وَهُوَ الاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيرِ قَهْرًا بِغَيرِ حَقٍّ.
كتابُ الغصْبِ
(وهو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغيرِ قَهْرًا بغيرِ حَقٍّ) وهو مُحَرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 1. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 2. وأَمَّا السُّنَّةُ، فروَى جابِرٌ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطْبَتِه يومَ النَّحْرِ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوالكُمْ حَرامٌ عَلَيكُمْ 3، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا».
رَواه مُسْلِمٌ
.................................. وغيرُه 1. وعن سعيدِ بنِ زيدٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ» مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى أبو حُرَّةَ الرَّقاشِيُّ، عن عمِّه وعمرو بنِ يَثْرِبِيٍّ، عن
..................................
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئ مُسْلِمٍ، إلَّا عن طيبِ نَفْسٍ منه».
رَواه الجُوزْجانيُّ 1. وأجْمَعَ المسلمون على تحريمِ الغَصْبِ في الجملةِ، وإنَّما اخْتَلَفوا في فروعٍ منه، نَذْكُرُها إن شاء الله تَعالى.
وَتُضْمَنُ أمُّ الْوَلَدِ وَالْعَقَارُ بِالْغَصْبِ.
2286 - مسألة: (وتُضْمَنُ أُمُّ الولدِ والعقارُ بالغَصْبِ)
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُضْمَنُ؛ لأنَّ أُمَّ الولدِ لا تجْرِي مَجْرَى المالِ، بدليلِ أنَّه لا يتَعَلَّقُ بها حَقُّ الغيرِ، فأشْبَهَتِ الحُرَّ.
ولَنا، أنَّها تُضمَنُ بالقيمَةِ، فتُضمَنُ بالغَصْبِ، كالْقِنِّ، ولأنَّها مَمْلوكةٌ، أشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ، وفارَقَتِ الحُرَّةَ، فإنَّها ليست مملوكةً، ولا تُضْمَنُ بالقِيمَةِ.
2287 -
مسألة: (و)
يُضْمَنُ (العقارُ بالغَصْبِ) ويُتَصَوَّرُ
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ.
غَصْبُ الأراضِي والدُّورِ، ويَجِبُ ضَمانُه على غاصِبِه.
هذا ظاهرُ مَذْهَبِ أحمدَ.
وهو المنصوصُ عندَ أصحابِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وروَى ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، في مَن غَصَب أرضًا فزرعَها، ثم أصابَها غَرَقٌ مِن الغاصِبِ، غَرِمَ قِيمَةَ الأرضِ، فإن كان سَبَبًا 1 مِن السماءِ، لم يكنْ عليه شيءٌ.
فظاهرُ هذا أنَّها لا تُضْمَنُ بالغَصْبِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يُتَصَوَّرُ غَصْبُها، ولا تُضْمَنُ بالغَصْبِ، فإن أتلفَها، ضَمِنها بالإِتْلافِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ فيها النَّقْلُ والتَّحْويلُ، فلم يَضْمَنْها، كما لو حال بينَه وبينَ متاعِه، فتَلِفَ المتاعُ، ولأنَّ الغَصْبَ إثْباتُ اليَدِ على المالِ عُدْوانًا، على وَجْهٍ تَزُولُ به يَدُ المالكِ، ولا يُمْكِنُ ذلك في العقارِ.
ولَنا، قولُه - عليه السلام -: «مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرضِ، طُوِّقَهُ يَوْمَ القيامةِ مِنْ سَبْعِ أْرضِينَ».
مُتَّفَق على معناه.
وفي لفظٍ: «مَنْ غَصَبَ
..................................
شِبْرًا مِنْ الأرْضِ» 1. فأخْبَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يُغْصَبُ ويُظْلَمُ فيه.
ولأنَّ ما ضُمِنَ في البيعِ، وَجبَ ضَمانُه في الغَصْبِ، كالمَنْقُولِ، ولأنَّه يُمْكِنُ الاسْتِيلاءُ عليه على وَجْهٍ يَحُولُ بينَه وبينَ مالِكِه، مثلَ أنَّ يَسْكُنَ الدّارَ ويَمْنَعَ مالِكَها مِن دُخُولِها، فأشْبَه ما لو أخَذَ الدّابَّةَ والمتاعَ.
وأمَّا إذا حال بينَه وبينَ متاعِه، [فما اسْتَوْلَى] 2 على مالِه، فنَظِيرُه ههُنا أنَّ يَحْبِسَ المالِكَ، ولا يَسْتَوْلِيَ على دارِه.
وأمَّا ما تَلِفَ مِن الأرضَ بفِعْلِه أو بسببِ فِعْلِه، كهَدْمِ حيطانِها وتَغْرِيقِها، وكَشْطِ تُرابِها وإلقاءِ الحجارةِ فيها، أو نَقْص يَحْصُلُ بغِراسِه أو بنائِه، فيَضْمَنُه بغيرِ خلافٍ بينَ العلماءِ؛ لأنَّ هذا إتلافٌ، والعَقارُ يُضْمَنُ بالإِتْلافِ، مِن غيرِ اخْتِلافٍ.
فصل: ولا يَحْصُلُ الغَصْبُ مِن غيرِ استيلاءٍ، فلو دَخَل أرضَ إنسانٍ أو دارَه، لم يَضْمَنْها بدُخُولِه، سواءٌ دَخلَها بإذْنِه أو غيرِ إذْنِه، وسواءٌ
وَإنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ، أوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
وَإنْ أَتْلَفَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ.
كان صاحِبُها فيها أو لم يكنْ.
وقال [بعضُ الشافِعِيَّةِ] (1): إن دَخَلَها بغيرِ إذْنِه، ولم يكنْ صاحِبُها فيها، ضَمِنَها، سواءٌ قَصَد ذلك، أو ظَنَّ أنَّها دارُه أو دارٌ أُذَنَ له في دُخُولِها؛ لأنَّ يَدَ الداخِلِ تَثْبُتُ عليها بذلك، فيصيرُ غاصبًا، فإنَّ الغَصْبَ إثْباتُ اليَدِ العادِيَةِ، وهذا قد ثَبَتَتَ يَدُه، بدليلِ أنَّهما لو تنازعا في الدارِ، ولا بَيِّنةَ، حُكِمَ بها لِمَن هو فيها دُونَ الخارجِ منها.
ولنا، أنَّه غيرُ مُسْتَوْلٍ عليها، فلم يَضْمَنْها، كما لو دَخَلَها بإذْنِه، أو دَخَل صَحْراءَه (2)، ولأنَّه إنَّما يَضْمَنُ بالغَصْبِ ما يَضْمَنُه في العارِيَّةِ، وهذا لا تَثْبُتُ به العارِيَّةُ، ولا يَجِبُ به الضمانُ فيها، فكذلك لا يَثْبُتُ به الغَصْبُ إذا كان بغيرِ إذْنٍ.
2288 -
مسألة: (وإن غَصَب كَلْبًا فيه نَفْعٌ، أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّهُما)
إذا غَصَب كَلْبًا يَجُوزُ اقْتِناؤُه، وَجَب رَدُّه؛ لأَنه يَجُوز الانْتِفاعُ به واقْتِناؤُه، فأشْبَهَ المال.
وإن أتْلَفَه، لم يَغْرَمْه.
وفيه اخْتِلافٌ ذكرناه12
..................................
في البَيعِ، وهو مَبْنِيٌّ على جَوازِ بَيعِه.
وإن حَبَسَه مُدَّةً، لم يَلْزَمْه أجْرٌ؛ لأنَّه لا تَجُوزُ [إجارَتُه.
وقد ذَكَرْناه في بابِ الإِجارَةِ] 1. وإن غَصَب خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّها؛ لأنَّه يُقَرُّ على شُرْبِها (فإن أتْلَفَه، لم تَلْزَمْه قِيمَتُه) سواءٌ أتْلَفَه مُسْلِمٌ أو ذِمِّيٌّ، وسَواءٌ كان لمُسْلِم أو ذِمِّيٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في الرَّجُلِ يُهَرِيقُ مُسْكِرًا لمُسْلم أو لذِمِّيٍّ، فلا ضَمانَ عليه.
وكذلك الخِنْزِيرُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَجِب 2 ضَمانُ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ إذا أتْلَفَهُما على ذِمِّيٍّ.
قال أبو حنيفةَ: إن كان مُسْلِمًا بالقِيمَةِ، وإن كان ذِمِّيًّا بالمِثْلِ؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إذا عَصَم عَينًا قَوَّمَها، كنَفْسِ الذِّمِّيِّ، وقد عَصَمَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ، بدَلِيل أنَّ المُسْلِمَ يُمْنَعُ مِن إتْلافِها، فيَجِبُ أنَّ يُقَوِّمَها، ولأنَّها مالٌ لهم يتَمَوَّلُونَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمْرَ، رضي الله عنه، أنَّ عامِلَه كَتَب إليه: إنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ
..................................
يَمُرُّونَ بالعاشِرِ 1 ومَعَهُم الخُمُورُ.
فكَتَبَ إليه عمرُ: وَلُّوهُمْ بَيعَها، وخُذُوا منهم عُشْرَ ثَمَنِها.
فإذا كانت مالًا لهم، وَجَب ضَمانُها، كسائِرِ أَموالِهم.
ولَنا، ما روَى جابرٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَلَا إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيعَ الخَمْرِ والمَيتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأصْنَامِ».
مُتَّفَق [على صِحَّتِه] 2. وما حَرُمَ بَيعُه لا لحُرْمَتِه، لم تَجبْ قِيمَتُه، كالمَيتَةِ، ولأنَّ ما لم يَكُنْ مَضمُونًا في حَقِّ المُسْلِمِ، لا يكَونُ مَضْمُونًا في حَقِّ الذِّمِّيِّ، كالمُرْتَدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ 3، فلا تُضْمَنُ، كالمَيتَةِ، ودَلِيلُ أنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ، [أنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ] 4 في حَق المسلمِ، فكذلك في حَقِّ الذِّمِّيِّ، فإنَّ تحْرِيمَها ثَبَت في حَقِّهِما، وخِطابُ النَّواهِي يَتَوَجَّهُ إليهما، فما ثَبَت في حَقِّ أحَدِهما، ثَبَت في حَقِّ الآخَرِ، ولا نسَلِّمُ أنَّها مَعْصُومَةٌ، بل متى أُظْهِرَتْ حَلَّتْ إرَاقَتُها، ثم لو عَصَمَها ما لَزِمَ تَقْويمُها؛ فإنَّ نِسَاءَ أهْلِ الحَرْبِ وصِبْيانَهُم مَعْصُومُونَ غيرُ مُتَقَوَّمِينَ.
وقولُهم: إنَّها مالٌ عندَهم.
..................................
ينْتَقِضُ بالعَبْدِ المُرْتَدِّ، فإنَّه مالٌ عندَهم.
فأمّا حديثُ عمرَ، فمَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لهم، وإنَّما أَمَرَ بأخْذِ عُشْرِ أثْمانِها؛ لأنَّهم إذا تَبايَعُوا وتَقابَضُوا، حَكَمْنا لهم بالمِلْكِ 1 ولم نَنْقُضْه، وتَسْميَتُها أثمانًا مَجازٌ، كما سَمَّى الله تَعالى ثَمَنَ يُوسفَ ثَمَنًا، فقال: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ 2.
وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيتَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فصل: فإن غَصَب مِن مُسْلِم خَمْرًا، حُرمَ رَدُّها، ووَجَبَتْ إراقَتُها؛ لأنَّ أبا طَلْحَةَ سَألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أَيتام وَرِثُوا خَمْرًا، فأَمَرَه بإرَاقَتِها (1). وإن أتْلَفَها أو تَلِفَتْ عندَه، لم يَجِبْ ضَمانُها؛ لما روَى ابنُ عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّ اللهَ إذَا حَرَّمَ شَيئًا حَرَّمَ ثَمَنَه» (2). ولأنَّ ما حُرِّمَ الانْتِفاعُ به، لم يَجِبْ ضَمانُه، كالمَيتَةِ والدَّمِ.
فإن أمْسَكَها حتى صارتْ خَلًّا، لَزِمَه رَدُّها؛ لأنَّها صارتْ خَلًّا على حُكْمِ مِلْكِه، فلَزِمَ رَدُّها.
فإن تَلِفَتْ، ضَمِنَها له؛ لأنَّها مالُ المَغْصُوبِ منه تَلِفَ في يَدِ الغاصِب.
فإن أَرَاقَها، فجَمَعَها إنْسانٌ فتَخَلَّلَتْ عندَه [لم يَلْزَمْه] (3) رَدُّ الخَلِّ؛ لأَنَه أخَذَها بعدَ إتْلافِها وزَوَالِ اليَدِ عنها.
2289 -
مسألة: (وإن غَصب جِلْدَ مَيتَةٍ، فهل يَجِبُ رَدُّه؟ على
123
فَإِنْ دَبَغَهُ، وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
وَجْهَين) بِناءً على طهارَتِه بالدِّبَاغِ، [وفيه رِوايَتان] (1)، فمَن قال بطَهَارَتِه، أَوْجَبَ رَدَّهُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إصْلاحُه، فهو كالثَّوْبِ النَّجِسِ.
ومَن قال: لا يَطْهُرُ.
لم يُوجِبْ رَدَّه؛ لانَّه لا سَبِيلَ إلى إصْلاحِه.
وإن أتْلَفَه أو أْتْلَفَ مَيتةً بجِلْدِها، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له، بدَلِيلِ أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُه.
2290 -
مسألة: (وإن دَبَغَه، وقُلْنا بطَهَارَتِه، لَزِمَه رَدُّه)
1
وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ،
كالخَمْرِ إذا تَخَلَّلتْ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجِبَ رَدُّه؛ لأنَّه صارَ مالًا بفِعْلِه، بخِلافِ الخَمْرِ.
وإن قلنا: لا يَطْهُرُ.
لم يَجِبْ رَدُّه؛ لأنَّه لا يُباحُ الانْتِفاع به.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجِبَ رَدُّه إذا قلنا: يُبَاحُ الانْتِفاعُ به في اليابِساتِ.
لأنَّه نَجِسٌ يُباحُ الانْتِفاعُ به، أشْبَهَ الكَلْبَ، وكذلك قبلَ الدَّبغِ.
2291 -
مسألة: (وإنِ اسَتْوَلَى على حُرٍّ، لم يَضْمَنْه بذلك)
لا
إلا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ.
فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ وَحَلْيَهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
يَثْبُتُ الغصْبُ فيما ليس بمالٍ، كالحُرِّ؛ فإَّنه لا يُضْمَنُ بالغَصْب، إنَّما يُضْمَنُ بالإتْلافِ، فإن حَبَس حُرًّا فماتَ عندَه، لم يَضْمَنْه؛ لأَنه ليس بمالٍ.
2292 -
مسألة
وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كَرْهًا، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ،
2293 - مسألة: (وإنِ اسْتَعْمَلَ الحُرَّ كَرْهًا، فعليه أُجْرَتُه)
لأنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَه، وهي مُتَقَوَّمَةٌ، فلَزِمَه ضَمانُها، كمَنافِعِ العَبْدِ.
وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2294 - [مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فهل تَلْزَمُه أُجْرَتُه؟ على وَجْهَين)]
1 إذا حَبَسَه مُدَّةً لمِثْلِها أُجْرَةٌ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَلْزَمُه أَجْرُ تلك المُدَّةِ، لأنَّه فَوَّتَ مَنْفَعَتَه، وهي مالٌ يَجُوزُ أَخْذُ العِوَضِ عنها،
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإنْ غَرِمَ عَلَيهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ.
فضُمِنَتْ بالغَصْبِ، كمنافعِ العَبْدِ.
والثاني، لا يَلْزَمُه أجْرُ تلك المُدَّةِ؛ لأنَّها تابِعَةٌ لما لا يَصِحُّ غَصْبُه، فأشْبَهَتْ ثِيابَه إذا بَلِيَتْ عليه، وأطْرافَه، ولأنَّها تَلِفَتْ تحتَ يَدَيه، فلم يَجبْ ضَمانُها، كما ذَكَرْنا.
ولو مَنَعَه العَمَلَ مِن غيرِ حَبْسٍ لم يَضْمَنْ مَنافِعَه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لو فعَل ذلك بالعَبْدِ لم يَضْمَنْ مَنافِعَه، فالحُرُّ أوْلَى.
ولو حَبَسَ الحُرَّ وعليه ثِيابٌ، لم يَلْزَمْه ضَمانُها؛ لأنَّها تابِعَةٌ لما لم تَثْبُتِ اليَدُ عليه في الغصْب.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافِعِيِّ.
فصل: وقال الشيخُ، رَحِمَه الله: (ويَلْزَمُه رَدُّ المَغْصُوب إن قَدَر على رَدِّه، وإن غَرِم عليه أضْعافَ قِيمَتِه) [وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَغْصُوبَ متى كان باقِيًا وَجَب رَدُّه] 1؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تَرده 2». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 3. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ السّائِبِ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَأْخُذْ أحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِه لَاعِبًا جادًّا 4، وَمَنْ أخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا».
رَواه أبو
..................................
داودَ 1. يَعْنِي أنَّه يَقْصِدُ المَزْحَ مع صاحِبِه بأَخْذِ مَتاعِه، وهو جادٌّ في إدْخالِ الغَمِّ والغَيظِ عليه.
ولأنَّه أَزال يَدَ المالِكِ عن مِلْكِه بغيرِ حَقٍّ، فلَزِمَتْه إعادَتُها.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجُوبِ رَدِّ المَغْصُوبِ إذا كان بِحالِه لم يتَغَيرْ، ولم يَشْتَغِلْ بغيرِه.
فصل: فإن غَصَبَ شيئًا فبَعَّدَه، لَزِم رَدُّه وإن غَرِم عليه أضْعافَ قِيمَتِه؛ لأنَّه جَنَى بتَبْعِيدِه، فكان ضَرَرُ ذلك عليه.
فإن قال الغاصِبُ: خُذْ مِنِّي أجْرَ رَدِّه وتَسَلَّمْه مِنِّي ههُنا.
أو بَذَلَ له أكْثَرَ مِن قِيمَتِه ولا يَسْتَرِدُّه، لم يَلْزَمِ المالِكَ قَبُولُ ذلك؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها، كالبَيعِ.
وإن قال المالِكُ: دَعْهُ لي في مَكانِه الذي نَقَلْتَه إليه.
لم يَمْلِكِ الغاصِبُ رَدَّه؛ لأنَّه أسْقَطَ عنه حَقًّا، فسَقَطَ وإن لم يَقْبَلْه، كما لو أَبْرأَهُ مِنِ دَينِه.
وإن قال: رُدَّه لي إلى بعضِ الطرَّيقِ.
لَزِمَه؛ لأنَّه يَلْزَمُه جَمِيعُ المَسافةِ، فلَزِمَه بعضُها المَطْلُوبُ، وسَقطَ عنه ما أسْقَطَه، كما لو أسْقَطَ عنه بعضَ دَينِه.
وإن طَلَبَ منه حَمْلَه إلى مَكانٍ آخَرَ في غيرِ طَرِيقِ الرَّدِّ، لم يَلْزَم الغاصِبَ ذلك، سَواء كان أقْرَبَ مِن المكانِ الذي يَلْزَمُه رَدُّه إليه أَوْ لا؛ لأَنَّه مُعاوَضَةٌ.
وإن قال: دَعْهُ في مَكانِه وأعْطِنِي أَجرَ رَدِّه.
لم يَلْزَمْه ذلك، ومهما اتَّفَقا عليه مِن ذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ وَرَدُّهُ.
وَإِنْ بَنَى عَلَيهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ.
2295 - مسألة: (وإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لَزِمَه تَخْلِيصُه ورَدُّه)
مثلَ أن يَخْلِطَ حِنْطَةً بشَعِيرٍ أو بسِمْسِمٍ، أو صِغارَ الحَبِّ بكِبارِه، أو زَبِيبًا أَسْوَدَ بأحْمَرَ؛ لِما ذكَرْنا.
وأَجْرُ المُمَيِّزِ عليه، كأَجْرِ رَدِّه إذا بعَّدَه.
وإن أمْكَنَ تَمْييزُ بعضِه وَجَب تَمْيِيزُ ما أمْكَنَ منه، وإن لم يُمْكِنْ تَمْيِيزُ شيءٍ منه، فسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
2296 -
مسألة: (وإن بَنَى عليه، لَزِمَه رَدُّه، إلَّا أنَّ يكونَ قد بَلِيَ)
إذا غَصَب.
شيئًا فشَغَلَه، بمِلْكِه؛ كحَجَر بَنَى عليه، أو خَيطٍ خاطَ به ثَوْبَه، أو نحوه، فإن بَلِيَ الخَيطُ أو انْكَسَرَ الحَجَرُ، أو كان مَكانَه خَشَبَة فتَلِفَتْ، لم يَجِبْ رَدُّه، ووَجَبَتْ قِيمَتُه؛ لأنَّه صار هالكًا، فوَجَبَتْ قِيمَتُه، كما لو تَلِفَ.
وإن كان باقِيًا بحالِه، لَزِمَه رَدُّه وإنِ انْتَقَضَ البِناءُ وتَفَصَّلَ الثَّوْبُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ رَدُّ 1 الخَشَبةِ والحَجَرِ؛ لأَنه صارَ تابعًا لمِلْكِه يَسْتَضِرُّ بقَلْعِه، فلم يَجبْ رَدُّه، كما لو غَصَب خَيطًا فخاطَ به جُرْحَ عَبْدِه.
ولَنا، أنَّه مَغْصُوبٌ أمكَنَ رَدُّه،
وَإنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا، لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا.
ويَجُوزُ له، فوَجَبَ (1)، كما لو بَعَّدَ العَينَ، ولا يُشْبِهُ الخَيطَ الذي يُخافُ على العَبْدِ مِن قَلْعِه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له رَدُّه، لما في ضِمْنِه مِن تَلَفِ الآدَمِيِّ، ولأنَّ حاجَتَه إلى ذلك تُبِيح أَخذَه ابْتِداءً، بخِلافِ البِنَاءِ.
2297 -
مسألة: (وإن سَمَّرَ بالمَسامِيرِ بابًا، لَزِمَه قَلْعُها ورَدُّها)
لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
فصل: وإن غَصَب فَصِيلًا فأَدْخَلَه دارَه، فكَبِرَ ولم يَخْرُجْ مِن البابِ، أو خَشَبة وأدْخَلَها دارَه، ثم بَنَى البابَ ضَيِّقًا لا يَخْرُجُ منه إلَّا بنَقْضِه، وَجَب نَقْضُه ورَدُّ الفَصِيلِ والخَشَبَةِ،؛ يُنْقَضُ البِنَاءُ لرَدِّ السّاجَةِ 2. فإن كان حُصُولُه في الدّارِ بغيرِ تَفْرِيطٍ مِن صاحِبِ الدّارِ، نُقِض البابُ، وضَمانُه على صاحِبِ الفَصِيلِ؛ لأنَّه لِتَخْلِيصِ مالِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ مِن صاحِبِ الدّارِ.
وأمّا الخَشَبَةُ، فإن كان كَسْرُها أكْثَرَ ضَرَرًا مِن نَقْضِ البابِ، فهي كالفَصِيلٍ، وإن كان أقَلَّ، كُسِرَتْ.
ويَحْتَمِلُ في الفَصِيلِ مثلُ هذا، متى كان ذبْحُه أقَلَّ ضَرَرًا، ذُبِحَ وأُخْرِجَ لحمًا؛ لأنَّه في مَعْنَى الخَشَبةِ، وإن كان حُصُولُه في الدّارٍ بعُدْوانٍ مِن صاحِبِه، كرجل غَصَب دارًا وأَدْخَلَها فَصِيلًا أو خَشَبَةً، أو تعَدَّى على إنْسانٍ فأَدْخَلَ دارَه فَرَسًا ونحوَها، كُسِرَتِ الخَشَبَةُ وذُبِحَ الحَيَوانُ وإن زاد ضَرَرُه على1
..................................
نَقْضِ البِنَاءِ؛ لأنَّ سَبَبَ هذا الضَّرَرِ عُدْوانُه، فيكون عليه.
ولو باعَ دارًا فيها خَوَابٍ 1 لا تَخْرج إلَّا بنَقْضَ البابِ، أو خَزائِن، أو حَيَوانٌ، وكان نَقْضُ البابِ أَقلَّ ضَرَرًا مِن بَقاءِ ذلك في الدّارِ أو تَفْصِيلِه أو ذَبْحِ الحَيَوانِ، نقِضَ، وكان إصلاحُه على البائِعِ؛ لأنَّه لتَخْلِيصِ مالِه.
وإن كان أكْثَرَ ضَرَرًا، لم يُنْقَضْ؛ لأَنه لا فائِدَةَ فيه، ويَصْطَلِحان على ذلك، إمّا بأن يَشْتَرِيَه مُشْتَرِي الدّارِ، أو غيرِ ذلك.
فصل: وإن غَصَب جَوْهَرةً فابْتَلَعَتْها بَهِيمَةٌ، فقال أصحابُنا: حُكْمُها حُكْمُ الخَيطِ الذي خاطَ به جُرْحَها.
على ما نَذْكُرُه.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَوْهَرةَ متى كانت أكثَرَ قِيمةً مِن الحيوانِ، ذُبِحَ ورُدَّتْ إلى مالِكِها، وضَمانُ الحَيَوانِ على الغاصِبِ، إلَّا أنَّ يكونَ الحَيَوانُ آدَمِيًّا.
ويُفارِقُ الخَيطَ، فإنَّه في الغالِبِ أقَلُّ قِيمةً مِن الحَيَوانِ، والجَوْهَرةُ أكْثَرُ قِيمَةً، ففي ذَبْحِ الحَيَوانِ رِعَايَةُ حَقِّ المالِكِ برَدِّ عَينِ مالِه إليه، ورِعايَة حَقِّ الغاصِبِ بتَقْلِيلِ الضَّمانِ عليه.
وإنِ ابْتَلَعَتْ شاةُ رجل جَوْهَرَةَ آخَرَ غيرَ مَغْصُوبَةٍ، ولم يُمْكِنْ إخْراجُها إلَّا بذَبْحِ الشّاةِ، ذُبِحَتْ إذا كان ضَرَرُ ذَبْحِها أَقَلَّ، وضَمانُ نَقْصِها على صاحِبِ الجَوْهَرَةِ؛ لأنَّه لتَخْلِيصِ مالِه، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن صاجِبِ الشّاةِ، بكَوْنِ يَدِه عليها، فلا شيءَ على صاحِبِ الجَوْهَرَةِ؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ مِن غيرِه، فكان الضَّرَرُ على المُفَرِّطِ.
..................................
فصل: وإن أَدْخَلَتْ رَأْسَها في قُمْقُمٍ، ولم يُمْكِنْ إخْراجُه إلَّا بذَبْحِها أو كَسْرِ القُمْقُم، وكان ضَرَرُ ذَبْحِها أَقَلَّ، ذُبِحَت، وإن كان ضَرَرُ 1 كَسْرِ القُمْقُمِ أَقَلَّ، كُسِرَ، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن صاحِبِ الشّاةِ، فالضَّمانُ عليه، وإن كان مِن صاحِبِ القُمْقُمِ، بأن وَضَعَه في الطَّرِيقِ، فالضَّمانُ عليه، وإن لم يَكُنْ منهما تَفْرِيطٌ، فالضَّمانُ على صاحِبِ الشّاةِ إن 2 كُسِرَ القُمْقُمُ؛ لأنَّه كُسِرَ لتَخْلِيصِ شاتِه، وإذا ذُبِحَتِ الشّاةُ، فالضَّمانُ على صاحِبِ القُمْقُمِ؛ لأنَّه لتَخْلِيصِ مالِه.
فإن قال مَن عليه الضَّمانُ منهما: أنا أُتلِفُ مالِي ولا أَغْرَمُ شيئًا للآخرِ.
فله ذلك؛ لأنَّ إتْلافَ مالِ الآخَرِ إنَّما كان لحَقِّه وسَلَامةِ مالِه وتَخْلِيصِه، فإذا رَضِيَ بتَلَفِه، لم يَجُزْ إتْلافُ غيرِه.
وإن قال: لا أُتْلِفُ مالِي ولا أَغْرَمُ شيئًا.
لم نُمَكِّنْه مِن إتْلافِ مالِ صاحِبِه، لكنَّ صاحِبَ القُمْقُمِ لا يُجْبَرُ على شيءٍ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، فلا يُجْبَرُ صاحِبُه على تَخْلِيصِه، وأما صاحِبُ الشّاةِ، فلا يَحِلُّ له تَرْكُها؛ لِما فيه مِن تَعْذِيبِ الحَيوانِ، فيُقالُ له: إما أنَّ تَذْبَحَ الشاةَ لتُرِيحَها مِن العَذَاب، وإمّا أنَّ تَغْرَمَ القُمْقُمَ لصاحِبِه إذا كان كَسْرُه أَقَلَّ ضَرَرًا؛ لَأنَّ ذلك مِن ضَرُورَةِ إبْقائِها أو تَخْلِيصِها مِن العَذابِ، فلَزِمَه، كعَلَفِها.
فإن كان الحَيَوانُ غيرَ مَأْكُولٍ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ حُكْمُه حُكْمَ المَأْكُولِ فيما ذَكَرْنا واحْتَمَلَ أنَّ يكْسَرَ القُمْقُمُ.
وهو قولُ
..................................
أصحابِنا؛ لأنَّه لا نَفعَ في ذَبْحِه، ولا هو مَشْرُوعٌ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذَبْحِ الحَيَوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 1. ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ كالمَأْكُول في أنَّه متى كان قَتْلُه أقَلَّ ضَرَرًا، أو كانتِ الجِنايَةُ مِن صاحِبِه، قُتِلَ؛ لأن حُرْمَتَه مُعارَضَةٌ بحُرْمَةِ مالِ الآدَمِيِّ الذي يُتْلَفُ، والنَّهْيُ عن ذَبْحِه مُعارَضٌ بالنَّهْيِ عن إضَاعَةِ المالِ، وفي كَسْرِ القُمْقُم مع كَثْرةِ قِيمَتِه إضاعَةُ المالِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن غَصَب دِينارًا فوَقَعَ في مِحْبَرَتِه، أو أخَذَ دِينارَ غيرِه، فسَهَا فوَقَعَ في مِحْبَرَتِه، كُسِرَتْ ورَدَّ الدِّينارَ، كما يُنْقَضُ البِنَاءُ لرَدِّ الخَشَبَةِ، وكذلك إن كان دِرْهَمًا أو أقلَّ.
وإن وَقَع مِن غيرِ فِعْلِه، كُسِرَتْ لرَدِّ الدِّينارِ إن أَحَبَّ صاحِبُه، والضَّمانُ عليه؛ لأنَّه 2 لتَخْلِيصِ مالِه.
وإن غَصَب دِينارًا، فوَقَعَ في مِحْبَرَةِ آخَرَ بفِعْلِ الغاصِبِ أو بغيرِ فِعْلِه، كُسِرَتْ لرَدِّه، وعلى الغاصِبِ ضَمانُ المِحْبَرَةِ؛ لأنَّه السَّبَبُ في كَسْرِها.
وإن كان كَسْرُها أكْثَرَ ضَررًا مِن تَبْقِيَةِ الواقِعِ فيها، ضَمِنَه الغاصِبُ، ولم يُكْسَرْ.
وإن رَمَى إنسانٌ دِينارَه في مِحْبَرَةِ غيرِه عُدْوانًا، فأبَى صاحبُ المِحْبرَةِ كَسْرَها، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ صاحِبَه تَعَدَّى برَمْيِه فيها، فلم يُجْبَرْ صاحِبُها على إتْلافِ مالِه لإِزَالةِ ضَرَرِ عُدْوانِه عن نَفْسِه، وعلى الغاصِبِ نَقْصُ المِحْبَرَةِ بوُقُوعِ الدِّينارِ فيها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُجْبَرَ على كَسْرِها لرَدِّ عَينِ مالِ الغاصِبِ،
وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فَعَلَيهِ أَجْرَتُهَا.
ويَضْمَنُ الغاصِبُ قيِمَتَها، كما لو غَرَسَ في أرْضِ غيرِه، مَلَك حَفْرَ الأرْضِ بغيرِ إذْنِ المالِكِ لأخْذِ غَرْسِه ويَضْمَنُ، نَقْصَها بالحَفْرِ.
وعلى الوَجْهَين، لو كَسَرَها الغاصِبُ قَهْرًا، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن قِيمَتِها.
2298 -
مسألة: (وإن زَرَع الأرْضَ ورَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فعليه أُجْرَتُها)
إذا غَصَبَ أرضًا فزَرَعَها ورَدَّها بعدَ حَصادِ الزَّرْعِ، فهو
وَإنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا والزَّرْعُ قَائِمٌ، خُيِّرَ بَينَ تَرْكِهِ إِلَي الْحَصَادِ
للغاصِبِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، وعليه أجْرُ المِثْلِ إلى وَقتِ التَّسْلِيمِ، وضَمانُ النَّقْصِ.
ولو لم يَزْرَعْها، فنَقَصَت لتَرْكِ الزِّراعَةِ، كأرَاضِي البَصْرَةِ، أو نَقَصَتْ لغيرِ ذلك، ضَمِن نَقْصَها؛ لِما نَذْكُرُه فيما إذا غَرَسَها أو بَنَى فيها، إن شاءَ الله تعالى.
2299 -
مسألة: (وإن أَدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه
بِأُجْرَتِهِ، وَبَينَ أخْذِهِ بِعِوَضِهِ.
وَهَلْ ذَلِكَ قيمَتُهُ أوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
إلى الحَصادِ بأْجْرَةِ مِثْلِه، وبينَ أَخْذِه بعِوَضِه.
وهل ذلك قِيمَتُه أو نَفَقَتُه؛ على رِوايَتَين) قولُه: أَدرَكَها والزَّرْعُ قائِمٌ.
يَعْنِي اسْتَرْجَعَها مِن الغاصِبِ وقَدَرَ على أخذِها منه.
متى أدرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائمٌ، لم يَمْلِكْ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِ الزَّرْع، وخُيِّرَ المالِكُ بينَ أنَّ يُقِرَّ الزَّرْعَ في الأَرضِ إلى الحَصادِ ويَأْخُذ مِن الغاصِبِ أُجْرَةَ الأرْضِ وأرْشَ نَقْصِها، وَبينَ أنَّ يَدْفَعَ إليه نَفَقَتَه ويكونَ له الزَّرْعُ.
وهذا قولُ أبي عُبَيدٍ.
وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ على قَلْعِه؛ لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ» 1. و 2 لأنَّه زَرَعَ في أرْضِ غيرِه ظُلْمًا، أشْبَهَ الغَرْسَ.
ولَنا، ما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن زَرَعَ
..................................
فِي أرْضِ قَوْم بِغيرِ إذْنِهِم، فَلَيسَ لَهُ منَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيهِ نَفَقَتُهُ».
رَواه أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ 1. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ 2. فيه دَلِيلٌ على أنَّ الغاصِبَ لا يُجْبَرُ على القَلْعِ؛ لأنَّه مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، ولأنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ إلى مالِكِه مِن غيرِ إتْلافِ مالِ الغاصِبِ على قُرْبٍ مِن الزَّمانِ، فلم يَجُزْ إتْلافُه، كما لو غَصَب سَفِينَةً في حَمَلَ فيها ماله وأدْخَلَها البَحْرَ، أو غَصَبَ لَوْحًا فَرَقَّعَ به سَفِينةً، فإنَّه لا يُحْبَرُ على رَدِّ المَغْصُوبِ في اللُّجَّةِ، ويُنْتَظَرُ حتى تُرْسَى؛ صِيانَةً للمالِ عن التَّلَف، كذا هذا.
وفارَقَ الشَّجَرَ؛ لأنَّ مُدَّتَه تَتَطاوَلُ، ولا يُعْلَمُ متى يَنْقَلِعُ مِن الأرْضِ، فانْتِظارُه يُؤدِّي إلى تَرْكِ رَدِّ الأصْلِ بالكُلِّيَّةِ.
وحَدِيثُهم وَرَد في الغَرْسِ، وحَدِيثُنا في الزَّرْعِ، فيُجْمَعُ بينَ الحَدِيثَينِ، ويُعْمَلُ بكلِّ واحِدٍ منهما في مَوْضِعِه، وهو أَوْلَى مِن إبْطالِ أحَدِهما.
إذا ثَبَت هذا، فمتى رَضِيَ المالِكُ بتَرْكِ الزَّرْعِ للغاصِبِ ويَأْخُذُ منه أَجْرَ الأرْضِ، فله ذلك؛ لأنَّه شَغَل المَغْصُوبَ بمالِه، فمَلَكَ صاحِبُه أَخْذَ أَجْرِه، كما لو تَرَك في الدارِ طَعامًا يَحْتاجُ في نَقْلِه إلى مُدَّةٍ.
وإن أحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ، فله ذلك، كما يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أخْذَ شَجَرِ المُشْتَرِي بقِيمتِه.
وفيما يُرَدُّ على الغاصِبِ رِوَايتانِ؛ إحداهما، قِيمَةُ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيهِ الأجْرَةُ.
الزَّرْعِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الزَّرْعِ، فيُقدَّرُ بقِيمَتِه، كما لو أَتْلَفَه، ولأنَّ الزَّرْعَ للغاصِبِ إلى حينِ 1 انْتِزاعِه منه، بدَلِيلِ أنَّه لو أَخَذَه قبلَ انْتِزاعِ المالِكِ، كان مِلْكًا له يَأْخُذُه، فيكونُ أَخْذُ المالِكِ له تَمَلُّكًا له، إلَّا أنَّ يُعَوِّضَه، فيَجِبُ أنَّ يكونَ بقِيمَتِه، كما لو أخَذَ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ.
فعلى هذا، يَجِبُ على الغاصِبِ أَجْرُ الأرْضِ إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لأنَّ الزَّرْعَ كان مَحْكُومًا له به، وقد شَغَل به أَرْضَ غيرِه.
والروايةُ الثانيةُ، يَرُدُّ على الغاصِبِ ما أنْفَقَ مِن البَذْرِ ومُؤْنَةِ الزَّرْعِ في الحَرْثِ والسَّقْي وغيرِه.
وهذا الذي ذكَره القاضِي.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ الحَدِيثِ؛ لقولِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَلَيهِ نَفَقَتُهُ».
وقِيمةُ الشيءِ لا تُسَمَّى نَفَقةً له.
والحَدِيثُ مَبْنِيٌّ على هذه المسألةِ، فإنَّ أحمدَ إنَّما ذَهَبَ إلى هذا الحُكْمِ اسْتِحْسانًا، على خِلافِ القِياسِ، فإنَّ القِياسَ أنَّ الزَّرْعَ لصاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، فأشْبَهَ ما لو غَصَب دَجَاجَةً فحَضَنَتْ بَيضًا له، كان النَّماءُ له.
وقد صَرَّحَ به أحمدُ، فقال: هذا شيءٌ لا يُوافِقُ القِياسَ، أسْتَحْسِنُ أنَّ يَدْفَعَ إليه نَفقَتَه؛ للأثَرِ.
ولذلك جَعَلْناه للغاصِبِ إذا أُخِذَتْ منه الأرْضُ بعدَ أخْذِه الزَّرْع، وإذا كان العَمَلُ بالحَدِيثِ، فيَجِبُ أن يُتبَّعَ مَدْلُولُه (ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ الزَّرْعُ للغاصِبِ، وعليه الأجْرَةُ) كما إذا رَجَع
..................................
المُسْتَعِيرُ.
فصل: فإن كان الزَّرْعُ 1 مِمّا تَبْقَى أُصُولُه في الأرْضِ، ويُجَزُّ مَرّةً بعدَ أُخْرَى، كالرَّطْبَةِ 2، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ حُكْمُه ما ذَكَرْنا؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الزَّرْعِ؛ لأنَّه ليس له فَرْعٌ قَويٌّ، أشْبَهَ الحِنْطَةَ والشَّعِيرَ.
واحْتَمَلَ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ الغَرْسِ؛ لبقَاءِ أصْلِه، وتَكَرُّرِ أخْذِه، ولأن القِياسَ يَقْتَضِي أنَّ يَثْبُتَ لكلِّ زَرْعٍ مثلُ حُكْمِ الغَرْسِ، وإنَّما ترِكَ فيما تَقِلُّ مُدَّتُه للأثَرِ، ففيما عَداه يَبْقَى على قَضِيَّةِ القِياسِ.
..................................
فصل: فإن غَصَب أرْضًا فغَرَسَها فأَثْمَرتْ، فأدْرَكَها رَبُّها بعدَ أخْذِ الغاصِبِ ثَمَرَتَها، فهي له.
فإن أدْرَكَها والثَّمرةُ فيها، فكذلك؛ لأنَّها ثَمَرةُ شَجَرِه، فكانت له، كما لو كانت في أَرْضِه، ولأنَّها نَماءُ أصْلٍ مَحْكُومٍ به للغاصِبِ، فكان له، كأَغْصانِها ووَرَقِها، ولَبَنِ الشّاةِ ونَسْلِها.
وقال القاضي: هي لمالِكِ الأرضِ إن أدْرَكَها في الغِراسِ؛ لأن أحْمدَ قال في رِوايَةِ عليٍّ بنِ سعيدٍ: إذا غَصَب أرْضًا فغَرَسَها، فالنَّماءُ لمالِكِ الأرْضِ.
قال القاضِي: وعليه مِن النَّفَقَةِ ما أَنْفَقَه الغارِسُ مِن مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ في مَعْنَى الزَّرْعِ، فكان لصاحِبِ الأرْضِ إذا أدْرَكَه
..................................
قائِمًا فيها، كالزَّرْعِ.
قال شيخُنا 1: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أحمدَ قد صَرحَ بأنَّ أَخْذَ رَبِّ الأرْضِ الزَّرْعَ شيءٌ لا يُوافِقُ القِياسَ، وإنَّما صار إليه للأثَرِ، فيَخْتَصُّ الحُكْمُ به، ولا يُعَدَّى 2 إلى غيرِه، ولأنَّ الثَّمَرةَ تُفارِقُ الزَّرْعَ مِن وَجْهين؛ أحَدُهما، أنَّ الزَّرْعَ نَماءُ الأرْضِ، فكان لصاحِبِها، والثَّمرةُ نَماءُ الشَّجَرِ، فكانت لصاحِبِه.
الثاني، أنَّه يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ إذا أخَذَه، مثلَ البَذْرِ الذي نَبتَ منه الزَّرْعُ، مع ما أنْفَقَ عليه، ولا يُمْكِنُه مثلُ ذلك في الثَّمَرَةِ.
..................................
فصل: وإن غَصَب شَجَرًا فأَثْمَرَ، فالثَّمَرُ لصاحِبِ الشَّجَرِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، ولأنَّ الشَّجَرَ عَينُ مِلْكِه نَمَا وزَادَ، فأشْبَهَ ما لو طالتْ أغْصانُه.
ويَرُدُّ الثَّمَرَ إن كان باقِيًا، وبَدَلَه إن تَلِفَ، وإن كان رُطَبًا فصار تَمْرًا، أو عِنَبًا فصار زَبِيبًا، فعليه رَدُّه وأرْشُ نَقْصِه إن نقَص، ولا شيءَ له بعَمَلِه فيه، ولا أُجْرَةَ عليه للشَّجَرِ؛ لأنَّ أُجْرَتَها لا تَجُوزُ في العُقُودِ، فكذلك في الغَصْبِ، ولأن نَفْعَ الشَّجَرِ تَربِيَةُ الثَّمَرِ وإخْراجُه، وقد عادتْ هذه المَنافِعُ إلى المالِكِ.
ولو كانت ماشِيَةً، فعليه ضَمان وَلَدِها إن وَلَدتْ عندَه، وضَمانُ لَبَنِها بمثلِه؛ لأنَّه مِن ذَواتِ الأَمْثالِ، ويَضْمَنُ أوبارَها وأَشْعارَها بمثلِه، كالقُطْنِ.
وفي ضَمانِ زَوائِدِ الغَصْبِ المُنْفَصِلَةِ اخْتِلافٌ نذكُرُه فيما يأتِي إن شَاءَ الله تَعالى.
وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، وَتَسْويَةِ الأرْضَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا.
2300 - مسألة: (وإن غَرَس أو بَنَى، أُخِذَ بقَلْعِ غَرْسِه وبِنائِه، وتَسْويَةِ الأرْضِ وأَرْشِ نَقْصِها وأُجْرَتِها)
متى غَرَس في أرضِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو بَنَى فيها، وطَلَب صاحِبُ الأرضِ قَلْعَ غِراسِه وبنائِه، لَزِم الغاصِبَ ذلك.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لما روَى سعيدُ بنُ زَيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيلٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 1 وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وروَى أبو داودَ، وأبو عُبَيدٍ في الحَدِيثِ أنَّه قال: فلقد أخْبَرنِي الذي حَدَّثَنِي هذا الحَدِيثَ أنَّ رجلًا غَرَس في أرْضِ.
رجل مِن الأنْصارِ، مِن بَنِي بَيَاضةَ، فاخْتَصَما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَضَى للرَّجُلِ بأَرْضه، وقَضَى للآخَرِ أن يَنْزِعَ نَخْلَه.
قال: فلقد رَأَيتُها يُضْرَبُ في أصُولِها بالفئوس، وإنَّها لَنَخْلٌ عُمٌّ 2. ولأنَّه شَغَل مِلْكَ غيرِه
..................................
بمِلْكِه الذي لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه بغيرِ إذْنِه، فلَزِمَه تَفرْيِغُه، كما لو جَعَل فيه قُمَاشًا.
وإذا قَلَعَها، لَزِمَهُ تَسْويَة الحَفْرِ، وَرَدُّ الأرْضِ إلى ما كانت عليه؛ لأنَّه ضَرَرٌ حَصَل في مِلْكِ غيرِه بفِعْلِه، فلَزِمَتْه إزالتُه.
..................................
فصل: فإن أرادَ صاحِبُ الأرْضِ أخْذَ الشَّجَرِ والبِناءِ بغيرِ عِوَضٍ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عَينُ مالِ الغاصِبِ، فلم يَمْلِكْ صاحِبُ الأرضِ أخْذَه، كما لو وَضَع فيها أَثَاثًا أو حَيَوانًا.
وإن طَلَب أخْذَه بقِيمَتِه، وأبَى مالِكُه إلَّا 1 القَلْعَ، فله ذلك؛ لأنَّه مِلْكُه، فمَلَكَ نَقْلَه، ولا يُجْبَرُ على أخْذِ القِيمَةِ؛ لأنَّها 2 مُعاوَضَةٌ، فلم يُجْبَرْ عليها.
وإنِ اتَّفقَا على تَعْويضِه عنه، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجازَ ما اتَّفَقا عليه.
وإن وَهَب الغاصِبُ الغِرَاسَ والبناءَ لمالِكِ الأرْضِ؛ ليَتَخَلَّصَ مِن قَلْعِه 3، فقَبِلَه المالِكُ، جازَ.
وإن أبَى قَبُولَه، وكان في قَلْعِه غَرَضٌ صَحِيحٌ، لم يُجْبَرْ على قَبُولِه، وإن لم يَكُنْ فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ، احْتَمَلَ أنَّ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِه؛ لأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الخُصُومَةِ مِن غَيرِ غَرَض يَفُوتُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لأنَّ فِيه إجْبارًا على عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضا فيه.
وإن غَصَب أرضًا وغِراسًا مِن رجلٍ واحدٍ فغَرَسَه فيها، فالكُلُّ لمالِكِ الأرْضِ.
فإن طالبَه المالِكُ بقَلْعِه، وله في قَلْعِه غَرَضٌ، أُجْبِرَ على قَلْعِه؛ لأَنه فَوَّتَ عليه غَرَضًا مَقْصُودًا بالأرْضِ،
..................................
فأُخِذَ بإعادَتِها إلى ما كانت، وعليه تَسْويَةُ الأرْضِ، ونَقْصُها ونَقْصُ الغِرَاسِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في يَدِ الغاصِبِ، أشْبَهَ ما لو غَصَب طَعامًا فتَلِفَ بعضُه، وإن لم يَكُنْ في قَلْعِه غَرَضٌ صَحِيحٌ، لم يُجْبَرْ على قَلْعِه؛ لأنَّه سَفَهٌ، فلا يُجْبَرُ عليه.
وقيلَ: يُجْبَرُ؛ لأنَّ المالِكَ مُحَكَّمٌ في مِلْكِه، والغاصِبَ غيرُ مُحَكَّم.
فإن أرادَ الغاصِبُ قَلْعَه، ومَنَعَه المالِكُ، لم يَمْلِكْ قَلْعَه؛ لأنّ الجَمِيعَ مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، فلم يَمْلِكْ غيرُه التَّصَرُّفَ فيه بغيرِ إذْنِه.
فصل: والحُكْمُ فيما إذا بَنَى في الأرِضِ، كالحُكْمِ فيما إذا غَرَس فيها في هذا التَّفْصِيلِ جَميعِه، إلَّا أنَّه يتَخرَّجُ أنَّه إذا بَذَل مالِكُ.
الأرْضِ القِيمَةَ لصاحِبِ البِنَاءِ، أُجْبِرَ على قَبُولِها إذا لم يَكُنْ في النَّقْضِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ النَّقْضَ سَفَهٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَنَى في رِبَاعِ قَوْمٍ بإِذْنِهِم فَلَهُ الْقِيمَةُ، وَمَنْ بَنَى بِغَيرِ إذْنِهِمْ فَلَهُ النَّقْضُ» 1. ولأنَّ ذلك مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها، وإذا كانتِ الآلة مِن تُرابِ الأرْضِ وأحْجارِها، فليس للغاصِبِ النَّقْضُ، على ما ذَكَرْنا في الغَرْسِ.
..................................
فصل: وإن غَصَب أَرْضًا، فكَشَطَ تُرابَها، لَزِمَه رَدُّه وفَرْشُه على ما كان، إن طالبَه المالِكُ وكان فيه غَرَضٌ، وإن لم يَكُن فيه غَرَضٌ، فهل يُجْبَرُ على فَرْشِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وإن مَنَعَه المالِكُ فرْشَه أو رَدَّه، وطَلَب الغاصِبُ ذلك، وكان في رَدِّه غَرَضٌ مِن إزَالةِ ضَرَرٍ أو ضَمانٍ، فله فَرْشُه ورَدُّه، وعليه أَجْرُ مِثْلِها مُدَّةَ شَغْلِها وأَجْرُ نَقْصِها.
وإن أخَذَ تُرابَ أَرْض، فضَرَبَه لَبِنًا، رَدَّه ولا شيءَ له، إلَّا أنَّ يَجْعَلَ فيه تِبْنًا له، فله أنَّ يَحُله ويَأْخُذَ تِبْنَه.
فإن كان لا يَحْصُلُ منه شيء، ففيه وَجْهان، بِنَاءً على كَشْطِ التَّزْويقِ إذا لم يَكُنْ له قِيمةٌ، وسنذكُره.
وإن طالبَه المالِكُ بِحَلِّه، لَزِمَه ذلك إذا كان فيه غَرَضٌ، فإن لم يَكُنْ فيه غَرَضٌ، فعلى وَجْهَينِ.
فإن جَعَلَه آجُرًّا أو فَخَّارًا، لَزِمَه رَدُّه، ولا أجْرَ له لعَمَلِه، وليس له كَسْرُه، ولا للمالِكِ إجْبارُه عليه؛ لأنَّه سفهٌ وإتْلافٌ للمالِ وإضاعَةٌ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضَاعَةِ المالِ.
..................................
فصل: وعليه ضَمانُ نَقْصِ الأرْضِ إن نَقَصَتْ بالغَرْسِ والبِناءِ.
وهكذا كلُّ عَين مَغْصُوبَةٍ، على الغاصِبِ ضَمانُ نَقْصِها، إذا كان نَقْصًا مُسْتَقِرُّا، كإناءٍ تكَسَّرَ، وطَعامٍ سَوَّسَ [أو تَلِف بعضُه، وثَوْبٍ تَخَرَّقَ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في يَدِ الغاصِبِ، فوَجَبَ ضَمانُه، كتَلَفِ بعضِ الطَّعامِ وذِراعٍ مِن الثَّوْبِ] 1. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا شَقَّ لرجلٍ ثَوْبًا شَقًّا قَلِيلًا، أخَذَ أَرْشَه، وإن كَثُرَ، فصاحِبُه بالخِيارِ بين تَسْلِيمِه وأَخْذِ قِيمَتِه، وبينَ إمْساكِه مع الأَرْشِ.
ورُويَ عن أحمدَ كَلامٌ
..................................
يَحْتَمِلُ هذا، فإنَّه قال في رِوايَةِ مُوسَى بنِ سعيدٍ: إن شاءَ شَقَّ الثَّوْبَ، وإن شاء مثلَه.
يَعْنِي، واللهُ أعلمُ، إِنْ شاء أخَذَ أَرْشَ الشَّقِّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الجِنَايَةَ أَتْلَفَتْ مُعْظَمَ نَفْعِهِ، فَكانتْ له المُطالبَةُ بقِيمَتِه، كما لو قَتَل شاةً له.
وحَكَى أصْحابُ مالِكٍ عنه، إذا جَنَى على عَينٍ فأتْلَفَ غَرَضَ صاحِبِها فِيها، كان المَجْنِيُّ عليه، بالخِيارِ؛ إن شاء رَجَعَ بما نَقَصَتْ، وإن شاء سَلَّمَها وأخَذَ قِيمَتَها.
ولَعَلَّ ما يُحْكَى عنه مِن قَطْعِ ذَنَبِ حِمارِ القاضِي يَنْبَنِي على ذلك؛ لأنَّه أتْلَفَ غَرَضَه به، فإنَّه لا يَرْكَبُه في العادَةِ.
وحُجَّتُهم أنَّه أتْلَفَ المَنْفَعَةَ المَقْصُودَةَ مِن السِّلْعَةِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُها، كما لو أتْلَفَها.
ولَنا، أنَّها جِنَايَةٌ على مالٍ أَرْشُها دُونَ قِيمَتِه، فلم يَمْلِكِ المُطالبَةَ بجَمِيعِ قِيمَتِه، كما لو كان الشَّقُّ يَسِيرًا، ولأنَّها جِنايَة تَنْقُصُ بها القِيمَةُ، أشْبَهَ ما لو لم يَتْلَفْ غَرَضُ صاحِبِها، وفي الشّاةِ أتْلَفَ جَمِيعَها؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالمَجْنِيِّ عليه، لا بغَرَضِ صاحِبِه، لأنَّه إن لم يَصْلُحْ لصاحِبه صَلَح لغَيرِه.
وعليه، أَجْرُ الأرضِ منذُ غَصَبَها إلى وَقْتِ تَسْلِيمِها 1. وهكذا كلُّ ما لَه أجْرٌ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه، سَواءٌ اسْتَوْفَى المَنافِعَ أو تَلِفَتْ تحتَ يَدِه؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدِه العادِيَةِ، فكان عليه، عِوَضُها، كالأعْيانِ.
وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه فيما يَأْتِي إن شاءَ الله تعالى.
وإن غَصَب أرْضًا فبنَاها دارًا، فإن
.................................. كانت آلاتُ بِنائِها مِن مالِ الغاصِبِ، فعليه أجْرُ الأرْضِ دُونَ بِنائِها؛ لأنَّه إنَّما غَصَب الأرْضَ، والبِناءُ له، فلم يَلْزَمْه أَجْرُ مالِه، وإن بَناهَا بتُرابٍ منها وآلاتٍ للمَغْصُوبِ منه، فعليه أجْرُها مَبْنِيَّةً؛ لأنَّ الدّارَ كُلَّها مِلْكٌ للمَغْصُوبِ منه، وإنَّما للغاصِب فيها أَثَرُ الفِعْلِ، فلا يكونُ في مُقابَلَتِه أَجْرٌ؛ لأنَّه وَقع عُدْوانًا.