..................................
سواءٌ في القِصاصِ والدِّيَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في وُجُوب القِصاصِ على المُشْتَرِكِين التَّساوِى في سَبَبه، فلو جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا والآخَرُ مِائَةً، أو أوْضَحَه أحَدُهما وشَجَّه الآخَرُ آمَّةً، أو أحَدُهما جائِفَةً والآخَرُ غيرَ جائِفَةٍ، فمات، كانا سواءً في القِصاصِ والدِّيَةِ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ التَّساوِى يُفْضِى إلى سُقُوطِ القِصاصِ عن المُشْترِكِين، إذ لا يكادُ جُرْحان يَتَساوَيان مِن كلِّ وَجْهٍ، ولو احْتَمَلَ التَّساوِى لم يَثْبُتِ الحُكْمُ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ العِلْمُ بوُجُودِه، ولا يُكْتَفَى باحْتِمالِ الوُجُودِ، بل الجَهْلُ بوُجُودِه كالعِلْمِ بعَدَمِه في انْتفاءِ 1 الحُكْمِ، ولأَنَّ الجُرْحَ الواحِدَ يَحْتَمِلُ أنَّ يموتَ منه دُونَ المائةِ، كما يَحْتَمِلُ أن يموتَ مِن المُوضِحَةِ دُونَ الآمَّةِ، ومِن غيرِ الجائِفَةِ دُونَ الجائِفَةِ، ولأَنَّ الجِراحَ إذا صارت نَفْسًا 2 سَقَط اعْتِبارُها، فكان حُكْمُ الجماعةِ كحُكْمِ الواحِدِ، ألا تَرَى أنَّه لو قَطَع أطْرافَه كلَّها فمات، وَجَبَتْ دِيَةٌ واحدةٌ، كما لو قَطَع طَرَفَه فمات.
فصل: إذا اشْتَرَكَ ثلاثةٌ في قَتْلِ رجلٍ، فقَطَعَ أحَدُهم يَدَه، والآخَرُ رِجْلَه، وأوْضَحَه ثالثٌ، فمات، فللوَلِىِّ قَتْلُ 3 جميعِهم، والعفوُ عنهمِ إلى الدِّيَةِ، فيَأْخُذُ مِن كلِّ واحدٍ ثُلُثَها، وله أن يَعْفُوَ عن واحدٍ، فيأخذ منه ثُلُثَ الدِّيَةِ، ويَقْتُلَ الآخرَيْن، وأن يَعْفُوَ عن اثْنَيْن، فيَأْخُذَ منهما ثُلُثَى
..................................
الدِّيَةِ، ويَقْتُلَ الثالثَ.
فإن بَرَأتْ جراحَةُ أحَدِهم، ومات مِن الجُرْحَيْن الآخَرَيْن، فله أن يَقْتَصَّ مِن الذى بَرَأ جُرْحُه بمثلِ جُرْحِه، ويَقْتُلَ الآَخرَيْن أو يَأْخُذَ منهما دِيَةً كاملةً، أو يَقْتُلَ أحَدَهما ويَأْخُذ مِن الآخرِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وله أنَّ يَعْفُوَ عن الذى بَرَأَ جُرْحُه ويَأْخُذَ منه دِيَةَ جُرْحِه.
فإنِ ادَّعَى المُوضِحُ أنَّ جُرْحَه بَرَأ قبلَ موتِه، وكَذَّبَه شَرِيكاه، نَظَرْتَ في الوَلِىِّ؛ فإن صَدَّقَه ثَبَت حكمُ البُوْءِ بالنِّسْبَةِ إليه، فلا يَمْلِكُ قَتْلَه، ولا مُطالَبَتَه بثُلُثِ الدِّيَةِ، وله أن يَقْتَصَّ منه مُوضِحَةً أو يَأْخُذَ منه أرْشَها، ولم يُقْبَلْ قولُه في حَقِّ شَرِيكَيْه 1؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ البُرْء فيها، لكنْ إنِ اخْتارَ الوَلِىُّ القِصاصَ، فلا فائدةَ لهما في إنْكارِ ذلك؛ لأَنَّ له أنَّ يَقْتُلَهُما، سواءٌ بَرَأتْ أو لم تَبْرَأْ.
وإنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ، لم يَلْزَمْهما أكْثَرُ مِن ثُلُثَيْها.
وإن كَذَّبَه الوَلِى، حَلَف، وله الاقْتِصاصُ 2 منه، أو مُطالَبَتُه بثُلُثِ الدِّيَةِ، ولم يكنْ له مُطالَبَةُ شَرِيكَيْه 3 بأكثرَ مِن ثُلُثَيْها.
وإن شَهِد له شَرِيكاه ببُرْئِها، لَزِمَهما الدِّيَةُ كاملةً؛ لإِقْرارِهما بوُجُوبِها، وللوَلِىِّ أخْذُها منهما إن صَدَّقَهما، وإن لم يُصَدِّقْهما وعَفا إلى الدِّيَةِ، لم يكنْ له أكثرُ مِن ثُلُثَيْها 4؛ لأنَّه لا 5 يَدَّعِى أكثرَ مِن ذلك.
وتُقْبَلُ شَهادَتُهما إن كانا قد تابا و 6 عُدِّلا؛ لأنَّهما لا
وَإِنْ قَطَعَ أحَدُهُمَا مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهُ الْآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلَانِ.
يَجُرَّان إلى أنْفُسِهما بذلك نَفْعًا، فيَسْقُطُ القِصاصُ، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِن أرْشِ مُوضِحَةٍ.
4051 -
مسألة: (وإن قَطَع أحَدُهما)
يَدَه (مِن الكُوِعِ، والآخَرُ مِن المِرْفَقِ، فهما قاتلان) أمَّا إذا بَرَأتْ جراحَةُ الأَوَّلِ قبلَ قَطْعِ الثانى، فالقاتلُ الثانى وحدَه، وعليه القَوَدُ، أو الدِّيَةُ كاملةً إن عَفَا عن قَتْلِه، وله قَطْعُ يَدِ الأَوَّلِ، أو 1 نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن لم تَبْرَأْ، فهما قاتلان، وعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ، أو الدِّيَةُ إن عَفَا عنهما.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: القاتِلُ هو الثانى وحدَه، ولا قِصاصَ على الأَوَّلِ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ قَطْعَ الثانى قَطْعُ سِرايةٍ، قَطَعَه ومات بعدَ زَوالِ جِنايَتِه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ جُرْحُه.
وقال مالكٌ: إن قَطَعَه الثانى عَقِيبَ قَطْعِ الأَوَّلِ، قُتِلا جميعًا، وإن عاش بعدَ قَطْعِ الأَوَّلِ حتى أكَلَ وشرِبَ، ومات عَقِيبَ قَطْعِ الثانى، فالقاتلُ هو الثانى وحدَه، وإن عاش بعدَهما حتى أكَلَ وَشَرِب، فللأولِياءِ أنَّ يُقْسِمُوا على أيِّهما شَاءُوا 2 ويَقْتُلُوه.
ولَنا، أنَّهما
..................................
قَطْعان لو مات بعدَ كلِّ واحدٍ منهما وحدَه، لوَجَبَ عليه القِصاصُ، فإذا مات بعدَهما، وَجَب عليهما القِصاصُ، كما لو كانا في يَدَيْنِ، ولأَنَّ القَطْعَ الثَّانىَ لا يَمْنَعُ حَياتَه بعدَه، فلا يَسْقُطُ حُكْمُ ما قبلَه، كما لو كانا في يَدَيْن.
ولا نُسَلِّمُ زَوالَ جِنايَتِه، ولا قَطْعَ سِرايَتِه، فإنَّ الألَمَ الحاصلَ بالقَطْعِ الأَوَّلِ لم يَزُلْ، وإنَّما انْضَمَّ إليه الألمُ الثانى، فضَعُفَتِ النَّفْسُ عنِ احْتِمالِهما، فزَهَقَتْ بهما، فكان القَتْلُ بهما.
ويُخالِفُ الانْدِمالَ، فإنَّه لا يَبْقَى معه الألمُ الذى حَصَل في الأعْضاءِ الشَّرِيفَةِ، فافْتَرَقا.
وإنِ ادَّعَى الأَوَّلُ أنَّ جُرْحَه انْدَمَلَ، فصَدَّقَه الوَلِىُّ، سَقَط عنه القَتْلُ، ولَزِمَه القِصاصُ في اليَدِ أو نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن كَذَّبَه شَرِيكُه واخْتارَ الوَلِىُّ القِصاصَ، فلا فائدةَ له في تَكْذِيبِه؛ لأَنَّ قَتْلَه واجِبٌ.
وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ.
وإن كَذَّبَ الوَلِىُّ الأوَّلَ، حَلَف، وكان له قَتْلُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ما ادَّعاه.
وإنِ ادَّعَى الثانى انْدِمالَ جُرْحِه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الأَوَّلِ إذا ادَّعَى ذلك.
وَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ، أَوْ مَرِيئِهِ، أَوْ وَدَجَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ،
4052 - مسألة: (وإن فَعَل أحَدُهما فِعْلًا لا تَبْقَى معه الحَياةُ، كقَطْعِ حُشْوَتِه، أو مَرِيِئِه، أو وَدَجَيْه، ثم ضَرَب عُنُقَه آخَرُ، فالقاتِلُ
وَيُعَزَّرُ الثَّانِى، وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِى عُنُقَهُ، فَالثَّانِى هُوَ الْقَاتِلُ، وَعَلَى الأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ.
هو الأَوَّلُ، ويُعَزَّرُ الثانى، وإن شَقَّ الأَوَّلُ بَطْنَه، أو قَطَع يَدَه، ثم ضَرَب الثانى عُنُقَه، فالثَّانى هو القاتلُ، وعلى الأَوَّلِ ضَمانُ ما أتلَفَ بالقِصاصِ أو الدِّيَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا جَنَى عليه اثْنان جِنايَتَيْن، نَظَرْنا؛ فإن كانتِ الأُولَى أَخْرَجَتْه مِن حُكْمِ الحياةِ، مثلَ قَطْعِ حُشْوَتِه وإبانَتِها منه، أو ودَجَيْه 1، ثم ضَرَب عُنُقَه الثانى، فالأوَّلُ هو القاتلُ؛ لأنَّه لا يَبْقَى مع جِنايَتِه حياةٌ، والقَوَدُ عليه خاصَّةً، ويُعَزَّرُ الثانى، كما لو جَنَى على مَيِّتٍ.
وإن عَفَا الوَلِىُّ إلى الدِّيَةِ، فهى على الأَوَّلِ وحدَه.
وإن كان جُرْحُ الأَوَّلِ تَبْقَى الحياةُ معه، مثلَ شَقِّ البَطْنِ مِن غيرِ إبانَةِ الحُشْوَةِ، أو قَطْعِ طَرَفٍ،
..................................
ثم ضَرَب عُنُقَه آخَرُ، فالثانى هو القاتلُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ بجُرْحِ الأَوَّلِ مِن 1 حُكْمِ الحياةِ، فيكونُ الثانى هو المُفَوِّتَ لها، فعليه القِصاصُ في النَّفْسِ، والدِّيَةُ كاملةً إن عَفا عنه.
ثم نَنْظُرُ في جُرْحِ الأَوَّلِ، فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، كقَطْعِ الطَّرَفِ، فالوَلِىّ مُخَيَّرٌ بينَ قَطْعِ طَرَفِه والعَفْوِ على دِيَتِه، أو العَفْوِ مُطْلَقًا، وإن كان لا يُوجِبُ القِصاصَ، كالجائِفَةِ ونحوِها، فعليه الأَرْشُ.
وإنَّما جَعَلْنا عليه القِصاصَ؛ لأَنَّ الثانىَ بفِعْلِه قَطَع سِرايَةَ الأَوَّلِ، فصار كالمُنْدَمِلِ الذى لا يَسْرِى.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
ولو كان جُرْحُ الأَوَّلِ يُفْضِى إلى المَوْتِ لا مَحالةَ، إلَّا أنَّه لا يَخْرُجُ به مِن حُكْمِ الحياةِ، وتَبْقَى معه الحياةُ المُسْتَقِرَّةُ، مثلَ خَرْقِ المِعَى، أو أُمِّ الدِّماغِ، فضَرَبَ الثانى عُنُقَه، فالقاتلُ هو الثانى؛ لأنَّه فَوَّتَ حياةً مُسْتَقِرَّةً، وقَتَل مَن هو في حُكْمِ الحياةِ، بدليلِ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لَمَّا جُرِح دَخَل عليه الطَّبِيبُ فسَقَاه لَبَنًا، فخَرَجَ يَصْلِدُ 2، فعَلِمَ الطَّبِيبُ أنَّه مَيِّت، فقال: اعْهَدْ إلى الناسِ.
.................................. فعَهِدَ إليهم وأوْصَى، وجَعَل الخِلافَةَ إلى أهلِ الشُّورَى، فقَبِلَ الصحابةُ عَهْدَه، وأجْمَعُوا على قَبُولِ وَصَاياه 1. لمَّا كان حُكْمُ الحياةِ باقِيًا، كان الثَّانى مُفَوِّتًا لها، فكان هو القاتلَ، كما لو قَتَل عَلِيلًا لا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِه.
وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِى.
وَإِنْ رَمَاهُ فِى لُجَّةٍ، فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى الرَّامِى فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
4053 - مسألة: (فإن رَماه مِن شاهِقٍ، فتَلَقّاه آخَرُ بسَيْفٍ فقَدَّه)
فالقِصاصُ على الثَّانى؛ لأنَّه فَوَّتَ حَياتَه قبلَ المَصِيرِ إلى حالٍ (1) يُيْئَسُ فيها مِن حَياتِه، فأشْبَهَ ما لو رَماه إنسان بسَهْمٍ قاتلٍ، فقَطَعَ آخَرُ عُنُقَه قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، أو ألْقَى عليه صَخْرَةً، فأطار آخَرُ رَأْسَه بالسَّيْفِ قبلَ وُقُوعِها عليه.
وبهذا قال الشافعىُّ، إن رَماه مِن مكانٍ يجوزُ أن يَسْلَمَ منه، وإن رَماه مِن شاهِقٍ لا يَسْلَمُ منه الواقعُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، كقولِنا.
والثانى، الضَّمانُ عليهما بالقِصاص، والدِّيَةِ عندَ سُقُوطِه؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما سَبَبٌ للإِتْلافِ.
ولَنا، أنَّ الرَّمْىَ (2) سَبَبٌ، والقَتْلَ مُباشَرَة، فانْقَطَعَ حكمُ السَّبَبِ، كالدّافِعِ مع الحافِرِ، والجارحِ مع الذّابحِ، وكالصُّوَرِ التى ذكَرْناها.
وما ذكَرُوه باطِلٌ بالأُصُولِ المَذْكورَةِ.
4054 -
مسألة: (وإن ألْقاه في لُجَّةٍ، فالْتَقَمَه حُوتٌ، فالقَوَدُ على الرّامِى في أحَدِ الوَجْهَيْن)
إذا كانتِ اللُّجَّةُ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منها، فالقَوَدُ12
وَإِنْ أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى الْقَتْلِ فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا.
على الرَّامِى؛ لأنَّه ألْقاه (1) في مَهْلَكَةٍ هَلَك بها مِن غيرِ واسِطَةٍ يُمْكِنُ إحالةُ الحُكْمِ عليها، أشْبَهَ ما لو مات بالغَرَقِ، أو هَلَك بوُقُوعِه على صَخْرَةٍ.
والثانى، لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه لم يَهْلِكْ بها، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه آدَمِىٌّ آخَرُ.
فأمّا إن أَلْقاه في ماءٍ يَسِيرٍ، فأكَلَه سَبُع، أو الْتَقَمَه حُوتٌ أوِ تِمْساحٌ، فلا قَوَدَ عليه؛ لأَنَّ الذى فَعَلَه لا يَقْتُلُ غالِبًا، وعليه ضَمانُه؛ لأنَّه هَلَك بفِعْلِه.
4055 -
مسألة: (وإن أكْرَهَ إنسانًا على القَتْلِ فقَتَلَ، فالقِصاصُ عليهما)
وقال أبو حنيفةَ: إنَّما 2 يجبُ القِصاصُ على الآمِرِ دُون المَأْمُورِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ صار بالإِكْراهِ بمَنْزِلَةِ الآلةِ، والقِصاصُ إنَّما يجبُ على مُسْتَعْمِلِ الآلةِ لا على الآلةِ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا يجبُ على واحدٍ منهما؛ لأَنَّ الآمِرَ غيرُ مُباشِرٍ، إنَّما هو مُتَسَبِّبٌ، والقِصاصُ لا يجِبُ على1
..................................
المُتَسُبِّبِ مع المُباشِرِ، دليلُه الدَّافِعُ مع الحافرِ، [والمَأْمُورُ مَسْلُوبُ الاخْتِيارِ.
وقال زُفَرُ: يجِبُ على المَأْمُورِ ولا يجِبُ على الآمِرِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ مُباشِرٌ، فيَجِبُ عليه وحدَه، كالدّافعِ مع الحافِرِ] 1. ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّ المَأْمُورَ قاتِل، فوجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يُؤْمَرْ، والدليلُ على أنَّه قاتلٌ، أنَّه ضَرَب بالسَّيْفِ، ولأَنَّ القَتْلَ جَرْحٌ أو فِعْلٌ يَتَعَقَّبُه الزُّهُوقُ، وهذا كذلك، ولأنَّه يأْثَمُ إثْمَ القاتلِ.
قولُهم: إنَّه بمَنْزِلةِ الآلةِ.
لا يَصِحُّ، فإنَّه يأْثَمُ والآلةُ لا تَأْثَمُ.
قو لُهم: إنَّه مَسْلُوبُ الاخْتِيارِ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه قَصَدَ اسْتِبْقاءَ 2 نَفْسِه بقَتْلِ هذا، وهذا يَدُلُّ على قَصْدِه واخْتِيارِ نَفْسِه، ولا خِلافَ في أنَّه يَأْثَمُ، ولو سُلِّمَ الاخْتِيارُ لم يَأْثَمْ، كالمجْنُونِ.
والدليلُ على أنَّ الآمِرَ قاتِل، أنَّه تَسَبَّبَ إلى قَتْلِه بما يُفْضِى إليه غالِبًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو أنْهَشَه [كَلْبًا أو] 3 حَيَّةً أو أسَدًا، أو رَماه بسَهْمٍ، ولأنَّه ألْجَأهُ إلى الهلاكِ، أشْبَهَ ما لو ألْقاه عليه.
وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ عَبْدَهُ الَّذِى لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ، بِالقَتْلِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ.
4056 - مسألة: (وإن أَمَرَ مَن لا يُمَيِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو عَبْدَه الذى لا يَعْلَمُ أنَّ القَتْلَ مُحَرَّم، بالقَتْلِ، فقَتَلَ، فالقِصاصُ على الآمِرِ)
إذا أمَرَ [السَّيدُ عبدَه أنَّ يَقْتُلَ رَجُلًا] 1، وكان العبدُ ممَّن لا يَعْلَمُ تَحْرِيمَ القَتْلِ،
..................................
كمَن نَشَأَ في غيرِ بلادِ الإِسْلامِ، وَجَب القِصاصُ على الآمِرِ.
فأمَّا مَن 1 أقام في بلادِ الإسلامِ بينَ أهلِه، فلا يَخْفَى عليه تَحْرِيمُ القَتْلِ، ولا يُعْذَرُ في فِعْلِه، ومتى كان عالِمًا بذلك، فالقِصاصُ على العَبْدِ، ويُؤَدَّبُ سَيِّدُه -لأمْرِه بما أفْضَى إلى القَتْلِ- بما يَراه الإِمامُ مِن الحَبْسِ والتَّعْزِيرِ.
وإذا لم يكنْ عالِمًا، أُدِّبَ العبدُ.
ونَقَلَ [أبو طالبٍ] 2 عن أحمدَ قال: يُقْتَلُ المَوْلَى، ويُحْبَسُ العبدُ حتى يموتَ؛ لأَنَّ العبدَ سَوْطُ المَوْلَى وسَيْفُه.
كذا قال علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ.
قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ.
وممَّن قال بهذه الجُملةِ الشافعىُّ.
وممَّن قال: إنَّ السَّيِّدَ يُقْتَلُ.
علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ.
وقال قَتادَةُ: يُقْتلان جميعًا.
وقال سليمان بنُ مُوسى 3:
..................................
لا يُقْتَلُ الآمِرُ، ولكنْ يَدِيه، ويُعاقَبُ ويُحْبَسُ؛ لأنَّه لم يُباشِرِ القَتْلَ، ولا ألْجَأَ إليه، فلم يجبْ عليه قِصاصٌ، كما لو عَلِم العبدُ حَظْرَ القَتْلِ.
ولَنا، أنَّ العبدَ إذا لم يكنْ عالِمًا بحَظْرِ القَتْلِ، فهو مُعْتَقِدٌ إباحَتَه، وذلك شُبْهَةٌ تَمْنَعُ القِصاصَ، كما لو اعْتَقَدَه صَيْدًا فرَماه، فقَتَلَ إنسانًا، ولأَنَّ حِكْمَةَ القِصاصَ الرَّدْعُ والزَّجْرُ، ولا يَحْصُلُ ذلك في مُعْتَقِدِ الإِباحَةِ، وإذا لم يَجِبْ عليه، وَجَب على السَّيِّدِ؛ لأنَّه آلةٌ لا يُمْكِنُ إيجابُ القِصاصِ عليه، فوَجَبَ على [المُتَسَبِّبِ به] 1، كما لو أنْهَشَه حَيَّةً فَقَتَلَتْه، أو أَلْقاه في زُبْيَةِ أسَدٍ فأكَلَه.
ويُفارِقُ هذا ما إذا عَلِم حَظْرَ القَتْلِ، [فإنَّ القِصاصَ] 2 على العبدِ؛ لإمْكانِ إيجابِه عليه، وهو مُباشِرٌ له، فانْقَطَعَ حُكْمُ الآمِرِ، كالدّافعِ مع الحافرِ.
ولو أمَرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يعلمُ حَظْرَ القَتْلِ، فقَتَلَ، فالحُكْمُ فيه كالحكمِ في العبدِ 3، يُقْتَلُ الآمِرُ دُونَ المُباشِرِ.
فأمّا إن أمَرَه بزِنًى أو سرقةٍ، ففَعَلَ، لم يَجِبِ الحَدُّ على الآمِرِ؛ لأَنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ إلًّا على المُباشِرِ، والقِصاصُ يجِبُ بالتَّسَبُّبِ، ولذلك وَجَب على المُكْرَهِ والشُّهُودِ في القِصاصِ.
وَإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْآمِرِ.
4057 - مسألة: (وإن أَمَرَ كَبِيرًا عاقِلًا عالِمًا بتَحْريمِ القَتْلِ به، فقَتَلَ، فالقِصاصُ على القاتِلِ)
لا (1) نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنُّه قاتِلٌ ظُلْمًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يُؤْمَرْ.
4058 -
مسألة: (وإن أَمَرَ السُّلْطانُ بقَتْلِ إنسانٍ بغيرِ حَقٍّ مَن يَعْلَمُ ذلك، فالقِصاصُ على القاتِلِ، وإن لم يَعْلَمْ فعلى الآمِرِ)
إذا كان المَأْمُورُ1
..................................
يَعْلَمُ أنَّ المَأْمُورَ بقَتْلِه لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ، فالقِصاصُ عليه؛ لأنَّه غيرُ مَعذُورٍ في فِعْلِه، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا طَاعَةَ لمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» 1. وعنه عليه السَّلامُ أنَّه قال: «مَن أمَرَكُمْ مِنَ الوُلَاةِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا تُطيعُوهُ» 2. فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أمَرَه غيرُ السلطانِ.
وإن لم يَعْلَمْ ذلك، فالقِصاصُ على الآمِرِ 3 دُونَ المَأمُورِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ مَعْذُورٌ؛ لوُجُوبِ طاعةِ الإِمامِ في غيرِ المَعْصِيَةِ، والظَّاهِرُ أنَّه لا يَأْمُرُ إلَّا بالحَقِّ.
وإن كان الآمِرُ غيرَ السلطانِ، فالقِصاصُ على القاتلِ بكلِّ حالٍ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه طاعَتُه، وليس له القَتْلُ بحالٍ، بخِلافِ السلطانِ فإنَّ إليه القَتْلَ في الرِّدَّةِ والزِّنَى، وقَطْعِ الطَّريقِ -إذا قَتَل القاطِعُ- ويَسْتَوْفِى القِصاصَ للناسِ، وهذا ليس إليه شئٌ مِن ذلك.
فصل: وإن أكْرَهَه السُّلْطانُ على قَتْلِ أحَدٍ، أو جَلْدِه بغيرِ حَقٍّ، فمات، فالقِصاصُ عليهما، وقد ذَكَرْناه.
وإن وَجَبَتِ الدِّيَةُ، كانت عليهما.
فإن كان الإِمامُ يَعْتَقِدُ جَوازَ القَتْلِ دُونَ المَأْمُورِ، كمسلمٍ قَتَل
..................................
ذِمِّيًّا، أو حُرٌّ قَتَل عبدًا، فقَتَلَه، فقال القاضى: الضَّمانُ عليه دُونَ الإِمامِ؛ لأَنَّ الإِمامَ أمَرَه بما أدَّى اجْتِهادُه إليه، والمَأْمُورُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فلم يكَنْ له أن يَقْبَلَ أمْرَه، فإذا قَبِلَه لَزِمَه الضَّمانُ؛ لأنَّه قَتَل مَن 1 لا يَحِلُّ له 2 قَتْلُه.
قال شيخُنا 3: ويَنْبَغِى أنَّ يُفَرَّقَ بينَ العَامِّىِّ والمُجْتَهِدِ؛ فإن كان مُجْتَهِدًا، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرَه القاضى، وإن كان مُقَلِّدًا، فلا ضَمانَ عليه؛ لأَنَّ له تَقْلِيدَ الإمام فيما رَآه، وإن كان الإِمامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، والقاتِلُ يَعْتَقِدُ حِلَّه، فالضَّمَانُ على الآمِرِ، كما لو أَمَرَ السَّيِّدُ عبدَه الذى لا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ القَتْلِ به.
وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالأُخْرَى، يُقْتَلُ
أَيْضًا.
4059 - مسألة: (وإن أمْسَكَ إنسانًا لآخَرَ ليَقْتُلَه، فقَتَلَه، قُتِل القاتِلُ، وحُبِس المُمْسِكُ حتى يموتَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)
أمَّا وُجُوبُ القِصاصِ على القاتلِ، فلا خِلافَ فيه؛ لأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه عَمْدًا بغيرِ حَقٍّ.
وأمَّا المُمْسِكُ، فإن لم يَعْلَمْ أنَّ القاتِلَ يَقْتُلُه، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه مُتَسَبِّبٌ، والقاتِلُ مُباشِرٌ، فيسْقُط 1 حكمُ المُتَسَبِّبِ.
وإن أمْسَكَه له ليَقْتُلَه، مثلَ أنَّ أمْسَكَه له 2 حتى ذَبَحَه، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فيه عن أحمدَ، فرُوِىَ عنه، أنَّه يُحْبَسُ حتى يموتَ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ورَبِيعَةَ.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْتَلُ أيضًا.
وهو قولُ مالكٍ.
قال
.................................. سُلَيْمانُ بنُ مُوسَى: الاجْتِماعُ 1 فينا أن يُقْتَلا؛ لأنَّه لو لم يُمْسِكْه، ما قَدَر على قَتْلِه، وبإمْساكِه تَمَكَّنَ مِن قَتْلِه، فالقَتْلُ حاصِلٌ بفِعْلِهما، فيكونان 2 شَرِيكَيْن فيه، فيَجِبُ عليهما القِصاصُ، كما لو
..................................
جَرَحاه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، [وابنُ المُنْذِرِ] 1: يُعاقَبُ، ويَأْثَمُ، ولا يُقْتَلُ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ أعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ، مَنْ قَتَل غَيْرَ قَاتِلِهِ» 2. والمُمْسِكُ غيرُ قاتِل، ولأَنَّ الإِمْساكَ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَتْ معه المُباشَرَةُ، كان الضَّمانُ على المُباشِرِ، كما لو لم يَعْلَمِ المُمْسِكُ أنَّه يَقْتُلُه.
ولَنا، ما رَوى الدَّارَقُطْنِىُّ 3 بإسْنادِهِ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا أمْسَكَ الرَّجُل 4، وقَتَلَه الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِى قَتَلَ، ويُحْبَسُ الَّذِى أمْسَكَ».
ولأنَّه حَبَسَه إلى الموتِ، فيُحْبَسُ الآخَرُ إلى المَوْتِ، كما لو حَبَسَه عن الطَّعامِ والشَّرابِ حتى مات، فإنَّا نَفْعَلُ به ذلك حتى يموتَ.
فصل: فإنِ اتَّبَعَ رجلًا ليَقْتُلَه، فهَرَبَ منه، فأدْرَكَه آخَرُ، فقَطَعَ رِجْلَه، ثم أدْرَكَه الثَّانى فقَتَلَه، فإن كان الأَوَّلُ حَبَسَه بالقَطْعِ ليَقْتُلَه الثَّانى،
وَإِنْ كَتَّفَ إِنْسَانًا، وَطَرَحَهُ فِى أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أَوْ ذَاتِ
فعليه القِصاصُ في القَطْعِ، وحُكْمُه في القِصاصِ في النَّفْسِ حُكْمُ المُمْسِكِ؛ لأنَّه حَبَسَه على القَتْلِ، وإن لم يَقْصِدْ حَبْسَه، فعليه القَطْعُ دُونَ القَتْلِ، كالذى أمْسَكَه غيرَ عالم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، ليس عليه إلَّا القَطْعُ (1) بكلِّ حالٍ.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه الحابِسُ له بفِعْلِه، فأشْبَهَ الحابِسَ بإمْساكِه.
فإن قِيلَ: فلِمَ اعْتَبَرْتُم قصْدَ الإمْساكِ ههُنا، وأنْتُم لا تَعْتَبِرُون إرادةَ القتلِ في الجارحِ؟ قلنا: إذا مات مِن الجُرْحِ، فقد مات مِن سِرايَتِه وأثَرِه، فيُعْتَبَرُ قَصْدُ الجُرْحِ الذى هو السَّبَبُ دُونَ قَصْدِ الأثَرِ (2)، وفى مَسْألتِنا، إنَّما كان موتُه بأمْرٍ غيرِ السِّرايَةِ، والفِعْلُ مُمَكِّنٌ له (3)، فاعْتُبِرَ قَصْدُه لذلك الفِعْلِ، كما لو أمْسَكَه.
4060 -
مسألة: (وإن كَتَّفَه وطَرَحَه في أرضٍ مَسْبَعَةٍ، أو ذاتِ
123
حَيَّاتٍ فَقَتَلَتْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْسِكِ.
فَصْلٌ: وَإِنِ اشْتَرَكَ فِى الْقَتْلِ اثْنَانِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَالْأَبِ وَأَجْنَبِىٍّ فِى قَتْلِ الْوَلَدِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِى قَتْلِ
حَيَّاتٍ فقَتَلَتْه، فحُكْمُه حُكْمُ المُمْسِكِ) ذَكَرَه القاضى، وقد مَضَىِ الكلامُ فيه (1). قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّه لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه ممَّا لا يَقْتُلُ غالِبًا.
وتجبُ فيه الدِّيَةُ؛ لأنَّه فَعَل به فِعْلًا مُتَعَمَّدًا لا يَقْتُلُ غالِبًا، فتَلِفَ به، فهو شِبْهُ عَمْدٍ.
وهكذا ذَكَرَه في كتابِه «الكافى» (3).
فصل
: (وإنِ اشْتَرَكَ في القَتْلِ اثْنان لا يجبُ القِصاصُ على أحَدِهما، كالأبِ والأجْنَبِىِّ في قَتْلِ الولَدِ، والحُرِّ والعَبْدِ في قَتْلِ العبدِ، والخَاطِئَ123
الْعَبْدِ، وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَب وَالْعَبْدِ، وَسُقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ.
والعامِدِ، ففى وُجُوبِ القِصاصِ على الشَّرِيكِ رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، وُجُوبُه على شَرِيكِ الأبِ والعَبْدِ، وسُقُوطُه عن شَرِيكِ الخاطِئ) ظاهِرُ المَذْهَبِ وُجُوبُ القِصاصِ على شَرِيكِ الأبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا قصاصَ على واحدٍ منهما.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم [يُوجِبْ، كقَتْلِ] 1 العامِدِ والخاطِئ، والصَّبِىِّ والبالِغِ، والمَجْنُونِ والعاقِلِ.
ولَنا، أنَّه شارَكَ في القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ 2 في مَن يُقْتَلُ به لو انْفَرَدَ بقَتْلِه، فوَصا عليه القِصاصُ،
..................................
كشريكِ الأجْنَبِىِّ.
وقوئهمِ: إنَّ فِعْلَ الأبِ غير مُوجِبٍ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه يَقْتَضِى الإِيجابَ؛ لكونِه تمَحَّضَ عمدًا عُدْوانًا، والجِنايَة به 1 أعْظَمُ إثْمًا، وأكْبَرُ جُرْمًا؛ ولذلك خَصَّه اللَّه تَعالى بالنَّهىِ، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.
ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ 2. ولمَّا سُئِل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أعْظَمِ الذَّنْبِ، قال: «أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، ثمَّ أنَّ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» 3. فجَعَلَه أعْظَمَ الذُّنُوبِ بعدَ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَطَع الرَّحِمَ التى أَمَرَ اللَّهُ بَوَصْلِها، ووَضَعَ الإِساءَةَ مَوْضِعَ الإِحْسانِ، فهو أَوْلَى بإيجابِ العُقُوبَةِ والزَّجْرِ عنه، وإنَّما امْتَنَعَ الوُجُوبُ
..................................
في حَقِّ الأبِ لمَعْنًى مُخْتَصٍّ بالمَحَلِّ، لا لقُصُورٍ في السَّبَبِ المُوجِبِ، فلا يَمْنَعُ عَمَلَه 1 في المَحَلِّ الذى لا مانِعَ فيه.
وأمَّا شَرِيكُ الخاطِئ، ففيه رِوايتان؛ إحْدَاهما، يَجِبُ القِصاصُ، فهو كمَسألَتِنا، ومع التَّسْلِيمِ فامْتِناعُ 2 الوُجُوبِ فيه لقُصُورِ السَّبَبِ عن الإِيجابِ، فإنَّ فِعْلَ الخَاطئِ غيرُ مُوجِبٍ للقِصاصِ، ولا صالحٍ له، والقَتْلُ منه ومِن شَرِيكِه غيرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا، لوُقُوع اِلخَطَأ في الفِعْلِ الذى حَصَل به زُهُوقُ الرُّوحِ، بخِلافِ مسألتِنا.
وكذلك كلُّ شَريكَيْن امْتَنَعَ القِصاصُ في حَقِّ أحَدِهما لمَعْنًى فيه مِن غيرِ قُصُورٍ في السَّبَبِ، فهو في وُجُوبِ القِصاصِ على شَرِيكِه كالأبِ وشَرِيكِه، كالمُسْلِمِ والذِّمِّىِّ في قَتْلِ ذِمِّىٍّ، والحُرِّ والعبدِ في قَتْلِ العبدِ، إذا كان القَتْلُ عمدًا 3 عُدْوانًا، فإنَّ القِصاصَ لا يجبُ على المُسْلِمِ ولا على الحُرِّ، ويجبُ على الذِّمِّىِّ والعبدِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه على شَرِيكِ الأبِ، لأَنَّ امْتِناعَ القِصاصِ عن المُسْلِمِ لإسلامِه، وعن الحُرِّ لحُرِّيَّتِه، وانْتِفاءِ مُكافأةِ المَقْتُولِ له، وهذا المَعْنَى لا يَتَعَدَّى إلى فِعْل شَرِيكِه، فلم يَسْقُطِ القِصاصُ عنه.
وقد رُوِى عن أبى عبدِ اللَّه، أنَّه سُئِل عن حُرٌّ وعبدٍ قَتَلا عَبْدًا عمدًا، فقال: أمَّا الحُرُّ فلا يُقْتَلُ بالعبدِ، والعبدُ
..................................
إن شاء سَيِّدُه أسْلَمَه، وإلَّا فَداه بِنصْفِ قِيمَةِ العبدِ.
وظاهِرُ هذا أنَّه لا قِصاصَ على العبدِ، فيُخَرَّجُ مثلُ 1 هذا في كلِّ قَتْلٍ شارَكَ فيه مَن لا يجِبُ عليه القِصاصُ.
فصل: فإنِ اشْتَرَكَ في القتْلِ صَبِىٌّ ومَجْنُونٌ وبالِغٌ، فالصَّحِيحُ في 2 المَذْهَبِ أنَّه لا قِصاصَ على البالغِ.
وبهذا قال الحسنُ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَوَدَ يجبُ على البالغِ العاقلِ.
حَكاها ابنُ المُنْذِرِ 3 عن أحمدَ.
وحُكِىَ ذلك عن مالكٍ.
وهو القولُ الثَّانى للشافعىِّ.
ورُوِىَ عن قَتادَةَ، والزُّهْرِىِّ، وحَمَّادٍ؛ لأَنَّ القِصاصَ عُقُوبَةٌ يَجِبُ عليه جَزاءً لفِعْلِه، فمتى كان فِعْلُه عَمْدًا 4 عُدْوانًا، وَجَب عليه القِصاصُ، ولا نَظَرَ إلى فِعْلِ شَريكِه بحالٍ، ولأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، [كشَرِيكِ الأجْنَبِىِّ، وذلك لأَنَّ الإنسانَ إنَّما يُؤاخَذُ 5 بفِعْلِ نَفْسِه لا بفِعْلِ غيرِه.
فعلى هذا، يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشرِيك مُنْفَرِدًا، فمتى تَمَخَّضَ عَمْدًا عُدْوانًا، وكان المَقْتُولُ مُكافِئًا له] 6،
..................................
[وَجَب عليه القِصاصُ] 1. وبَنَى الشافعىُّ قولَه على أنَّ عَمْدَ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ إذا تَعَمدَاه عمدٌ؛ لأنَّهما يَقْصِدان القَتْلَ، وإنَّما سُقُوطُ القِصاصِ عنهما لمعنًى فيهما، وهو عَدَمُ التَّكْلِيفِ، فلم يَقْتَضِ [سُقُوطَه عن] 2 شَرِيكِهما، كالأُبُوَّةِ.
ولَنا، أنَّه شارَكَ مَن لا إثْمَ عليه في فِعْلِه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كشَرِيكِ الخاطِئِ، ولأَنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ ليس لهما قَصْدٌ صَحِيحٌ، ولهذا لا يَصِحُّ إقْرارُهما، فكان حُكْمُ فِعْلِهما 3 حُكْمَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، فيكونُ الأُوْلَى عَدَمَ وُجُوبِ القِصاصِ.
فصل: ولا يَجِبُ القِصاصُ على شَرِيكِ الخاطِئ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وبه قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ أنَّ عليه القِصاصَ.
وحُكِىَ عن مالكٍ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمدًا عُدْوانًا، فأشْبَهَ شَرِيكَ العامِدِ، ولأَنَّ مُؤاخَذَتَه بفِعْلِه، وفِعْلُه عمدٌ عُدْوانٌ.
ولَنا، أنَّه قَتْلٌ لم يَتَمَحَّضْ عمدًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، كشبْه العمدِ، وكما لو قَتَلَه واحِدٌ بجُرْحَيْن عمدًا وخَطَأً، ولأَنَّ كلّ واحدٍ مِن الشَّرِيكيْنِ مُباشِرٌ ومُتَسَبِّبٌ، فإذا كانا عامِدَيْن، فكلُّ واحِدٍ مُتَسَبِّبٌ إلى فِعْلٍ مُوجبٍ للقِصاصِ، فقام فِعْلُ شَرِيكِه مَقامَ فِعْلِه 4 لتَسَبُّبِه إليه، وههُنا إذا أَقَمْنا
وَفِى شَرِيكِ السَّبُعِ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ.
فِعْلَ الخاطِئ مُقامَ فِعْلِ العامِدِ، صارَ كأنَّه [قَتَله بعَمْدٍ] (1) وخَطَأٌ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ.
واللَّهُ أعلمُ.
4061 -
مسألة: (وفى شَرِيكِ السَّبُعِ وشَرِيك نَفْسِه وَجْهان)
وصورةُ ذلك أنَّ يَجْرَحَه أسَدٌ أو نَمِرٌ، أو جرَحَه 2 إنسانٌ، ثم جَرَح هو (2) نفسَه مُتَعَمِّدًا، فهل يجِبُ علىِ شَرِيكِه قِصاصٌ؟ فيه وَجْهان، ذَكَرهما أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامدٍ.
واخْتُلِف فيه عن الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا قِصاصَ عليه، لأنَّه شارَك: مَن لا يَجِبُ 3 القِصاصُ عليه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، تحَرِيكِ الخاطِئِ، ولأنَّه قَتْل تَرَكَّبَ مِن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ،1
..................................
فلم يُوجِبْ، كالقَتْلِ الحاصِلِ مِن عَمْدٍ وخَطَأ، ولأنَّه إذا لم يَجِبْ على شَرِيكِ الخاطِئِ وفِعْلُه مَضْمُونٌ، فلَأن لا يَجِبَ على شَرِيكِ مَن لا يُضْمَنُ فِعْلُه أوْلَى.
والوَجْهُ الثانى، عليه القِصاصُ.
وهو قولُ أبى بكرٍ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا جَرَحَه رجُل، ثم جَرَح الرجُلُ نفسَه، فمات، فعلى شَرِيكِه القِصاصُ؛ لأنَّه قَتْلٌ عمدٌ مُتَمَحِّضٌ، فوَجَبَ القِصاصُ على الشَّريكِ فيه، كشَريكِ الأب.
فأمَّا إن جَرَح الرجُلُ نفسَه خَطأً، كأنَّه 1 أراد ضرْبَ غيرِه فأصاب نفسَه، فلا قِصاصَ على شَرِيكِه في أصَحِّ الوَجْهَيْن.
وفيه وَجْهٌ اخَرُ أنَّ عليه القِصاصَ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في شَرِيكِ الخاطِئِ.
وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا، فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ، أو خَاطَهُ فِى اللَّحْمِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الإِمَامُ، فَمَاتَ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ رِوَايَتَانِ.
4062 - مسألة: (ولو جَرَحَه إنشان عمدًا، فداوَى جُرْحَه بسُمٍّ، أو خاطه في اللَّحْمِ، أو فَعَل ذلك وَلِيُّه، أو الإِمامُ، فمات، ففى وُجُوب القِصاصِ على الجارِحِ وَجْهان)
إذا جَرَحَه إنسانٌ، فتَداوَى 1 بسُمٍّ وكان سُمَّ ساعةٍ يَقْتُلُ في الحالِ، فقد قَتَل نفْسَه وقَطَعَ سِرايَةَ الجُرْحِ، وجَرَى مَجْرَى مَن ذَبَحَ نفْسَه بعدَ أنَّ جُرِح، ويُنْظرُ في الجُرْحِ؛ فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، فلوَلِيِّه اسْتِيفاؤُه، وإن لم يكنْ مُوجِبًا، فلِوَلِيِّه الأَرْشُ.
وإن كان السُّمُّ لا يَقْتُلُ غالِبًا وقد يَقْتُلُ، ففِعْلُ الرجُلِ في نفْسِه عمدُ خَطَأ، والحُكْمُ في شَرِيكِه كالحُكْمِ في شَرِيكِ الخاطِئ، وإذا لم يَجِبِ القِصاصُ،
..................................
فعلى الجارِحِ نِصْفُ 1 الدِّيَةِ.
وإن كان السُّمُّ يَقْتُلُ غالِبًا بعدَ مُدَّةٍ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ عَمْدَ الخَطَأ أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، إنَّما قَصَد التَّداوِىَ، فيكونُ كالذى قبلَه، واحْتَمَلَ أنَّ يكونَ في حُكْمِ العَمْدِ، فيكونَ في شَرِيكِه الوَجْهان المَذْكُوران في المسألَةِ قبلَها.
وإن جَرَحَ رجُلًا، فخاط جُرْحَه [في اللَّحْمِ] 2، أو أَمَرَ غيرَه فخاطَه له، وكان ذلك ممَّا يجوزُ أن يَقْتُلَ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو شَرِب سُمًّا يجوزُ أن يَقْتُلَ،
..................................
على ما مَضَى فيه.
وإن خاطَه غيرُه بغيرِ إذْنِه كُرْهًا، فهما قاتِلانِ عليهما القَوَدُ.
وإن خاطَه وَلِيُّه، أو 1 الإِمامُ، وهو ممَّن لا وِلايَةَ عليه، فهما كالأجْنَبِىِّ.
فإن كان لهما عليه وِلايَةٌ، فلا قَوَدَ عليهما؛ لأَنَّ فِعْلَهما جائِزٌ، إذ لهما مُداواتُه، فيكونُ ذلك خَطَأً.
وهل على الجارِحِ القَوَدُ؟ فيه وَجْهان.
بَابُ شرُوطِ الْقِصَاصِ
وَهِىَ أرْبَعَةٌ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْجَانِى مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا.
بابُ شُرُوطِ القِصاصِ
(وهى أربعةٌ؛ أحَدُها، أنَّ يكونَ الجانِى مُكَلَّفًّا، فأمَّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ فلا قِصاصَ عليهما) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّه لا قِصاصَ على صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، وكذلك كلُّ زائلِ العَقْلِ بسَبَب يُعْذَرُ فيه، كالنَّائِمِ، والمُغْمَى عليه، ونحوِهما؛ لِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ 1؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، [وعَنِ الصَّبِى حَتَّى يَبْلُغَ] 2، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 3. ولأَنَّ القِصاصَ عُقُوبةٌ مُغَلَّظَةٌ، فلم تَجِبْ على الصَّبِىِّ وزائلِ العَقْلِ، كالحُدُودِ، ولأنَّهم ليس لهم قَصْدٌ صحيحٌ، فهم كالقاتلِ خَطَأً.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الجانِى ووَلِىُّ الجِنايةِ، فقال الجانِى: كنتُ صَبِيًّا
وَفِى السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ رِوَايَتَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهِ.
حالَ الجِنايةِ.
وقال وَلِىُّ الجِنايةِ: كنتَ بالِغًا.
فالقولُ قولُ الجانِى مع يَمينِه، إذا احْتَمَلَ الصِّدْقَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ، وبَراءَةُ ذمَّتِه مِن القَصاصِ.
وإن قال: قَتَلْتُه وأنا مَجْنُونٌ.
وأنْكَرَ الوَلِى جُنُونَه، فإن عُرِفَ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه أيضًا لذلك، وإن لم يُعْرَفْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ، وكذلك إن عُرِفَ له (1) جُنُونٌ، ثُمَّ عُرِفَ زَوالُه قبلَ القَتْلِ، وإن ثَبَت لأحَدِهما بما ادَّعاه بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له.
وإن أقاما بَيِّنتَيْن تَعارَضَتا، فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ، فقال الوَلِىُّ: كنتَ سَكْرانَ.
وقال القاتِلُ: كنتُ مَجْنُونًا.
فالقولُ قَوْلُ القاتِلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْرَفُ بنفسِه، ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، واجْتِنابُ المسلِمِ فِعْلَ ما يَحْرُمُ عليه.
فأمّا إن قَتَلَه وهو عاقِلٌ ثم جُنَّ، لم يَسْقُطْ عنه، سَواء ثَبَتَ ذلك ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ؛ لأَنَّ رُجُوعَه غيرُ مَقْبُولٍ، ويُقْتَصُّ منه في حالِ جُنُونِه.
ولو ثَبَت عليه الحَدُّ (2) بإقْرارِه، ثم جُنَّ، لم يُقَمْ عليه حالَ جُنُونِه؛ لأَنَّ رُجُوعَه يُقْبَلُ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لو كان صحيحًا رَجَع.
4063 -
مسألة: (وفى السَّكْرانِ وشِبْهِهِ رِوايَتان؛ أصَحُّهما،
12
..................................
وُجُوبُه عليه) إذا قتَلَ السَّكْرانُ وَجَب عليه القِصاصُ.
ذَكَره القاضى.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ عليه مَبْنِىٌّ على طَلاقِه، وفيه رِوايَتان، فيكونُ في وُجُوبِ القِصاصِ عليه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجِبُ عليه؛ لأنَّه زائِلُ العَقْلِ، أشْبَهَ المَجْنُونَ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ الصَّبِىَّ.
ولَنا، أنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أقاموا سُكْرَه مُقامَ قَذْفِه، فأوْجَبُوا عليه حَدَّ القاذِفِ، فلولا أنَّ قَذْفَه مُوجب للحَدِّ عليه لَما وَجَب الحَدُّ بمَظِنَّتِه، وإذا وَجَب الحَدُّ، فالقِصاصُ المُتَمَحِّضُ حَقَّ آدَمِىٍّ أوْلَى، ولأنَّه حُكْمٌ لو لم يُوجِبْ 1 عليه القِصاصَ والحَدَّ، لأفْضَى إلى أنَّ مَن أراد أنَّ يَعْصِىَ اللَّهَ تعالى، شَرِب ما يُسْكِرُه، ثم يَقْتُلُ ويَزْنِى ويَسْرِقُ، ولا تَلْزَمُه عُقُوبَة، ولا يَأْثَمُ 2، ويَصِيرُ عِصْيانُه سَبَبًا لسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عنه، ولا وَجْهَ لهذا.
وفارَقَ الطَّلاقَ؛ لأنَّه قولٌ يُمْكِنُ إلْغاؤُه، بخِلافِ القَتْلِ.
فإن شَرِب أو أكَلَ ما يُزِيلُ عَقْلَه غيرَ الخَمْرِ على وَجْهٍ مُحَرَّمٍ 3، فإن زال عَقْلُه بالكُلِّيَّةِ بحيث صار مَجْنُونًا،
فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ حَرْبِىٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ، وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ، وَإِنْ كَانَ الْقاتِلُ ذِمِّيًّا.
فلا قِصاصَ عليه، وإن كان يزولُ قَرِيبًا ويعودُ مِن غيرِ تداوٍ، فهو كالسَّكْرانِ، على ما فُصِّلَ فيه.
فصل
: (الثَّانى، أنَّ يكونَ المَقْتُولُ مَعْصومًا، فلا يجِبُ القصاصُ بقَتْلِ حَرْبِىٍّ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا تَجِبُ بقَتْلِه دِيَةٌ ولا كَفارَةٌ؛ لأنَّه مُباحُ الدَّمِ (1) على الإِطْلاقِ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ بقَتْلِه، فقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (2). وسواءٌ كان القاتِلُ مسلمًا أو ذِمِّيًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
4064 -
مسألة: وكذلك المُرْتَدُّ لا يجبُ بقَتْلِه قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ، وإن قَتَلَه ذِمِّىٌّ.
وهذا قولُ بعضِ أصحاب الشافعىِّ.
وقال12
..................................
بعضُهم: يجبُ القصاصُ على الذِّمِّىِّ بقَتْلِه، والدِّيَةُ إذا عَفَا عنه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له في قَتْلِه.
وقال بعضُهم: يجبُ القِصاصُ دُونَ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له.
ولَنا، أنَّه مُباحُ الدَّمِ 1، أشْبَهَ الحَرْبِىَّ، ولأنَّ مَن لا يَضْمَنُه المسلمُ لا يَضْمَنُه الذِّمِّىُّ، كالحَرْبِىِّ.
وليس على قاتلِ الزّانِى المُحْصَنِ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ.
وهذا ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وحَكَى بعضُهم وَجْهًا، أنَّ على قاتِلِه القَوَدَ؛ لأَنَّ قَتْلَه إلى الإِمامِ، فيَجبُ القَوَدُ 2 على مَن قَتَلَه سِواه، كمَن عليه القِصاصُ إذا قَتَلَه غيرُ مُسْتَحِقِّه.
ولَنا، أنَّه مُباحُ الدَّمِ (1)، قَتْلُه مُتَحَتِّمٌ، فلم يُضْمَنْ، كالحَرْبِىِّ، ويَبْطُلُ ما قالَه بالمُرْتدِّ، وفارَقَ القاتِلَ؛ فإنَّ قَتْلَه غيرُ مُتَحَتِّمٍ، وهو مُسْتَحَقٌّ على طريقِ المُعاوَضَةِ، فاخْتَصَّ بمُسْتَحِقِّه، وههُنا يجبُ قَتْلُه للَّهِ تعالى، فأشْبَهَ المُرْتَدَّ، وكذلك الحُكْمُ [في المُحارِبِ الذى] 3 تَحَتَّمَ قَتْلُه.
وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِىٍّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ،
4065 - مسألة: (وإن قَطَع مسلمٌ أو ذِمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أو حَرْبِىٍّ، فأسْلَمَ، ثُمَّ مات)
فلا شئَ على القاطِعِ؛ لأنَّه لم يَجْنِ على مَعْصُومٍ.
4066 -
مسألة: (وإن رَمَى حَرْبِيًّا، فأسْلَمَ قبلَ أنَّ يَقَعَ به السَّهْمُ،
وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، فَلَا قِصَاصَ، وَفِى الدِّيَةِ وَجْهَانِ.
فلا شئَ عليه) لأنَّه رَمَى رَمْيًا مَأْمُورًا به (وإن رَمَى مُرْتَدًّا فأسْلَمَ قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، فلا قِصاصَ) لأنَّه رَمَى مَن ليس بمَعْصُومٍ، أشبَهَ الحَرْبِىَّ (وفِى) وُجُوبِ (الدِّيَةِ وَجْهان) أحَدُهما، لا تجبُ، قِياسًا على
وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ، فَارْتَدَّ، وَمَاتَ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِى الطَّرَفِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَّةِ.
الحَرْبِىِّ.
والثانى، تجبُ؛ لأَنَّ الرمْىَ (1) ههُنا مُحَرَّمٌ؛ لِما فيه مِن الافْتِياتِ على الإِمامِ.
4067 -
مسألةَ: (ولو قَطَع يَدَ مسلِمٍ، فارْتَدَّ، ثم مات، فلا شئَ على القاطِعِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن)
لأنَّها نفْسُ مُرْتَدٍّ غيرِ مَعْصُومٍ ولا مَضْمُونٍ 2، وكذلك لو قَطَع يَدَ ذِمِّىٍّ فصار حَرْبِيًّا، ثم مات مِن جِراحِه.
وأمَّا اليدُ، فالصحيحُ أنَّه لا قِصاصَ فيها.
وذَكَر القاضى وَجْهًا في وُجُوبِ القِصاصِ فيها؛ لأَنَّ القَطْعَ اسْتَقَرَّ حُكْمُه بانْقِطاء حُكْمِ 31