وَإنْ زَارَعَ شَرِيكَهُ فِي نَصِيبِهِ، صَحَّ.
2142 - مسألة: (وإن زارَعَ شَرِيكَه في نَصِيبِه، صَحَّ)
إذا جَعَل له في الزرْعِ أكْثَرَ مِن نَصِيبِه، مثلَ أن تكونَ الأرضُ بينَهما نِصْفينِ، فجَعَل للعامِلِ الثُّلثَينِ، صَحَّ، وكان السُّدْسُ حِصتَه مِن المُزارَعةِ، فصار كأنَّه قال: زارَعْتُك على نصِيبي بالثُّلُثِ.
فصَحَّ، كما لو زارَعَ أجْنَبِيًّا.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النِّصْفَ للمُزارِعِ، ولا يَصِحُّ أن يُزارِعَ الإنْسانُ
.................................. لنَفْسِه، فإذا فَسَد في نَصِيبِه، فَسَد في الجميعِ، كما لو جَمَع في البَيعِ بينَ ما يَصِحُّ وما لا يَصِحُّ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ إن شاء الله تعالى، وقد ذَكَرْنا في المُساقاةِ نحوَ هذا.
..................................
فَصْلٌ في إجارَةِ الأرضِ
تجوزُ إجارَتُها بالذَّهَبِ والفِضَّةِ وسائرِ العُرُوضِ، غيرِ المَطْعُومِ، في قَوْلِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال أحمدُ: قَلَّما اخْتَلَفُوا في الذَّهَبِ والوَرِقِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ اكْتِراءَ الأرضِ وقتًا مَعْلُومًا جائِز بالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
رُوِيَ هذا القولُ عن سَعْدٍ، ورافعِ بن خَديجٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبّاسٍ.
وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وعُرْوَةُ، والقاسِمُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
ورُوِيَ عن طَاوُسٍ، والحَسَنِ، كَراهَةُ ذلك؛ لِما روَى رافِعٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن كِراءِ المَزارِعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولَنا، أنَّ رافِعًا قال: أمّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنا، يَعْنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه 2. ولِمُسْلِمٍ 3: أمَّا بِشَيءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فلا بَأسَ.
وعن حَنْظَلَةَ بنِ قَيسٍ، أنَّه سأل رافِعَ بنَ خَدِيجٍ عن كِراءِ الأرضِ، فقال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كِراءِ الأرْضِ.
فقلتُ: بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؟ قال: إنَّما نَهَى عنها بِبعضِ ما يَخْرُجُ منها، أمَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ فلا بَأسَ.
مُتَّفَقٌ
..................................
عليه 1. وعن سَعْدٍ قال: كُنّا نُكْرِي الأرْضَ بما على السَّواقِي، وما سَعِدَ 2 بالماءِ منها، فَنَهانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وأمَرَنا أن نُكْرِيَها بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ.
رَواهُ أبو دَاودَ 3. ولأنَّها عَينٌ يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ المُباحَةِ منها مع بَقائِها، فجازَتْ إجارَتُها بالأثْمانِ ونحوها، كالدُّورِ.
والحُكْمُ في العُرُوضِ كالحُكْمِ في الأثْمانِ.
وأما حَديثُهُم، فقد فَسَّرَه الرّاوى بما ذَكَرْنا عنه 4، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ به على غيرِه.
وحَدِيثُنا مُفَسِّرٌ لحَدِيثهم؛ فإنَّ راويَهما واحدٌ، وقد رَواهُ عامًّا وخاصًّا، فيُحْمَلُ العامُّ على الخاصِّ مع مُوافَقةِ الخاصِّ لسائرِ الأحادِيثِ والقِياسِ وقولِ أكْثرِ أهْلِ العِلْمِ.
فأمّا إجارَتُها بطَعامٍ، فتَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يُؤْجِرَها بطَعامٍ مَعْلُومٍ غيرِ الخارِجِ منها، فيَجُوزُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ.
وهو قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم سَعِيدُ بنُ جُبَير، وعِكْرِمةُ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي.
ومَنَع منه مالكٌ، حتى مَنَع إجارَتَها باللبَنِ والعَسَلِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: رُبَّما تَهَيَّبتُه.
قال القاضِي: هذا مِن أحمدَ
..................................
على سَبِيلِ الوَرَعِ، ومَذْهَبُه الجوازُ.
واحْتَجَّ مالكٌ، بما روَى رافِعُ بنُ خَديجٍ عن بعضِ عُمُومَتِه قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَت لَهُ أرْضٌ فَلَا يُكْرِيهَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى».
رَواهُ أبو دَاودَ، وابنُ ماجَه 1. وروَى ظَهِيرُ بنُ رافعٍ قال: دَعانِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟» قلت: نُؤاجِرُها على الرُّبْعِ، أو على الأوْسُقِ مِن التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ.
قال: «لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا أو أمْسِكُوهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى أبو 3 سعيدٍ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلَةِ 4. والمُحاقَلَةُ؛ اسْتِكْراءُ الأرْضِ بالحِنْطَةِ.
ولَنا قولُ رافعٍ، فأمّا بشيءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فلا بَأسَ به.
ولأنَّه عِوَضٌ مَعْلُوم مَضْمُون، لا يُتَّخَذُ وَسِيلةً إلى الرِّبا، فجازَتْ إجارَتُها بها، كالأثْمانِ.
وحَدِيثُ رافعٍ وظَهِيرٍ، قد سبَق الكَلامُ عليه في المُزارَعةِ، على أنَّه يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عن إجارَتِها بذلك
..................................
إذا كان خارِجًا منها، ويَحْتَمِلُ النَّهْيَ عنه إذا آجَرَها بالرُّبْعِ والأوْسُقِ.
وحَدِيثُ أبي سَعِيدٍ يَحْتَمِلُ المَنْعَ مِن كِرائِها بالحِنْطَةِ إذا اكْتَراها لزَرْعِ الحِنْطَةِ.
القسمُ الثاني، إجارَتُها بطَعامٍ مَعْلُومٍ مِن جِنْسِ ما يَزْرَعُ فيها، كإجارَتها بقُفْزانِ حِنْطَةٍ ليَزْرَعَها، فقال أبو الخَطّابِ: فيها رِوايتان؛ إحداهما، المَنْعُ.
وهي التي ذكَرَها القاضِي مَذهَبًا.
وهي قولُ مالكٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، ولأنَّه ذَرِيعةٌ إلى المُزارَعَةِ عليها بشيءٍ مَعْلُومٍ مِن الخارِج منها؛ لأنَّه يَجْعَلُ مكانَ قَوْلِه: زارَعْتُكَ.
آجَرْتُك، فتَصِيرُ مُزارَعةً بلَفْظِ الإجارَةِ، والذَّرائِعُ مُعْتَبَرَة.
والثانيةُ، جوازُ ذلك.
اختارَها أبو الخَطّاب.
وهو قولُ أبي حَنيفةَ، والشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا في القِسْمِ الأوَّلِ، ولأَنَّ ما جازَتْ إجارَتُه بغيرِ المطْعُومِ، جازَتْ به، كالدُّورِ.
القسمُ الثّالثُ، إجارَتُها بجُزْءٍ مُشاعٍ مما يَخرُجُ منها، كنِصْفٍ، وثُلُثٍ، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ جوازُه.
وهو قولُ أكثرِ الأصحابِ 1. واختار أبو الخَطَّابِ أنَّها لا تَصحُّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعي.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لِما تَقَدَّمَ مِن الأحادِيثِ في النَّهْي مِن غيرِ مُعارِضٍ لها، ولأنَّها إجارَةٌ بعِوَضٍ مَجْهُولٍ، فلم تَصحَّ؛ كإجارَتِها بثُلُثِ ما يَخْرُجُ مِن أرضٍ أُخْرَى.
فأمّا نَصُّ أحمدَ في الجوازِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه على المُزارَعَةِ بلَفْظِ الإجارَةِ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ المُزارَعَةِ فيما ذَكَرْنا مِن أحْكامِهما.
وقد ذَكَرْنا ذلك في المُساقاةِ.
بَابُ الإجَارَةِ
بابُ الإِجارَةِ
الأصْلُ في جَوازِها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ (26) قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 2. ورَوَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» 3 عن عُتْبةَ بنِ النُّدَّرِ قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَرَأ: ﴿طسم﴾ حتى إذا بَلغ قِصَّةَ موسى قال: «إنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ حِجَج، أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ».
وقال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ 4. وهذا يَدُلُّ على جَوازِ أخْذِ الأجْرِ على إقامةِ الجِدارِ.
وأمَّا بداية الجزء الخامس من نسخة تشستربيتي.
..................................
السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -[وأبا بَكْرٍ] 1، اسْتَأجَرَا رجلًا مِن بَنِي الدِّيل هادِيًا خِرِّيتًا 2. وروَى البُخاريُّ 3 عن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «قَال الله عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثة أنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أجرَهُ».
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ في كل عَصْرٍ على جوازِ الإِجارَةِ، إلَّا ما يُحْكَى عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصَمِّ 4، أنَّه قال: لا يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه غَرَرٌ.
يَعْنِي أنَّه يَعْقِدُ على مَنافِعَ لم تُخْلَقْ.
وهذا غَلَطٌ لا يَمْنَعُ انْعِقادَ الإجْماعِ الذي سَبَق في الأعْصارِ وسائِرِ الأمْصارِ.
والعِبْرَةُ أيضًا دالَّةٌ عليها؛ فإنَّ الحاجَةَ إلى المَنافِعِ كالحاجَةِ إلى الأعْيانِ، فَلمّا جاز العَقْدُ على الأعْيانِ، وَجَب أن تَجُوزَ الإجارَةُ على المَنافِعِ، ولا تَخْفَى حاجَةُ النّاسِ إلى ذلك،.
فإنَّه ليس لكل أحدٍ دارٌ يَمْلِكُها، ولا يَقْدِرُ كلُّ
..................................
مُسافِرٍ على بَعِيرٍ أو دابَّةٍ يَمْلِكُها، ولا يَلْزَمُ أصحابَ الأمْلاكِ إسْكانُهم وحَمْلُهم تَطَوُّعًا، وكذلك أصحابُ الصَّنائعِ يَعْمَلُون بأجْر، ولا يُمْكِنُ كلَّ أحَدٍ عَمَلُ ذلك، ولا يَجِدُ مُتَطَوِّعًا به، فلا بُدَّ مِن الإجارَةِ؛ لذلك، بل ذلك ممّا جَعَلَه الله تعالى طَرِيقًا إلى الرِّزْقِ، حتى إنَّ أكْثَرَ المَكاسبِ بالصَّنائِعِ.
وما ذَكَرَه 1 مِن الغَرَرِ، لا يُلْتَفَتُ إليه مع ما ذَكَرْنا مِن الحاجَةِ، فإنَّ العَقْدَ على المَنافِعِ لا يُمْكِنُ بعدَ وُجُودِها؛ لأنَّها تَتْلَفُ بمُضِيِّ الأوْقاتِ، فاحْتِيجَ إلى العَقْدِ عليها قبلَ وُجُودِها، كالسَّلَمِ في الأعْيانِ.
واشْتِقاقُ الإجارَةِ مِن الأجْرِ، وهو العِوَضُ، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾.
ومنه سُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُعَوِّضُ العَبْدَ به على طاعَتِه أو صَبْرِه على مُصِيبَتِه.
وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الإجارَةِ، وَالْكِرَاءِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي لَفْظِ الْبَيعِ وَجْهَانِ.
2143 - مسألة: (وهي عَقْدٌ على المَنافِعِ، تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِرَاءِ، وما في مَعْناهما، وفي لَفْظِ البَيعِ وَجْهَان)
الإجارَةُ عَقْدٌ على المَنافِعِ في قَولِ أكثَرِ العُلَماءِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وأكثرُ الشافعيَّةِ.
وذَكَر بعضُهم أنَّ المَعْقُودَ عليه العَينُ؛ لأنها المَوْجُودَةُ، والعَقْدُ يُضافُ إليها، فيقولُ: أجَرْتُكَ دارِي.
ولَنا، أنّ المَعْقُودَ عليه هو المُسْتَوْفَى بالعَقْدِ، وذلك هو المَنافِعُ دُونَ الأعْيانِ، ولأنّ الأجْرَ في مُقابَلَةِ المَنْفَعَةِ، ولهذا تُضْمَنُ دُونَ العَينِ، وما كان العِوَضُ في مُقابَلَتِه، فهو المَعْقُودُ عليه، وإنَّما أضِيفَ العَقْدُ إلى العَينِ؛ لأنَّها مَحَلُّ المَنْفَعَةِ [ومَنشَؤُها] 1، وكما يُضافُ عَقْدُ المُساقاةِ إلى البُسْتانِ، والمَعْقُودُ عليه الثَّمرَةُ.
ولو قال: أجَرْتُك مَنْفَعَةَ دارِي.
جازَ.
..................................
فصل: وهي نوعٌ مِن البَيعِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ مِن كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، فهي بَيعُ المَنافِعِ، والمَنافِعُ كالأعْيانِ؛ لأنها يَصِحُّ تَمْلِيكُها في الحياةِ وبعدَ المَوْتِ، وتُضْمَنُ باليَدِ والإتْلافِ، [وتكونُ عِوَضًا] 1 عَينًا ودَيْنًا.
وإنَّما اخْتَصَّتْ باسْمٍ، كالصَّرْفِ، والسَّلَمِ، مع كَوْنِه بَيعًا.
فعلى هذا، تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِراءِ؛ لأنَّهما مَوْضُوعانِ لها.
وكذلك كلُّ ما يُؤَدِّي مَعْناهما؛ لحُصُول المَقْصُودِ به.
وهل تَنْعَقِدُ بلَفظِ البَيعِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تنْعَقِدُ به؛ لأنها بَيعٌ، فانْعَقَدتْ بلَفْظِه، كالصَّرْفِ.
والثاني، لا تَنْعَقِدُ به لأنَّ فيها مَعْنًى خاصًّا، فافْتَقَرتْ إلى لَفْظٍ يَدُلُّ على ذلك المَعْنَى، ولأنَّ الإجارَةَ تُضافُ إلى العَينِ التي يُضافُ إليها البَيعُ إضافَةً واحِدَةً، فاحْتِيجَ إلى لَفْظٍ يُعَرِّفُ ويُفَرِّقُ بينَهما، كالعُقُودِ المُتَبايِنَةِ.
ولأنَّه عَقْدٌ يُخالِفُ البَيعَ في الحُكْمِ والاسْمِ، أشْبَهَ النِّكاحَ.
فصل: ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْليكٍ في الحَياةِ، أشْبَهَ البَيعَ.
وَلَا تَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أحَدُهَا، مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ، إمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وخِدْمَةِ الْعَبْدِ سَنَةً، وَإمَّا
2144 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ ثَلاثةٍ؛ أحَدُها، مَعْرِفةُ المَنْفَعَةِ، إمّا بالعُرْفِ، كسُكْنَى الدّارِ شَهْرًا، وخِدْمةِ العَبْدِ سَنَةً، وإمّا
بِالْوَصْفِ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ يَذْكُرُ طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَسُمْكَهُ وَآلتَهُ، بالوَصْفِ، كحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُها كذا إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أو بناءِ حائِطٍ يَذْكُرُ طُولَه وعَرْضَه وسُمْكَه وآلتَه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا بُدَّ مِن
..................................
مَعْرِفَةِ المَنْفَعةِ في الإجارَةِ؛ لأنَّها المَعْقُودُ عليها، فاشْتُرِط العِلْمُ بها، كالمَبِيعِ، فإنَّ مَعْرِفَتَه شَرْط في صِحَّةِ البَيعِ، فكذلك مَعْرِفَةُ المَنْفَعَةِ في الإجارَةِ، فإنَّ بَيعَ المَجْهولِ لا يَصِحُّ إجْماعًا.
فإن كان لها عُرْفٌ، كسكْنَى الدّارِ شَهْرًا، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِها، لأنَّها لا تُكْتَرَى إلَّا لذلك، فاسْتُغْنِيَ عن ذِكْرها، كالبَيعِ بثَمَنٍ مُطْلَقٍ في مَوضِعٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ.
وخِدْمةُ العَبْدِ سَنَةٌ، كسُكْنَى الدّارِ؛ لأَنها مَعْلُومَة بالعُرْفِ.
فأمّا إنِ اكْتَرَى لحَمْلِ زُبْرةِ حَدِيدٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّن، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ الوَزْنِ هاهُنا والمَكانِ الذي تُحْمَلُ إليه؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ إنَّما تُعْرَفُ بذلك.
وَإجَارَةِ أرْضٍ مُعَينَّةٍ لِزَرْعِ كَذَا، أوْ غَرْسٍ، أوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ.
2145 - مسألة: (أو بناءِ حائِطٍ يَذْكُرُ طُولَه وعَرْضَه وسُمْكَه وآلتَه، وإجارةِ أرْضٍ مُعَيَّنةٍ لزَرْعِ كذا، أو غَرْسٍ، أو بناءٍ مَعْلُومٍ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَجُوزُ الاسْتِئْجار للبناءِ، ويُقَدَّرُ بالزَّمانِ والعَمَلِ، فإن قُدِّرَ بالعَمَلِ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ مَوْضِعِه؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ بقُرْبِ الماءِ وسُهُولَةِ التُّرابِ، ولابدَّ مِن ذِكْرِ طُولِه وعَرْضِه وسُمْكِه, وآلةِ البِناءِ مِن طِينٍ أو لَبِنٍ أو آجُرٍ أو حِجَارَةٍ أو شِيدٍ 1، أو غيرِ ذلك.
قال ابنُ أبي موسى: وإذا اسْتَأجَرَهُ لبِناءِ ألْفِ لَبِنَةٍ في جِدارٍ، أو اسْتَأجَرَه يَبْنِي له فيه يَوْمًا، فعَمِلَ ما اسْتُؤْجِرَ عليه، ثم سَقَط الحائِطُ، فله أجْرُه؛ لأنَّه وَفى العَمَلَ.
فإن قال: ارْفَعْ لي هذا الحائِطَ عَشَرَةَ أذْرُعٍ.
فرَفَعَ بعضَه، فسَقَطَ، فعليه إعادَةُ ما سَقَطَ، وإتْمامُ ما وَقَعَتْ عليه الإجارَةُ مِن الذَّرْعِ.
وهذا إذا لم يكنْ سُقُوطُه في الأوَّلِ لأمْرٍ مِن جِهَةِ العامِلِ، فأمّا إن فَرَّطَ، أو بَناه مَحْلولًا، أو نحْوَ ذلك، فسَقَطَ، فعليه إعادَتُه وغَرامَةُ ما تَلِف منه 2.
..................................
فصل: ويَجُوزُ الاسْتِئْجارُ لتَطْيِينِ السُّطُوحِ والحِيطانِ وتَجْصِيصِها.
ولا يَجُوزُ على عَمَلٍ مُعَيَّنٍ؛ لأن الطِّينَ يَختَلِفُ في الرِّقَّةِ والغِلَظِ، والأرضَ تَخْتَلفُ، منها العالي والنّازِل، وكذلك الحِيطان، فلذلك لم يَجُزْ إلَّا على مُدَّةٍ.
فصل: وإذا اسْتَأجَرَ دارًا، جاز إطْلاقُ العَقْدِ، ولم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ السُّكْنَى، ولا صِفَتِها؛ لِما ذَكَرْنا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَجُوزُ حتى يقولَ: أبِيتُ تَحتَها أنا وعِيَالِي؛ لأنَّ السُّكْنَى تَخْتَلِفُ، ولو اكْتَراها ليَسْكُنَها، فتَزَوَّجَ امرأةً، لم يَكُنْ له أن يُسْكِنَها معه.
ولَنا، أنَّ الدّارَ لا تُكْتَرى إلَّا للسُّكْنَى، فاسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِه، كإطْلاقِ الثَّمَنِ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ، والتَّفاوُتُ في السُّكْنَى يَسِيرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى ضَبْطِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وما ذَكَره 1 لا يَصِحُّ؛ فإن الضَّرَرَ لا يَكادُ يَخْتَلِفُ بكَثْرَةِ مَن يَسْكُنُ وقِلَّتِهم، ولا يُمْكِنُ ضبْطُ ذلك، فاجْتُزِئ فيه بالعُرْفِ، كما في دُخُولِ الحَمّامِ وشِبْهِهِ، ولو اشْتُرِط ما ذَكَرَه، لوَجَبَ أن يَذْكُرَ عَدَدَ السُّكّانِ، وأن لا يَبِيتَ عندَه ضَيفٌ، ولا غيرُ مَن ذَكَرَه، ولكان يَنْبَغي أن يَعْلَمَ صِفَةَ السّاكِنِ كما يَعْلَمُ ذلك فيما إذا اكْترَى للرُّكُوبِ.
..................................
فصل: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ إجارَةِ العَقَارِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اسْتِئْجارَ المَنازِلِ والدَّوابِّ جائزٌ.
وقد ذَكَرْنا أنّه يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ للخِدْمَةِ كلَّ شَهْر بشيءٍ مَعْلُوم، وسَواء كان الأجِيرُ رجلًا أو امرأةً، حُرًّا أو عَبْدًا.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَجُوزُ النِّيابةُ فيه، ولا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه مِن أهلِ القُرْبَةِ.
قال أحمد: أجِيرُ المُشاهَرةِ يَشْهَدُ الأعيادَ والجُمُعَةَ، وإن لم يَشْتَرِطْ ذلك.
قِيلَ له: فيَتَطَوَّعُ بالرَّكْعَتَين؟ قال: ما لم يَضُرَّ بصاحِبِه.
وإنَّما أباح له ذلك؛ لأنَّ أوْقاتَ الصلاةِ مُسْتَثْناة مِن الخِدْمَةِ، ولهذا وَقَعَتْ مُسْتَثْناةً في حَقِّ المُعْتَكِفِ لتَرْكِ مُعْتَكَفِه لها.
وقال ابنُ المُبارَكِ: لا بَأسَ أن يُصَلِّيَ الأجيرُ رَكَعاتٍ مِنَ السُّنَّةِ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: ليس له مَنْعُه منها.
قال أحمدُ: يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ الأمَةَ والحُرَّةَ للخِدْمَةِ، ولكنْ يَصْرِفُ وَجْهَه عن النَّظَرِ، ليستِ الأمَةُ مثلَ الحُرَّةِ، ولا يَخْلُو معها في بَيتٍ، ولا يَنْظُرُ إليها مُتَجَرِّدَةً، ولا إلى شَعَرِها.
إنما قال ذلك، لأنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بعدَ الإجارَةِ كحُكْمِه قبلَها، وفَرَّق بينَ الحُرَّةِ والأمَةِ؛ لأنَّهما يَخْتَلِفان قبلَ الإجارَةِ، فكذلك بعدَها.
..................................
فصل: إذا اسْتَأجَر أرْضًا، احْتاج إلى ذِكْرِ ما تُكْتَرَى له مِن غِراس أو بناءٍ أو زَرْعٍ؛ لأنَّها تُكْتَرَى لذلك كُلِّه، وضَرَرُه يَخْتَلِفُ، فوَجَبَ بَيانُه، وفي إجارَةِ الأرْضِ للزَّرْعِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ المُساقاةِ.
فصل: ويَجُوزُ الاسْتِئْجارُ لضَرْبِ اللَّبِنِ؛ لِما ذَكَرْنا، ويكونُ على مُدَّةٍ أو عَمَلٍ، فإن قَدَّرَه بالعملِ، احْتاج إلى تَعْيينِ عَدَدِه، وذِكْرِ قالبِه، ومَوْضِعِ الضَّرْبِ؛ لأنَّ الأرْضَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، لكَوْنِ التُّرابِ في بعضِ الأماكِنِ أسْهَلَ، والماءِ أقْرَبَ.
فإن كان هناك قالبٌ مَعْرُوفٌ لا يَخْتَلِفُ، جاز، كما إذا كان المِكْيالُ مَعْرُوفًا.
وإن قَدَّرَهُ بالطُّولِ والعَرْضِ والسُّمْكِ، جاز، ولا يَكْتَفِي بمُشاهَدَةِ قالبِ الضَّرْبِ إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، وقد يَتْلَفُ القالبُ، فلا يَصِحُّ، كما لو أسْلَم في مِكْيالٍ بِعَينه.
وَإذَا اسْتَأجَرَ لِلرُّكُوبِ، ذَكَرَ الْمَرْكُوبَ، فَرَسًا أوْ بَعِيرًا أوْ نَحْوَه.
2146 - مسألة: (وإنِ اسْتَأجَر للرُّكُوبِ، ذَكَر المَرْكُوبَ، فَرَسًا أو بَعِيرًا أو نحوَه)
لأنَّ مَنافِعَها تَخْتَلِفُ.
وتُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه برؤيَةٍ أو صِفَةٍ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه بهما، وذِكْرُ المُهَمْلَجِ والقَطُوفِ 1؛ لأن سَيرَهُما يَخْتَلِفُ، ومَعْرِفةُ ما يُرْكَبُ به مِن سَرْجٍ أو غيرِه؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ
..................................
بالرُّكُوبِ والرّاكِبِ.
ولا يَحْتَاجُ إلى ذِكْرِ الذُّكورِيَّةِ والأُنوثِيَّةِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ بينَهما يَسِيرٌ.
وقال القاضي: يَفتَقِرُ؛ لتَفاوُتِهما.
ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ الرّاكِبِ برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ.
ذَكَره الخِرَقِيُّ.
وقال الشَّرِيفُ: لا يُجْزِئُ فيه إلَّا بالرُّؤيَةِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليه.
ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ المَحامِلِ والأوْطِئَةِ والأغْطِيَةِ والمَعالِيقِ، كالقِدْرِ والسَّطيحَةِ 1 ونحوهما، إمَّا برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ أو وَزْنٍ.
فَإنْ كَانَ لِلْحَمْلِ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ.
2147 - مسألة: (فإن كان للحَمْلِ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِه)
لعَدَمِ الغَرَضِ في مَعْرِفَتِه.
فإن اتفَقَ وُجُودُ غَرَضٍ في الحُمُولةِ، مثلَ أن يكون المَحْمُولُ شيئًا تَضُرُّه كثرةُ الحَرَكَةِ، كالفاكِهَةِ والزُّجاجِ، أو كَوْنِ الطرِيقِ ممّا يَعْسُرُ على بعضِها دُونَ بعضٍ، فيَنْبَغِي أن يَذْكُرَه في الإجارَةِ، ذَكَرَه شيخُنا 1. وتُشْتَرَطُ مَعْرِفةُ المَتاعِ برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ، ويَذْكُرُ جِنْسَه
..................................
مِن حَدِيدٍ أو قُطْنٍ أو نحوه؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَلِفُ، وقَدْرَه بالوَزْنِ إن كان مَوْزُونًا، أو بالكَيلِ إن كان مَكِيلًا؛ لأنَّ البَيعَ يَصِحُّ بكلا الأمْرَين، ويَحْصُلُ بالمُشاهَدَةِ؛ لأنَّها مِن أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، والصِّفَةِ إذا ذَكَر القَدْرَ والجِنْسَ.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه إذا قال: أجَرْتُكَها لتَحْمِلَ عليها ثَلاثمائةِ رَطْلٍ ممّا شِئْتَ.
جاز، ومَلَك ذلك، لكنْ لا يُحَمِّلُه حِمْلًا يَضُرُّ بالحَيوانِ.
فلو أراد حَمْلَ حَدِيدٍ أو زِئْبَقٍ، يَنْبَغِي أن يُفَرِّقَه على ظَهْرِ الحَيوانِ، فلا يَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ واحدٍ مِن ظَهْرِه، ولا يَجْعَلُه في وعاءٍ يَمُوجُ فيه فيَكُدُّ البَهِيمةَ ويُتْعِبُها.
وإنِ اكْتَرَى ظَهْرًا للحَمْلِ مَوْصُوفًا بجِنْسٍ، فأرادَ حَمْلَه على غيرِ ذلك الجِنْس، وكان الطّالِبَ لذلك المُسْتَأجِرُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المُطالبَةَ بما لم يَعْقِدْ عليه.
وإن طَلَبَه المُؤْجِرُ، وكان يَفُوتُ به غَرَضُ المُسْتَأجِرِ، مثلَ أن يكونَ غَرَضُه الاسْتِعْجال 1 في السَّيرِ، أو أن لا يَنْقَطِعَ عن القافِلَةِ، فيُعَيِّنُ الخَيلَ أو البغال، أو يكونَ غَرَضُه السُّكُونَ؛ لكَوْنِ المَحْمُولِ ممّا يَضُرُّهُ الهَزُّ، أو قُوَّتَها وصَبْرَها؛ لطُولِ الطرِيقِ وثِقَلِ الحُمُولَةِ، فيُعَيِّنُ الإبِلَ، لم يَجُزِ
فَصْلٌ: وَالثَّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ،
العُدُولُ عنه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ غَرَضَ المُسْتَأجِرِ، فلم يَجُزْ ذلك كما في المَرْكُوبِ.
وإن لم يُفَوِّتْ غَرَضًا، جاز، كما يجوزُ لمَن اكْتَرَى على حَمْلِ شيءٍ حَمْلُ مِثلِه.
فإنِ اكْتَرَى بَهِيمَةً لحَمْلِ ما شاء، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَدْخُلُ فيه ما يَقْتُلُ البَهِيمَةَ، وكذلك إن شَرَط طاقَتَها؛ لأنه لا ضابِطَ له.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (الثّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بما يَحْصُلُ به مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ) قِياسًا عليه.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وقد رُوِيَ عن
..................................
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنِ اسْتَأجَرَ أجِيرًا، فَلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ» 1. ويُعْتَبَرُ العِلْمُ بالرُّؤيَةِ أو بالصِّفَةِ، كالبَيعِ.
فإن كان العِوَضُ مَعْلُومًا بالمُشاهَدَةِ دُونَ القَدْرِ، كالصُّبْرَةِ، جاز في أحَدِ الوَجْهَين، كالثَّمَنِ في البَيعِ.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قد يَنْفَسِخُ العَقْدُ بعدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فلا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ، فاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كعِوَضِ السَّلَمِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ المَنْفَعَةَ هاهُنا أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ؛ لأنها مُتَعلِّقةٌ بعَينٍ حاضِرَةٍ، والسَّلَمُ يتَعَلَّقُ بمَعْدُومٍ، فافْتَرَقا.
وللشافعيِّ نَحْوُ ما ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وكُلُّ ما جاز أن يكونَ ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
إلا أنَّهُ يَصِحُّ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ.
2148 - مسألة: (إلَّا أنَّه يجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بطَعَامِه وكُسْوَتِه، وكذلك الظِّئْرُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، في مَن اسْتَأجَرَ أجيرًا بطَعامِه وكُسْوَتِه، أو جَعَل له أجْرًا وشَرَط طَعامَه وكُسْوَتَه، فرُوىَ عنه جوازُ ذلك.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن أبي بكر، وعُمَرَ، [وأبي موسى] 1، رَضِيَ الله عنهم، أنَّهم اسْتَأجَرُوا الأجَراءَ بطَعامِهم وكُسْوَتِهم.
ورُوِيَ عنه، أنَّ ذلك جائِزٌ في الظِّئْرِ دُونَ غيرِها.
اخْتارَه القاضي.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛
..................................
لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، وإنَّما جازَ في الظِّئْرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1. أوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ على الرَّضاعِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ المُطَلَّقَةِ وغيرِها، بل في الآيَةِ قَرينةٌ تَدُلُّ على طَلاقِها؛ لأنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُها وكُسْوَتُها بالزَّوْجِيَّةِ وإن لم تُرْضِعْ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
والوارِثُ ليس بزوجٍ.
ولأنَّ المَنْفَعَةَ في الرَّضاعِ والحَضانَةِ غيرُ مَعْلُومةٍ، فجاز أن يكونَ عِوَضُها كذلك.
ورُوِيَ عنه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ بحالٍ، في الظِّئْرِ ولا في غيرِها.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كثيرًا مُتَبايِنًا، فيَكُون مَجْهُولًا، والأجْرُ مِن شَرْطِه أن يَكُونَ مَعْلُومًا.
ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه 2 عن عُتْبَةَ بنِ النُّدَّرِ، قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَرأ: ﴿طسم﴾ حتى إذا بَلَغ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ قال.: «إنَّ موسَى أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وطَعَامِ بَطْنِه».
وشَرْعُ
..................................
مَن قبلَنا شَرْعٌ لَنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه.
وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّه قال: كُنْتُ أجِيرًا لابنةِ غَزْوانَ بطعامِ بَطْنِي، وعُقْبَةِ رِجْلِي 1، أحْطِبُ لهم إذا نَزَلُوا، وأحْدُو بهم إذا رَكِبُوا.
رواه الأثْرَمُ، وابنُ ماجه 2. ولأنَّه فِعْلُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه قد ثَبَت في الظِّئرِ في الآيَةِ، فيَثْبُتُ في غيرِها بالقِياسِ عليها، ولأنَّه عِوَضُ مَنْفَعةٍ، فقام العُرْفُ فيه مَقامَ التَّسْمِيَةِ، كنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
ولأنَّ للكُسْوَةِ عُرْفًا، وهي كُسْوَةُ الزَّوْجاتِ، وللإطْعامِ عُرْفٌ، وهو الإطْعامُ في الكَفّاراتِ، فجاز إطْلاقُه، كنَقْدِ البَلَدِ.
ونَخُصُّ أبا حَنِيفةَ بأنَّ ما جاز عِوَضًا في الرَّضاعِ، جاز في الخِدْمَةِ، كالأثْمانِ.
إذا ثَبَت هذا، وتَشاحّا في مِقْدارِ الطعامِ والكُسْوةِ، رَجَع في القُوتِ إلى الإطْعامِ في الكَفّارَةِ، وفي الكُسْوَةِ 3 إلى أقَل مَلْبُوسِ مثلِه؛ لأنَّ الإِطْلاقَ 4 يُجْزِء فيه أقَلُّ ما يَتَناوَلُه اللَّفْظُ، كالوَصِيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على المَلْبُوسِ في الكَفّارَةِ، كالمَطْعُومِ.
قال أحمدُ: إذا تَشاحّا في الطَّعامِ حُكِم بمُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ.
ذَهَب به إلى ظاهِرِ ما أمَرَ الله تعالى مِن إطْعامِ
..................................
المَساكِينِ، ففَسَّرَتْ ذلك السُّنَّةُ بأَنه مُدٌّ لكُلِّ مِسْكِين.
ولأنَّ الإِطْعامَ مُطْلَقٌ في المَوْضِعَين، فما فُسِّرَ به أحَدُهما يُفَسَّرُ به الآخَرُ.
وليس له إطْعامُ الأجِيرِ إلَّا ما يُوافِقُه مِن الأغْذِيةِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا، ولا يُمْكِنُه اسْتِيفاءُ الواجِبِ له منه.
فصل: فإن شَرَط الأجِيرُ كُسْوَةً ونَفَقَةً مَعْلُومة مَوْصُوفَةً، كصِفَتِها في السَّلَمِ، جاز عندَ الجميعِ، وإن لم يَشْرُطْ طَعامًا ولا كُسْوَةً، فنَفَقَتُه وكُسْوَتُه على نَفْسِه، وكذلك الظِّئرُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن أحَدٍ خِلافًا فيما ذَكَرْتُ.
وإن شَرَط للأجِيرِ طَعامَ غيرِه وكُسْوَتَه مَوْصُوفًا، جاز؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، فهو كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، ويَكُونُ ذلك للأجِيرِ، إن شاء أطْعَمَه، وإن شاء تَرَكَه.
وإن لم يَكُنْ مَوْصُوفًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، احْتَمَلَ فيما إذا شَرَطَه للأجِيرِ للحاجةِ إليه وجَرْيِ العادَةِ به، فلا يَلْزَمُ احْتِمالُها مع عَدَمِ ذلك.
ولو اسْتَأجَرَ دابَّةً بعَلَفِها، أو بأجْرٍ مُسَمَّى وعَلَفِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولا عُرْفَ له يَرْجِعُ إليه، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بجَوازِه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه مَوْصُوفًا، فيَجُوزُ.
فصل: فإنِ اسْتَغْنَى الأجِيرُ عن طَعامِ المُسْتَأجِرِ بطَعامِ نَفْسِه أو غيرِه، أو عَجَز عن الأكْلِ لمَرَضٍ أو غيرِه، لم تَسْقُطْ نَفَقتُه، وكان له المُطالبَةُ بها؛ لأنَّها عِوَضٌ، فلا تَسْقُطُ بالغِنَى عنه، كالدَّراهِمِ.
وإنِ
..................................
احْتاجَ إلى دَواءٍ لمَرَضِه، لم يَلْزَمِ المُسْتَأجِرَ؛ لأنَّه لم يَشْرُطْ له إلَّا طَعامَ الأصِحّاءِ، لكنْ يَلْزَمُه بقَدْرِ طَعام الصَّحِيحِ؛ لأنَّ ما زاد على ذلك لم يَقَعِ العَقْدُ عليه، فلم يَلْزَمْ، كالزَّائِدِ في القَدْرِ.
فصل: فإن قَبَضَ الأجيرُ طَعامَه، فأحَبَّ أن يَسْتَفْضِلَ بعضَه لنَفْسِه، وكان المُؤجِرُ دَفَع إليه أكْثَرَ مِن الواجِبِ له ليَأكُلَ منه قَدْرَ حاجَتِه ويُفْضِلَ الباقيَ، أو كان في تَرْكِه لأكْلِه كُلِّه ضَرَرٌ على المُؤْجِرِ، بأن يَضْعُفَ عن العَمَلِ، أو يَقِلَّ لَبَنُ 1 الظِّئْرِ، مُنِع منه؛ لأنَّه في الصُّورَةِ الأولَى لم يُمَلِّكْه، وإنَّما أباحَه قَدْرَ حاجَتِه.
وفي الثانيةِ على المُؤْجِرِ ضَرَرٌ بتَفويتِ بعضِ مَنْفَعَتِه عليه، فمُنِع منه، كالجَمّالِ إذا امْتَنَعَ مِن عَلْفِ الجِمالِ.
وإن دَفَع إليه قَدْرَ الواجِبِ فَقَط أو أكثرَ منه، فمَلَّكَه إيّاه، ولم يكنْ في تَفْضِيله لبعضِه ضَرَرٌ بالمُؤْجِرِ، جاز؛ لأنَّه [حَقٌّ لا ضَرَرَ] 2 فيه على المُؤْجِرِ، أشْبَهَ الدَّراهِمَ.
..................................
فصل: فإن قَدَّمَ إليه طَعامًا فنُهِبَ أو تَلِف قبلَ أكْلِه، وكان على مائِدةٍ لا يَخُصُّه فيها بطَعامِه، فهو مِن ضَمانِ المُسْتَأجِرِ؛ لكَوْنِه لم يُسَلِّمْه إليه.
وإن خَصَّه بذلك وسَلَّمَه إليه، فهو مِن [ضَمانِ الأجِيرِ] 1؛ لأنَّه تَسَلَّمَ عِوَضَه على وَجْهِ التَّمليكِ، أشْبَهَ البَيعَ.
فصل: قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا: لا بَأسَ أن يَحْصُدَ الزَّرْعَ، ويَصْرِمَ النَّخْلَ، بسُدْسِ ما يَخرُجُ منه، وهو أحَبُّ إليَّ مِن المُقاطَعَةِ.
إنَّما جاز هاهُنا؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وهي أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، ومَن عَلِم شيئًا عَلِم جُزْءَه المُشاعَ، فيكونُ أجْرًا مَعْلُومًا.
واختارَه على المُقاطَعَةِ معَ جَوازِها 2؛ لأنَّه رُبَّما لم 3 يَخْرُجْ مِن الزَّرْعِ مثلُ الذي قاطَعَ عليه، وهاهُنا هو أقَلُّ منه يَقِينًا.
فصل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ بطَعامِها وكُسْوَتِها، وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه.
وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ، وهي المُرْضعَةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 4. واسْتَرْضَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لوَلَدِه إبراهيمَ 5. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه أكْثَرَ مِن الحاجَةِ إلى غيرِه، فإنَّ الطِّفْلَ في العادَةِ إنَّما يَعِيشُ بالرَّضاعِ، وقد يَتَعَذَّرُ
..................................
رَضاعُه مِن أُمِّه، فجاز ذلك، كالإجارَةِ في سائرِ المَنافِعِ.
فإنِ اسْتَأجَرَها للرَّضاعِ دُونَ الحَضانَةِ، أو للحضانَةِ دُونَ الرَّضاعِ، أو لَهما، جازَ.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ على الرَّضاعِ، دَخَلَتْ فيه الحَضانةُ في أحدِ الوَجْهَينِ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ المُرْضِعَةَ تَحْضُنُ الصَّبِيَّ، فَحُمِلَ 1 الإطْلاقُ عليه.
والثاني، لا تَدْخُلُ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ العَقْدَ ما تَناوَلَها.
ولأصْحابِ الشافعيِّ كهذين الوَجْهَينِ.
والحَضانَةُ: تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ وحِفْظُه وجَعْلُه في سَرِيرِه، ورَبْطُه، ودَهْنُه، وكَحْلُه، وتَنْظِيفُه، وغَسْلُ خِرَقِه، وأشْباهُ ذلك.
واشْتِقاقُه مِن الحِضْنِ، وهو ما تحتَ الإِبطِ وما يَلِيه.
وسُمِّيَتِ التَّرْبِيةُ حَضانةً تَجَوُّزًا مِن حَضانَةِ الطَّيرِ لبَيضِه وفِراخِه؛ لأنَّه يَجْعَلُها تحتَ جَناحِه، فَسُمِّيَتْ تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ بذلك أخْذًا مِن فِعْلِ الطّائِرِ.
فصل: ولهذا العَقْدِ أرْبَعةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، العِلْمُ بمُدَّةِ الرَّضاعَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه إلَّا بِها؛ لأنَّ السَّقْيَ والعَمَلَ فيها يَخْتَلِفُ.
الثاني، مَعْرِفةُ الصَّبِيِّ بالمُشاهَدَةِ؟ لأنَّ الرَّضاعَ يَخْتَلِفُ بكِبَرِ الصَّبِيِّ وصِغَرِه، ونَهْمَتِه وقَناعَتِه.
وقال القاضي: يُعْرَفُ بالصِّفَةِ، كالرَّاكِبِ.
الثالثُ، مَوْضِعُ الرَّضاعِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، فيَشُقُّ عليها في بَيته، ويَسْهُلُ في بَيتها.
الرابعُ، مَعْرِفة العِوَضِ؛ لِما ذَكَرْنا.
..................................
فصل: والمَعْقُودُ عليه في الرَّضاعِ خِدْمَةُ الصَبِيِّ وحَمْلُه ووَضْعُ الثَّدْيِ في فِيه، واللَّبَنُ تَبَعٌ، كالصِّبْغِ في إجارَةِ الصَّبّاغِ، وماءِ البِئْرِ في الدّارِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ عَينٌ، فلا يُعْقَدُ عليه في الإِجارَةِ، كلَبَنِ غيرِ الآدَمِيِّ.
وقِيلَ: هو اللَّبَنُ.
قال القاضي: وهو أشْبَهُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ دُونَ الخِدْمَةِ، ولهذا لو أرْضَعَتْه ولم تَخْدُمْه، اسْتَحَقَّتِ الأجْرَةَ، ولو خَدَمَتْه ولم تُرْضِعْه، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
فجَعَلَ الأجْرَ مُرَتَّبًا على الإِرْضاعِ، فيَدُلُّ على أنَّه المَعْقُودُ عليه.
ولأنَّ العَقْدَ لو كان على الخِدْمةِ، لَما لَزِمها سَقْيُه لَبَنَها، وإنَّما جازَ العَقْدُ عليه مع كَوْنِه عَينًا رُخْصَةً؛ لأنَّ غيرَه لا يَقُومُ مَقَامَه، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى اسْتِيفائِه.
وإنَّما جازَ في الآدَمِيِّينَ دُونَ سائِرِ الحَيَوانِ؛ للضَّرُورَةِ إلى حِفْظِ الآدَمِيِّ، والحاجةِ إلى إبْقائِه.
فصل: وعلى المُرْضِعَةِ أن تَأكُلَ وتَشْرَبَ ما يُدِرُّ لَبَنَها، ويَصْلُحُ به، وللمُكْتَرِي مُطالبَتُها بذلك؛ لأنَّه مِن تَمامِ التَّمْكِينِ مِن الرَّضاعِ، وفي تَرْكِه إضْرارٌ بالصَّبِيِّ.
فإن لم تُرْضِعْه، لكِنْ سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، أو أطْعَمَتْه، فلا أجْرَ لها؛ لأنَّها لم تُوَفِّ المَعْقُودَ عليه، أشْبَهَ ما لو اسْتَأجَرَها لخِياطَةِ ثَوْبٍ، فلم تَخِطْه.
وإن دَفَعَتْه إلى خادِمِها فأرْضَعَتْه، فكذلك.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي 1: لها أجْرُها؛ لأنَّ رَضاعَه حَصَل بفِعْلِها.
ولَنا، أنَّها لم تُرْضِعْه، أشْبَهَ ما لو سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، فإن قالت:
وَيُسْتَحَبُّ أن تُعْطىَ عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أوْ وَلِيدَةً، إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا.
أرْضَعْتُه.
فأنْكَرَ المُسْتَرْضِعُ، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّها مُؤْتَمَنَة.
2149 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن تُعْطَى عندَ الفِطامِ عَبْدًا أو وَلِيدَةً، إذا كان المُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا)
لِما روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن حَجّاجِ بنِ حَجّاجٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ما يُذهِبُ عَنِّي مَذمَّةَ الرَّضاعِ؟ قال: «الغُرَّةُ؛ الْعَبْدُ 2 أو الأمَةُ».
قال الترْمِذِيُّ: حديثٌ حسن صَحيحٌ.
المَذِمَّةُ بكَسْرِ الذّالِ، مِن الذِّمامِ، وبفَتْحِها مِن الذَّم.
قال ابنُ عَقِيل: إنَّما خَصَّ الرَّقَبَةَ بالمُجازاةِ دُونَ غيرِها؛ لأنَّ فِعْلَها مِن الرَّضاعَةِ والحضانةِ سَبَبُ حَياةِ الوَلَدِ وبَقائِه وحِفْظِ رَقَبَتِه، فاسْتُحِبَّ جَعْلُ الجَزاءِ هِبَتَها
.................................. [رَقَبَةً؛ [ليُناسِبَ ما] 1 بينَ النِّعْمَةِ والشُّكْرِ، ولهذا جَعَل الله تعالى المُرْضِعَةَ أمًّا، فقال سبْحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي] 2 أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 3. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ 4 فَيُعْتِقَهُ» 5. وإن كانتِ المُرْضِعَةُ مَمْلُوكَةً اسْتُحِبَّ إعْتاقها؛ لأنَّه يُحَصِّلُ أخَصَّ الرِّقابِ بها لها، وتَحْصُلُ به المجازاةُ التي جَعَلها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُجازاةً للوالِدِ مِن النَّسَبِ.
..................................
فصل: ويَجُوزُ للرَّجُلِ أن يُؤْجِرَ أمَتَه، ومُدَبَّرَتَه، وأُمَّ وَلَدِه، والمُعَلَّقَ عِتْقُها بصِفَةٍ، والمَأذُونَ لها في التِّجارَةِ للإرْضاعِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَهَ إجارَتَها للخِدْمَةِ.
وليس لواحِدَةٍ مِنْهُنَّ إجارَةُ نَفْسِها؛ [لأنَّ مَنْفَعَتَها] 1 لسَيِّدِها.
فإن كان لها وَلَدٌ، لم يَجُزْ إجارَتُها للإرْضاعِ، إلَّا أن يكونَ فيها فَضْلٌ عن رِيِّه؛ لأنَّ الحَقَّ لوَلَدِها، ليس لسَيِّدِها إلَّا الفاضِلُ عنه.
فإن كانت مُزَوَّجَةً، لم تَجُزْ إجارَتُها؛ لذلك، إلَّا بإذْنِ الزَّوْجَ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه، لاشْتِغالِها عنه بالرَّضاعِ والحَضانَةِ.
فإن أجَرَها
..................................
للرَّضاعِ، ثم زَوَّجَها، صَحَّ النِّكاحُ، ولا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ، وللزَّوْجِ الاسْتِمْتاعُ بها وَقْتَ فرَاغِها مِن الرَّضَاعِ والحَضانَةِ.
وقال مالكٌ: ليس لزَوْجِها وَطْؤُها إلا برِضَى المُسْتأجِرِ؛ لأنَّه يَنْقُصُ اللبَنَ وقد
..................................
يَقْطَعُه.
ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ فلا يَسْقُطُ لأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه.
وليس للسَّيِّدِ إجارَةُ مُكاتَبَتِه؛ لأنَّ مَنافِعَها لها، ولذلك لا يَمْلِكُ 1
وإنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ، وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ، صَحَّ، وَلَهُمَا ذَلِكَ، وَإنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ.
وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، والرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ.
تَزْويجَها ولا وَطْأها ولا إجارَتَها لغيرِ الرَّضَاعِ، ولها أن تُؤْجِرَ نَفْسَها، لأنَّه مِن الاكتِسابِ.
2150 -
مسألة: (وإن دَفَعَ ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ أو قَصّارٍ ليَعْمَلاهُ، ولهما عادَةٌ بأُجْرةٍ، صَحَّ، ولهما ذلك وإن لم يَعْقِدا عَقْدَ إجارَةٍ. وكذلك دُخُولُ الحَمَّامِ، والرُّكُوبُ في سَفِينةِ المَلَّاحِ)
إذا دَفَعَ ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ ليَخِيطَه،
..................................
أو قَصّارٍ لِيَقْصِرَهُ، مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، ولا تَعْويض بأجْر، مثلَ أن يقولَ: خُذْ هذا فاعْمَلْه، وأنا أعْلَمُ أنَّك إنَّما تَعْمَلُه بأجْر.
وكان الخَيّاطُ والقَصّارُ مُنْتَصِبَين لذلك، ففَعَلا ذلك، فلَهُما الأجْرُ.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: لا أجْرَ لهما؛ لأنَّهما فَعَلا ذلك مِن غيرِ عِوَض جُعِلَ لهما، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّعا بعَمَلِه.
ولَنا، أن العُرفَ الجارِيَ بذلك يَقُومُ مَقامَ القَوْل، فصار كنَقْدِ البَلَدِ، وكما لو دَخَل حَمّامًا أو جلس في سَفِينةِ مَلَّاح، ولَأنَّ شاهِدَ الحالِ يَقْتَضِيه، فصار كالتَّعويضِ.
فأمّا إن لِم يَكُونا مُنْتَصِبَين لذلك، لم يَسْتَحِقًّا أجْرًا إلَّا بعَقْدٍ أو شَرْطِ العِوَضِ، أو تعْويض به؛ لأنَّه لم يَجْرِ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَام العَقْدِ، فهو كما لو تَبَرَّعَ به، أو عَمِلَه بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
وكذلك لو دَفَعَ ثَوْبَه إلى رَجُلٍ ليَبِيعَه، وكان مُنْتَصِبًا يَبِيعُ للنّاسِ بأجْرِ مِثْلِه، فهو كالقَصّارِ والخَيّاطِ فيما ذَكَرْنا، له الأجْرُ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإن لم يَكُنْ كذلك فلا شيءَ له؛ لِما تَقَدَّمَ.
ومتى دَفَع ثَوْبَه إلى أحَدِ هؤُلاءِ ولم يُقاطِعْه على أجْرٍ، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الثِّيابَ يَخْتَلِفُ أجْرُها، ولم يُعَيِّنْ شيئًا، فجَرَى مَجْرى الإجارَةِ الفاسِدَةِ.
فإن تَلِفَ الثَّوْبُ مِن حِرْزِه، أو بغيرِ فِعْلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضْمَنُ في العَقْدِ الصَّحِيحِ لا يُضْمَنُ في الفاسِدِ.
..................................
فصل: إذا اسْتَأجَرَ رَجُلًا ليَحْمِلَ له كتابًا إلى مَكةَ أو غيرِها إلى إنْسانٍ، فحَمَلَه، فوَجَدَ المَحْمُولَ إليه غائِبًا، فرَدَّهُ، اسْتَحَق الأجْرَ لحَمْلِه في الذهابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَه في الذَّهابِ بإذْنِ صاحِبِه صَرِيحًا، وفي الرَّدِّ تَضْمِينًا؛ لأنَّ تَقْدِيرَ كَلامِه: وإن لم تَجِدْ صاحِبَه فَرُدَّه.
إذ ليس سِوَى رَدِّه إلا تَضْيِيعُه.
وقد عَلِمَ أنَّه لا يَرْضَى تَضْيِيعَه، فتَعَيَّنَ رَدُّه.