..................................
التِّرْمِذِيُّ: وهو حديثٌ حسنٌ، وهو أحسنُ ما رُوِيَ في هذا الباب.
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طَلَاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وإنْ عَيَّنَها».
رواه الدّارَقُطْنِي 1. وعن عليِّ [بنِ أبي طالبٍ] 2، رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» 3. قال أحمدُ: هذا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعِدَّةٍ مِن الصَّحابَةِ.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مخالفًا، فكان إجْماعًا.
وهذا ظاهِرُ المَذْهب.
ولأنَّه لا يَمْلِكُ تنجيزَ 4 العِتْقِ، فلمْ يَمْلِكْ تَعْلِيقَه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ».
رَواه أبو داودَ الطيالِسِيُّ 5. والثانِيَةُ، يَعْتِقُ إذا مَلَكَه؛ لأنَّه أضافَ العِتْقَ إلى حالٍ يَمْلِكُ عِتْقَه فيه، فأشْبَهَ ما لو كان التَّعْلِيقُ في
..................................
مِلْكِه.
وروَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ، أنَّه قال: [إذا قال] 1: إنِ اشتريتُ هذا الغُلامَ فهو حُرٌّ.
فاشتراهُ، عَتَق.
قال أبو بكرٍ في كتابِ «الشَّافي»: لا يَخْتَلِفُ قولُ أبي عبدِ اللهِ أنَّ العَتاقَ يَقَعُ، إلَّا ما روَى محمدُ بنُ الحسنِ بنِ هارونَ في العِتْقِ، أنَّه لا يَقَعُ، وما أرَاه إلَّا غَلَطًا، فإن كان قد حَفِظ فهو قَوْلٌ آخَرُ.
ولأنَّه لو قال لأمَتِه: أوَّلُ وَلدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ.
فإنَّه يَصِحُّ، كذلك هذا.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ على الأخْطارِ، فصَحَّ تَعْلِيقُه علِى حُدُوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ، والنَّذْرِ، واليَمِينِ.
وقال مالكٌ: إن خصَّ جِنْسًا مِن الأجْناسِ أو عَبْدًا بعَينِه، عَتَق إذا مَلَكَه، وإن قال: كُلُّ عَبْدٍ أمْلِكُه.
لم يَصِحَّ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه تَعْلِيقُ العِتْقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأمَةِ غيرِه: إن دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ حُرَّةٌ.
ثم مَلَكَها ودَخَلَتِ الدّارَ، ولِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
واللهُ أعلمُ.
وَإِنْ قَالهُ الْعَبْدُ لَمْ يَصِحَّ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.
2939 - مسألة: فإن قال العَبْدُ ذلك ثم عَتَق ومَلَك،
عَتَق في أحَدِ الوَجْهَين، قِياسًا على الحُرِّ.
والثاني، لا يَعْتِقُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العَبْدَ لا يَصِحُّ العِتْقُ منه حينَ التَّعْلِيقِ، لكَوْنِه لا يَمْلِكُ، وإنْ مَلَك فهو مِلْكٌ ضَعِيفٌ غيرُ مُسْتَقِرٌّ، لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيه، وللسَّيِّدِ انْتِزاعُه منه، بخِلافِ الحُرِّ.
..................................
فصل: إذا قال الحُرُّ: أوَّلُ غُلام أمْلِكُه فهو حُرٌّ.
انْبَنَى ذلك على العِتْقِ قبلَ المِلْك، وفيه رِوَايتان ذَكرْناهما، فإن قُلْنا: يَصِحُّ عِتْقُ أوَّلِ مَن يَمْلِكُه لوُجُودِ الشَّرْطِ.
فإن مَلَك اثنَين معًا، عَتَق أحَدُهما بالقُرْعَةِ، في قِياسِ قولِ أحمدَ، فإنَّه قال، في روايةِ مُهَنّا: إذا قال: أوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِن عبِيدِي فهو حرٌّ.
فطَلَعَ اثْنان 1، أو جَميعُهم، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهم.
ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَا جميعًا؛ لأنَّ الأوَّلِيّةَ وُجِدَتْ فيهما جَمِيعًا، فثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ فيهما، كما لو قال في المُسابَقَةِ: مَن سَبَق فله عَشرةٌ.
فسَبَقَ اثنان، اشْتَرَكا في العشرةِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُعْتِقُ أيَّهما شاء.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما؛ لأنَّه لا أوَّلَ فيهما؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مُساوٍ للآخَرِ، ومِنْ شَرْطِ الأوَّلِيَّةِ سَبْقُ الأوَّلِ.
ولَنا، أنَّ هذَين لم يَسْبِقْهُما غَيرُهما، فكانا أوَّلَ، كالواحدِ، وليس مِن شَرْطِ الأوَّلِ أن يَأْتِيَ بعدَه ثانٍ، بدليلِ ما لو مَلَك واحِدًا ولم يَمْلِكْ بعدَه شيئًا، وإذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ فيهما، فإمّا أن يَعْتِقا جميعًا، أو يَعْتِقَ أحَدُهما، وتُعَيِّنُه القُرْعةُ، على ما نَذكُرُه بعدُ 2. وكذلك الحكمُ فيما إذا قال: أوَّلُ ولَدٍ تَلدِينَه فهو حُرٌّ.
فولَدَتِ اثْنَين خَرَجا معًا.
وَإِنْ قَال: آخِرُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ.
وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الصِّفَةِ، فَمَلَكَ عَبِيدًا، ثُمّ مَاتَ، فَآخِرُهُمْ حُرٌّ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ، وَكَسْبُهُ لَهُ.
2940 - مسألة: (فإن قال: آخِرُ مملوكٍ أشْتَرِيه فهو حُرٌّ. فمَلَك عَبِيدًا)
لم [يُحْكَمْ بعِتْقِ] 1 واحدٍ منهم حتى يَمُوتَ؛ لأنَّه ما دام حَيًّا فهو 2 يَحْتَمِلُ أن يَشْتَرِيَ عبدًا يكونُ هو الآخِرَ، فإذا مات عَتَق آخِرُهُم، وتَبَيَّنا أنَّه كان حُرًّا حينَ مَلَكَه، فيكونُ اكْتِسابُه له.
وإن كان أمَةً، كان أولادُها أحرارًا مِن حينَ وَلَدتْهُم؛ لأنَّهم أولادُ حُرَّةٍ، وإن كان وَطِئَها فعليه مَهْرُها؛ لأنَّه وَطِئَ حُرَّةً أجْنَبِيَّةً، ولا يَحِلُّ له أن يَطَأَها إذا اشْتَراها حتى يَشْتَرِيَ بعدَها غيرَها؛ لأنَّه ما لم يَشتَرِ بعدَها غيرَها، فهي آخِرٌ في الحالِ، وإنَّما يَزُولُ ذلك بشِراءِ غيرِها، فوَجَبَ أن يَحْرُمَ الوَطْءُ.
وإنِ اشْتَرَى اثْنَين دَفْعةً واحدةً، ثم مات، فالحُكْمُ في عِتْقِهِما كالحُكْمِ فيما إذا مَلَك اثْنَين في الفصلِ الذي قَبْلَه.
..................................
فصل: إذا قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ.
فوَلَدَتِ اثْنَين، وأشْكَلَ أوَّلُهُما خُرُوجًا، أُخْرِجَ بالقُرْعَةِ، كالتي قبلَها.
فإن عُلِم أوَّلُهما خُرُوجًا عَتَق وَحْدَه.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي هاشمٍ 1، والشافعيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ.
وقال الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: إذا وَلِدَتْ وَلَدَين في بَطْنٍ فهما حُرّانِ.
ولَنا، أنَّه إنَّما أعْتَقَ الأوَّلَ، والذي خرَج سابِقًا هو الأوَّلُ مِن الموْلُودَين، فاخْتَصَّ العِتْقُ به 2، كما لو وَلَدَتْهُما في بَطنَين.
فإن وَلَدَتِ الأوَّلَ ميِّتًا والثانِيَ حَيًّا، فذَكَرَ الشريفُ، أنَّه يَعْتِقُ الحيُّ منهما.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، والشافعيُّ: لا يَعْتِقُ واحدٌ منهما.
وهو الصَّحيحُ.
قاله شَيخُنا 3؛ لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إنَّما
..................................
وُجِد في المَيِّتِ، وليس بمَحَلٍّ للعِتْقِ، فانْحَلَّتِ اليَمِينُ به.
وإنَّما قُلْنا: إنَّ شَرْطَ العِتْقِ وُجِدَ فيه؛ لأنَّه أوَّلُ وَلَدٍ، بدَلِيلِ أنَّه إذا قال لأمَتِه: إذا وَلَدْتِ فأنتِ حُرَّةٌ.
فوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا، عَتَقَتْ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ العِتْقَ يَسْتَحِيلُ في المَيِّتِ، فتَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بالحَيِّ، كما لو قال: إن ضَرَبْتَ فُلانًا فعَبْدِي حُرٌّ.
فضَرَبَه حَيًّا، عَتَق، وإن ضَرَبَه مَيِّتًا لم يَعْتِقْ.
ولأنَّه معلومٌ مِن طَريقِ العادةِ أنَّه قَصَد عَقْدَ يَمِينِه على وَلَدٍ يَصِحُّ العِتْقُ فيه، وهو أن يكونَ حَيًّا، فتصيرُ الحياةُ مَشْرُوطَةً فيه، فكأنَّه قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه حَيًّا.
فصل: فإن قال لأمَتِه: كلُّ ولَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ.
عَتَق كل وَلدٍ وَلَدَتْه، في قولِ جُمْهورِ العلماءِ؛ منهم مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أحْفَظُ 1 عن غيرِهِم خِلافَهم.
فإن باع الأمَةَ، ثم وَلَدَتْ، لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّها وَلَدَتْهُم بعدَ زوالِ مِلْكِه.
وَإِنْ قَال لِأَمَتِهِ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ.
فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا، لَمْ يَعْتِقِ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا عَتَقَ الثَّانِي.
وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَينِ، فَأَشْكَلَ الْآخِرُ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
2941 - مسألة: (فإن قال لأمَتِه: آخِرُ وَلَدٍ تَلدِينَه فهو حرٌّ. فوَلَدَتْ حَيًّا ثم مَيِّتًا، لم يَعْتِقِ الأوَّلُ)
لأنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ عِتْقِه، وعلى قِياسِ قولِ الشريفِ، وأبي حنيفةَ، فيما إذا قال: أوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَه، فهو حُرٌّ.
فوَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا، يَعْتِق الحيُّ (وإن وَلَدَتْ مَيِّتًا ثم حَيًّا، عَتَق الثانِي) لوُجُودِ شَرْطِه (وإن وَلَدَتْ تَوْأَمَين، فأشْكَلَ الآخِرُ منهما، [أُقْرِعَ بينَهما) لأنَّ] 1 أحَدَهما اسْتَحَقَّ العِتْقَ، ولم يُعْلَمْ 2 بعَينِه، فوَجَبَ إخْراجُه بالقُرْعَةِ، وسيأْتِي ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
وَلَا يَتْبَعُ وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ بِالصِّفَةِ أُمَّهُ فِي الْعِتْقِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، إلا أنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حَال عِتْقِهَا، أَوْ حَال تَعْلِيقِ عِتْقِهَا.
2942 - مسألة: (ولا يَتْبَعُ وَلَدُ المُعْتَقَةِ بالصِّفَةِ أُمَّه في العِتْقِ، في أصَحِّ الوَجْهَين، إلَّا أن تكونَ حامِلًا به حال عِتْقِها، أو حال تَعْلِيقِ عِتْقِها)
إذا عَلَّقَ عِتْقَ أَمَتِه 1 بصِفَةٍ وهي حامِلٌ، تَبِعَها ولَدُها في ذلك؛ لأنَّه كعُضْوٍ مِن أعضائِها، فإن وضَعَتْه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَق؛ لأنَّه تابعٌ في الصِّفَةِ، فأشْبَهَ ما لو كان في البَطْنِ.
وإن كانتْ حائِلًا حينَ التَّعْلِيقِ، ثم وُجِدَتِ الصِّفَةُ وهي حاملٌ، عَتَقَتْ هي وحَمْلُها؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِدَ فيها وهي حامِلٌ، فتَبِعَها ولَدُها، كالمُنْجَزِ.
فإن حَمَلَتْ بعدَ التَّعْلِيقِ، ووَضَعَتْ 2 قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ثم وُجِدَت بعدَ ذلك، لم يَعْتِقِ
وَإِنْ قَال لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيكَ أَلْفٌ.
أَوْ: عَلَى أَلْفٍ.
عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَعَنْهُ، إِنْ لَمْ يَقْبَلِ العَبْدُ لَمْ يَعْتِقْ.
وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ.
أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقْبَلَ.
الوَلَدُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لم تَتَعَلَّقْ به في حالِ التَّعْلِيقِ [ولا في حالِ العِتْقِ] (1). وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَتْبَعُها في العِتْقِ، [قِياسًا على ولَدِ المدَبَّرَةِ.
وإن بَطَلَتِ الصِّفَةُ بِبَيعٍ أو موتٍ لم يَعْتِقِ الوَلَدُ؛ لأنَّه إنَّما تَبِعَها في العِتْقِ] (1) لا في الصِّفَةِ، فإذا لم تُوجَدْ فيها لم يُوجَدْ (2) فيه، بخِلافِ وَلَدِ المُدَبَّرةِ؛ فإنَّه تَبِعَها في التَّدْبِيرِ، فإذا بَطَل فيها بَقِيَ فيه.
2943 -
مسألة: (وإذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ. أو: على ألْفٍ. عَتَق، ولا شيءَ عليه. وعنه، إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ)
إذا قال لعبدِه: أنت حُرٌّ وعليك ألْفٌ.
عَتَق، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أعْتَقَه بغيرِ12
..................................
شَرْطٍ، وجَعَل عليه عِوَضًا لم يَقْبَلْه، فعَتَقَ، ولم يَلْزَمْه الألْفُ.
هكذا ذَكَر المتأخِّرُون مِن أصْحابِنا.
ونَقل جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ، قِيلَ له: إذا قال: أنت حُرٌّ وعليك ألفُ دِرْهَمٍ.
فقال: جَيِّدٌ 1. قِيلَ له: فإن لم يَرْضَ العَبْدُ؟ قال: لا يَعْتِقُ، إنَّما قال له على أن يُؤَدِّيَ إليه ألفًا، فإن لم يَؤُدِّ فلا شيءَ.
فإن قال: أنت حُرٌّ على ألْفٍ.
فكذلك في إحْدَى الرّوايَتَين؛ لأنَّ «على» ليست مِن أدَواتِ الشَّرْطِ ولا البَدَلِ، فأشْبَهَ قولَه: وعليك ألْفٌ.
والثانيةُ، إن قَبِل العَبْدُ 2 عَتَق ولَزِمَتْه الألْفُ، وإن لم يَقْبَلْ لم 3 يَعْتِقْ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي
..................................
حنيفةَ.
وهذه الرِّوايَةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّه أعْتَقَه بعِوَضٍ، فلم يَعْتِقْ بدُونِ قَبُولِه، كما لو قال: أنت حُرٌّ بألْفٍ.
ولأنَّ «على» تُسْتَعْمَلُ للشَّرْطِ والعِوَضِ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ 1. وقال: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ 2. وقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 3. ولو قال في النِّكاحِ: زَوَّجْتُكَ فُلَانَةَ ابْنَتِي على خَمْسِمائةِ دِرْهَمٍ.
فقال الآخَرُ: قَبِلْت.
صَحَّ 4 النِّكاحُ، ووَجَبَ الصَّداقُ.
وَإنْ قَال: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي سَنَةً.
فَكَذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَعْتِقْ.
رِوَايَةً وَاحِدَةً.
2944 - مسألة: (وإن قال: أنت حُرٌّ على أن تَخْدِمَني سَنَةً. فكذلك. وقِيلَ: إن لم يَقْبَلْ لم يَعْتِقْ. رِوايَةً واحِدَةً)
فعلى هذا، إذا قَبِل العَبْدُ عَتَق في الحالِ، ولَزِمَتْه خِدْمَتُه سنةً.
فإن مات السَّيِّدُ قبلَ كمالِ السَّنَةِ رُجِع على العبدِ بقِيمَةِ ما بَقِيَ مِن الخِدْمَةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُقَسَّطُ قِيمَةُ العَبدِ على خِدْمَةِ السَّنَةِ، فيُسْقَطُ منها بقَدْرِ ما مَضَى،
..................................
ويُرْجَعُ عليه بما بَقِيَ مِن قِيمَتِه.
ولَنا، أنَّ العِتْقَ عَقْدٌ لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فإذا تَعَذَّر فيه اسْتِيفاءُ العِوَضِ رُجِع إلى قِيمَتِه، كالخُلْعِ في النِّكاحِ، والصُّلْحِ في دَمِ العمدِ 1. فإن قال: أنْتَ حُرٌّ على أن تُعْطِيَنِي ألْفًا.
فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَعْتِقُ حتى يَقْبَلَ.
فإذا قَبِل عَتق ولَزِمَتْه الألْفُ.
فأمّا إن قال: أنتَ حُرٌّ بألْفٍ.
لم يَعْتِقْ حتى يَقْبَلَ، وتَلْزَمُه الألْفُ.
فصْلٌ: وَإِذَا قَال: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ.
عَتَقَ عَلَيهِ مُدَبَّرُوهُ، وَمُكَاتَبُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَشِقْصٌ يَمْلِكُهُ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وإذا قال: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِيَ حُرٌّ.
عَتَق عَلَيه مُكَاتَبُوهُ، وَمُدَبَّروهُ، وَأُمَّهاتُ أوْلادِه، وشِقْصٌ يَمْلِكُه) لأنَّ لَفْظَه عامٌّ فيهم، فعَتَقوا، كما لو عَيَّنَهُم.
وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ»، أنَّ الشِّقْصَ لا يَعْتِقُ إلَّا أن يَنْويَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه كُلَّه.
والأوَّلُ المَذْهَبُ.
وَإِنْ قَال: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ.
أُقْرِعَ بَينَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ عَلَيهِ القُرْعَةُ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ حِينَ أَعْتَقَهُ.
2945 - مسألة: (وإن قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ. أُقْرِعَ بَينَهما، فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ فهو حُرٌّ مِن حِينَ أعْتَقَه)
إذا قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ.
ولم يَنْو واحدًا بعَينِه، عَتَق أحَدُهم بالْقُرْعَةِ، وليس للسَّيِّدِ التَّعْيِينُ، ولا
..................................
للوارِثِ بعدَه.
فإن قال: أرَدْتُ هذا بعَينِه.
قُبِل منه، وعَتَق؛ لأنَّ ذلك إنَّما يُعْرَفُ مِن جِهَتِه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: للمُعْتِقِ التَّعْيِينُ، ويُطالبُ بذلك، فيَعْتِقُ مَن عَيَّنَهَ وإن لم يكُنْ نَواه حالةَ القَوْلِ، وإذا عَتَق بتَعْيِينِه فليسَ لسائِرِ العَبيدِ الاعتراضُ عليه؛ لأنَّ له تَعْيِينَ العِتْقِ ابْتِداءً، فإذا أوْقَعَه غَيرَ مُعَيَّنٍ، كان له تَعْيِينُه، كالطَّلاقِ.
ولَنا، أنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غير مُعَيَّنٍ، فلم يَمْلِكْ تَعْيِينَه، ووَجَبَ أن يُمَيَّزَ بالقرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ الجميعَ في مَرضِه ولم يَخْرجوا مِن الثُّلُثِ، وكما لو أعْتَقَ مُعَيَّنًا ثم نَسِيَه، والطَّلاقُ كمَسألَتِنا.
فإن مات المُعْتِقُ ولم يُعَيِّنْ،
وَإِنْ مَاتَ أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ.
فالحُكْمُ عندَنا لا يَخْتَلِفُ، وليس للوَرَثَةِ التَّعْيِينُ، بل يُخْرَجُ المُعْتَقُ (4) بالقُرْعَةِ.
وقد نَصَّ الشافعيُّ على هذا إذا قالوا: لا نَدْرِي أيَّهم أعْتَقَ.
وقال أبو حنيفةَ: لهمُ التَّعْيِينُ؛ لأنَّهم يقُومون مَقامَ موْرُوثِهم.
وقد سَبَق الكلامُ في المُعْتَقِ 1.
فصل: ولو أعْتَقَ إحْدَى إمائِه [غيرَ معيَّنةٍ] 2، ثم وَطِئَ إحْداهُنَّ، لم يَتَعيَّنِ الرِّقُ فيها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُ فيها.
لأنَّ الحُرِّيَّةَ عندَه تَتَعَيَّنُ بتَعْيينِه، ووَطْؤُه دليلٌ على تَعْيينِه.
وقد سَبَق الكلامُ معه.
فصل 3: وقَوْلُه: مِن حينَ أعتَقَه.
يُريدُ أنَّ العَبْدَ إن كان اكْتَسبَ مَالًا بعدَ 4 العِتْقِ، فهو له دُونَ سَيِّدِه؛ لأنَّا تَبَيَّنّا 5 أنَّه اكْتَسَبَه في حالِ الحُرِّيَّةِ.
2946 -
[مسألة: (فإن مات أقْرَعَ الوَرَثَةُ) لِما ذَكَرْنا.
في المُعْتَقِ]
6.
وَإِنْ مَاتَ أَحدُ الْعَبْدَينِ أُقْرِعَ بَينَهُ وَبَينَ الْحَيِّ.
2947 - مسألة: (وإِن مات أحَدُ العَبْدَينِ أُقْرِعَ بَينَه وبينَ الحيِّ)
فإن وقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتِ حسَبْناه مِن التَّرِكَةِ، وقَوَّمْناه حينَ الاعْتاقِ، سواءٌ مات في حياةِ سَيِّدِه أو بعدَه قَبْلَ القُرْعَةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: إن ماتَ قبلَ مَوْت سَيِّدِه، فالحيُّ جميعُ التركةِ، لا يَعْتِقُ إلَّا ثُلُثُه، ولا يُعتَبَرُ الميِّتُ؛ لأنَّه ليس بمحْسُوبٍ مِن التَّرِكَةِ، ولهذا لو أعْتَقَ الحيَّ بعدَ مَوْتِه لأعْتَقْنا ثُلُثَه.
ولَنا، أنَّ المَيِّتَ أحدُ المُعْتَقَين، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَه وبينَ الحيِّ، كما لو مات بعدَ سَيِّدِه، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن العِتْقِ تَحْصِيلُ ثَوابِه، وهو يَحْصُلُ في حَقِّ المَيِّتِ، فيَدْخُلُ في القُرْعَةِ، كالذي مات بعدَ سيِّدِه.
فعلى هذا، إنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتِ حَسَبْناه مِن التَّرِكَةِ، وقَوَّمْناه حينَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّه حينُ الإِتْلافِ.
وإن وقَعَتْ على الحيِّ، نَظَرْتَ في المَيِّتِ؛ فإن كان مَوْتُه قبلَ مَوتِ سَيِّدِه، أو بعدَه قبلَ قَبْضِ الوارِثِ له، لم نَحْسُبْه مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه لم يَصِلْ إلى الوارِثِ، فتكونُ التَّرِكَةُ الحيَّ وَحْدَه، فيَعْتِقُ ثُلُثُه، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُه حينَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّه حينُ إتْلافِه، وتُعْتَبَرُ قِيمَةُ التَّرِكَةِ بأقَلِّ الأمْرَينِ مِن حينِ الموتِ إلى حينِ قَبْضِ الوارِثِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ تَجَدَّدَت على مِلْكِ الوارثِ، فلم تُحْسَبْ عليه مِن التَّرِكَةِ، والنُّقْصانُ قبلَ القَبْضِ، فلم يَحْصُلْ له، فأشْبَهَ الشارِدَ والآبِقَ، وإنَّما يُحْسَبُ عليه ما حَصَل في يَدَيهِ، ولا يُحْسَبُ المَيِّتُ مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه
وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أُنْسِيَهُ، أَخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ.
[ما وَصَل إلى الوَرثَةِ، وإن كان مَوْتُه بعدَ قَبْضِ الوَرَثَةِ له، حُسِب مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه] (1) وَصَلَ إليهم، وجَعَلْناه كالحيِّ في تَقْويمِه معه، والحُكْمِ بإعْتاقِه إن وقَعَتِ القُرْعَةُ عليه، أو مِن الثُّلُثَين إن وقَعَتِ القُرْعَةُ على غِيرِه، وتُحْسَبُ قِيمَتُه أقَلَّ الأمْرَين مِن حينِ مَوْتِ سَيِّدِه إلى حينِ قَبْضِه.
فصل: فإن دَبَّرَ ثَلاثةَ أعْبُدٍ، أو وَصَّى بعِتْقِهم، فماتَ أحَدُهم في حَياتِه، بَطَل تَدْبِيرُه والوَصيَّةُ فيه، وأُقْرِعَ بينَ الحَيَّين، وأُعْتِقَ مِن أحَدِهما ثُلُثُهما؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُمْكِنُ الحُكْمُ بوُقوعِ العِتْقِ فيه، لكَوْنِه مات قبلَ الوقتِ الذي يَعْتِقُ فيه، وقبلَ تَحَقُّقِ شَرْطِ العِتْقِ، بخِلافِ التي قبلَها، فإنَّ العِتْقَ حَصَل مِن حينِ الإِعْتاقِ، وإنَّما القُرْعَةُ تُبَيِّنُه وتَكْشِفُه، ولهذا يُحْكَمُ بعِتْقِه مِن حينِ الإِعْتاقِ، ويكونُ كَسْبُه له، وحُكْمُه حُكْمُ الأحْرارِ في سائِرِ أحْوالِه.
وإن مات المُدَبَّرُ بعدَ مَوْتِ سَيِّدِه أُقْرِعَ بينَه وبينَ الأحْياءِ؛ لأنَّ العِتْقَ حَصَل مِن حينِ موتِ السَّيِّدِ.
2948 -
مسألة: (وإنْ أعْتَقَ عَبْدًا وأُنْسِيَه، أَخْرَجَ بالقُرْعَةِ)
هذا قياسُ قولِ أحمدَ.
وهو قولُ اللَّيثِ.
وقال الشافعيُّ: يَقِفُ الأمْرُ حتى يَذْكُرَ، فإن مات قبلَ أن يُبَيِّنَ أَقْرَعَ الوَرَثَةُ بينَهم.
وقال ابنُ وَهْبٍ: يَعْتِقُونَ1
فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَهَا أَنَّ الْمُعْتَقَ غَيرُهُ، عَتَقَ.
وَهَلْ يَبْطُلُ عِتْقُ الْأوَّلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
كُلُّهم.
وقال مالكٌ: إنْ أعْتَقَ عَبْدًا له، ومات ولم يُبَيِّنْ، وكانوا ثلاثةً، عَتَق منهم بقَدْرِ ثُلُثِهم، وإنْ كانوا أربعةً، عَتَق منهم بقَدْرِ رُبْعِ قِيمَتِهم.
وعلى هذا، فيُقْرَعُ بينَهم، فإن خرَجَتِ القُرْعَةُ على مَن قِيمَتُه أقَلُّ بِن الرُّبْعِ أُعِيدَتِ القُرْعَةُ حتى يَكْمُلَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: إن قال الشُّهودُ: نَشْهَدُ أنَّ فُلانًا أعْتَقَ [أحدَ عَبِيدِه ولم يُسَمِّ.
عَتَق ثُلُثُ كلِّ واحدٍ، وسَعَى في باقِيه، أو رُبْعُ كلِّ واحدٍ منهم إن كانوا أرْبَعَةً.
وإن قالوا: نَشْهَدُ أنَّ فُلانًا أعْتَقَ] (1) بَعْضَ عَبِيدِه ونَسِيناه.
فشهادَتُهم باطِلَةٌ.
ونحوُ هذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، ولم يَذْكُروا ما ذَكَرَه أصْحابُ الرَّأْي في الشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّ مُسْتَحِقَّ العِتْقِ غَيرُ مُعَيَّنٍ، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ جَمِيعَهم في مَرَضِ مَوْتِه.
2949 -
مسألة: (فإن عَلِم بعدُ أنَّ المُعْتَقَ غيرُه، عَتَق. وهل يَبْطُلُ عِتْقُ الأوَّل؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، يَبْطُلُ ويُرَدُّ إلى الرِّقِّ، ويَعْتِقُ الذي عَيَّنَه؛ لأنَّه تَبَيَّنَ له المُعْتَقُ، فيَعْتِقُ دُونَ غيرِه، كما لو لم يُقْرَعْ.1
فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ، اعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ.
والثانِي، يَعْتِقان معًا.
قاله اللَّيثُ، ومُقْتَضَى قولِ ابنِ حامِدٍ؛ لأنَّ الأوَّلَ ثَبَتَتِ الحريةُ فيه بالقُرْعَةِ، فلا تَزُولُ، كسائِرِ الأحْرارِ، ولأنَّ قَوْلَ المُعْتِقِ: ذَكَرْتُ مَن كُنْتُ نَسِيتُه.
يَتَضَمَّنُ إقْرارَه بحُرِّيَّةِ مَن ذَكَره وإقرارًا على غيرِه، فقُبِلَ إقرارُه على نَفْسِه دُونَ غيرِه.
أمّا إذا لم يُقْرَعْ، فإنَّه يُقْبَلُ قَوْلُه، فيَعْتِقُ مَن عَيَّنَهَ، ويَرِقُّ غيرُه، فإذا قال: أعْتَقْتُ هذا.
عَتَق، ورَقَّ الباقُونَ، وإن قال: أعْتَقْتُ هذا، لا بَلْ هذا.
عَتَقا جميعًا؛ لأنَّه أقرَّ بعِتْقِ الأوَّلِ، فلَزِمَه، ثم أقرَّ بعِتْقِ الثانِي، فلَزِمَه، ولم يُقْبَلْ رُجُوعُه عن إقرارِه الأوَّلِ.
وكذلك الحُكْمُ في إقْرارِ الوارِثِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وإنْ أعْتَقَ في مَرَضِ مَوْتِه، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ، اعْتُبِرَ مِن ثُلُثِه) إذا أعْتَقَ في مَرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ، اعْتُبِرَ مِن الثُّلُثِ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، وكذلك التَّدْبِيرُ، والوَصِيَّةُ بالعِتْقِ؛
فَإِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَهُ، عَتَقَ جَمِيعُهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَعْتِقُ إلا مَا أَعْتَقَ.
لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالٍ، أشْبَهَ الهِبَةَ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُجِزْ مِن عِتْقِ الذي أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِين في مَرَضِه إلَّا ثُلُثَهم (1). وما زادَ على الثُّلُثِ، إن أجازُوه جاز (2)، فإن رَدُّوه بَطَل؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجازَ بإجازَتهم وبَطَل برَدِّهم.
2950 -
مسألة: (وإن أعْتَقَ جُزْءًا مِن عبدِه، أو دَبَّرَه)
وهو أن يقولَ: إذا مِتُّ فنِصْفُ عَبْدِي حُرٌّ.
ثم ماتَ، فإن كان النِّصْفُ المُدَبَّرُ ثُلُثَ مالِه مِن غيرِ زِيادةٍ، عَتَق، ولم يَسْرِ؛ لأنَّه لو دَبَّرَه كلَّه لم يَعْتِقْ منه إلَّا ثُلُثُه، فإذا لم يُدَبِّرْ إلَّا ثُلُثَه كان أوْلَى.
وإن كان العَبْدُ كلُّه يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، ففي تَكْمِيلِ الحُرِّيَّةِ رِوايتَان؛ إحْداهما، تُكمَّلُ.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم أبو حنيفةَ وأصْحابُه؛ لأنَّهم يَرَوْن التَّدْبِيرَ كالعِتْقِ في12
..................................
السِّرايَةِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه [إعْتاقٌ لبعضِ] 1 عبدِه، فعَتَقَ جَمِيعُه، كما لو أعْتَقَه في حياتِه.
والثانِيةُ، لا يُكَمَّلُ العِتْقُ فيه؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ جَوازَ البَيعِ، فلم يَسْرِ، كتَعْلِيقِه بالصِّفَةِ في الحياةِ.
فأمّا إن أعْتَقَ بعضَ عَبدِه في مَرَضِه، فهو كعِتْقِ جَمِيعِه، إن خرَج مِن الثُّلُثِ عَتَق جَمِيعُه، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ في المَرَضِ كالإِعْتاقِ في الصحَّةِ، إلَّا في اعْتِبارِه مِن الثُّلُثِ.
وتَصَرُّفُ المريضِ في ثُلُثِه في حَقِّ الأجْنَبِيِّ كتصرُّفِ الصحيحِ في جميعِ مالِه.
(وعنه، لا يَعْتِقُ منه إلَّا ما أعْتَقَ) كما لو أعْتَقَ شِرْكًا له في عبدٍ وثُلُثُه يَحْتَمِلُ جَمِيعَه.
فصل: وإذا دَبَّرَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه صَحَّ، ولم يَلْزَمْه لشَرِيكِه في الحالِ شيءٌ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
فإذا ماتَ عَتَق الجُزءُ المُدبَّرُ إذا خَرَج مِن ثُلُثِه.
وفي سِرايَتِه إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ ما ذَكَرْنا في المسألةِ قبلَها.
وقال مالكٌ: إذا دَبَّرَ نَصِيبَه تَقاوَماه، فإن صار للمُدَبِّرِ، صار مُدَبَّرًا كُلُّه، وإن
وَإِنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أَوْ دَبَّرَهُ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَه، أُعْطِيَ الشَّرِيكُ، وَكَانَ جَمِيعُهُ حُرًّا، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَعْتِقُ إلا مَا مَلَكَ مِنْهُ.
صار للآخَرِ، صارَ رَقِيقًا كلُّه.
وقال اللَّيثُ: يَغْرَمُ المُدَبِّرُ لشَرِيكِه قِيمَةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ العبدُ كلُّه مُدَبَّرا، فإن لم يكُنْ له مالٌ، سَعَى العبدُ في قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّريكِ، فإذا أدَّاها، صار مُدَبَّرًا كلُّه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَضْمَنُ المُدَبِّرُ للشَّرِيكِ قِيمَةَ حَقِّه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، ويَصِيرُ المُدَبَّرُ له.
وقال أبو حنيفةَ: الشَّرِيكُ بالخِيارِ؛ إن شاء دَبَّرَ، وإن شاء أعْتَقَ، وإن شاء اسْتَسْعَى العَبْدَ، وإن شاء ضَمَّنَ صاحِبَه إن كان مُوسِرًا.
ولَنا، أنَّه تَعْلِيقُ العِتْقِ على صِفَةٍ، فصَحَّ في نَصِيبِه، كما لو عَلَّقَه بمَوْتِ شَرِيكِه.
2951 -
مسألة: (وإن أعْتَقَ في مَرَضِه شِرْكًا له في عبدٍ، أو دَبَّرَهُ، وثُلُثُه يَحْتَمِلُ باقِيَه، أُعْطِيَ الشَّرِيكُ، وكان جَمِيعُه حُرًّا، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يَعْتِقُ إلَّا ما مَلَك منه)
وجُمْلَتُه، أنَّه إذا مَلَك شِقْصًا مِن عبدٍ، فأعْتَقَه في مَرَضِ مَوْتِه، أو دَبَّرَه، أو وَصَّى بعِتْقِه، ثم
..................................
مات، ولم يَفِ ثُلُثُ مالِه بقِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، لم يَعْتِقْ إلَّا نَصِيبُه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، إلَّا قَوْلًا شاذًّا، أو قولَ مَن يَرَى السِّعايَةَ؛ وذلك لأنَّه ليس له مِن مالِه إلَّا الثُّلُثُ الذي اسْتَغْرَقَتْه قِيمَةُ الشِّقْصِ، فيَبْقَى مُعْسِرًا، بمَنْزِلَةِ مَن أعْتَقَ في صِحَّتِه شِقْصًا وهو مُعْسِرٌ.
فإن كان ثُلُثُ مالِه يَفِي بقِيمَةِ حِصَّةِ شَريكِه، سَرَى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ -في إحْدَى الرِّوايَتَين- فيَعْتِقُ العَبْدُ كُلُّه، ويُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ نَصِيبِه مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ مِلْكَ المُعْتِقِ لثُلُثِ المالِ تامٌّ، له التَّصَرُّفُ فيه بالتَّبَرُّعِ وغيرِه، فهو كمالِ الصَّحيحِ، فأشْبَهَ عِتْقَ الصَّحيحِ المُوسِرِ.
والثانِيةُ، لا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّتُه؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ إلى وَرَثَتِه بمَوْتِه، فلا يَبْقَى شيءٌ يُقْضَى منه الشَّرِيكُ.
وبه قال الأوْزاعِيُّ.
وقال القاضي: ما أعْتَقَه في مَرَضِ مَوْتِه سَرَى، وما دَبَّرَه أو وَصَّى بعِتْقِه لم يَسْرِ، فالرِّوايَةُ في سِرايَةِ العِتْقِ في حالِ الحياةِ أصَحُّ، والروايةُ في وُقُوفِه في التُّدْبِيرِ أصَحُّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ العِتْقَ في الحياةِ يَنْفُذُ في حالِ مِلْكِ المُعْتِقِ وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، وتَصَرُّفُه في ثُلُثِه كتَصَرُّفِ الصحيحِ في مالِه كُلِّه، فأمّا التَّدْبِيرُ والوَصيَّةُ، فإنَّما يَحْصُلُ العِتْقُ به في حالِ زَوالِ مِلْكِ المُعْتِقِ وتَصَرُّفاتِه.
وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيهِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ، بِيعُوا فِي دَينِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهُمْ.
2952 - مسألة: (وإن أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أعْبُدٍ قِيمَتُهم سواءٌ، وثُلُثُه يَحْتَمِلُهم، ثم ظَهر عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُهم، بِيعُوا في دَينِه. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ ثُلُثُهم)
وجملةُ ذلك، أنَّ المريضَ إذا أعْتَقَ عَبِيدَه في مَرَضِه، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهم، وهم يَخْرُجونَ مِن ثُلُثِه في الظّاهِرِ، فأعْتَقْناهم، ثم مات، فظَهَرَ عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُهم، تَبَيَّنًا بُطْلانَ عِتْقِهم وبَقاءَ رِقِّهِم، فيُباعُون في الدَّينِ، ويكونُ عِتْقُهم وَصِيَّةً، والدَّينُ يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ.
قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوصِيَّةِ 1. ولأنَّ الدَّينَ يُقَدَّمُ على المِيراثِ بالاتِّفاقِ، ولهذا تُباعُ التَّرِكةُ في قَضَاءِ الدَّينِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 2. والمِيراثُ مُقَدَّمٌ على الوَصِيَّةِ في الثُّلُثَين، فما يُقَدَّمُ على المِيراثِ يَجبُ أن يُقَدَّمَ على الوَصِيَّةِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ورَدَّ ابنُ أبي لَيلَى عَبْدًا أعْتَقَه سَيِّدُه عندَ المَوْتِ وعليه دَينٌ.
قال أحمدُ: أحْسَنَ ابنُ أبي لَيلَى.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايةً أُخْرَي، في الذي يُعْتِقُ عَبْدَه في مَرَضِه
..................................
وعليه دَينٌ، أنَّه يَعْتِقُ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ، ويُرَدُّ الباقِي؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المريضِ في ثُلُثِه كتَصَرُّفِ الصحيحِ في جميعِ مالِه، وكما لو لم يكُنْ عليه دَينٌ.
وقال قَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ: يَسْعَى العَبْدُ في قِيمَتِه.
ولَنا، أنَّه تَبَرَّعَ في مَرَضِ مَوْتِه بما يُعْتَبَرُ خُرُوجُه مِن الثُّلُثِ، فقُدِّمَ عليه الدَّينُ، كالهِبَةِ، ولأنَّه مُعْتَبَرٌ مِن الثُّلُثِ، فقُدِّمَ عليه الدَّينُ، كالوَصِيَّةِ.
وخَفاءُ الدَّينِ لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، ولهذا يَمْلِكُ الغَرِيمُ اسْتِيفاءَه.
فتَبَيَّنَ أنَّه أعْتَقَهُم وقد اسْتَحَقَّهُم الغَرِيمُ بدَينِه، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه، كما لو أعْتَقَ مِلْكَ غيرِه.
فإن قال الوَرَثةُ: نحنُ نَقْضِي الدَّينَ ونُمْضِي العِتْقَ.
لم يَنْفُذْ، في أحَدِ الوَجْهَين، حتى يَبْتَدِئُوا العِتْقَ؛ لأنَّ الدَّينَ كان مانِعًا منه، فيكونُ باطلًا، ولا يَصِحُّ بزَوالِ المانِعِ بعدَه.
والثانِي، يَنْفُذُ العِتْقُ؛ لأنَّ المانِعَ منه إنَّما هو الدَّينُ، فإذا سَقَط وَجَب نُفُوذُه، كما لو أسْقَطَ الورَثةُ حُقُوقَهم مِن ثُلُثَيِ التَّرِكَةِ، نَفَذ 1 العِتْقُ في الجَميعِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان، كهَذين.
وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الوَجْهَين، إذا تَصَرَّفَ الوَرَثَةُ في التَّرِكَةِ ببَيعٍ أو غيرِه وعلى المَيِّتِ دَينٌ، وقُضِيَ الدَّينُ، هل يَنْفُذُ؟ فيه وَجْهان.
..................................
فصل: فإن أعْتَقَ المريضُ ثَلاثَةَ أعْبُدٍ لا مال له غيرُهم، فأقْرَعَ الوَرَثَةُ، فأعْتَقُوا واحدًا وأرَقُّوا اثْنَين، ثم ظَهَر عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُ نِصْفهم، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ القُرْعَةُ؛ لأنَّ الدَّينَ شَرِيكٌ في الإِقْراعِ، فإذا حَصَلَتِ القِسْمَةُ مع عَدَمِه كانت باطِلةً، كما لو قَسَم شَرِيكان دُونَ شَرِيكِهما الثّالِثِ.
والثانِي، يَصِحُّ الإِقْراعُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إمْضاءُ القِسْمَةِ وإفْرادُ حِصَّةِ الدَّينِ مِن كلِّ واحدٍ مِن النَّصِيبَين؛ لأنَّ القُرْعَةَ دَخَلَتْ لأجْلِ العِتْقِ دونَ الدَّينِ، فيُقالُ للوَرَثَةِ: اقْضُوا ثُلُثَيِ الدَّينِ.
وهو بقَدْرِ قِيمَةِ نِصْفِ العَبْدَين اللَّذَين بَقِيَا؛ إمّا مِن العَبيدِ، وإمّا مِن غيرِهم، ويَجِبُ رَدُّ نِصْفِ العَبْدِ الذي عَتَق، فإن كان الذيَ أعْتَقَ عَبْدَين، أقْرَعْنا بينَهما، فإذا خَرَجَتِ
وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ، فَأَعْتَقْنَا ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ، عَتَقَ مَنْ أُرِقَّ مِنْهُمْ.
القُرْعَةُ على أحَدِهما، وكان بقَدْرِ السُّدْسِ مِن التَّرِكَةِ، عَتَق، وبِيعَ الآخَرُ في الدَّينِ، وإن كان أكثرَ منه، عَتَق منه بقَدرِ السُّدْسِ، وإن كان أقلَّ، عَتَق، وعَتَق مِن الآخَرِ تَمامُ السُّدْسِ.
2953 -
مسألة: (وإن أعْتَقَهم، فأعْتَقْنا ثُلُثَهم، ثم ظَهر له مالٌ يَخْرُجُون مِن ثُلُثِه، عَتَق مَن أُرِقَّ مِنْهُم)
وحملتُه، أنَّه إذا أعْتَقَ عَبِيدَه في مَرَضِه، أو دَبَّرَهم، أو وَصَّى بعِتْقِهم، لم يَعْتِقْ منهم إلَّا الثُّلُثُ، ويَرِقُّ الثُّلُثان، إذ لم يُجِزِ الورَثَةُ عِتْقَهم، فإذا فَعَلْنا ذلك، ثم ظَهَر له مالٌ بقَدْرِ مِثْلَيهم 1، تَبَيَّنا أنَّهم قد عَتَقُوا مِن حينَ أعْتَقَهم، أو مِن حينِ مَوْتِه إن كان دَبَّرَهم أو وَصَّى بعِتْقِهم؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المريضِ في ثُلُثِ مالِه نافِذٌ، وقد بان أنَّهم ثُلُثُ مالِه، وخَفاءُ ذلك علينا لا يَمْنَعُ كَوْنَه مَوْجُودًا، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ العِتْقِ واقعًا.
فعلى هذا، يَكونُ حُكْمُهم حُكْمَ الأحْرارِ مِن حينَ أعْتَقَهم، فيكونُ كَسْمبُهم لهم.
وإن كانوا قد تُصُرِّفَ فيهم ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو رَهْنٍ أو تَزْويجٍ بغيرِ إذنٍ، كان باطِلًا.
وإن كانوا قد تَصَرَّفُوا، فحُكْمُ تَصَرُّفِهم حكمُ تصَرُّفِ الأحرارِ، فلو تَزَوَّجَ عَبْدٌ منهم بغيرِ إذْنِ 2 سَيِّدِه، كان نِكاحُه صَحِيحًا، ووَجَبَ عليه المَهْرُ.
وإن ظَهَر له مالٌ بقَدْرِ قِيمَتِهم،
..................................
عَتَق ثُلثاهُم؛ لأنَّه ثُلُثُ جميعِ المالِ، فيُقْرَعُ بينَ الذين وُقِفُوا، فيَعْتِقُ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ إن وَفَّى الثُّلُثان بقِيمَتِه وقِيمَةِ الأوَّلِ، وإلَّا عَتَق منه تَمامُ الثُّلُثَين.
وإن ظَهَر له مالٌ بقَدْرِ نِصْفِهم، عَتَق نِصْفُهم، وإن كان بقَدْرِ ثُلُثِهم، عَتَق أرْبعةُ أتْساعِهم، وعلى هذا الحِسابُ.
فصل: وإن وَصَّى بعِتْقِ عبدٍ له يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وَجَب على الوَصِيِّ إعْتاقُه، فإن وَصَّى بذلك ورَثَتَه لَزِمَهم إعْتاقُه، فإنِ امْتَنَعُوا أجْبَرَهم السُّلْطانُ أو مَن يَنوبُ مَنابَه كالحاكِمِ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ للهِ تعالى وللعَبْدِ، ومَن وَجَب عليه ذلك ناب السُّلطانُ عنه أو نائِبُه، كالزَّكاةِ والدُّيونِ.
فإذا أعْتَقَه الوارِثُ أو السلطانُ عَتَق، وما اكْتَسَبَه في حياةِ المُوصِي فهو للمُوصِي، يكونُ مِن تَرِكَتِه إن بَقِيَ بعدَه؛ لأنَّه كَسْبُ عبدِه القِنِّ، وما كَسَبَه بعدَ موتِه وقبلَ إعْتاقِه فهو للوارِثِ.
وقال القاضِي: هو للعَبْدِ؛ لأَنَّه كَسَبَه بعدَ اسْتِقْرارِ سَبَبِ العِتْقِ، فكانْ له، ككَسْبِ المُكاتَبِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: فيه قَوْلان، مَبْنِيَّان على القَوْلَين في كَسْبِ العَبْدِ المُوصَى به قبلَ قَبولِ الوَصِيَّةِ 1. ولَنا، أنَّه عَبدٌ قِنٌّ، فكان كَسْبُه للوَرَثةِ، كغيرِ المُوصَى بعِتْقِه، وكالمُعَلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، وفارَقَ المُكاتَبَ؛ فإنَّه يَمْلِكُ كَسْبَه قبلَ عِتْقِه، فكذلك بعدَه، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوه بأُمِّ الوَلَدِ؛ فإنَّ عِتْقَها قد اسْتَقَرَّ سَبَبُه في حياةِ سَيِّدِها، وَكَسْبُها
..................................
له، والمُوصَى به مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ المُوصَى به قد تَحَقَّقَ فيه سَبَبُ المِلْكِ، وإنَّما وُقِفَ على شَرْطٍ هو القَبولُ، فإذا وُجِدَ الشَّرْطُ اسْتَنَدَ الحُكْمُ إلى ابْتداءِ السَّبَبِ، وفي الوَصِيَّةِ بالعِتْقِ ما وُجِد السَّبَبُ، وإنَّما أوْصَى بإيجادِه، وهو العِتْقُ، فإذا وُجِد لم يَجُزْ أن يَثْبُتَ حُكْمُه سابقًا عليه، ولهذا يَمْلِكُ المُوصَى له القَبُولَ 1 بنَفْسِه.
والعبدُ ههُنا لا يَمْلِكُ أن يُعْتِقَ نَفْسَه.
فإن مات العبدُ قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه، وقبلَ إعْتاقِه، فما كَسَبَه للوَرَثَةِ على قَوْلِنا، ولا نعلمُ قولَ مُخالِفِينا فيه.
فصل: فإن عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه على شَرْطٍ في صِحَّتِه، فوُجِدَ في مَرَضِه، اعْتُبِرَ خُرُوجُه مِن الثُّلُثِ.
قاله أبو بكرٍ، قال 2: وقد نَصَّ أحمدُ على مِثْلِ هذا في الطَّلاقِ.
وقال أبو الخَطَّاب: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنَّه لا (2) يُتَّهَمُ فيه، فأشْبَهَ العِتْقَ في صِحَّتِه.
ولَنا، أنَّه عَتَق في حالِ تَعَلُّقِ حَقِّ الوَرَثَةِ بثُلُثَيْ مالِه، فاعْتُبِرَ مِن الثُّلُثِ، كالمُنْجَزِ.
وقَوْلُهمْ لا يُتَّهَمُ فيه.
قُلْنا: وكذلك العِتْقُ المُنْجَزُ لا يُتَّهَمُ فيه؛ فإنَّ الإنْسانَ لا يُتّهَمُ بمُحاباةِ غيرِ الوارثِ وتَقْدِيمِه على وارِثِه، وإنَّما مُنِع منه لِما فيه مِن الضَّرَرِ بالوَرَثَةِ، وهو حاصِلٌ ههُنا.
ولو قال: إذا قَدِم زَيدٌ وأنا مَرِيضٌ فأنْتَ حُرٌّ.
فقَدِمَ وهو مَرِيضٌ، كان مُعْتَبَرًا مِن الثُّلُثِ، وَجْهًا واحِدًا.
وَإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ جَزَّأنَاهُمْ ثَلَاثَةَ أجْزاءٍ؛ كُلَّ اثْنَينِ جُزْءًا، وَأَقْرَعْنَا بَينَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ.
2954 - مسألة: (وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ جَزَّأْناهم ثلاثَةَ أجْزاءٍ؛ كلَّ اثْنَين جُزْءًا، وأقْرَعْنا بينَهم بسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وسَهْمَيْ رِقٍّ، فمن خَرَج له سَهْمُ الحرِّيَّةِ عَتَق، ورَقَّ الباقُونَ)
وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبانُ بنُ عثمانَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وداودُ، وابنُ جرِيرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ مِن كل واحدٍ ثُلُثُه، ويُسْتَسْعَى في باقِيه.
ورُوِيَ نحوُ هذا عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقتادَةَ، وحَمّادٍ؛ لأنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فيَتَساوَوْن في الاسْتِحْقاقِ، كما لو كان يَمْلِكُ 1 ثُلُثَهم وَحْدَه، وهو ثُلُثُ مالِه، أو كما لو وَصَّى بكُلِّ واحدٍ منهم لرجلٍ.
وأنْكَرَ أصْحابُ أبي حنيفةَ القُرْعَةَ، وقالوا: هي مِن القِمارِ وحُكْم الجاهِليَّةِ.
ولَعَلَّهم يَرُدُّون الخبرَ الوارِدَ في هذه المسْأَلةِ لمُخالفَتِه قياسَ الأُصُولِ.
وذُكِرَ الحديثُ لحَمّادٍ، فقال: هذا قولُ الشَّيخِ.
يَعْنِي إبْلِيسَ، فقال له محمدُ بنُ ذَكْوانَ: وُضِع القَلَمُ عن ثَلاثةٍ؛ أحَدُهم المجْنونُ حتى يُفِيقَ.
يَعْنِي -إنَّك مَجْنونٌ.
فقال له حَمّادٌ: ما دَعاك إلى هذا؟ فقال له 2 محمدٌ: وأنت ما دَعاك إلى هذا؟
..................................
وهذا قَليلٌ في جوابِ حَمَّادٍ، وكان حَرِيًّا أن يُسْتَتابَ عن هذا، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه 1. ولَنا، ما روَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، أنَّ رجلًا مِن الأنْصارِ أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِين في مَرَضِه لا مال له غيرُهم، فجَزَّأَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ أجْزاءٍ، فأعْتَقَ اثْنَين، وأرَقَّ أرْبَعَةً 2. وهذا نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وحُجَّة لَنا في الأمْرَين المُخْتَلَفِ فيهما، وهما جَمْعُ الحُرِّيَّةِ واسْتِعْمالُ القُرْعَةِ، وهو حديثٌ صَحيحٌ، رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ، وسائِرُ أصْحابِ السُّنَنِ.
ورَواه عن عِمْرانَ: الحسنُ، وابنُ سِيرين، وأبو المُهَلَّبِ، ثلاثَةُ أئِمَّةٍ.
ورَواه الإِمامُ أحمدُ 3، عن إسْحاق بنِ عيسَى، عن هُشَيمٍ، عنْ خالدٍ الحَذَّاء، عن أبي قِلابَةَ، عن أبي زَيدٍ الأنْصارِيِّ، رجلٍ مِن أصْحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ورُوِيَ نحوُه عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 4. ولأنَّه حَقٌّ في تَفرِيقِه ضَرَرٌ، فوَجَبَ جَمْعُه بالقُرْعَةِ، كقِسْمَةِ الإِجْبارِ إذا طَلَبَها أحدُ الشُّرَكاءِ، ونَظِيرُه مِن القِسْمَةِ ما لو كانتْ دارٌ بينَ اثْنَين؛ لأحَدِهما ثُلُثُها وللآخرِ ثُلُثاها، وفيها ثلاثةُ مَساكِنَ مُتساويَةٌ لا ضَرَرَ في قِسْمَتِها، فطَلَبَ أحَدُهما القِسْمَةَ، فإنَّه يُجْعَلُ كُل بَيتٍ سَهْمًا 5،
..................................
ويُقْرَعُ بينَهم بثَلاثةِ أسْهُمٍ؛ لصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ، ولِلآخَرِ سَهْمان.
وقَوْلُهم: إنَّ الخبرَ يُخالِفُ قياسَ الأُصُولِ.
نَمْنَعُ ذلك، بل هو مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناه.
وقياسُهم فاسِدٌ؛ لأنَّه إذا كان مِلْكُه 1 ثُلُثَهم وَحْدَه، لم [يُمْكِنْ جَمْعُ] 2 نَصِيبِه، والوَصِيَّةُ لا ضَرَرَ في تَفْرِيقِها، بخِلافِ مَسْأَلتِنا.
وإن سَلَّمْنا مُخالفَتَه قِياسَ الأُصُولِ، فقَوْلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - واجِبُ الاتِّباعِ، سَواءٌ وافَقَ القِياسَ أو خالفَه؛ لأنَّه قولُ المَعْصُومِ الذي جَعَل الله تعالى قَوْلَه حُجَّةً على الخلْقِ أجْمعين، وأمَرَ باتِّباعِه وطاعَتِه، وحَذَّرَ العِقابَ في مُخالفَةِ أمْرِه، وجَعَل الفَوْزَ في طاعَتِه والضَّلال في مَعْصِيَته.
وتَطرُّقُ الخَطَأَ إلى القائِسِ في قِياسِه أغْلَبُ مِن تَطرُّقِ الخَطَأ إلى أصْحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والأئِمَّةِ بعدَهم في رِوايَتهمْ، على أنَّهم قد خالفوا قِياسَ الأُصُولِ بأحاديثَ ضَعِيفةٍ، فأوْجَبوا الوُضوءَ بالنَّبِيذِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ، ونَقَضُوا الوُضُوءَ بالقَهْقَهَةِ في الصَّلاةِ دُونَ خارِجِها، وقَوْلُهم في مَسْألَتِنا في مُخالفةِ القِياسِ والأصُولِ أشَدُّ وأعْظَمُ، والضَّرَرُ في مَذْهَبِهم أعْظَمُ؛ وذلك لأنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ على أنَّ صاحِبَ الثُّلُثِ في الوَصِيَّةِ وما في مَعْناها، لا يَحْصُلُ له شيءٌ [حتى يَحْصُلَ للوَرَثَةِ مِثْلاه، وفي مَسْألَتِنا يُعْتِقُون الثُّلُثَ، ويَسْتَسْعُون العَبْدَ في الثُّلُثَين، فلا يَحْصُلُ للوَرَثَةِ شيءٌ] 3 في
..................................
الحالِ، ويُحِيلُونَهم على السِّعايَةِ، فرُبَّما لا يَحْصُلُ منها شيءٌ أصْلًا، ورُبَّما لا يَحْصُلُ منها في الشَّهْرِ إلَّا اليَسِيرُ، كالدِّرْهَمِ والدِّرْهَمَين، فيكونُ هذا كمَن لم يَحْصُلْ 1 له شيءٌ، وفيه ضَرَرٌ على العَبِيدِ؛ لأنَّهم يُجْبِرونَهم على الكَسْبِ والسِّعايَةِ مِن غيرِ اخْتيارِهم، وربما كان المُجْبَرُ 2 جارِيَةً، فيَحْمِلُها ذلك على البِغاءِ، أو عَبْدًا، فيَسْرِقُ أو يَقْطَعُ الطَّريقَ، وفيه ضَرَرٌ على المَيِّتِ، حيثُ أفْضَوْا بوَصِيَّته إلى الظُّلْمِ والإضْرارِ، وتَحْقيقِ ما يُوجِبُ له العِقابَ مِن رَبِّه والدُّعاءَ عليه مِن عَبيدِه ووَرَثَتِه.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ الذي ذَكَرْناه في حَقِّ الذي فَعَل هذا، قال: «لَوْ شَهِدْتُه 3 لمْ يُدْفَنْ في مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ» 4. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 5: في قَوْلِ الكُوفِيِّين ضُروبٌ مِن الخَطَأ والاضْطِرابِ، مع مُخَالفَةِ السُّنَّةِ الثابِتَةِ.
وأشارَ إلى ما ذَكَرْناه.
وأمّا إنْكارُهم القُرْعَةَ، فقد جاءتْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ 6. وقال سبحانه: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ 7. وأمّا السُّنَّةُ، فقال أحمدُ: في القُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ؛
..................................
أقْرَعَ بينَ نِسائِه 1. وأقْرَعَ في سِتَّةِ مَمْلُوكِين 2. وقال لرَجُلَين: «اسْتَهِمَا» 3. وقال: «مَثَلُ الْقَائِمِ بحُدُودِ اللهِ والْمُدَاهِنِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْم اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ» 4. وقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأُوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيهِ» 5. وفي حديثِ الزُّبَيرِ، أنَّ صَفِيَّةَ جاءَتْ بثَوْبَينِ ليُكَفَّنَ فيهما حَمْزَةُ، فَوَجَدْنا إلى جَنْبِه قَتِيلًا، فقُلْنا: لحمزَةَ ثَوْبٌ وللأنْصارِيِّ ثَوْبٌ.
فَوَجَدْنا أحَدَ الثَّوْبَين أوْسَعَ مِنَ الآخَرِ، فَأَقرَعْنَا عَليهما، ثم كَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ في الثَّوْبِ الذي صارَ 6 له 7. وتَشاحَّ النَّاسُ يَوْمَ القادِسِيَّةِ في الأذانِ، فأقْرَعَ بينَهم سَعْدٌ 8. وأجْمَعَ العُلماءُ على اسْتِعْمالِها في القِسْمَةِ، ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في أنَّ الرجلَ يُقْرِعُ بينَ نِسائِه إذا أرادَ السَّفَرَ بإحْداهُنَّ، وإذا أرادَ البِدَايةَ في القِسْمَةِ بَينهُنَّ، وبَينَ الأوْلِياءِ إذا تَشاحُّوا في مَن يَتولَّى التَّزْويجَ، أو مَن يتولَّى اسْتيفاءَ القِصاصِ، وأشباهِ هذا.
..................................
فصل في كيفيَّةِ القُرْعَةِ: قال أحمدُ: قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: يُقْرَعُ بينَهم بالخواتِيمِ.
أقْرَعَ بينَ اثْنَين في ثَوْبٍ، فأخْرَجَ خاتِمَ هذا [وخاتمَ هذا] 1. ثم قال: يَخْرُجُون بالخَواتِيمِ ثم تُدْفَعُ إلى رجلٍ، فيُخْرِجُ منها وَاحدًا.
قال أحمدُ: بأيِّ شيءٍ خَرَجَتْ ممَّا يتَّفقان عليه وَقَع الحُكْمُ به، سواءٌ كان رِقاعًا أو خَواتِيمَ.
وقال أصحابُنا المُتَأخِّرون: الأوْلَى أن يَقْطَعَ رِقاعًا صِغارًا مُسْتَويةً، ثم تُجْعَلَ في بنادِقِ شَمْعٍ أو غيرِه، متساويةِ القَدْرِ والوَزْنِ ثم تُلْقَى في حِجْرِ رَجُلٍ لم يَحْضُرْ، ويُغَطَّى عليها بثَوْبٍ، ثم يُقالُ له: أدْخِلْ يَدَكَ فأخْرِجْ بُنْدُقَةً.
فيَفُضُّها ويَعْلَمُ ما فيها.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وفي كَيفِيَّةِ القُرْعَةِ والعِتْقِ سِتُّ مَسائِلَ؛ أحَدُها، أن يُعْتِقَ عَددًا من العَبِيدِ لهم ثُلُثٌ صحيحٌ، كثلاثةٍ أو تِسْعَةٍ أو سِتَّةٍ و 2 قِيمَتُهم مُتَساويةٌ، ولا مال له غيرُهم، فيُجَزَّءون ثَلاثَةَ أجْزاءٍ؛ جُزْءًا للحُرِّيَّةِ، وجُزْأَين للرِّقِّ، ويُكْتَبُ ثلاثُ رِقاعٍ؛ في واحِدةٍ حُرِّيَّةٌ، وفي اثْنَين رِقٌّ، وتُتْرَكُ في ثلاثِ بَنادِقَ، وتُغَطَّى بثَوْبٍ، ويُقالُ لرَجُلٍ لم يَحْضُرْ: أخْرِجْ على اسْمِ هذا الجُزْءِ.
فإن خرَجَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، عَتَق، ورَقَّ الجُزْءان الآخران، وإن خَرَجَتْ قُرْعةُ 3 رِقٍّ، رَقَّ وأُخْرِجَتْ أُخْرَى على جُزْءٍ آخَرَ، فإن
..................................
خَرَجَتْ رقعةُ الحريَّةِ، عَتَقَ، ورقَّ الجزْءُ الثَّالِثُ، وإن خَرَجَتْ رُقْعَةُ 1 الرِّقِّ، رَقَّ، وعَتَق الجُزْءُ الثَّالِثُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ فيهم، وإن شِئتَ كَتَبْتَ اسْمَ كُلِّ جُزْءٍ في رُقْعَةٍ، ثم أخْرَجْتَ رُقْعَةً على الحُرِّيَّةِ، فإذا أخْرَجْتَ رُقْعَةً، عَتَق المُسَمَّوْن فيها، ويَرِقُّ الباقُون، وإنْ أخْرَجْتَ رُقْعَةً على الرِّقِّ، رَقَّ المُسَمَّوْن فيها، [ثم تُخْرِجُ أُخْرَى على الرِّقِّ، فَيَرِقُّ المُسَمَّوْن فيها، ويَعْتِقُ الجُزْءُ الثَّالِثُ، وإنْ أخْرَجْتَ الثَّانِيَةَ على الحُرِّيَّةِ، عَتَق المُسَمَّوْن فيها] 2، ورَقَّ الثّالِثُ.
المسألةُ الثَّانِيةُ، أن تُمْكِنَ قِسْمَتُهم أثْلاثًا، وقِيمَتُهم مُخْتَلِفَةٌ يُمْكِنُ تَعْدِيلُهم بالقِيمَةِ، كسِتَّةٍ؛ قِيمَةُ اثْنَين منهم ثلاثةُ آلافٍ [ثَلاثَةُ آلافٍ] 3، وقيمةُ اثنين ألفان ألفان 4 وقيمَةُ اثْنَين ألْفٌ ألفٌ (4)، فتجْعَلُ الاثْنَين الأوْسَطَين جُزْءًا، وتَجْعَلُ اثْنَين قِيمَةُ أحَدِهما ثلاثةُ آلافٍ مع آخَرَ قِيمَتُه ألْفٌ جُزْءًا، والآخَرَين جُزْءًا، فيكونُونَ 5 ثلاثةَ أجْزاءٍ مُتَساويَةٍ في العَدَدِ والقِيمَةِ، على ما قَدَّمْناه في المَسأَلةِ الأُولَى.
قِيلَ لأحمدَ: لم يسْتَوُوا في القِيمَةِ؟ قال: يُقَوَّمُون بالثَّمَنِ.
المسألةُ الثَّالِثةُ، أن يَتَساوَوْا في العَدَدِ ويَخْتَلِفوا في القِيمَةِ، ولا يُمْكِنُ
..................................
الجَمْعُ بينَ تَعْدِيلِهم بالعَدَدِ والقِيمَةِ معًا، ولكن يُمْكِنُ تَعْدِيلُهم بكُلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، كسِتَّةِ أعْبُدٍ، قِيمَةُ أحَدِهم ألْفٌ، وقِيمَةُ اثْنَين ألفٌ، وقِيمَةُ ثلاثةٍ ألفٌ، فإنَّهم يُعَدَّلُونَ بالقِيمَةِ دُونَ العَدَدِ.
نصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا كانت قِيمةُ واحدٍ مثلَ اثْنَين قُوِّمَ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَقَعَ العِتْقُ في أكثرَ مِن الثُّلُثِ ولا أقَلَّ، وفي قِسْمَتِه بالعَدَدِ تَكْرارُ القُرْعةِ، وتَبْعِيضُ العِتْقِ حتى يَكْمُلَ الثُّلُثُ، فكانَ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ أوْلَى.
بَيانُ ذلك، أنَّا لو جَعَلْنا مع الذي قِيمَتُه ألفٌ آخَرَ، فخَرَجَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ لهما، احْتَجْنا أن نُعِيدَ القُرْعَةَ بينَهما، فإذا خَرَجَتْ على القليلِ القِيمَةِ عَتَق، وعَتَق مِن الذي قِيمَتُه ألفٌ تَمامُ الثُّلُثِ.
وإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على اثْنَين قِيمَتُهما دُونَ الثُّلُثِ عَتَقا، ثم أعِيدَت لتَكْمِيلِ الثُّلُثِ، فإذا وَقَعَتْ على واحدٍ، كَمَلَتِ الحُرِّيَّةُ منه، فحَصَلَ ما ذَكَرْناه مِن التَّبعِيضِ والتَّكْرارِ، ولأنَّ قِسْمَتَهم بينَ المُشْتَرِكِين فيهم، إنَّما يُعَدَّلُون فيها بالقِيمَةِ دُونَ الأجْزاءِ.
فعلى هذا، تَجْعَلُ الذي قِيمَتُه ألفٌ جُزْءًا، والاثْنَين اللَّذَين قِيمَتُهما ألفٌ جُزْءًا، والثَّلاثةَ الباقِين جُزْءًا، ثم يُقْرَعُ بينَهم، على ما ذَكَرْنا.
[المسألةُ الرابعةُ: أمْكَنَ تَعْدِيلُهم بالقيمةِ دونَ العَدَدِ، كسَبْعَةٍ قِيمَةُ واحِدٍ ألْفٌ، وقيمةُ اثنين ألفٌ، وقيمةٌ أربعةٍ ألفٌ، فَيُعَدَّلُون بالقيمةِ دون العَدَدِ، كما ذكرنا] 1.