حتَّى يُقْسَمَ، وإن كان مما يُشَمَّسُ، فعليه تَشْمِيسُه؛ لأنَّ إطْلاقَ عَقْدِ المُساقاةِ يَقْتَضِي ذلك، فإنَّ مَوْضُوعَها على أنَّ العَمَلَ من العامِلَ.

وَعَلى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الأَصْلِ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإجْرَاءِ الْأنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ وَمَا يُدِيرُهُ.
وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَا لَا، فَلَا.

2128 - مسألة: (وَعَلى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الأَصْلِ مِنْ سَدِّ الْحِيطَانِ، وَإجْرَاءِ الْأنْهَارِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَالدُّولَابِ وَمَا يُدِيرُهُ)

وكذلك شِراءُ ما يُلَقَّحُ به، إذا أطْلَقَا العَقْدَ، وإن شَرَطا ذلك كان تَأْكيدًا (وقيل: ما يَتَكَرَّرُ كلَّ عام، فهو على العامِلِ، وما لا، فلا) قال شيخُنا 1: وهذا صَحِيحٌ إلَّا في شِراءِ ما يُلَقَّحُ به، فإنَّه على رَبِّ المالِ وإنْ تَكَرَّرَ؛ لأنَّ هذا ليس مِن العَمَلِ.
فأمّا البَقَرُ الَّذي يُدِيرُ الدُّولابَ، فقال أصحابُنا: هي على رَبِّ المالِ؛ لأنَّها ليستْ مِن العَمَلِ، أشْبَهَ ما يُلَقَّحُ به.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى أنَّها على العامِلِ؛ لأنَّها تُرَادُ للعَمَلِ، أشْبَهَتْ بَقَر الحَرْثِ، ولأنَّ اسْتِقاءَ الماءِ على العامِلِ إذا لم يَحْتَجْ إلى بَهِيمةٍ، فكان عليه وإنِ احْتاجَ إليها، كغَيرِهِ مِن الأعْمالِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: ما يتَعلَّقُ بالأُصُولِ والثَّمَرَةِ معًا، كَكَسْحِ النَّهْرِ، هو على مَن شُرِطَ

..................................  عليه 1 منهما، وإن أُهْمِلَ شَرْطُ ذلك على أحَدِهما، لم تَصِحَّ المُساقاةُ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على أنَّه على 2 العامِلِ.
فأمّا تَسْمِيدُ الأَرْضِ بالزِّبْل إذا احْتاجَتْ إليه، فتَحْصِيلُه على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه ليس مِن العَمَلِ، أشْبَهَ ما يُلَقَّحُ به، وتَفْرِيقُه في الأَرْضِ على العامِلِ، كالتَّلْقِيحِ.
فصل: فإن شَرَطا على أحَدِهما شيئًا مِمّا يَلْزَمُ الآخَرَ، فقال القاضي، وأبو الخَطّاب: لا يجوزُ ذلك.
فعلى هذا، تَفْسُدُ المُساقاةُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأَئه شَرْط يُخالِفُ مُقْتَضى العَقْدِ، فأفْسَدَه، كالمُضارَبةِ إذا شُرِطَ العَمَلُ فيها على رَبِّ المالِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك؛ فإنَّه ذَكَر أنَّ الجِذاذَ عليهما، فإن شَرَطه على العامِلِ، جازَ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُخِلُّ بمَصْلَحَةِ العَقْدِ، ولا مَفْسَدَةَ فيه، فَصَحَّ، كتَأْجِيلِ الثَّمَنِ في البَيعِ، وشَرْطِ الرَّهْنِ والضَّمِينِ والخِيارِ فيه، لكنْ يشْتَرَطُ أن يكونَ ما يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ منهما مِن العَمَلِ مَعْلُومًا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى التَّنَازُعِ فيَخْتَلَّ العَمَلُ، وأن لا يكونَ على رَبِّ المالِ أَكْثَرُ العَمَلِ ولا نِصْفُه؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بعَمَلِه، فإذا لم يَعْمَلْ أكثر العَمَلِ، كان وُجُودُ عَمَلِه كَعَدَمِه، فلا يَسْتَحِقُّ شيئًا.

..................................  فصل: فإن شَرَط أن يَعْمَلَ معه غِلْمانُ رَبِّ المالِ، فهو كعَمَلِ رَبِّ المالِ، فإنَّ يَدَ الغُلامِ كَيَدِ مَوْلاه.
وقال أبو الخَطّابِ: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما كما ذَكَرْنا.
والثَّاني، يَجوزُ؛ لأنَّ غِلْمانَه مالُه، فجاز أن يُجْعَلَ تَبَعًا لمالِه، كَثَوْرِ الدُّولابِ، وكما يجوزُ في القِراضِ أن يَدْفَعَ إلى العامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عليها.
وأمّا رَبُّ المالِ، لا يجوزُ جَعْلُه تَبَعًا.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ.
فإذا شَرَط غلْمانًا يَعْمَلُون معه، فنَفَقَتُهمُ على ما يَشْتَرِطان عليه، فإن أطْلَقَا، فهي على رَبِّ المالِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: نَفَقَتُهُم على المُساقِي، ولا يَنْبَغِي أن يَشْرُطَها على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ العَمَلَ على المُساقِي، فمُؤْنَةُ مَنِ يَعْمَلُه عليه، كمُؤْنَةِ غِلْمانِه.
ولَنا، أنَّه مَمْلُوكُ رَبِّ المالِ، فكانت نَفقتُه عليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لو أجَرَه، فإن شَرَطَها على العامِلِ، جاز.
ولا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه اشْتَرَطَ عليه ما لا يَلْزَمُه، فوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومًا، كسائِرِ الشُّرُوطِ.
ولَنا، أنَّه لو وَجَب تَقْدِيرُها، لوَجَبَ ذِكْرُ صفاتِها، ولا يَجِبُ ذلك، فلم يَجِبْ تَقْدِيرُها.
ولا بُدّ مِن مَعْرِفَةِ الغِلْمانِ المَشْرُوطِ عَمَلُهُم برُويةٍ، أو صِفَةٍ تَحْصُلُ بها مَعْرِفَتُهُم؛ في عَقْدِ الإِجارَةِ.

..................................  فصل: فإن شَرَط العامِلُ أنَّ أجْرَ الأُجَراء الَّذِينَ يَحتاجُ إلى الاسْتِعانةِ بهم مِن الثَّمَرةِ، وقَدَّرَ الأُجْرَةَ، لم يَصِحَّ؛ لَأنَّ العَمَلَ عليه، فإذا شَرَط أجْرَه 1 مِن المالِ، لم يَصِحَّ، كما لو شَرَط لنَفْسِه أجْرَ عَمَلِه.
وكذلك إن لم يُقَدِّرْه؛ [لذلك، و] 2 لأنَّه مَجْهُودٌ.
ويُفارق هذا ما إذا شَرَط المُضارِبُ [أَجْرَ من يَحْتاجُ إليهم مِن الحَمّالِين ونحْوهم؛ لأنَّ ذلك لا يَلْزَمُ العامِلَ، فكان على المالِ، ولو شَرَط أجْرَ ما يَلْزَمُه عَمَلُه بنَفْسِه، لم يَصِحَّ] 3.

وَحُكْمُ الْعَامِلِ حُكْمُ الْمُضَارِبِ فِيمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَمَا يُرَدُّ، وَإنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ، ضُمَّ إِلَيهِ مَنْ يُشَارِفُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ.

2129 - مسألة: (وحُكْمُ العامِلِ حُكْمُ المُضارِبِ فيما يُقْبَلُ قولُه فيه و)

في (ما يُرَدُّ) لأنَّ رَبَّ المال ائْتَمَنَهُ، فأشْبَهَ المُضارِبَ.
فإنِ اتُّهِمَ حَلَف (وإن ثَبَتَتْ خِيانته ضُمَّ إليه مَن يُشارفُه) كالوَصِيِّ إذا ثَبَتَتْ خِيانَتُه (فإن لم يُمْكِنْ حِفْظُه، اسْتُؤْجِرَ مِن مالِه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ).
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُقَامُ غيرُه مُقامَه، بل يُحْفَظُ منه؛ لأنَّ فِسْقَه لا يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ المَنافِعِ المَقْصُودَةِ منه، فأشْبَهَ ما لو فَسَق بغيرِ الخِيانَةِ.
ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنافِعِ المَقْصُودَةِ منه 1، فاسْتُوفِيَت بغيرِه، كما لو هَرَب، ولا نُسَلِّمُ إمْكانَ اسْتِيفاءِ المَنافِعِ منه؛ لأَنه لا يُؤْمَنُ منه 2 تَرْكُها، ولا يُوثَقُ منه بفِعْلِها، ولا نقولُ: إنَّ له فَسْخَ المُساقاةِ.

..................................  وإنَّما نقولُ: لمّا لم يُمْكِنْ حِفْظُها مِن خِيانَتِكَ، أقِمْ غيرَك يَعْمَلْ ذلك، وارْفَعْ يَدَكَ عنها؛ لأنَّ الأمانةَ قد تَعَذَّرَتْ في حَقِّكَ، فلا يَلْزَمُ رَبَّ المالِ ائْتِمانُك.
وفارَقَ فِسْقَه بغيرِ الخِيانَةِ، فإنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المالِ فيها، وههُنا يَفُوتُ مالُه.
فإن عَجَز عن العَمَلِ لضَعْفِه مع أمانَتِه، ضُمَّ إليه غيرُه، ولا تُنْزَعُ يَدُه؛ لأنَّ العَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عليه، ولا ضَرَرَ في بَقاءِ يَدِه عليه.
وإن عَجَز بالكُلِّيَّةِ، أقامَ مُقامَه مَن يَعْمَلُ، والأُجْرةُ عليه في المَوضعَين؛ لأنَّ عليه تَمامَ العَمَلِ، وهذا مِن تَمامِه.
فصل: ويَمْلِكُ العامِلُ حِصَّتَه مِن الثَّمَرَةِ بظُهُورِها، فلو تَلِفَتْ كُلُّها إلَّا واحدةً، كانت بينَهما.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والثاني، يَمْلِكُه بالمُقاسَمةِ، كالمُضارِبِ.
ولَنا، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، فيَثْبُتُ مُقْتَضاهُ، كسائِرِ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ، ومُقْتَضاهُ كَوْنُ الثَّمَرَةِ بينَهما على كل حالٍ.
وأمّا القِراضُ، فنقولُ: إَّنه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ، كمسألَتِنا.
وإن سُلِّمَ، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الرِّبْحَ وقاية لرَأْسِ المالِ، فلم يَمْلِكْ حتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ المالِ لرَبِّه، وهذا ليس بوقايةٍ لشيءٍ، فإنَّه لو تَلِفَتِ الأُصُولُ كُلُّها، كان الثَّمَرُ بينَهما.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ منهما 1 زَكَاةُ حِصَّتِه إذا بَلَغَتْ نِصابًا.
نَصَّ عليه أحمدُ في المُزارَعَةِ.
فإن لم تَبْلُغ نِصابًا إلَّا بجَمْعِهما، لم تَجِبْ إلَّا على قَوْلِنا: إنَّ الخُلْطَةَ تُؤَثِّرُ في غيرِ السائِمَةِ.
فيُبْدَأُ بإخْراجِ الزكاةِ ثم يَقْتَسِمان ما بَقِيَ.
فإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما نِصابًا دونَ

..................................  الآخَرِ، فعلى من بَلَغتْ حِصَّتُه نِصابًا الزَّكاةُ وحدَه، يُخْرِجُها بعدَ المُقاسَمَةِ، إلَّا أنْ يكونَ لمَن لم تَبْلُغْ حِصَّتُه نِصابًا ما يَتِمُّ به النِّصابُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فيَجبُ عليهما جيعًا.
وإن كان أحَدُهما لا زَكاةَ عليه، كالمُكاتَبِ، والذِّمِّيِّ، فعلى الآخَرِ زَكاةُ حِصَّتِه إن بَلَغَتْ نِصابًا.
وبهذا كلِّه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال اللَّيثُ: إن كان شَرِيكُه نَصْرَانِيًّا، أعْلَمَه أنَّ الزَّكاةَ مُبَدَّأَةٌ 1 في الحائِطِ، ثم يُقاسِمُه بعد الزَّكاةِ ما بَقِيَ.
ولَنا، أنَّ النَّصْرانِيَّ لا زَكاةَ عليه، فلم يَخْرُجْ مِن حِصَّتِه شيءٌ، كما لو انْفَرَدَ بها، وقد روَى أبو داوُدَ، في «سُنَنِه» 2، عن عائشةَ، رَضِيَ الله عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رِواحَةَ، فيَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ، ثم يُخَيِّرُ يَهُودَ خيبَرَ، أيَأْخُذُونَه بذلك الخَرْصِ، أمْ يَدْفَعُونَهُ إليهم بذلك الخَرْصِ، لكى تُحْصَى الزَّكَاةُ قبلَ أن تُؤْكَلَ الثِّمارُ وتُفَرَّقَ 3. قال جابر: خرَصَها ابنُ رَواحَةَ أرْبَعِينَ ألْفَ وَسْقٍ.
وزَعَم أنَّ اليَهُودَ لمّا خَيَّرَهُم ابنُ رَواحَةَ، أخَذُوا الثَّمَرَ وعَلَيهم عِشْرُونَ ألْفَ وَسْقٍ 4. فصل: وإن ساقاهُ على أرْضٍ خَراجِيَّةٍ، فالخَراجُ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه

..................................  يَجِبُ على الرَّقَبَةِ، بدَلِيلِ أنَّه يَجِبُ سواءٌ أثْمَرَتِ الشَّجرةُ أو لم تُثْمِرْ، ولأنَّ الخَراجَ يَجِبُ أُجْرَةٌ للأَرْضِ، فكان على رَبِّ الأرْضِ، كما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا وزارَع غيرَه فيها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقد نُقِلَ عن 1 أحمدَ في الَّذي يَتَقَبَّلُ الأرْضَ البَيضاءَ ليَعْمَلَ عليها، وهي مِن أرْضِ السَّوادِ يَقْبَلُها مِن السُّلْطانِ، فعلى مَن يَقْبَلُها أن يُؤَدِّيَ وَظِيفَةَ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، ويُؤَدِّيَ العُشْرَ بعدَ وَظِيفَةِ عُمَرَ.
وهذا معناهُ، واللهُ أعلمُ، إذا دَفَع السُّلْطانُ أرْضَ الخراجِ إلى رَجُل يَعْمَلُها ويُؤَدِّي خَراجَها، فإنَّه يَبْدأُ بخَراجِها، ثم يُزَكِّي ما بَقِيَ.
كما ذَكَر الخِرَقِيُّ في بابِ الزَّكاةِ.
ولا تَنافِيَ بينَ ذلك وبينَ ما ذَكَرْناه ها هنا.
فصل: ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ له فَضْلَ دَراهِمَ زائِدَةٍ على ما شَرَط له مِن الثَّمَرَةِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه رُبَّما [لم يَحْدُث مِن النَّمَاءِ] 2 بقَدْرِ تلك الدَّراهِمِ، فيَضُر برَبِّ المالِ، ولذلك مَنَعْنَا مِن اشْتِراطِ أقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ.
فإن جَعَل له ثَمرةَ سَنَةٍ غيرِ السَّنةِ التي ساقاهُ عليها فيها، أو ثَمَرَ شَجَرٍ غيرِ الشَّجَرِ الَّذي ساقاهُ عليه، لم يَجُزْ.
وكذلك لو شَرَطَ عليه عَمَلًا في غيرِ الشَّجَرِ الَّذي ساقاهُ عليه، أو عَمَلا في غيرِ السَّنةِ، فهذا يُفْسِدُ العَقْدَ، سواءٌ جَعَل ذلك كلَّ 3 حَقِّه أو بعضَه، أو جميعَ العَمَلِ أو بعضَه؛ لأنَّه

..................................  يُخالِفُ مَوْضُوعَ المُساقاةِ، إذ مَوْضُوعُها أن يَعْمَلَ في شَجَرٍ مُعَيَّنٍ، بجُزْءٍ مُشاعٍ مِن ثَمَرَتِه، في ذلك الوَقْتِ الَّذي يُسْتَحَقُّ عليه فيه العَمَلُ.
فصل: إذا ساقَى 1 رَجُلًا أو زَارَعَه، فعامَلَ العامِلُ غيرَه على الأرْضِ أو الشَّجَرِ، لم يَجُزْ.
وبه قال أبو يوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ.
وأجازَه مالِكٌ إذا جاء برَجُلٍ أمِينٍ.
ولَنا، أنَّه عامِلٌ في المالِ بجُزْءٍ مِن نَمائِه، فلم يَجُزْ أن يُعامِلَ غيرَه فيه، كالمُضارِبِ، ولأنَّه إنَّما أذِنَ له في العَمَلِ فيه، فلم يَجُزْ أن يَأْذَنَ لغيرِه، كالوَكِيلِ.
فأمّا إن اسْتَأجَرَ أرْضًا، [فله أن] 2 يزارِعَ غيرَه فيها؛ لأنَّ منافِعَها صارت مُسْتَحَقَّةً له، فمَلَكَ المُزارَعَةَ فيها، كالمالِكِ، والأُجْرةُ على المُسْتَأْجر دُونَ المُزارِعِ، كما ذَكَرْنا في الخَراجِ.
وكذلك يجوزُ لمَن في يَدِه أرْضٌ خراجِيَّة أن يُزارِعَ فيها؛ لأنَّها كالمُسْتَأَجَرةِ، وللمَوْقُوفِ عليه أن يُزارِعَ في الوَقْفِ ويُساقِيَ على شَجَرِه؛ لأنَّه إمّا مالكٌ لرَقَبَةِ ذلك، أو بمَنْزِلَةِ المالكِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا عند مَن أجازَ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ.
والله أعلمُ.

..................................  فصل: وإن ساقاهُ على شَجَرٍ، فبانَ مُسْتَحَقًّا بعد العَمَلِ، أخَذَه ربُّه وثَمَرَتَه؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ولا حَقَّ للعامِلِ في ثَمَرَتِه؛ لأنَّه عَمِلَ فيها بغيرِ إذْنِ مالِكِها، ولا [أجْرَ له عليه] 1؛ لذلك، وله على الغاصِبِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه غَرَّهُ واسْتَعْمَلَه، فأشْبَهَ ما لو غَصَب نُقْرَةً واسْتَأْجَرَ مَن ضَرَبَها دَراهِمَ.
وإن شَمَّسَ الثَّمَرَةَ فلم تَنْقُصْ، أخَذَها رَبُّها، وإن نَقَصَتْ، فله أرْشُ نَقْصِها، يَرْجِعُ به على مَن شاءَ منهما.
ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ.
وإنِ اسْتُحِقَّتْ بعد أن اقْتَسماها وأكَلَاهَا، فلِلْمالِكِ تَضْمِينُ مَن شاء منهما، فإن ضَمَّن الغاصِبَ، فله تَضْمِينُه الكلَّ، وله تَضْمِينُه قَدْرَ نَصِيبِه، وتَضْمِينُ العامِلِ قَدْرَ نَصِيبِه؛ لأنَّ الغاصِبَ سَبَبُ يَدِ العامِلِ، فلَزِمَه ضَمانُ الجميعِ، فإن ضَمَّنَه الكُلَّ، رَجَع على العامِلِ بقَدْرِ نَصِيبِه؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه، فاسْتَقرَّ الضَّمانُ عليه، ويَرْجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ الغاصِبُ على العامِلِ بشيءٍ؛

وَإذَا شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيْحًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ، أَو إنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ النِّصْفُ، لَمْ يَصِحَّ، في أَحدِ الْوَجْهَينِ.
لأنَّه غَرَّهُ، فلم يَرْجِعْ عليه، كما لو أطْعَمَ إنسانًا شيئًا، وقال: كُلْهُ فإنَّه طَعامِي.
ثم تَبَيَّنَ أنَّه مَغْصُوبٌ.
وإن ضَمَّنَ العامِلَ، احْتَمَلَ أنَّه لا يُضَمِّنُه إلَّا نَصِيبَه خاصّةً؛ لأنَّه ما قَبَض الثَّمَرَةَ كلَّها، وإنَّما كان مُراعِيًا لها وحافِظًا، فلا يَلْزَمُه ضَمانُها ما لم يَقْبِضْها.
ويَحْتَمِلُ أن يُضَمِّنَه الكُلَّ؛ لأنَّ يَدَهُ ثَبَتَتْ على الكُلِّ مُشاهَدةً بغيرِ حَقٍّ.
فإن ضَمَّنَه الكُل، رَجَع على الغاصِبِ ببَدَلِ نَصِيبِه منها وأَجْرِ مِثْلِه.
وإن ضَمَّنَ كلَّ واحِدٍ منهما ما صار إليه، رَجَع العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه لا غيرُ.
وإن تَلِفت الثَّمَرَةُ في شَجَرِها، أو بعدَ الجِذَاذِ قبلَ القِسْمَةِ، فمَن جَعَل العامِلَ قابضًا لها بثُبُوتِ يَدِه على حائِطِها، قال: يَلْزَمُه ضَمانُها.
ومَن قال: لا يكونُ قابِضًا إلَّا بأخْذِ نَصِيبِه منها.
قال: لا يَلْزَمُه الضَّمانُ، ويكونُ على الغاصِبِ.

2130 -

مسألة: (وَإذَا شَرَطَ إِنْ سَقَى سَيحًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ، أَو إنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَلَهُ الرُّبْعُ، وَإنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ النِّصْفُ، لَمْ يَصِحَّ، في أَحدِ الْوَجْهَينِ)

لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ، والنَّصِيبَ مجهولٌ، وهو في مَعْنَى بَيعَتَين في بَيعَةٍ.
والثاني، يَصِحُّ، بِناءً على قَوْلِه

..................................  في الإجارَةِ: إن خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْفُ دِرْهَمٍ.
فإنَّه يَصِحُّ في المَنْصُوصِ عنه، وهذا مثلُه.
فإن 1 قال: ما زَرَعْتَها مِن شيءٍ فلِي نِصْفُه.
صَحَّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ساقَى أهْلَ خَيبَرَ بشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها من زَرْعٍ أو ثَمَرٍ 2. ولو جَعَل له في المُزارَعَةِ ثُلُثَ الحِنْطَةِ، ونِصْفَ الشَّعِيرِ، وثُلُثَي الباقِلَّا، وبَيَّنَا قَدْرَ ما يُزْرَعُ مِن كلِّ واحدٍ مِن هذه الأنْواعِ، إمّا بتَقْدِيرِ البَذْرِ، أو تَقْدِيرِ المَكانِ وتَعْيينِه، مثلَ أن يقولَ: تَزْرَعُ هذا المكانَ قَمْحًا، وهذا شَعِيرًا.
أو: تَزْرَعُ مُدَّين حِنْطَةً ومُدَّين شَعِيرًا.
جازَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن هذه طَرِيق إلى العِلْمِ، فاكْتُفِيَ به.

وَإنْ قَال: مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ فَلِيَ رُبْعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِيَ نِصْفُهُ.
أَوْ: سَاقَيتُكَ هَذَا الْبُسْتَانَ بِالنِّصْفِ، عَلَى أَنْ أُسَاقِيَكَ الْآخَرَ بِالرُّبْعِ.
لَمْ يَصِحَّ، وَجْهًا وَاحِدًا.

2131 - مسألة: (وَإنْ قَال: مَا زَرَعْتَ مِنْ شَعِيرٍ فَلِيَ رُبْعُهُ، وَمَا زَرَعْتَ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِيَ نِصْفُهُ)

لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما يَزْرَعُه مِن كلِّ واحدٍ منهما مَجْهُولُ القَدْرِ، فهو كما لو شَرَط له في المُساقاةِ ثُلُثَ هذا النَّوْعِ ونِصْفَ النَّوْعِ الآخَرِ، وهو جاهِلٌ بما فيه منهما.
2132 -

مسألة: ولو قال: (ساقَيتُك هذا البُسْتانَ بالنِّصْفِ، على أن أُساقِيَك الآخَرَ بالرُّبْعِ. لم يَصِحَّ، وَجْهًا واحِدًا)

لأنَّه يَشْرُطُ عَقْدًا في عَقْدٍ، فصار في مَعْنَى قَوْلِه: بِعْتُك هذا على أن تَبِيعَني هذا، أو 1 تَشْتَرِيَ مِنِّي هذا.
وإنَّما فَسَد لمَعْنَيَين؛ أحدُهما، أنَّه شَرَط في العَقْدِ عَقْدًا آخَرَ، والنَّفْعُ الحاصِلُ بذلك مَجْهُولٌ، فكأنَّه شَرَط العِوَضَ في مُقابَلَةِ

..................................  مَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ.
الثاني، أنَّ العَقْدَ الآخَرَ لا يَلْزَمُ بالشُّرْطِ، فيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وإذا سَقَط وَجَب رَدُّ الجُزْءِ الَّذي تَرَكَه مِن العِوَضِ لأجْلِه، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الكُلُّ مَجْهُولًا.
فصل: ولو قال: لك الخُمْسانِ إن كانت عليك خَسارَةٌ، وإن لم يَكُنْ عليك خَسارَةٌ فلَكَ الرُّبْعُ.
لم يَصِحَّ، نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شَرْطانِ في شَرْطٍ.
وكَرِهَه.
قال شيخُنا 1: ويُخَرَّجُ فيها مِثْلُ ما إذا شَرَط إن سَقَى سَيْحًا فله الرُّبْعُ، وإن سَقَى بكُلْفَةٍ فله النِّصْفُ.
فصل: وإن ساقَى أحَدُ الشَّرِيكَينِ شَرِيكَه، وجَعَل له مِن الثَّمرِ أَكْثَرَ مِن نَصِيبه، مثلَ أن يكونَ الأصْلُ بينَهما نِصْفَين، فجَعَلَ له ثُلُثَي الثَّمَرَةِ، صَحَّ، وكان السُّدْسُ حِصَّتَه مِن المُساقاةِ، فصارَ كأنَّه قال: ساقَيتُكَ على نَصِيبي بالثُّلُثِ.
وإن جَعَلَ الثَّمَرَةَ بينَهما نِصْفَين، أو جَعَل للعامِلِ الثُّلُثَ، فهي مُساقاةٌ فاسِدةٌ؛ لأنَّ العامِلَ يَسْتَحِقُّ نِصْفَها بمِلْكِه، فلم يَجْعَلْ له في مُقابَلَةِ عَمَلِه شَيئًا، وإذا شَرَط له الثُّلُثَ، فقد شَرَط أنَّ غيرَ العامِلِ يَأْخُذُ مِن نَصِيبِ العامِلِ ثُلُثَه ويَسْتَعْمِلُه بلا عِوَض، فلا يَصِحُّ.
فإذا عَمِل في الشَّجَرِ بِناءً على هذا، كانتِ الثَّمَرَةُ بينَهما بحُكْمِ المِلْكِ، ولا يَسْتَحِقُّ العامِلُ بعَمَلِه شيئًا؛ لأنه تَبَرَّعَ به لرِضاه بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، فأشْبَهَ ما لو قال له: أنا أعْمَلُ فيه بغيرِ شيءٍ.
وذَكَرَ أصحابُنا وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَسْتَحِقُّ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّ المُساقاةَ تَقْتَضِي عِوَضًا، فلم تَسْقُطْ برِضاه بإسْقاطِه،

..................................  كالنِّكاحِ إذا لم يُسَلَّمْ له المُسَمَّى، يَجِبُ فيه مَهْرُ المِثْلِ.
ولَنا، أنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه مُتَبَرعًا، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا، كما لو لم يَعْقِدِ المُساقاةَ.
ويفارِق النِّكاحَ مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ عَقْدَ النِّكاحِ صَحِيحٌ، فوَجَبَ به العِوَضُ لصِحَّتِه، وهذا فاسِدٌ لا يُوجِبُ شيئًا.
والثاني، أن الأبْضاعَ لا تُسْتَباحُ بالبَذْلِ والإِباحَةِ، والعَمَلُ ههُنا يُسْتَباحُ بذلك.
ولأنَّ المَهْرَ في النِّكاحِ لا يَخْلُو مِن أن يكونَ واجِبًا بالعَقْدِ، أو بالإِصابَةِ، أو بهما؛ فإن وَجَب بالعَقْدِ، لم يَصِحَّ قياسُ هذا عليهكما لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، وهذا فاسِدٌ.
والثاني، أنَّ العَقْدَ ههُنا لو أوْجَبَ، وإن وْجَبَ قبلَ العَمَلِ، ولا خِلافَ أنَّ هذا لا يُوجِبُ قبلَ العَمَلِ شيئًا.
وإن وَجَبَ بالإصابةِ، لم يَصِحَّ القِياسُ عليه أيضًا؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الإِصابةَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ والبَذْلِ، بخِلافِ العَمَلِ.
والثاني، أنَّ 1 الإصابَةَ لو خَلَتْ عن العَقْدِ لأوْجَبَتْ، وهذا بخِلافِه.
وإن وَجَبَ بهما، امْتَنَعَ القِياسُ عليه أيضًا؛ لهذه الوُجُوهِ كلِّها.
فأمَّا إن ساقَى أحَدُهُما شَرِيكَه على أن يَعْمَلَا معًا، فالمُساقاةُ فاسِدَةٌ، والثَّمَرَةُ بينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهِما، ويَتَقاصّانِ العَمَلَ إن تَساوَيا فيه.
وإن كان لأحَدِهما فَضْلٌ، نَظَرْتَ؛ فإن كان قد شُرِطَ له فَضْلٌ في مُقابلَةِ عَمَلِه، اسْتَحَقَّ ما فَضَلَ له مِن أجْرِ المِثْلِ، وإن لم يُشْرَطْ، فليس له شيءٌ إلَّا على الوَجْهِ الَّذي ذَكَرَه أصحابُنا، وتَكَلَّمْنا عليه.
واللهُ أعلمُ.

فَصْلٌ في الْمُزَارَعَةِ:

وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُوم يُجْعَلُ لِلْعَامِلَ مِنَ الزَّرْعِ.
فَصْلٌ في الْمُزَارَعَةِ 2133 -

مسألة: (وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الزَّرْعِ)

في قولِ أَكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ.
قال البُخارِيُّ 1: قال أبو جَعْفَر: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ.
وزارَعَ عَلِيٌّ، وسَعْدٌ، وابنُ مَسْعُودٍ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبي بكرٍ، وآلُ عَلِيٍّ، وابنُ سِيرِينَ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ، وعبدِ الرَّحْمنِ بنِ الأسْوَدِ، ومُوسَى بنِ طَلْحَةَ، والزُّهْرِيِّ، وعبدِ الرحْمنِ بنِ أبي لَيلَى، وابْنِه، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ.
ورُوِيَ ذلك عن مُعاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ يزيدَ 2. قال البُخارِيُّ: وعامَلَ عُمَرُ الناسَ على أنَّه إن جَاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ مِن عِنْدِه فله الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ فلهم كذا وكذا.
وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ الأمْرانِ جميعًا.
وأجازَها

..................................  الشافيُّ في الأرْضِ بينَ النَّخْلِ، إذا كان بياضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ، فعلى وَجْهَين.
ومَنَعَها في الأرْضِ البَيضاءِ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ قال: كُنّا نُخابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاهُ فقال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أمْر كان لَنا نافِعًا، وطَواعِيةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْفَعُ.
قال: قلنا: ما ذاك؛؟ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْها وَلَا يُكْرِيها بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبْع، وَلَا بِطَعَام مُسَمًّى» 1. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: ما كُنَّا نَرَى بالمُزارَعَةِ بأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ يقولُ: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنها 2. و [قال جابِرٌ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُخابَرَةِ 3. وهذه كلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ مُتَّفَق عليها.
والمُخابَرَةُ: المُزارَعةُ.
واشْتِقاقُها مِن الخَبَارِ، وهي الأرْضُ اللَّيِّنَةُ.
والخَبِيرُ: الأكّارُ.
وقيل: المُخابَرَةُ: مُعامَلَةُ أهْلِ خيبَرَ.
وقد جاء حَدِيثُ جابرٍ مُفَسَّرًا، فروَى البُخارِيُّ] 4، عن جابِر، قال:

..................................  كانُوا يَزْرَعُونَها بالثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» 1. ورُوِيَ تَفْسِيرُها عن زَيدِ بنِ ثابتٍ، فروَى أبو داوُدَ 2 بإسْنادِه عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُخابَرَةِ.
قلتُ: وما المُخابَرَةُ؟ قال: أنْ يَأْخُذَ الأرْضَ بنصْفٍ أوْ ثُلُثٍ أوْ رُبْع.
ولنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ قال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عامَلَ أهْلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ منها مِن زَرْعٍ أو ثَمَرٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وقد رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وجابرِ بنِ عبدِ الله 4. وقال أبو جَعْفَرٍ: عامَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خيبَرَ

..................................  بالشَّطْرِ، ثم أبو بكرٍ، ثم عُمَرُ، ثم عُثْمانُ، ثم عَلِيٍّ، ثم أَهْلُوهُم إلى اليَوْم يُعْطُونَ الثُّلُثَ والرُّبْعَ 1. وهذا أمْرٌ 2 صَحِيحٌ مَشهُورٌ عَمِلَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى مات، ثم خُلفاؤه الراشِدُون حتَّى ماتُوا، ثم أَهْلُوهُم ومَن بَعدَهم، ولم يَبْقَ بالمَدِينةِ أهْلُ بَيتٍ إلا عَمِلَ به.
وعَمِلَ به أَزْواجُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن بعدِه، فرَوَى البُخارِيُّ 3 عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عامَلَ أَهَلَ خَيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها مِن زَرْعٍ أو ثَمَرٍ، فكان يُعْطِي أزْواجَهُ مائةَ وَسْقٍ، ثمانُونَ وَسْقًا تَمْرًا، وعِشْرُون وَسْقًا شَعِيرًا، فقَسَمَ عُمَرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أزْوْاجَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَقْطَعَ لَهُنَّ مِن الماءِ والأرْضِ، أو يُمْضِيَ لَهُنَّ الأَوْسُقَ، فَمِنْهُنَّ مَن اخْتارَ الأرْضَ، ومِنْهُنَّ مَن اخْتارَ الوَسْقَ، فكانت عائشةُ اختارَتِ الأرْضَ.
فإن قِيل: حَدِيثُ خَيبَرَ مَنسُوخٌ بخبَرِ رافِعٍ.
قلنا: مثلُ هذا لا يجوزُ أن يُنْسَخَ؛ لأن النَّسْخَ إنَّما يكون في حَياةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمّا شيءٌ عَمِلَ به إلى أن مات، ثم عَمِلَ به خُلَفاؤُه بعدَه، وأجْمَعَتِ الصَّحابةُ، رَضِيَ اللهَ عنهم، عليه، وعَمِلُوا به، ولم يُخالِفْ فيه منهم أحَدٌ، فكيف يجوزُ نَسْخُه، ومتى نُسِخَ؟ فإن كان نُسِخَ في حياةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف عُمِلَ به بعدَ نَسْخِه؟ وكيف خَفِيَ نَسْخُه

..................................  فلم يَبْلُغْ خُلَفاءَه، مع اشْتِهارِ قِصّةِ خَيبَرَ وعَمَلِهِم فيها؟ وأين كان راوي النَّسْخِ حتَّى لم يَذْكُرْه ولم يُخْبِرْهُم به.
فأمّا ما احْتَجُّوا به، فالجَوابُ عن حَدِيثِ رافع مِن أرْبَعِة أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّه قد فَسَّرَ 1 المَنْهِيَّ عنه في حَديِثِه بما لا يُخْتَلَفُ في فَسادِه، فإنَّه قال: كُنّا مِن أكْثَرِ الأنْصارِ حَقْلًا، فكُنّا نُكْري الأرْضَ على أنَّ لَنا هذه ولهم هذه، فرُبَّما أخْرَجَت هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فَنهانا عن ذلك، فأمّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنا.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفي لَفْظٍ: فأمَّا بشيءٍ مَعْلُوم مَضْمُونٍ فلا بَأْسَ.
وهذا خارِجٌ عن مَحَلِّ الخِلافِ، فلا دَلِيلَ فيه عليه، ولا تَعَارُضَ بينَ الحَدِيثَين.
الثاني، أنَّ خَبَرَه وَرَدَ في الكِراءِ بثُلُثٍ أو رُبْع، والنِّزاعُ في المُزارَعةِ، ولم يَدُل حَدِيثُه عليها 3 أصْلًا، وحَدِيثُه الَّذي فيه المُزارَعَةُ يُحْمَلُ على الكِراءِ أيضًا؛ لأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ أتَتْ بأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فيَجِبُ تَفْسِيرُ أحَدِ اللَّفظَينِ بما يُوافِقُ الآخَرَ.
الثَّالِثُ، أنَّ أحادِيثَ رافعٍ مُضْطَرِبةٌ جِدًّا، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلافًا كَثِيرًا يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بها لو انْفَرَدتْ، فكيف تُقَدَّمُ على مِثْلِ حَدِيثِنا؟ قال الإمامُ أحمدُ: حَدِيثُ رافِعٍ أَلْوَانٌ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: قد جاءَتِ الأخبارُ عن رافِعٍ بعِلَلٍ تَدُلُّ على أنَّ النَّهْيَ كان

..................................  [لتلك العِللِ] 1؛ منها الَّذي ذكَرْنا.
ومنها، خَمْسٌ أخْرَى.
وقد أنْكَرَه فَقِيهانِ مِن فُقَهاءِ الصَّحابَةِ؛ زَيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباس.
قال زيدُ بنُ ثابتٍ: أنا أعْلَمُ بذلك منه، وإنَّما سَمِع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلَينِ قد اقْتَتَلا فقال: «إنْ كَانَ هذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا المَزَارِعَ».
رَواه أبو دَاوُدَ 2. وروَى البخارِيُّ 3 عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، قال: قُلْتُ لطاوُسٍ: لو تَركْتَ المُخابَرَةَ، فإنَّهم يَزْعُمُونَ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنها.
قال: إنَّ أعْلَمَهُم، يَعْني ابنَ عباسٍ، أخْبَرِني أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: «أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أخَاهُ، خيرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأْخُذ عَلَيهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا».
ثم إنَّ أَحادِيثَ رافعٍ منها ما يُخالِفُ الإجْماعَ، وهو النَّهْي عن كِراءِ المَزارِعِ على الإطْلاقِ، ومنها ما لا يُخْتَلَفُ في فَسادِه، كما قد بَيَّنَا.
وتارَةً يُحَدِّثُ عن بَعْضِ عُمُومَتِه، وتارَةً عن سَماعِه، وتارةً عن ظَهِيرِ بنِ رافعٍ، وإذا كانت أخبارُ رافعٍ هكذا، وَجَبَ اطِّراحُها واسْتِعمالُ الأخْبارِ الوارِدَةِ في شَأنِ خَيبَرَ، الجارِيةِ مَجْرَى التَّواتُرِ، التي لا اخْتِلافَ فيها، وقد عَمِلَ بها الخُلَفاءُ الرَّاشِدُونَ وغيرُهم، فلا مَعْنَى لتَرْكِها بمِثلِ هذه الأحادِيثِ الواهيةِ 4. والجوابُ الرابعُ، أنَّه لو قُدِّرَ صِحّةُ خبَرِ رافعٍ، وامْتَنَعَ

..................................  تَأْويلُه، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، وَجَب حَمْلُه على أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن نَسْخِ أحَدِ الخَبَرَين، ويَسْتَحِيلُ القولُ بنَسْخِ خبَرِ خَيبَرَ؛ لكَوْنِه مَعْمولًا به مِن جِهَةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى حين مَوْتِه، ثم مِن بعدِه إلى عَصْرِ التابِعِينَ، فمتى كان نَسْخُه؛ فأمّا حَدِيثُ جابر في النَّهْي عن المُخابَرَةِ، فيَجِبُ حَمْلُه على أحدِ الوُجُوهِ التي حُمِلَ عليها خَبَرُ رافع، فإنَّه قد روَى حَدِيثَ خَيبَرَ أيضًا، فيَجِبُ الجمعُ بينَ حَدِيثَيه مَهما أمْكَنَ، ثم لو حُمِلَ على المُزارَعةِ، لكان مَنْسُوخًا بقِصّةِ خَيبَرَ، لاسْتِحالةِ نَسْخِها، كما ذَكَرْنا.
وكذلك القولُ في حَدِيثِ زَيدِ بنِ ثابتٍ.
فإن قال أصحابُ الشافعيِّ: تُحْمَلُ أحادِيثُكُم على الأرضِ التي بينَ النَّخِيلِ، وأحاديثُ النَّهْي على الأرْضِ البَيضاءِ، جَمْعًا بينَهما.
قلنا: هذا بعيدٌ؛ لوُجُوهٍ خمسةٍ؛ أحدُها، أنَّه يَبْعُدُ أن تكُونَ بَلْدَةٌ كبيرةٌ يأتي منها أرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ، ليس فيها أرضٌ بيضاءُ، وَيبْعُدُ أن يكونَ قد عامَلَهُم على بعضِ الأرْضِ دُونَ بعض، فيَنْقُلُ الرُّوَاةُ كُلهم القِصةَ على العُمُومِ مِن غيرِ تَفْصيلٍ، مع الحاجَةِ إليه.
الثّاني، أنَّ ما يَذْكُرُونَه مِن التَّأْويلِ لا دَلِيلَ عليه، وما ذَكَرْناه دَلَّتْ عليه بعضُ الرِّواياتِ، وفَسَّرَه راويه بما ذكرناه.
وليس معهم سوى الجمعِ بينَ الأحادِيثِ، والجمعُ بينَهما بحَمْلِ بعضِها على ما فَسَّرَه راويه به أوْلَى مِن التَّحَكمِ بما لا دَلِيلَ عليه.
الثّالثُ، أنَّ قَوْلَهُم يُفْضي إلى تَقْيِيدِ كلِّ واحدٍ مِن الحَدِيثَين، وما ذَكَرْناه حَمْلٌ لأحَدِهما على بعضِ مُحْتَملاته لا غيرُ.
الرابعُ، أنَّ فيما ذَكَرْناه مُوافَقَةَ عَمَلِ الخُلَفاءِ الراشِدِين وأهْلِيهِم

فَإِنْ كَانَ في الْأَرْضِ شَجَرٌ، فَزَارَعَهُ الأَرْضَ، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ، صَحَّ.
وفُقهاءِ الصَّحابَةِ، وهم أعْلَمُ بحَدِيثِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه ومَعانِيها، فكان أوْلَى مِن قولِ مَن خالفَهُم.
الخامسُ، أنَّ ما ذَهَبْنا إليه مُجْمَعٌ عليه على ما رَواه أبو جَعْفَرٍ، رَحْمَةُ اللهِ عليه، وما رُوِيَ في مُخالفَتِه فقد بَيَّنَا فَسادَهُ، فيكونُ هذا إجْماعًا مِن الصَّحابَةِ، رَضِيَ الله عنهم، فلا يَسُوغُ لأَحَدٍ خِلافُه.
والقِياسُ يَقْتَضِيه، فإنَّ الأرْضَ عَينٌ تَنَمَّى بالعَمَلِ، فجازَتِ المُعامَلَةُ عليها ببعضِ نَمائِها، كالمالِ في المُضارَبَةِ، والنَّخْلِ في المُساقاةِ.
ولأنَّه أرْضٌ، فجازَتِ المُزارعةُ عليها، كالأرْضِ بينَ النَّخِل.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِية إلى المُزارَعةِ؛ لأنَّ أصحابَ الأرضِ قد (1) لا يَقْدِرُون على زَرْعِها والعَمَلِ عليها، والأَكَرَةُ يَحتاجُون إلى الزَّرْعِ ولا أرْضَ لهم، فاقْتَضتِ الحِكْمةُ جوازَ المُزارَعةِ، كما قُلْنا في المُضارَبةِ والمُساقاةِ، بل ههُنا آكَدُ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّرْعِ آكَدُ منها إلى غيرِه؛ لكَوْنِه قُوتًا، ولأنَّ الأرْضَ لا يُنْتَفَعُ بها إلا بالعَمَلِ فيها، بخِلافِ المالِ.
واللهُ أعلمُ.

2134 -

مسألة: (فَإِنْ كَانَ في الْأَرْضِ شَجَرٌ، فَزَارَعَهُ الأَرْضَ، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ، صَحَّ)

سواء قَلَّ بَياضُ الأرضِ أو كَثُرَ.
نَصَّ عليه1

..................................  أحمدُ، وقال: قد دَفَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيبَرَ على هذا.
وبهذا قال كُلُّ مَن أجازَ المُزارَعَةَ في الأرْضِ المُفْرَدَةِ.
فإذا قال: ساقَيتُكَ على الشَّجَرِ، وزارَعْتُكَ على الأرْضِ بالنِّصْفِ.
جاز 1. وكذلك إن قال: عامَلْتُك [على الأرضِ والشجرِ] 2 على النِّصْفِ.
لأن المُعامَلَةَ تَشْمَلُهُما.
وإن قال: زَارَعْتُكَ الأرْضَ بالنِّصْفِ، وساقَيتُكَ على الشجَرِ بالرُّبْعِ.
جازَكما يجوزُ أن يُساقِيَهُ على أنواعٍ مِن الشَّجَرِ ويَجْعَلَ له في كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا.
وإن قال: ساقَيتُكَ على الأرْضِ والشَّجَرِ بالنِّصْفِ.
جازَ؛ لأنَّ المُزارَعَةَ مُساقاة مِن حيث إنَّها تَحْتاجُ إلى السَّقْي.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُساقاةَ لا تَتَناوَلُ الأرْضَ، فتَصِحُّ في النَّخْلِ وحدَه.
وقيل: يَنْبَنِي على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ولَنا، أنَّه عَبَّرَ عن عَقْدٍ بلَفْظِ عَقْدٍ يُشارِكُه في المَعْنَى المَشْهُورِ به في الاشْتِقاقِ، فَصَحَّ، كما لو عَقَد بلَفْظِ البَيعِ في السَّلَمِ.
وهكذا إن قال في الأرْضِ البَيضاءِ: ساقَيتُك على هذه الأرْضِ بنِصْفِ ما يُزْرَعُ فيها.
فإن قال: ساقَيتُكَ على الشَّجَرِ بالنِّصْفِ.
ولم يَذْكُرِ الأرْضَ، لم تَدْخُلْ في العَقْدِ، وليس للعامِلِ أن يَزْرَعَ.
وبه قال الشافعيُّ.

..................................  وقال مالكٌ، وأبو يُوسُفَ: للدّاخِلِ زَرْعُ البَياضِ، فإن تَشارَطا أنَّ ذلك بينَهما، فهو جائِزٌ، وإنِ اشْتَرَطَ صاحِبُ الأرْضِ أنَّه يَزْرَعُ البَياضَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الدَّاخِلَ يَسْقِي لِرَبِّ الأرْضِ، فتلك زِيادَة ازْدادَها عليه.
ولَنا، أنَّ هذا لم يَتَناوَلْه العَقْدُ، فلم يَدْخُلْ فيه، كما لو كانت أرْضًا مُنْفَرِدَةً.
فصل: وإن زارَعَه أرْضًا فيها شَجَراتٌ يَسِيرةٌ، لم يَجُزْ أن يَشْتَرِطَ العامِلُ ثَمَرتَها.
وبه قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وأجَازَه مالكٌ إذا كان الشَّجَرُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ أو أقَلَّ؛ لأنَّه يَسِير، فيَدْخُلُ تَبَعًا.
ولَنا، أنَّه اشْتَرَط الثَّمَرَةَ كُلَّها، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّجَرُ أَكْثَرَ مِن الثُّلُثِ.

..................................  فصل: وإن أجَرَه بَياضَ الأرْضِ، وساقاه على الشَّجَرِ الَّذي فيها، جازَ؛ لأنَّهما عَقْدان يجوزُ إفْرادُ كلِّ واحدٍ منهما، فجازَ الجَمْعُ بينَهما، كالبَيعِ والإِجارَةِ.
وقيل: لا يجوزُ، بِناءً على الوَجْهِ الَّذي لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ بينَهما في الأصْلِ.
والأوَّلُ أوْلَى، إلَّا أن يَفْعَلا ذلك حِيلَةً على شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ وُجُودِها، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فلا يجوزُ، سواء جَمَعا بينَ العَقْدَين، أو عَقَدا أحَدَهُما بعدَ الآخَرِ؛ لِما ذَكَرْنا في إبْطالِ الحِيَلِ.

وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأرْض.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ.

2135 - مسألة: (وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأرْض. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في هذه المَسْألَةُ، فرُويَ عنه اشْتِراطُ كوْنِ البَذْرِ مِن رَبِّ الأرْضِ.
نَصَّ عليه في رِوايَةِ جَماعةٍ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وعامّةِ الأصْحابِ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَشْتَرِكُ رَبُّ المالِ والعامِلُ في نَمائِه، فوَجَب أن يكونَ رأسُ الْمالِ كلُّه مِن عندِ أحَدِهِما، كالمُساقاةِ، والمُضارَبةِ.
ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّ البَذْرَ يجوزُ أن يكونَ مِن العامِلِ، فإنَّه قال في رِوايةِ مُهَنّا، في الرَّجُلِ يكونُ له الأرضُ فيها نَخْلٌ وشَجَرٌ، يَدْفَعُها إلى قومٍ يَزْرَعُون الأرْضَ ويَقُومُون على الشَّجَرِ على أنَّ 1 له النِّصْفَ، ولهم النِّصْفُ: فلا بَأْسَ بذلك، [قد دفع] 2 النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -

..................................  خَيبَرَ على هذا.
فأجازَ دَفْعَ الأَرْضِ ليَزْرَعَها مِن غيرِ ذِكْرِ البَذْرِ.
فعلى هذا، أَيُّهما أخْرَجَ البَذْرَ، جازَ.
رُوِيَ نحوُ ذلك عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه.
وهو قولُ أبي يوسُفَ، وطائفةٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ، وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
ورُوِيَ عن سَعْدٍ، وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عُمَرَ، أنَّ البَذْرَ مِن العامِلِ.
ولَعَلَّهُم أرادُوا به، أنَّه 1 يجوزُ أن يكونَ مِن العامِلِ، فيكونُ كقَوْلِ عُمَرَ، ولا يكونُ قَوْلًا ثالِثًا.
والدَّلِيلُ على ذلك قولُ ابنِ عُمَرَ: دَفَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى يَهُودِ خَيبَرَ نَخْلَ خَيبَرَ وأرْضَها، على أن يَعْمَلُوها مِن أمْوالِهم، ولرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَطْرُ ثَمَرِها 2. وفي لَفْظٍ: على أن يَعْمَلُوها ويَزْرَعُوها، ولهم شَطْرُ ما يَخرُجُ منها (2). فجَعَلَ عَمَلَها مِن أمْوالِهم، وزَرْعَها عليهم، ولم يَذْكُرْ شيئًا آخَرَ، وظاهِرُه أنَّ البَذْرَ مِن أهْلِ خَيبَرَ، والأصْلُ [المُعَوَّلُ عليه] 3 في المُزارَعةِ قِصَّةُ خَيبَر، ولم يَذْكُرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ البَذْرَ على المسلمين، ولو كان شَرْطًا لَما أخَلَّ بذِكْرِه، ولو

..................................  فَعَله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لَنُقِلَ، ولم يَجُزْ تَرْكُ نَقْلِه.
ولأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، فَعَل الأمْرَين جميعًا.
فروَى البخاريُّ 1 عنه، أَنَّه عامَلَ الناسَ على أنَّه إن جاء عُمَرُ بالبَذرِ مِن عِنْدِه فله الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ فلهم كذا.
وظاهِرُ هذا أنَّ ذلك اشْتَهَرَ فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
فإن قِيلَ: فهذا بمَنْزِلَةِ بَيعَتَين في بَيعَةٍ، فكيف يَفْعَلُه عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه؟ قلنا: يَحْتَمِلُ أنَّه فَعَل ذلك ليُخَيِّرَهُم في أيِّ العَقْدَين شاءُوا، فمَن اختارَ عَقدًا عَقَدَه معه مُعَيَّنًا، كما لو قال في البَيع: إن شِئْتَ بِعْتُكَ بعَشَرَةٍ صِحاحٍ، وإن شِئْتَ بأحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرَةً.
فاختارَ أحَدَهُما، فَعَقَدَ البَيعَ عليه مُعَيَّنًا.
ويجوزُ أن يكونَ مَجِيئُه بالبَذْرِ، أو شُرُوعُه في العَمَلِ بغيرِ بَذْرٍ، مع إقْرارِ عُمَرَ له على ذلك وعِلْمِه به، جَرَى مَجْرَى العَقْدِ.
ولهذا رُوِيَ عن أحمدَ صِحَّةُ الإجارةِ فيما إذا قال: إن خِطته رُوميًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْفُ دِرْهمٍ.
وما ذَكَره أصحابُنا مِن القِياسِ يُخالِفُ ظاهِرَ النَّصِّ والإجْماعَ الَّذي ذَكَرْناهُما، فكيف يُعْمَلُ به؟ ثم هو مُنْتَقِضٌ بما إذا اشْتَركَ مالانِ بِبَدَنِ صاحِبِ أحَدِهِما.

..................................  فصل: فإن كان البَذْرُ منهما نِصْفَينِ، وشَرَطا أنَّ الزَّرْعَ بينهما نِصْفانِ، فهو بينَهما، سواءٌ قُلنا بصِحَّةِ المُزارَعةِ أو فَسادِها؛ لأنَّها إن كانت صَحِيحةً، فالزَّرْعُ بينَهما على ما شَرَطاه، وإن كانت فاسِدةً فلِكُلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ بَذْرِه، لكنْ إن حَكَمْنا بصِحَّتِها، لم يَرْجِعْ أحَدُهُما على صاحِبِه بشيء.
وإن قلنا: مِن شَرْطِ صِحَّتِها أن يكونَ البَذْرُ مِن رَبِّ الأرْضِ.
فهي فاسِدَةٌ، فعلى العامِلِ نِصْفُ أجْرِ الأرْضِ، وله على رَبِّ الأَرْضِ نِصْفُ أجْرِ عَمَلِه، فيَتقاصّانِ بقَدْرِ الأقَلِّ منهما، ويَرْجِعُ أحَدُهُما على صاحِبِه بالفَضْلِ.
وإن شَرَطَا التَّفاضلَ في الزَّرْعِ، وقلنا بصِحَّتِها، فالزَّرْعُ بينهما على ما شَرَطاه، ولا تَراجُعَ.
وإن قلنا بفَسادِها، فالزَّرْعُ بينَهما على قَدْرِ البَذْرِ، ويَتَراجَعانِ، كما ذَكَرْنا.
وكذلك إن تَفَاضَلا في البَذْرِ، وشَرَطا التَّساويَ في الزَّرْعِ، أو شَرَطا لأحَدِهما أكْثَرَ مِن قَدْرِ بَذْرِه أو أَقَلَّ.

..................................  فصل: فإن قال صاحِبُ الأرْضِ: أجَرْتُكَ نِصْفَ أرْضِي بنِصْفِ البَذْرِ ونِصْفِ مَنْفَعَتِكَ ومَنْفَعَةِ بَقَرِكَ وآلتِكَ.
وأخْرَجَ المُزارِعُ البَذرَ كُلَّهْ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ غيرُ مَعْلُومَةٍ.
وكذلك لو جَعَلَها أُجْرَةٌ لأرْضٍ أُخْرَى، أو دارٍ، لم يَجُزْ، والزَّرْعُ كلُّه للمُزارِعِ، وعليه أجْرُ مِثْلٍ الأرْضِ.
فإن أمْكَنَ عِلْمُ المَنْفَعَةِ وضَبْطُها بما لا تَخْتَلِفُ معه، ومَعْرِفةُ البَذْرِ، جازَ، وإن كان الزَّرْعِ بينَهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ البَذْرَ عِوَضٌ في الإِجارَةِ، فيُشْتَرَطُ قبْضُه، كما لو كان مَبِيعًا وما حَصَلِ فيه قَبْضٌ.
وإن قال: أجَرْتُكَ نِصْفَ أرْضِي بنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ، ومَنْفعَةِ بَقَرِك، وآلتِكَ، وأخْرَجا البَذْرَ، فهي كالتي قبلَها، إلَّا أنَّ الزَّرْعَ يكونُ بينهما على كلِّ حالٍ.

وَإنْ شُرِطَ أنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ، وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِي، أوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً، أوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أوْ زَرْعَ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةَ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ.

2136 - مسألة: (وَإنْ شُرِطَ أنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ، وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِي)

لم يَصِحَّ؛ لأنَّه كأَنَّه اشْتَرَط لنَفْسِه (قُفْزَانًا مَعْلُومَةً) وهو شَرطٌ فاسِدٌ تَفْسُدُ به المُزارَعَةُ؛ لأنَّ الأرْضَ رُبَّما لا تُخْرِجُ إلَّا تلك القُفْزانَ، فيَخْتَصُّ رَبُّ المالِ بها، ورُبَّما لا تُخرِجُهُ.
ومَوْضُوعُ المُزارَعةِ على اشْتِراكِهما في الزَّرْعِ.
2137 -

مسألة: وكذلك لو شَرَطا لأحَدِهما (دراهِمَ مَعْلُومَةً، أو زَرْعَ ناحِيَةٍ مُعَيَنَّةَ)

أو يَشْتَرِطُ لأحَدِهما ما على الجداولِ، إمّا مُنْفَرِدًا أو مع نصِيبِه، فهو فاسِدٌ بإجْماعِ العُلَماءِ؛ لأنَّ الخَبَر صَحِيحٌ في النَّهْي عنه، غيرُ مُعارَض ولا مَنْسُوخٍ، ولأنَّه رُبَّما تَلِف ما عُيِّنَ لأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، فيَنْفَردُ أحَدُهما بالغَلّةِ دونَ صاحِبِه.

ومَتَى فَسَدَتْ، فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَيهِ أُجْرَةُ صَاحِبِهِ.
وَحُكْمُ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا ذَكَرْنَا.

2138 - مسألة: (ومَتَى فَسَدَت، فالزَّرْعُ لصاحِبِ البَذرِ)

لأنَّه عَينُ مالِه، يَنْقَلِبُ من حالٍ إلى حالٍ، ويُنَمَّى، فهو كصِغارِ الشَّجَرِ إذا غُرِسَ فطال (وعليه أُجْرَةُ صاحِبِه) فإن كان البَذْرُ مِن العامِلِ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ؛ لأنَّ رَبَّها إنَّما بَذَلها بعِوَض لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى عِوَضِ مَنافِعِها الفائِتَةِ بزَرْعِها على الزّارِعِ وإن فَسَدَتْ والبَذْرُ مِن رَبِّ الأرضِ، فالزَّرْعُ له؛ لِما ذَكَرْنا، وعليه مثلُ أجْرِ العامِلِ؛ لذلك.
وإن كان منهما، فالزَّرْعُ بينهما على قَدْرِ البَذْرِ، ويَتراجَعانِ بما يَفْضُلُ لأحَدِهما على ما ذَكَرنا.
2139 -

مسألة: (وحُكْمُ المُزارَعَةِ حُكْمُ المُساقاةِ فيما ذَكَرْنا)

مِن الجَوازِ، واللُّزُوم، وأنَّها لا تجوزُ إلَّا بجزْءٍ للعامِلِ مِن الزَّرْعِ، وما يَلْزَمُ العامِلَ ورَبَّ الأَرضِ وغيرِ ذلك مِن أحْكامِها؛ لأنَّها مُعامَلَة على الأرْضِ ببعضِ نَمائِها.

وَالْحَصَادُ عَلَى الْعَامِلِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَكَذَلِكَ الجَدَادُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْجَدَادَ عَلَيهِمَا.

2140 - مسألة: (وَالْحَصَادُ عَلَى الْعَامِلِ. نَصَّ عَلَيهِ. وَكَذَلِكَ الجَدَادُ. وَعَنْهُ، أَنَّ الْجَدَادَ عَلَيهِمَا)

الجِذاذُ والحَصَادُ واللِّقاطُ على العامِلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الحَصادِ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مِن العَمَلِ، فكان على العامِلِ، كالتَّشْمِيسِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ في الجِذاذِ، أنَّه إذا شرَط على العامِلِ، فجائِزٌ؛ لأنَّ العَمَلَ عليه، وإن لم يَشْرُطْه فعلى رَبِّ المالِ بحِصّةِ ما يَصِيرُ إليه، وعلى العامِلِ بحصةِ ما يَصِيرُ إليه.
فجَعَلَ الجِذاذَ عليهما، وأجازَ اشْتِراطَه على العامِلِ.
وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: تَفْسُدُ المُساقاةُ بشَرْطِه على العامِلِ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُنافِي مُقتَضَى العَقدِ.
واحْتَجَّ مَن جَعَله عليهما بأنَّه بعدَ تكامُلِ الثَّمَرَةِ وانقِضاءِ

..................................  المُعامَلَةِ، فأشْبَهَ نَقْلَه إلى مَنْزِله.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دفَعَ خَيبَرَ 1 إلى يَهُودِ خَيبَرَ على أنْ يَعْمَلُوها مِن أمْوالِهمِ، ولأنَّ هذا مِن العَمَلِ، أشْبَهَ التَّشْمِيسَ، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
وفارَقَ النَّقْلَ إلى المَنْزِلِ، فإنَّه يكونُ بعدَ القِسْمَةِ وزَوالِ العَقْدِ، فأشْبَهَ المَخْزَنَ.
فصل: وإن دَفَع رَجُلٌ بَذْره إلى صاحِبِ الأرْضِ ليَزْرَعَه في أرْضِه، ويكونَ ما يَخْرُجُ بينهما، فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ البَذْرَ ليس مِن رَبِّ الأرْضِ ولا مِن العامِلٍ، ويكونُ الزَّرْعُ لمالِكِ البَذْرِ، وعليه أَجْرُ الأرْضِ والعَمَلِ.
ويَتَخرَّجُ أن تَنْبَنِيَ صِحَّتُه على إحْدَى الرِّوايَتَين، كالمسألةِ التي بعدَها.

وَإِذَا قَال الْمُزَارِعُ: أَنَا أزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي، وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَينَنَا.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2141 - مسألة: (وَإِن قَال: أَنَا أزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي، وَتَسْقِيهَا بِمَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَينَنَا)

ففيها رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تَصِحُّ.
اخْتارَها القاضِي؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُزارَعَةِ على أن يكونَ مِن أحَدِهما الأرْضُ ومِن الآخَرِ العَمَلُ، وصاحِبُ الماءِ ليس منه أرْضٌ ولا عَمَل ولا بَذْرٌ، ولأنَّ الماءَ لا يُباعُ ولا يُسْتَأْجَرُ، فكيف تَصِحُّ المُزارَعةُ به؟ والثانيةُ، تَصِحُّ.
اختارَها أبو بكرٍ.
ونَقَلَها عن أحمدَ يَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ 1، وحَرْبٌ؛ لأنَّ الماءَ أحَدُ ما يُحْتاجُ إليه في الزَّرْعِ، فجازَ أن يكونَ مِن أحَدِهما، كالأرْضِ والعَمَلِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ ثلاثَةٌ؛ مِن أحَدِهم الأرضُ، ومِن الآخَرِ البَذْرُ، ومِن الآخَرِ البَقَرُ، والعَمَلُ على أنَّ ما رَزَق الله تَعالى بينهم، فعَمِلُوا، فهذا عَقْدٌ فاسِدٌ.
نَصّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ، ومُهَنّا، وأحمدَ بنِ القاسِمِ.
وذَكَرَ حَدِيثَ مُجاهدٍ، في أرْبَعةٍ اشْتَرَكُوا في زَرْعٍ على عَهْدِ

..................................  رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال أحَدُهُم: عَلَيَّ الفَدّانُ 1. وقال الآخَر: قِبَلِي الأرْضُ.
وقال الآخَر: قِبَلي البَذْز.
وقال الآخَر: قِبَلي العَمَل.
فجَعَل النبيُّ الزَّرْعَ لصاحِبِ البَذْرِ، وألغَى صاحِبَ الأرْضِ، وجَعَل لصاحِبِ العَمَلِ كلَّ يوم دِرْهمًا، ولصاحِبِ الفَدّانِ شيئًا مَعْلُومًا 2. فقال أحمدُ: لا يَصِحُّ، والعَمَلُ على غيرِه.
وذَكَر هذا الحَدِيثَ سَعِيد بنُ مَنْصُورٍ، عن الوَليدِ بنِ مُسْلِمٍ، عن الأوْزَاعِيِّ، عن واصِلِ بنِ أبي جَمِيلٍ، عن مُجاهِدٍ، وقالٍ في آخِرِه: فحَدَّثْت به مَكْحُولًا فقال: ما يَسُرُّنِي بهذا الحَدِيثِ وَصيفٌ 3. وحُكْمْ هذه المسألةِ حُكْمُ المسألةِ التي ذَكَرْناها في أوّل الفَصْلِ، وهما فاسِدَتانِ؛ لأنَّ مَوْضوعَ المُزارَعةِ على أن البَذْرَ مِن رَبِّ الأرْضِ أو مِن العامِلِ، وليس هو من 4 واحِدٍ منهما.
وليست شَرِكةً؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تكونُ بالأَثْمانِ، فإن كانت بالعُرُوضِ، اعْتبرَ كَوْنها مَعْلُومَةً، ولم يُوجَدْ شيءٌ مِن ذلك هاهُنا.
ولا هي إجارَةٌ؛ لأنَّ الإجارَةَ تَفْتَقِرُ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وعِوَضٍ مَعْلُوم.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
فعلى هذا، يكونُ الزَّرْعُ لصاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه نَمَاءُ مالِه، ولصاحِبَيه عليه أجْرُ مِثْلِهما؛ لأنَّهما دَخَلا على أن يُسَلِّمَ

..................................  لهما المُسَمَّى، فإذا لم يُسَلِّمْ، عاد إلى بَدَلِه.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ.
والصَّحِيحُ أنَّ النَّماءَ لصاحِبِ البَذْرِ، لا تَلْزَمُه الصَّدَقَةُ به، كسائِرِ مالِه.
فصل: فإن كانتِ الأرضُ لثلاثةٍ، فاشْتَركُوا على أن يَزْرَعُوها ببَذْرِهم ودَوابِّهم وأعْوانِهم، على أنَّ ما أخْرَجَ الله بينهم على قَدْرِ ما لَهم، جاز.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأن أحَدَهُم لا يَفْضُلُ صاحِبَه بشيءٍ.
فصل: فإن زارَعَ رَجُلًا، أو آجَرَه أرْضَه فزَرَعها، وسَقَط مِن الحَبِّ شيءٌ فنَبَتَ في تلك الأرْضِ عامًا آخَرَ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ، ومحمدِ بنِ الحارِثِ.
وقال الشافعي: هو لصاحِب الحَبِّ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، فهو كما لو بذَرَه قَصْدًا.
ولَنا، أنَّ صاحِبَ الحَبِّ أسْقَطَ حَقَّه منه بحُكْمِ العُرْفِ، وزال مِلْكُه عنه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ ذلك لمَن يَأخُذُه، ولهذا أبِيحَ له الْتِقاطُه ورَعْيُه.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في إباحَةِ الْتِقاطِ ما خَلَفَه الحَصَّادُون مِن سُنْبُلٍ وحَب وغيرِهما، فجَرَى ذلك مجرَى نَبْذِه على سَبِيلِ التَّرْكِ له، وصار كالشيءِ التّافِهِ يَسْقُطُ منه، كالثَّمرةِ واللُّقْمَةِ ونحوهما، والنَّوَى لو الْتَقَطَه إنْسانٌ فغَرَسه كان له، دُونَ مَن سَقَط منه، كذا هذا.

جارٍ التحميل