..................................
أظْهرُ؛ للأحادِيثِ، ولأنَّ الوَلاءَ لُحمَةٌ كلُحمَةِ النَّسَبِ، وكما لا يزولُ نَسبُ إنْسانٍ ولا ولد عن فراشٍ بشَرطٍ، لا يزولُ وَلاءٌ عن مُعتَقٍ، ولذلك لمَّا أرادَ أهلُ برِيرَةَ اشْتِراطَ وَلائِها على عائِشَةَ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اشْتَرِيها، واشْتَرِطِي لَهُم الوَلَاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعتَقَ».
يريدُ أنَّ اشْتِراطَ تَحْويل الولاءِ عنِ المُعتِقِ لا يُفِيدُ شيئًا، ولا يُزِيلُ الوَلاءَ.
وروَى مسلمٌ 1 بإسنادِه عن هُزَيلِ بنِ شُرَحبيلِ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنِّي أعتَقْتُ عبدًا لي وجَعَلْتُه سَائِبةً، فمات وتَرَكَ مالًا ولم يَدَع وارِثًا.
فقال عبدُ اللهِ: إنَّ أهلَ الإِسلام لا يُسَيِّبُون، وإنَّ أهْلَ الجاهِليَّةِ كانوا يُسَيِّبُون، وأنتَ وَلِيُّ نعمَتِه، فإن تَأثَّمتَ وتَحَرَّجْتَ عن شيءٍ فنحنُ نَقْبَلُه ونَجْعَلُه
..................................
في بيتِ المالِ.
وقال سعيد 1: ثنا هشيمٌ، عن بِشْر، عن عطاءٍ، أنَّ طارِقَ بنَ المُرَقِّعِ أعتَقَ سَوائِبَ فماتُوا، فكَتَبَ إلى عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، فكَتَب عمرُ: أنِ ادفع مال الرجلِ إلى مَوْلاه، فإن قَبِلَه، [وإلَّا] 2 فاشْتَرِ به رِقابًا فأعتِقْهم عنه.
وقال 3: ثنا هشيم، عن منصورٍ، أنَّ عمرَ وابنَ مسعودٍ قال في مِيراثِ السَّائِبةِ: هو للذي أعتَقَه.
قال شيخُنا 4: وهذا القولُ أصَحُّ في الأثَرِ والنَّظرَ؛ لما ذَكَرنا، وفي المواضِعِ التي جَعَل الصَّحابَةُ مِيراثَه لبيتِ المالِ أو في مِثْلِه، كان لتَبَرُّعِ المُعتِقِ وتَوَرُّعِه عن مِيراثِه، كفعلِ ابنِ عمرَ في مِيراثِ عَتِيقِه، وفِعْلِ عمرَ 5 وابنِ مسعودٍ في المِيراثِ الذي تَوَرَّعَ سيدُه عن أخْذِ مالِه.
وقد رُوِيَ أنَّ سالِمًا مَوْلَى أبي حُذَيفَةَ أعتَقَتْه لُبنى 6 بنتُ يَعار سَائِبةً، فقُتِلَ وتَرَك ابنةً، فأعطاها عمرُ نصف مالِه،
..................................
وجَعَلَ النِّصفَ في بيتِ المالِ.
وعلى القولِ المَنْصُوصِ عن أحمدَ الذي ذكرَه الخِرَقِيُّ، إذا خَلَّفَ السَّائِبةُ مالًا، اشْتُرِيَ به رِقابٌ فَأعتِقُوا، فإن رَجَع مِن مِيراثِه شيءٌ، اشْتُرِيَ به أيضًا رِقابٌ فأُعتِقُوا.
وإن خَلَّفَ السائبةُ ذا فَرضٍ لا يَسْتَغْرِقُ ماله، أخَذَ فرضَه، واشْتُرِيَ بباقِيه رِقابٌ فأعتِقُوا، ولا يُرَدُّ على أهلَ الفَرضِ.
فصل: فإن أعتَقَ مِن زَكَاتِه وعن كَفَّارَتِه أو نَذْرِه، فقال أحمدُ في الذي يُعتِقُ مِن زَكَاتِه: إن وَرِثَ منه شَيئًا جَعَلَه في مِثْلِه.
وقال: هذا قولُ الحسنِ.
وبه قال إسحاقُ.
وعلى قياسِ ذلك العِتْقُ مِن الكَفَّارةِ والنذْرِ؛ لأنَّه واجب عليه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال في الذي يَعتِقُ في الزَّكاةِ: وَلاؤه للذي جَرَى عِتْقُه على يدَيه.
وقال العَنْبَرِيُّ، ومالكٌ: وَلَاؤه لسائِرِ المسلمينَ، يُجْعَلُ في بيتِ المالِ.
وقال أبو عُبَيدٍ: وَلاؤه لصاحب الصَّدَقَةِ.
وهو قولُ الجمهورِ في العِتْقِ في النَّذْرِ والكَفَّارةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعتَقَ».
ولأنَّ عائشةَ، رَضِي اللهُ عنها، اشْتَرَت بَرِيرَةَ بشرطِ العِتْقِ، فأعتَقَتْها، فكان ولاؤها لها، وشرطُ العِتْقِ يُوجِبُه، ولأنَّه مُعتِقٌ
وَمَنْ أعتَقَ عَبْدَهُ عَنْ مَيِّتٍ أوْ حَيٍّ بِلَا أمرِهِ، فَوَلَاؤهُ لِلْمُعتِقِ.
عن نَفْسِه، فكان الولاءُ [له، كما لو] (1) شَرَط عليه العِتْقَ فأعتِقَ.
ولَنا، أنَّ الذي أعتَقَ مِن الزكاةِ أعتَقَ مِن غيرِ مالِه، فلم يكنْ له الولاءُ، كما لو دَفَعَها إلى السَّاعِي فاشْتَرَى بها وأعتَقَ، وكما لو دَفَع إلى المُكاتَبِ مالًا فأدَّاه في كِتابَتِه، وفارَقَ الذي اشْتَرَطَ عليه العِتْقَ، فإنَّه إنَّما أعتَقَ ماله، والعِتْقُ في الكَفَّارةِ والنَّذْرِ واجِبٌ عليه، فأشْبَة العِتْقَ مِن الزَّكاةِ.
2892 -
مسألة: (ومَن أعتَقَ عبدَه عن حَي بلا أمرِه أو عن مَيِّتٍ، فالوَلاءُ للمُعتِقِ)
هذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ، وداودَ.
ورُوي عن ابنِ عباسٍ أنَّ وَلاءَه1
..................................
للمُعتَقِ عنه.
وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، وأبو عُبَيدٍ، لأنَّه أعتَقَه عن غيرِه، فكان الولاءُ للمُعتَقِ عنه، كما لو أذِنَ لي.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الوَلَاء لمَنْ أعتَقَ».
ولأنَّه أعتَقَ عبدَه مِن غيرِ إذْنِ غيرِه له، فكان الوَلَاءُ له، كما لو لم يَقْصد شيئًا.
وَإنْ أعتَقَهُ عَنْهُ بأمرِهِ، فَالْوَلَاءُ لِلْمعتَقِ عَنْهُ.
2893 - مسألة: (وإن، أعتَقَه عنه بأمرِه، فالوَلاءُ للمُعتَقِ عنه)
..................................
وهذا قولُ جَميعِ من حَكَينَا قولَه في المسألةِ الأولَى، إلَّا أبا حنيفةَ.
ووَافَقَه محمدُ بنُ الجسنِ، وداودُ، فقالوا: الوَلاءُ للمُعتِقِ، إلَّا أن يُعتِقَه عنه بعِوَضٍ، فيكونُ له الوَلاءُ، ويَلْزَمُه العِوَضُ، ويَصيرُ كأنَّه اشْتَراه ثم وَكَّلَه في إعتاقِه، أمَّا إذا كان عن غيرِ عِوَض، فلا يَصِحُّ تَقْدِيرُ البَيعِ، فيكونُ الوَلاءُ للمُعْتِقِ، لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّه وكِيلٌ في الإِعتاقِ، فكان الولاءُ للمُعتَقِ عنه، كما لو أخَذَ عِوَضًا، فإنَّه كما يجوزُ تَقْديرُ البَيعِ فيما إذا أخَذَ عِوَضًا، يجوزُ تَقْديرُ الهِبَةِ إذا لم يأخُذْ عِوَضًا، فإنَّ الهِبَةَ تجوزُ في العبدِ، كما يجوزُ البَيعُ، والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بما
وَإذَا قَال: أعتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ.
فَفَعَلَ، فَالثَّمَنُ عَلَيهِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمعتَقِ عَنْهُ.
إذا أخَذَ عِوَضًا، وبسائرِ (1) الوُكَلاءِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ.
2894 -
مسألة: (وإذا قال: أعتِقْ عبدَك عنِّي، وعليَّ ثَمَنُه. ففَعَلَ، فالثَّمَنُ عليه، والولاءُ للمُعتَقِ عنه)
قال شيخُنا 2: لا نعلمُ خلافًا1
وَإنْ قَال: أعتِقْهُ وَالثَّمَنُ عَلَيَّ.
فَفَعَلَ، فَالثَّمَنُ عَلَيهِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمعتِقِ.
في هذه المسألةِ، وأنَّ الوَلاءَ للمُعتَقِ عنه؛ لكونِه أعتَقَه عنه بعِوَض.
ويَلْزَمُه الثَّمَنُ؛ لأنَّه أعتَقَه عنه بشَرطِ العِوَضِ، فنُقدِّرُ ابْتياعَه منه، ثم توْكِيلَه في عِتْقِه، ليَصِحَّ عِتْقُه عنه، فيكونُ الثَّمَنُ عليه والولاءُ له، كما لو ابْتاعَه منه ثم وكَّلَه في عِتْقِه.
2895 -
مسألة: (ولو قال: أعتِقْه والثَّمَنُ علَيَّ. ففَعَلَ، فالثَّمَنُ عليه، والولاءُ للمُعتِقِ)
إنَّما كان الثَّمَنُ عليه؛ لأنَّه جَعَل له جُعلًا على إعتاقِ عبدِه، فلَزِمَه ذلك بالعَمَلِ، كما لو قال: مَن بَنَى لي هذا الحائِطَ فله دينَارٌ.
فبناه إنسانٌ، اسْتَحَقَّ الدِّينَارَ.
وإنَّما كان الوَلاءُ للمُعتِقِ؛ لأنَّه لم يَأمره بإعتاقِه عنه، ولا قَصَد به المُعتِقُ ذلك، فلم يُوجَد ما يَقتَضِي صَرفَه إليه،
وإنْ قَال الْكَافِرُ لِرَجُلٍ مُسْلِم: أعتِقْ عَبْدَكَ الْمُسْلِمَ عَنِّي، وَعَليَّ ثَمَنُهُ.
فَفَعَلَ، فَهلْ يَصِحُّ العِتْقُ؟ عَلَى وَجْهينِ.
فيَبْقَى للمعتِقِ، عَمَلًا بقولِه عليه السَّلامُ: «إنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعتَقَ».
2896 -
مسألة: (وإن قال الكافِرُ لرجلٍ: أعتِقْ عبدَك المُسْلمَ عنِّي، وعليَّ ثَمَنُه. ففَعَلَ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهين)
أحَدُهما، لا يصِحُّ؛ لأَنه يَلْزمُ منه أن يتَمَلَّكَ الكافِرُ، ولذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّه إضْرَارٌ بالمسلمِ.
والثاني، يصِحُّ ويَعتِقُ؛ لأنَّه إنَّما يَتَمَلَّكُه زَمَنًا يَسِيرًا، ولا يَتَسَلَّمُه، فيُتَحَمَّلُ هذا الضَّرَرُ اليَسيرُ لأجْلِ تحصيلِ الحرِّيةِ للأبَدِ.
وَمَنْ أعتَقَ عَبْدًا يُبَايِنُهُ فِي دِينهِ فَلَهُ وَلَاؤهُ.
وَهلْ يَرِثُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ، إِحدَاهُمَا، لَا يَرِثُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ عَلَى دِين الْمُعتَقِ وَرِثَهُ.
وَإنْ أسْلَمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا وَرِثَ الْمُعتِقُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
2897 - مسألة: (وإن أعتَقَ عبدًا يُبايِنُه في دِينه فلَه وَلاؤه.
وهل يَرِثُ به؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَرِثُ، لكنْ إن كان له عَصَبَة على دينِ المعتَقِ وَرِثَ.
فإن أسْلَمَ الكافِرُ منهما وَرِثَ المُعتِقُ، روايةً واحدةً)
إذا اخْتَلَفَ دينُ السيدِ وعَتِيقِه فالوَلاءُ ثابتٌ.
لا نَعلَمُ فيه خلافًا؛ لعُمومِ قولِه عليه السَّلامُ: «الوَلَاءُ لمَنْ أعتَقَ».
وقولِه: «الوَلَاءُ لحمَةٌ كلُحمَةِ النَّسبِ».
والنَّسبُ يثْبُتُ مع اخْتِلافِ الدِّينِ، فكذلك الوَلاءُ، ولأنَّ الوَلَاءَ إنَّما ثَبَتْ له عليه لإِنْعامِه بإعتاقِه، وذلك ثابِتٌ مع اخْتلافِ دينهما.
ويثْبُتُ الوَلاءُ للأنْثَى على الذَّكَرِ، وللذَّكَرِ على الأنْثَى، وكل مُعتَقٍ؛
..................................
لعُمومِ الخَبَرِ والمعنَى، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ في بِنتِ حَمزةَ، وقد ذَكَرناه 1. وهل يَرِثُ السيدُ مَولاه مع اخْتلافِ الدِّينِ؟ على روايتَين؛ إحداهما، يَرِثُه.
يروَى ذلك عن علي، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وبه قال أهلُ الظَّاهِر.
واحتَجَّ أحمدُ بقولِ عليٍّ: الوَلاءُ شعبَة مِن الرِّقِّ.
وقال مالكٌ: يَرِثُ المسْلمُ مَوْلاه النّصرانِيَّ؛ لأنَّه يصلُحُ له مِلْكُه، ولا يَرِثُ النَّصرانِيُّ مَوْلاه المسْلِمَ؛ لأنَّه لا يصلُحُ له تَمَلُّكُه.
وجمهورُ الفُقَهاءِ على أنَّه لا يَرِثه مع اخْتلافِ دِينِهما؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرِثُ المسْلمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المسْلِمَ» 2. ولأنَّه مِيراثٌ، فمَنَعه اخْتلاف الدِّين،
فَصْلٌ: وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ، إلا مَا أعتَقْنَ أوْ أَعتَقَ مَنْ أعتَقْنَ، أوْ كَاتَبْنَ أوْ كَاتَبَ منْ كَاتَبْنَ.
وَعَنْهُ، فِي بِنْتِ الْمُعتِقِ خَاصَّةً تَرِثُ.
وَالْأوَّلُ أَصَحُّ.
كمِيراثِ النَّسبِ، ولأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ مانِعٌ مِن الميراثِ بالنَّسبِ، فمنَعَ الميراثَ بالوَلاءِ، كالقَتْلِ والرِّقِّ، يُحَقِّقُه أنَّ الميراثَ بالنَّسبِ أقْوَى، فإذا مُنِعَ الأقْوى فالأضْعَفُ أوْلَى، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ألْحَقَ الوَلاءَ بالنَّسبِ بقولِه: «الوَلاءُ لُحمَة كلُحمَةِ النَّسبِ».
فكما يَمنَعُ اختلاف الدِّينِ التَّوارُثَ مع صِحَّةِ النَّسبِ وثُبوتِه، فكذلك يَمْنَعُ مع صِحَّةِ الوَلاءِ وثبوتِه.
2898 -
مسألة: فإن كان للسيدِ عَصَبَةٌ على دِينِ المُعتَقِ، وَرِثَه دُونَ سيدِه.
وقال داودُ: لا تَرِثُ عَصَبَتُه في حياتِه.
ولَنا، أنَّه بمَنْزِلَةِ ما لو كان الأقْرَبُ مِن العَصَبَةِ مخالفًا لدِينِ الميتِ والأبعَدُ على دِينه، وَرِثَ البعيدُ دُونَ القريبِ، فإنِ اجْتَمَعَا على الإِسلامِ توارَثا كالمُتنَاسِبَين؛ لزوالِ المانِعِ.
فصل: قال الشيخُ رحمه الله: (ولا يَرِثُ النساءُ مِن الوَلاءِ، إلَّا ما أعتَقْن، أو أعتَقَ مَنٍ أعتَقْنَ، أو كاتَبْنَ أو كاتبَ مَن كاتَبْنَ.
وعنه، في بِنتِ المُعتِقِ تَرِثُ خَاصَّةً.
والأوَّلُ أصَحُّ) معنى قولِه: مِن الوَلاءِ.
أي بالوَلاءِ؛
..................................
لأنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ على ما نَذْكُرُه.
ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ النِّساءَ لا يَرِثْنَ بالوَلاءِ، إلَّا ما أعتَقْنَ أو أعتَقَ مَن أعتَقْنَ أو جَرَّ الولاءَ إليهنَّ مَن أعتَقْنَ، والكِتابةُ كذلك، فإنَّها إعتَاقٌ.
قال القاضِي: هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
والرِّوايَةُ التي ذَكَرَها الخِرَقِي في بنتِ المُعتِقِ ما وجَدتُها مَنْصوصةً عن أحمدَ.
وقد قال في روايةِ ابنِ القاسمِ، وقد سألَه: هل كان لحَمزَةَ أو لابنَتِه؟ فقال: لابنَتِه.
فقد نصَّ على أنَّ ابنةَ حمزةَ وَرِثَتْ بوَلاءِ نَفْسِها؛ لأنَّها هي المُعتِقةُ.
وهذا قولُ الجمهورِ.
وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ العراقِ، وداودُ.
والصَّحيحُ الأوَّلُ، لإِجْماعِ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم عليه، ولأنَّ الوَلاءَ لُحمةٌ كلُحمَةِ النَّسَبِ، والمَوْلَى كالنّسيبِ من الأخِ والعَمِّ ونحوهما، فوَلَدُه مِن العَتِيقِ بمنزلةِ وَلَدِ أخِيه وعَمِّه، ولا يَرِثُ منهم إلَّا الذكورُ خاصَّةً.
فأمَّا الرِّوايةُ المذكورةُ في مِيراثِ بنتِ المُعتِقِ التي ذكرها الخِرَقِيّ، فوَجْهُها ما روَى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، أنَّ مَوْلًى لحمزةَ مات وخَلَّفَ بنتًا، فَوَرَّثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِنْتَه النِّصفَ، وجَعَل لبنتِ حمزةَ النِّصف 1. والصَّحيحُ أنَّ المَوْلَى كان لبِنْتِ حمزَةَ.
قال عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ: كان لبنتِ
..................................
حمزةَ مَوْلًى أعتَقَتْه، فمات، وتَرَكَ ابْنَتَه ومَوْلَاتَه بنتَ حمزةَ، فرُفِعَ ذلك إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأعْطَى ابنتَه 1 النِّصفَ، وأعطَى مَوْلاتَه بِنْتَ حمزَةَ النِّصْفَ.
قال عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ: أنا أعلَمُ بها؛ لأنَّها أخْتِي مِن أمِّي، أُمُّنا سَلْمَى 2. رواه ابنُ اللَّبَّانِ بإسْنادِه، وقال: هذا أصَح ممَّا 3 روَى إبراهيمُ.
ولأنَّ البنْتَ مِن النِّساءِ، فلا تَرِثُ بالوَلاءِ، كسائرِ النساءِ.
فأمَا تَوْرِيثُ المرأةِ مِن مُعتَقِها [ومُعتَقِ مُعتَقِها] 4، فليس فيه اخْتلافٌ بينَ أهلِ العلمِ، وقد دلَّ عليه حديثُ عائِشةَ حينَ أرادت شِراءَ بَرِيرَةَ لتَعتِقَها ويكونَ ولاؤها لها، فأراد أهلُها [اشْتِراطَ وَلائها] 5، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فإنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعتَقَ».
متفق
..................................
عليه 1. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «تَحُوزُ المَرأةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَها، ولقيطَها، ووَلَدَها الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيهِ» 2. قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديث حسن.
ولأنَّ المعتِقَةَ مُنْعِمَةٌ بالإِعتاقِ كالرجلِ، فوَجَبَ أن تُساوِيَه في الميراثِ.
وفي حديثِ بنتِ حَمزَةَ الذي ذكرناه تَنْصِيصٌ على توريثِ المُعتِقَةِ.
وأمَّا مُعتَقُ أبِيها، فهو بمَنْزِلَةِ عَمِّها أو عَمِّ أبِيها، فلا تَرِثُه، ويَرِثُه أخُوها، كالنَّسبِ.
ومِن مسائل ذلك: رجلٌ مات وخَلَّفَ ابنَ مُعتِقِه [وبنتَ مُعْتِقِه] 3،
..................................
الميراثُ لابنِ مُعْتِقِه خاصَّةً.
وعلي الرِّوايةِ الأُخْرَى، يكونُ المالُ 1 بينَهما أثْلاثًا.
فإن لم يُخَلِّفْ إلَّا بنتَ مُعْتِقِه فلا شيءَ لها، ومالُه لبيتِ المالِ.
وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، يكونُ المالُ 2 لها.
وإن خَلَّفَ أُخْتَ مُعْتِقِه فلا شيءَ لها، روايةً واحدةً.
وكذلك إن خَلَّفَ أُمَّ مُعْتِقِه، أو جَدَّةَ مُعْتِقِه، أو غَيرَهما.
وإن خَلَّفَ أَخَا مُعْتِقِه وأخْتَ مُعْتِقِه، فالميراثُ للأخِ.
ولو خَلَّفَ بِنْتَ مُعْتِقِه وابنَ عَمِّ مُعْتِقِه أو مُعْتِقِ مُعْتِقِه، أو ابنَ مُعْتِقِ 3 مُعْتِقِه، فالميراثُ له دونَ البنْتِ، إلَّا على الرِّوايةِ الأخْرَى، فإنَّ لها النِّصْفَ، والباقي للعَصَبَةِ.
وإن خَلَّف بِنْتَه ومُعْتِقَه، فلبِنْتِه النِّصْفُ، والباقي لمُعْتِقِه، كما في قَضِيَّةِ مَوْلَى بِنْتِ حمزةَ، حين مات وخَلَّفَ بِنْتَه وبِنْتَ حمزةَ التي أعْتَقَتْه، فأعْطَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَنْتَه النِّصْفَ، والباقيَ لبِنْتِ حمزةَ.
فإن خَلَّفَ ذا فَرْضٍ سِوَى البِنْتِ؛ كالأَمِّ، أو 4 الجَدَّةِ، أو الأُخْتِ، أو الأخِ مِن الأمِّ، أو الزوجِ، أو الزوجةِ، أو مَن لا يسْتَغْرِقُ فَرْضُه المال، أو مَوْلاه، أو مَوْلاته، فلذي الفَرْضِ فَرْضُه، والباقي لمَوْلاه أو مَوْلَاتِه، في قولِ جهورِ
..................................
العلماءِ.
رجُلٌ وابنتُه أعْتَقا عبدًا، ثم مات الأبُ وخَلَّفَ ابنَه 1 وبِنْتَه، فمالُه بَينَهما أثْلاثًا، ثم مات العَتِيقُ، فللبِنْتِ النِّصْفُ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِه، والباقي لابنِ المُعْتِقِ خاصَّةً، إلَّا علَى الرِّوايةِ الضَّعِيفَةِ، فإنَّ الباقيَ يكونُ بَينَهما أثْلاثًا، فيَصِيرُ للبِنْتِ الثُّلُثان، ولأخِيها الثُّلُثُ.
كان ماتتِ البِنْتُ قبلَ العَتِيقِ وخَلَّفَتِ ابنًا، ثم مات العَتِيقُ، فلابنِها النِّصْفُ والباقي لأخِيها، ولو لم تُخَلِّفِ البِنْتُ إلَّا بنتًا، كان الوَلاءُ كلُّه لأخِيها دُونَ بِنْتِها، إلَّا علَى الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّ لبِنْتِها النِّصفَ، والباقي لأخِيها.
كان مات الابنُ قبلَ العَتِيقِ وخَلَّفَ بنتًا، ثم مات العَتِيقُ وخَلَّفَ مُعتِقَةَ نِصْفِه وبنْتَ أخِيها، فللمُعتِقَةِ نصفُ مالِه، وباقِيه لبيتِ المال.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، لها النِّصْفُ بإعتاقِها، ونِصفُ الباقي بأنَّها بِنْتُ مُعتِقِ النِّضفِ، والباقي لعَصَبَةِ أبِيها.
ولو كانتِ البِنْتُ ماتت أيضًا قَبْلَ العَتِيقِ وخَلَّفَتِ ابنَها، ثم ماتَ العَتِيقُ، فلابنِها النِّصْفُ، ولا شيءَ لبِنْتِ أخِيها.
امرأةٌ أعتقَتْ أباها، ثم أعتَقَ أبُوها عبدًا، ثم مات الأبُ، ثم العبدُ، فمالُهما لها.
فإن كانَ أبُوها خَلَّفَ بِنْتًا أُخْرَى معها، فلَهما ثُلُثا مالِ الأبِ بالنَّسبِ، والباقي للمُعتِقَةِ بالوَلاءِ، ومالُ العبدِ جَميعُه للمُعتِقَةِ دُونَ أخْتِها.
ويَتَخَرَّجُ على الرِّوايةِ الأُخْرَى أن يكونَ لهما ثُلُثا مالِ العبدِ أيضًا، وباقِيه للمُعتِقَةِ.
ولو كان الأبُ خَلَّفَ مع المُعتِقَةِ ابنًا، فمالُ الأَبِ بَينَهما 2 أثْلاثًا بالبُنُوَّةِ، ومالُ العبدِ
وَلَا يَرِثُ مِنْهُ ذُو فَرْضٍ إلا الْأَبُ وَالْجَدُّ، يَرِثَانِ السُّدْسَ مَعَ الابْنِ،
كلُّه للابنِ دُونَ أُخْتِه المُعْتِقَةِ؛ لأنَّه يَرِثُ بالنَّسبِ، والنَّسبُ مُقَدَّمٌ على الوَلَاءِ.
ولو خَلَّفَ الأبُ أخًا أو عمًّا أو ابنَ عَمٍّ مع البِنْتِ، فللبِنْتِ نِصْفُ مِيراثِ أبِيها، وبَاقِيه لعَصَبَتِه، ومالُ العَبْدِ لعَصَبَتِه، ولا شيءَ لبِنْتِه فيه؛ لأنَّ العَصَبَةَ مِن النَّسَبِ مُقَدَّمٌ على المُعْتِقِ في الميراثِ، إلَّا على رِوايَةِ الخِرَقِيِّ، فإنَّ للبِنْتِ نِصْفَ مِيراثِ العبدِ؛ لكونِها بنْتَ المُعْتِقِ، وباقِيه لعَصَبَتِهِ.
2899 -
مسألة: (ولا يَرِثُ)
مِن الوَلاءِ (ذُو فَرْضٍ، إلَّا الأبَ والجَدَّ، يَرِثان السُّدْسَ مع الابنِ) نصَّ أحمدُ على هذا، في روايةِ جماعةٍ مِن أصحابِه، وكذلك قال في جَدِّ المُعْتِقِ وابنِه.
وقال: ليس الجَدُّ والأخُ والابنُ مِن الكِبَرِ في شيء يَجْزِيهم على الميراثِ.
وهذا قولُ شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وإسحاقَ، وأبي يوسفَ.
ورُوِيَ عن زيدٍ، أنَّ المال للابنِ.
وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ، وعطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والحسنُ، والحَكَمُ، وقَتادَةُ، وحَمَّادٌ، والزُّهْريُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيٌّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، والشافعيُّ، وأكثرُ الفقهاءِ؛ لأنَّ الابنَ أقْربُ العَصَبَةِ، والأبُ؛ والجَدُّ يَرِثان معه بالفَرْضِ، ولا يَرِثُ بالوَلاءِ ذو فَرْضٍ بحالٍ.
ولَنا، أنَّه عَصَبَةٌ وارثٌ، فاسْتَحقَّ مِن الوَلاءِ، كالأخَوَينِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الابنَ أقْرَبُ مِن الأبِ، بل هما في القُرْبِ سَوَاءٌ، وكلاهُما عَصَبةٌ
وَالْجَدُّ يَرِثُ الثُّلُثَ مَعَ الإخْوَةِ إِذَا كَانَ أَحظَّ لَهُ.
لا يُسْقِطُ أحدُهما صاحِبَه، وإنَّما يَتَفَاضَلان في الميراثِ، فكذلك في الإرْثِ بالوَلاءِ، ولذلك يُقَدَّمُ الأبُ علَى الابنِ في الولايةِ والصلاةِ على المَيِّتِ وغيرِهما.
وحُكْمُ الأبِ مع ابنِ الابنِ وإن سَفَلَ وحُكْمُ الجَدِّ وإن عَلا مع الابنَ وابنِه سَواءٌ.
2900 -
مسألة: (والجَدُّ يَرِثُ الثُّلُثَ مع الإِخْوَةِ إن كان أحظَّ له)
إذا خَلَّفَ المُعْتِقُ أخاه وجَدَّه، فالوَلاءُ بَينَهما نِصْفَين.
وبه قال عطاءٌ، واللَّيثُ، ويحيى الأنصارِيُّ.
وهو قولٌ للشّافِعِيِّ، وقولُ الثَّورِيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ.
والذين جَعَلُوا الجَدَّ أبًا، جَعَلُوه أوْلَى مِن الأخِ، ووَرَّثُوه وحْدَه 1. ورُوِيَ عن زيدٍ، أنَّ المال للأخِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الأخَ ابنُ الأبِ والجَدَّ أبُوه، والابنُ أحَقُّ مِن الأبِ.
ولَنا،
..................................
أنَّهما عَصَبتان يَرِثان المال نِصْفَين، فكان الوَلاءُ بَينَهما نِصْفَين، كالأخَوَين 1. وإن تَرَك جَدَّ مَولاه وابنَ أخِي مَوْلاه، فالمالُ للجَدِّ في قولِ الجميعِ، إلَّا مالكًا جَعَل الميراثَ لابنِ الأخِ وإن سَفَلَ.
وقاله الشافعيُّ أيضًا؛ لأنَّ ابنَ الابنِ يُقَدَّمُ على الأبِ وإن سَفَل.
وليس هذا صَوابًا؛ فإنَّ الجَدَّ يُقَدَّمُ على ابنِ الأخِ في الميراثِ، فكَيفَ يُقَدَّمُ عليه ههُنا؟ ولأنَّ الجَدَّ أوْلَى بالمُعْتِقِ من ابنِ الأخِ، فَيَرِثُ مَوْلاه، لقولِ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَوْلَى أخٌ في الدِّينِ، ووَليُّ نِعْمَةٍ، يَرِثُهُ أوْلَى النَّاسِ بالمُعْتِقِ» 2. والدليلُ علَى أنَّ الجَدَّ أوْلَى، أنَّه يَرِثُ ابنَ ابنِه دُونَ ابنِ الأخِ، فيكونُ أوْلَى؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ألْحِقُوا الفَرَائِضَ بأَهْلِها، فما أبْقَتِ الفُرُوضُ فلأَوْلَى رَجُل ذَكَرٍ» 3. وفي لفظٍ: «فلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ».
ولأنَّ الجَدَّ أبٌ، فيُقَدَّمُ على ابنِ الأخِ، كالأبِ الحقيقيِّ.
فإنِ اجْتَمَع إخْوَةٌ وجَدٌّ، فميراثُ المَوْلَى بَينَهم كمالِ سيِّدِه، إن زادُوا
..................................
على اثْنَين، فللجَدِّ ثُلُثُ مالِه؛ لأنَّه أحَظُّ له.
وإنِ اجْتَمَعَ إخْوَةٌ مِن أبَوين وإخْوَةٌ مِن أبٍ، عادَّ الإِخْوَةُ مِن الأبَوين الجَدَّ بالإِخْوةِ مِن الأبِ، ثم يأْخُذُ وَلَدُ الأبوَين ما حَصَل لولدِ الأبِ، كالميراثِ.
وقال ابن سُرَيجٍ 1: يَحْتَمِلُ أنَّه بَينَهم على عَدَدِهم، ولا يُعادُّ ولدُ الأبَوين الجَدَّ بولدِ الأبِ.
ولَنا، أنَّه ميراثٌ بَينَ الجَدِّ والإِخْوةِ، أشْبَه المِيراثَ بالنَّسبِ.
فإن كان مع الإِخْوةِ أخَواتٌ، لم يُعْتَدَّ بِهنَّ؛ لأنَّهنَّ لا يَرِثْنَ مُنْفَرِداتٍ، فلا يُعْتَدُّ بِهنَّ كالإخْوةِ مِن الأُمِّ.
وإنِ انْفَرَدَ ولدُ الأبِ مع الْجَدِّ، فهم كولدِ الأبوَين.
فصل: فإن تَرَكَ جَدَّ مَوْلاه وعَمَّ مَوْلاه، فهو للجَدِّ.
وكذلك إن تَرَك جَدَّ أبي مَوْلاه [وعمَّ مولاه] 2، أو جَدَّ جَدِّ مَوْلاه وعَمَّ مَوْلاه، فهو للجَدِّ.
وبه يقولُ الثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأهلُ العراقِ.
وقال الشافعيُّ: هو للعَمِّ وبَنِيه وإن سَفَلوا دُون جَدِّ 3 الأبِ.
وهو قياسُ قولِ مالكٍ.
قال
وَالْوَلَاءُ لَا يُورَثُ، وَإنَّمَا يُورَثُ بِهِ،
الشافعيُّ: ومَن جَعَل الجدَّ والأخَ سواءً، فجَدُّ الأب والعَمُّ سَواءٌ، وهو أوْلَى مِن ابنَ العَمِّ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَرِثُه أَوْلَى النَّاسِ بالمُعْتِقِ» (1). فالجَدُّ أوْلَى بالْمُعْتِقِ، بدليلِ أنَّه أوْلَى النَّاسِ بمالِه وولايته، ويُقَدَّمُ في تَزْويجِه والصلاةِ عليه وغيرِ ذلك.
والعَجَبُ أنَّ الشافعيَّ، رحمه اللهُ تعالى، نَزَّلَ (2) الجَدَّ أبًا في ولايةِ المالِ والإِجْبارِ على النِّكاحِ، ووافَق غيرَه في وُجوبِ الإنْفاقِ عليه وله، وعِتْقِه على ابنِ ابنِه، وعِتْقِ ابنِ ابنِه عليه، وانْتِفاءِ القِصاصِ عنه بقَتْلِ ابنِ ابنِه، والحَدِّ بقَذْفِه، وغيرِ ذلك مِن أحْكامِ الأبِ، ثم جَعَل أبعدَ العَصَباتِ أوْلَى منه بالوَلاءِ!
2901 -
مسألة: (والوَلاءُ لا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ بِه)
وهذا قولُ الجمهورِ.
رُوِيَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، وأبي مسعودٍ البدْرِيِّ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ.12
..................................
وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، وسالمٌ، والزُّهْرِيُّ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، وقَتادَةُ، والشَّعْبِيُّ، وإبراهيمُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ العراقِ، وداودُ.
وشَذَّ شُرَيحٌ فجعَلَه مَوْروثًا، كالمالِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عمرَ، رضِي اللهُ عنه، أنَّه قال: ما أحْرَزَه الولَدُ أو 1 الوالدُ، فهو لعَصَبَتِه مَن كان 2. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
وقولُه: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسبِ».
والنَّسبُ يُورَثُ به ولا يُورَثُ، فكذلك الوَلَاءُ.
ولأنَّ الوَلاء إنَّما يَحْصُلُ بإنْعامِ السيدِ على عبدِه بالعِتْقِ، وهذا المَعْنَى لا يَنْتَقِلُ عن المُعْتِقِ، فكذلك الوَلَاءُ.
ورَواهُ حنبلٌ، ومحمدُ بنُ الحَكَمِ، عن أحمدَ.
وغَلَّطَهُما أبو بكرٍ، وهو كما قال؛ فإنَّ الجماعةَ رَوَوْا عن أحمدَ مِثْلَ ما ذكرنا مِن قول الجمهورِ.
وقد روَى سعيدٌ 3 بإسْنادِه، عن الزُّهْرِيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «المَوْلَى أخٌ في الدِّينِ ومَوْلَى نِعْمَةٍ، وأوْلَى النَّاسِ بمِيرَاثِه أقْرَبُهم مِن المُعْتِقِ».
ولأنَّه قولُ مَن سمَّينا مِن الصحابةِ، ولم يَظْهرْ عنهم خِلافُه.
ولا يَصِحُّ قِياسُه على المالِ؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ، بدليلِ أنَّه لا يَرِثُ منه ذوو الفُرُوضِ، بخِلافِ المالِ.
فعلى هذا، يُنْظَرُ أقْرَبُ العَصَباتِ إلى المُعْتِقِ يومَ موتِ العَتِيقِ، فيكونُ هو الوارثَ للمَوْلَى دُونَ غَيرِه، كما أنَّ السيدَ لو مات في تلكَ الحالِ، وَرِثَه وَحْدَه.
وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ،
2902 - مسألة: (ولا يُباعُ ولا يُوهَبُ)
لا يصِحُّ بيعُ الوَلاءِ ولا هِبَتُه، ولا أن يَأْذَنَ لمَوْلاه فيُوالِيَ مَن شاء.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابن عباسٍ، وابنِ عمرَ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّب، وطاوُسٌ، وإياسُ بنُ معاويةَ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وَأبو حنيفةَ وأصحابُه.
وكَرِهَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ بيعَ الوَلاءِ.
وروَى سعيدٌ 1 بإسنادِه، عن عبدِ 2 اللهِ، أنَّه قال: إنَّما الوَلاءُ كالنَّسبِ، أفيَبِيعُ الرَّجُلُ نَسَبَه! وقد روَى سعيدٌ (1) بإسْنادِه، عن سفيانَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنَّ مَيمُونَةَ وهبَتْ وَلاءَ سليمانَ بنِ يَسارٍ لابنِ عباس، وكان مكاتَبًا.
ورُوِيَ أنَّ مَيمونَةَ وهَبَتْ ولاءَ 3 مَوالِيها للعباسِ، وولاؤُهم اليومَ لهم.
وأنَّ عُرْوَةَ ابْتاعَ وَلاءَ طَهْمانَ لوَرَثَةِ مُصْعَبِ بنِ الزُّبَيرِ.
وقال ابنُ جُرَيجٍ: قلْتُ لعطاءٍ: أذِنْتُ لمَوْلايَ أن يُوالِيَ مَن شاءَ، فيَجُوزُ؟ قال: نعم.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بيعِ الوَلاءِ وعن هِبَتِه 4. وقال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسبِ» 5. وقال: «لَعَنَ الله مَنْ تَوَلَّى غيرَ مَوَالِيه» 6. ولأنَّه مَعْنًى يُورَثُ به، فلا يَنْتَقِلُ، كالقَرابَةِ.
وفِعْلُ هؤلاءِ
وَهُوَ لِلْكِبَرِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ عَتِيقَهُ وَابْنَينِ، فَمَاتَ أَحَدُ الابْنَينِ بَعْدَهُ عَنِ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ، فَالْمِيرَاثُ لِابْنِ الْمُعْتِقِ.
فَإِنْ مَاتَ الابْنَانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْمَوْلَى، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابْنًا وَالْآخَرُ تِسْعَةً، فَوَلَاؤُهُ بَينَهُم عَلَى عَدَدِهِمْ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُهُ.
شاذٌّ يُخالِفُ قولَ الجمهورِ وتَرُدُّه السُّنَّةُ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
فعلى هذا، لا يَنْتَقِلُ الوَلَاءُ عن المُعْتِقِ لموتِه، ولا يَرِثُه وَرَثَتُه، إنَّما يَرِثُون المال به، مع بقائِه للمُعْتِقِ.
وهذا قولُ الجمهورِ على ما ذَكرْنا.
2903 -
مسألة: (وهو للكِبَرِ، فإذا مات المُعْتِقُ وخَلَّفَ عَتِيقَه وابْنَين، فمات أحَدُ الابنَين عن ابنٍ، ثم مات)
المَوْلَى (فالميراثُ لابنِ مُعْتِقِه) لأنَّ الوَلاءَ للكِبَرِ (ولو مات الابْنانِ بعدَه وقبلَ) العَتِيقِ (وخلَّفَ أحدُهما ابنًا، والآخَرُ تِسْعةً، كان الوَلاءُ بِينَهم على عَدَدِهم، لكُلِّ واحدٍ عُشْرُه) وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
قال الإِمامُ أحمدُ: رُوِيَ هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ.
وروَى سعيدٌ 1: ثنا
..................................
هُشَيمٌ، ثنا أشْعَثُ بنُ سَوَّارٍ، عن الشَّعْبِيِّ، أنَّ عمرَ، وعليًّا، وابنَ مسعودِ، وزيدًا، كانوا يَجْعَلُونَ الوَلاءَ للكِبَرِ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وأُبَيِّ بنِ كعبٍ، وأبي مسعودٍ البدْرِيِّ، وأسامةَ بنِ زيدٍ.
وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاق، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرأي، وداودُ، كُلُّهم قالوا: الوَلاءُ للكِبَرِ.
وتفْسيرُه أنَّه يَرِثُ المُعْتَقَ مِن عَصَباتِ سيِّدِه أقْرَبُهم إليه، وأوْلَاهُم بمِيراثِه يومَ موتِ العبدِ.
قال ابنُ سيرينَ: إذا ماتَ المُعْتَقُ نُظِرَ إلى أقْربِ النَّاسِ إلى الذي أعْتَقَه، فيُجْعَلُ مِيراثُه له.
وإذا مات السيدُ قبلَ مَوْلاه لم يَنْتَقِلِ الوَلاءُ إلى عَصَبَتِه؛ لأنَّ الوَلاءَ كالنَّسبِ، لا يَنْتَقِلُ ولا يُورَثُ، وإنَّما يُورَثُ به، فهو باقٍ للمُعْتِقِ أبدًا لا يَزُولُ عنه؛ بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
وقوله: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسبِ» 1. وَإنَّما يَرِثُ عَصَبَةُ السيدِ مال مَوْلاه بوَلاءِ مُعْتِقِه، لا نَفْس الوَلاءِ.
ويتَّضِحُ ذلك بالمسألتَين اللتَين ذَكَرْناهما ههُنا، وهما: إذا مات رجلٌ عن ابْنَين ومَوْلًى، فمات أحدُ الابْنَين بعدَه عن ابنٍ، ثم مات
..................................
المَوْلَى، وَرِثَه ابنُ مُعْتِقِه دُونَ ابنِ ابنِ مُعْتِقِه؛ لأنَّ ابنَ المُعْتِقِ أقْرَبُ عَصَبَةِ سَيِّدِه.
فلو مات السيِّدُ وخَلَّفَ ابنَه وابنَ ابنِه، وَرِثَه ابنُه دُونَ ابنِ ابنِه، فكذلك إذا مات المَوْلَى.
والمسألةُ الأخْرَى، إذا مات الابنان بعدَ السيدِ وقبلَ مَوْلاه، وخَلَّفَ أحَدُهما ابْنًا والآخَرُ تِسْعَةً، ثم مات المَوْلَى، كان مِيراثُه بَينَهم على عَدَدِهم؛ لأنَّ السيدَ لو مات كان مِيراثُه بينَهم كذلك.
ولو كان الوَلاءُ مَوْروثًا لاخْتَلَفَ الحُكْمُ في المسألتين، وكان الميراثُ في المسألةِ الأولَى بينَ الابنِ وابنِ الابنِ نِصْفَين؛ لأنَّ الابنَين وَرِثا الولاءَ عن أبِيهما، ثم ما صار إلى الابنِ الذي مات انْتَقَل إلى ابنِه.
وفي المسألةِ الثَّانيةِ، يَصِيرُ لابنِ الابنِ المنْفَرِدِ نِصْفُ الوَلَاءِ بمِيرَاثِه ذلك عن أبِيه، ولبنِي الابنِ الآخَرِ النِّصْفُ بَينَهم على عدَدَهِم.
وذهبَ شُرَيحٌ إلى أنَّ الوَلَاءَ مَوْرُوثٌ، كالمالِ يُورَثُ عن المُعْتِقِ، فمن مَلَك شيئًا في حياتِه فهو لوَرَثَتِه.
وحُكِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ المُسَيَّبِ.
وَرُويَ عن أحمدَ نحوُه.
والمشهورُ عنه مثلُ قولِ الجمهورِ.
قال أبو الحارثِ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الولاءِ للكِبَرِ، قال: كذا رُوِيَ عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ.
وقد ذَكَرْنا ذلك عن شُرَيح، وأجَبْنا عنه.
ولم يصِحَّ عن أحَدٍ مِن الصحابةِ خِلافُ هذا القولِ.
وإن لم يُخَلِّفْ عَصَبَةً مِن نَسَبِ مَوْلاه، فمالُه لموْلَى مَوْلاه، ثم لأقْربِ عَصَباتِه، ثم لمَوْلَى مَوْلَى مَوْلاه.
فإذا انْقَرضَ العَصَباتُ والمَوالِي وعَصَباتُهم، فمالُه لبَيتِ المالِ.
وَإذَا اشْتَرَى رَجُلٌ وَأُخْتُهُ أَبَاهُمَا، أَو أَخَاهُمَا، فَعَتَقَ عَلَيهِمَا، ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ، ثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهُ، وَرِثَهُ الرَّجُلُ دُونَ أُخْتِهِ.
وَإذَا مَاتَتِ الْمَرأةُ وَخَلَّفَتِ ابْنَهَا وَعَصَبَتَهَا وَمَوْلَاهَا، فَوَلَاؤُهُ لِابْنِهَا، وَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهَا.
2904 - مسألة: (وإذا اشْتَرَى رجلٌ وأخْتُه أباهما أو أخاهما، عَتَق علَيهما)
بالمِلْكِ (ثم اشْتَرَى عبدًا فأعْتَقَه، ثم مات العَتِيقُ، ثم مات مَوْلاه، وَرِثَه الرجلُ دُونَ أخْتِه) إذا اشْتَرَى رجلٌ وأخْتُه أباهما أو 1 أخاهما، عَتَق 2 عليهما بالمِلْكِ، ثم اشْتَرَى عبدًا فأعْتَقَه، ثم مات الأبُ أو الأخ 3، فميراثُه بينَهما أثْلاثًا بالنَّسبِ.
فإذا مات العبدُ وَرِثَه الرجلُ دُونَ أُخْتِه؛ لأنَّه ابنُ المُعْتِقِ أو أخُوه، فوَرِثَه بالنَّسبِ، وهي مَوْلاةُ المُعْتِقِ، وعَصَبةُ المُعْتِقِ مُقَدَّمٌ على مَوْلاه.
وعلى الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ بِنْتَ المُعْتِقِ تَرِثُ إذا اشْتَرَيا أباهما.
يكونُ مِيراثُ العبدِ بَينَهما أثْلاثًا.
فإنِ
..................................
اشْتَريا أخاهُما، فعَتَق عليهما 1، ثم اشْتَرَى عبدًا فأعْتَقَه، ومات الأخُ المُعْتِقُ قبلَ موتِ العبدِ وخَلَّفَ ابنَه، ثم مات العبدُ، فمِيراثُه لابنِ أخِيها دونَها؛ لأنَّه ابنُ أخِي المُعْتِق.
فإن لم يُخَلِّفِ الأخُ إلَّا بِنتَه، فنِصفُ مالِ العبدِ للأُخْتِ؛ لأنَّها مُعْتِقَةٌ نِصفَ مُعْتِقِه، ولا شيءَ لبِنْتِ الأخِ، روايةً واحدةً، والباقي لبيتِ المالِ.
فصل: إذا خَلَّفَ الميِّتُ بِنْتَ موْلاه ومَوْلَى أبِيه، فمالُه لبيتِ المالِ؛ لأنَّه ثَبَت عليه الولاءُ مِن أجْلِ مُباشَرَتِه بالعِتْقِ، ولم يَثْبُتْ عليه بإعتاقِ أبيه، وإذا لم يكنْ لمَوْلاه إلَّا بنْتٌ لم تَرِثْ؛ لأنَّها ليست عَصَبَةً، وإنَّما يَرِثُ عَصَباتُ المَوْلَى، فإذا لم يكنْ له عَصَبَةٌ لم يَرْجعْ إلى مُعْتِقِ أبيه.
وكذلك إن كان له مُعْتِقُ أبٍ ومُعْتِقُ جَدٍّ، ولم يكُنْ هو مُعْتِقًا،
..................................
فميراثُه لمُعْتِقِ أبِيه إن كان ابنَ مُعْتِقِه، ثم لعَصَبةِ مُعْتِقِ أبِيه، ثم لمُعْتِقِ مُعْتِقِ أبيه.
فإن لم يكُنْ له أحدٌ منهم، فلِبَيتِ المالِ، ولا يَرْجِعُ إلى مُعْتِقِ جَدِّه.
وإن كانت أُمُّه حُرَّةَ الأصْلِ فلا وَلاءَ عليه، وليس لمُعْتِقِ أبِيه شيءٌ.
فصل: امرأةٌ حُرَّةٌ لا وَلاءَ عليها، وأبواها رَقِيقان، أَعْتَقَ إنسانٌ أباها، ويُتَصَوَّرُ هذا في مَوْضِعينِ؛ أحدُهما، أن يكونوا كُفَّارًا، فتُسْلِمُ هي، ويُسْبَى أبواها، فيُسْتَرَقّانِ.
الثاني، أن يكونَ أبُوها عبدًا تَزَوَّجَ أمةً على أنَّها حُرَّةٌ فوَلَدَتْها، ثم ماتت وخَلَّفَتْ مُعْتِقَ أبِيها، لم يَرِثْها؛ لأنَّه إنَّما يَرِثُ بالوَلاءِ، وهذه لا وَلاءَ عليها.
وهكذا الحُكْمُ فيما إذا تَزَوَّجَ عبدٌ حُرّةَ الأصْلِ فأوْلَدَها ولدًا، ثم أُعْتِقَ العبدُ، ومات، تم مات الولدُ، فلا مِيراثَ لمُعْتِقِ أبِيه؛ لأنَّه لا وَلاءَ عليه.
ولو كان ابْنَتان على هذه الصِّفَةِ، اشْتَرتْ إحداهُما أباها فعَتَقَ عليها، فلها ولاؤُه، وليس لها وَلاءٌ على أُخْتِها، فإذا
.................................. مات أبُوها 1، فلهما الثُّلُثان بالنَّسَبِ، ولها الباقي بالوَلاءِ، فإذا ماتت أُخْتُها، فلها نِصْفُ مِيراثِها بالنَّسبِ، وباقِيه لعَصَبَتِها، فإن لم يكنْ لها عَصَبَةٌ، فالباقي لأخْتِها بالرَّدِّ، ولا ميِراثَ لها منها بالوَلاءِ؛ لأنَّها لا وَلاءَ عليها.
فَصْلٌ فِي جَرِّ الْولَاءِ: كُلُّ مَنْ بَاشَرَ الْعِتْقَ أَوْ عَتَقَ عَلَيهِ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ بِحَالٍ.
فَأَمَّا إِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ مُعْتَقَةً فأَوْلَدَهَا، فَوَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوَالِي أُمِّهِ.
فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ انْجَرَّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إِلَيهِ،
فصل في جَرِّ الوَلاءِ: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عنه: (كلُّ مَن باشَرَ العِتْقَ أو عَتَقَ عليه لا يَنْتَقِلُ عنه) الوَلاءُ (بحالٍ) لقولِه عليه الصلاةُ والسلَامُ: «إنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
(فأمَّا إن تَزَوَّجَ العبدُ مُعْتَقَةً فأولَدها) فوَلَدُها منه أحْرارٌ، وعليهم الولاءُ لمَوْلَى أمِّهِم، يَعْقِلُ عنهم، ويَرِثُهم إذا ماتوا؛ لكونِه سببَ الإِنْعامِ عليهم بِعِتْقِ أمِّهِم، فصاروا لذلك أحْرارًا (فإن أعْتَقَ العبدَ سيدُه) ثَبَت له عليه الوَلاءُ، وجَرَّ إليه وَلاءَ أوْلادِه عن مَوْلَى أمِّهم؛ لأنَّ الأبَ لو كان مَمْلوكًا لم يكنْ يَصْلُحُ وارثًا ولا وَلِيًّا في نِكاحٍ، فكان ابنُه كوَلَدِ المُلَاعِنَةِ، يَنْقَطِعُ نَسَبُه عن أبِيه، فيَثْبُتُ الولاءُ لمَولَى أمِّه وانْتَسبَ إليها، فإذا أُعْتِقَ العبدُ صَلَحَ للانتِسَابِ إليه، وعادَ وارِثًا عاقلًا وليًّا، فعادتِ النِّسْبَةُ إليه وإلى موالِيه، بمنزلةِ ما لو اسْتَلْحَقَ 1 المُلاعِنُ ولدَه.
هذا قولُ جُمْهورِ الصَّحابةِ والعلماءِ.
يُرْوَى هذا عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، والزبيرِ، وعبدِ اللهِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ومروانَ، وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سيرينَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِيِّ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والليثُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ.
ويُرْوَى عن
..................................
رافعِ بنِ خَدِيج أنَّ الوَلاءَ لا يَنْجَرُّ عن 1 مَوالِي الأُمِّ.
وبه قال مالكُ بنُ أوسِ بنِ الحَدَثان 2، والزُّهْرِيُّ، ومَيمُونُ بنُ مِهْرانَ، وحُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، وداودُ؛ لأنَّ الوَلاءَ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسبِ، والنَّسبُ لا يَزُولُ عمَّن ثَبَت له، فكذلك الوَلاءُ.
وقد رُوِيَ عن عثمانَ وزيدٍ نحوُ هذا.
وأنْكَرَهُما ابنُ اللَّبَّانِ، وقال: مشهورٌ عن عُثمانَ أنَّه قَضَى بجَرِّ الوَلاءِ للزُّبَيرِ على 3 رافِعِ بنِ خَدِيجٍ.
ولَنا، أنَّ الانْتِسابَ إلى الأبِ، فكذلك الوَلاءُ، ولذلك لو كانا حُرَّين كان وَلاءُ وَلَدِهما لمَوْلَى أبِيه، فلَمّا كان مَمْلُوكًا، كان الولاءُ لمَوْلَى الأُمِّ ضرورةً، فإذا أُعْتِقَ الأبُ زالتِ الضرورةُ، فعادَتِ النِّسْبةُ إليه والولاءُ إلى مَوالِيه.
وروَى عبدُ الرحمنِ عن الزُّبَيرِ، أنَّه لمَّا قَدِمَ خَيبَرَ رأى فِتْيَةً لُعْسًا، فأعجبه ظَرْفُهم وجَمالُهم، فسأل عنهم، فقيل: مَوالِي رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، وأبوهم مملوكٌ لآلِ الحُرَقَةِ 4، فاشْتَرَى الزُّبَيرُ أباهم فأعْتَقَه، وقال لِأولادِه: انْتَسِبُوا إليَّ، فإنَّ وَلاءَكم لِي.
فقال رافعُ بنُ خَدِيج: الوَلاءُ لي، فإنَّهم عَتَقُوا بعِتْقِي أُمَّهم.
فاحْتَكَمُوا إلى عثمانَ، فقَضَى بالولاءِ للزُّبَيرِ، فاجْتَمَعَتِ الصَّحابةُ عليه.
اللَّعَسُ سَوادٌ في الشَّفَتَين تَسْتَحْسِنُه العربُ، ومِثلُه اللَّمَى، قال ذُو
وَلَا يَعُودُ إِلَى مَوَالِي الْأُمِّ بِحَالٍ.
الرُّمَّةِ 1:
لَمْياءُ في شَفَتَيها حُوَّةٌ لَعَسٌ … وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ 2
فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ يَتَزَوَّجُ في كِتابَتِه [فيُولَدُ له] 3، ثم يَعْتِقُ، حُكْمُ العبدِ القِنِّ في جَرِّ الولاءِ، وكذلك المُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفةٍ؛ لأنَّهم عَبِيدٌ، فإنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ.
فصل: وإذا انْجَرَّ الوَلاءُ إلى مَوالي الأبِ ثم انْقَرَضُوا، عاد الوَلاءُ إلى بيتِ المالِ (ولم يَعُدْ إلى مَوالي الأمِّ بحالٍ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن ابنِ عباس، أنَّه يَعُودُ إلى مَوالي الأُمِّ.
والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ الوَلاءَ جَرَى مَجْرَى الانْتِسابِ، ولو انْقَرَضَ الأبُ وآباؤُه لم تَعُدِ النِّسْبَةُ إلى الأمِّ، كذلك الولاءُ.
إذا ثَبَت هذا، فوَلَدَتْ بعدَ عِتْقِ الأب، كان وَلاءُ وَلَدِها لمَوَالِي أبيه، بلا خلافٍ، فإن نَفاهُ باللِّعانِ، عاد ولاؤُه إلى مَوالِي الأمِّ؛ لأننا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يكنْ له أبٌ يَنْتَسِبُ إليه.
فإن عاد فاسْتَلْحَقَه، عادَ الوَلاءُ إلى مَوالِي الأبِ.
فصل: ولا يَنْجَرُّ الوَلاءُ إلَّا بشُروطٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ الأبُ عبدًا حينَ الولادَةِ، فإن كان حُرًّا وزوجَتُه مَوْلاةً، لم يَخْلُ، إمَّا أن يكونَ
..................................
حُرَّ الأصْلِ، فلا وَلاءَ على وَلَدِه بحالٍ، وإن كان مَوْلًى، ثَبَت الوَلاءُ على وَلَدِه لمَوَالِيه ابْتِداءً 1، ولا جَرَّ فيه.
الثاني، أن تكونَ الأمُّ مَوْلاةً، فإن لم تكنْ كذلك، لم يَخْلُ، إمَّا أن تكونَ حُرَّةَ 2 الأصْلِ، فلا وَلاءَ على وَلَدِها بحالٍ، وهم أحْرارٌ بحُرِّيَّتِها، أو تكونَ أَمَةً، فوَلَدُها رقِيقٌ لسَيِّدِها، فإن أعْتَقَهم، فوَلاؤُهم له لا يَنْجَرُّ عنه بحالٍ، سَواءٌ أعْتَقَهم بعدَ ولادَتِهم، أو أعْتَقَ أُمَّهُم حامِلًا بهم فعَتَقُوا بعِتْقِها؛ لأنَّ الوَلاءَ ثَبَت بالعِتْقِ مباشَرةً، فلا يَنْجَرُّ عن المُعْتِقِ؛ لقوله عليه الصلاةُ والسلامُ: «إنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
وإن أعْتَقَها المَوْلَى فأتَتْ بوَلَدٍ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فقد مَسَّه الرِّقُّ وعَتَقَ بالمُباشَرَةِ، فلا يَنْجَرُّ وَلاؤُه، وإن أتَتْ به لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُر مع بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، لم يُحْكَمْ بمَسِّ الرِّقِّ له، وانْجَرَّ ولاؤُه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ حادثًا بعدَ العِتْقِ، فلم يَمَسَّه الرِّقُّ، ولم يُحْكَمْ برِقِّه بالشَّكِّ.
وإن كانتِ المرأةُ بائِنًا، وأتَتْ بوَلَدٍ لأَرْبَعِ سِنِينَ مِن حينِ الفُرْقَةِ، لم يَلْحَقْ بالأبِ، [وكان ولاؤه لمَوْلَى أمِّهِ، وإنْ أتتْ به لأقلَّ من ذلك لَحِقَه الولدُ، وانْجَرَّ ولاؤُه لأمِّه.
وولدُ الأمَةِ مملوكٌ سواءٌ] 3 كان مِن نكاحٍ أو من 4 سِفاحٍ، عربيًّا كان الزوجُ أو أعجميًّا.
وهذا قولُ عامةِ الفقهاءِ.
وعن عمرَ، إن كان زوجُها
وَإنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ لَمْ يَجُرَّ وَلَاءَهُمْ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
وعنه، يَجُرُّهُ.
عربِيًّا فوَلَدُه حُرٌّ، وعليه قيمَتُه، ولا وَلاءَ عليه.
وعن أحمدَ مثلُه.
وبه قال ابنُ المسيَّبِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو ثورٍ، والشافعيُّ في القديمِ، ثم رَجَعَ عنه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ أُمَّهم أمَةٌ، فكانُوا عَبيدًا، كما لو كان أبوهم أعْجَمِيًّا.
الثالثُ، أن يُعْتِقَ العبدَ سَيِّدُه، فإن مات على الرِّقِّ، لم يَنْجَرَّ الوَلاءُ بحالٍ.
وهذا لا خِلافَ فيه.
فإنِ اخْتَلَفَ سيدُ العبدِ ومَوْلَى الأمِّ في العبدِ بعدَ موتِه، فقال سيدُه: مات حُرًّا بعدَ جَرِّ الوَلاء.
وأنكر ذلك مَوْلَى الأُمِّ، فالقولُ قولُ مَوْلَى الأُمِّ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأَنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّقِّ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
2905 -
مسألة: (وإن أُعْتِقَ الجَدُّ لم يَجُرَّ وَلاءَهم، في أصَحِّ الرِّوايتَين. وعنه، يَجُرُّه)
قال أحمدُ، رَحِمَه الله: الجَدُّ لا يَجُرُّ الوَلاءَ، ليس هو كالأَبِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ وصاحباه.
وعن أحمدَ، أنَّه يَجُرُّه.
وبه قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأهلُ المدينةِ، وابنُ أبي لَيلَى، والحسنُ بنُ صالحٍ، وابنُ المباركِ، وأبو ثَوْرٍ، وضِرارُ بنُ صُرَد، والشافعيُّ في أحَدِ قولَيه.
فإن أُعْتِقَ الأبُ بعدَ ذلك، جَرَّه عن مَوالِي الجَدِّ إليه؛ لأنَّ الجَدّ يقومُ مَقامَ الأبِ في التَّعْصيب وأحْكامِ النَّسبِ، كذلك في جَرِّ الوَلاءِ.
وقال زُفَرُ: إن كان الأبُ حَيًّا لم يَجُرَّ الجَدُّ الوَلاءَ، وإن
..................................
كان مَيِّتًا جَرَّه.
وهو القولُ الثاني للشافعيِّ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَلاءِ لمُسْتَحِقِّه، وإنما خُولِفَ هذا الأصلُ للاتِّفاقِ على أنَّه يَنْجَرُّ بعِتْقِ الأبِ، والجَدُّ لا يُساويه، بدليلِ أنَّه لو عَتَقَ الأبُ بعدَ الجَدِّ، جَرَّه عن مَولَى الجدِّ إليه، ولأنَّه لو أسْلَمَ الجَدُّ، لم يَتْبَعْه وَلَدُ وَلَدِه، ولأنَّ الجَدَّ يُدْلِي بغيرِه، ولا يَسْتَقِرُّ الوَلاءُ عليه، فلم يَجُرَّ الوَلاءَ، كالأخِ، وكونُه يقومُ مَقامَ الأبِ، لا يَلْزَمُ أن يَنْجَرَّ إليه الوَلاءُ، كالأخِ.
وإن قُلنا: إنَّه يَنْجَرُّ.
فلا فَرْقَ بينَ القَرِيبِ والبَعيدِ؛ لأنَّ البَعيدَ يقومُ مَقامَ القَريبِ، ويقْتَضِي هذا أنَّه متى عَتَقَ البَعِيدُ فجرَّ الولاءَ، ثم عَتَقَ مَن هو أَقْربُ منه، جَرَّ الوَلاءَ إليه، ثم إن عَتَقَ الأبُ جَرَّ الوَلاءَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يَحْجُبُ مَن فَوْقَه، ويُسْقِطُ تَعْصِيبَه وإرْثَه وولايتَه.
ولو لم يَعْتِقِ الجَدُّ، لكن كان حُرًّا ووَلَدُه مملوكٌ، فتزوَّجَ مَوْلاةَ قَوْمٍ فأَولَدَها أوْلادًا، فوَلاؤُهم لمَوْلَى أُمِّهِم.
وعندَ مَن يقولُ: يَجُرُّ الجَدُّ الوَلاءَ.
يكونُ لمَوْلَى الجَدِّ.
فإن لم يكن الجَدُّ مَوْلًى بل كان حُرَّ الأصْلِ، فلا وَلاءَ على ولدِ ابنِه، فإن أُعْتِقَ أبوه بعدَ ذلك، لم يَعُدْ على ولدِه وَلاءٌ؛ لأنَّ الحُرِّيةَ ثَبَتَتْ له مِن غيرِ وَلاءٍ،
وَإنِ اشْتَرَى الابْنُ أَبَاهُ، عَتَقَ عَلَيهِ، وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلَاءُ إِخْوَتِهِ، وَيبْقَى وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي أُمِّهِ؛ لأَنَّهُ لَا يَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهِ.
فلم يتَجَدَّدْ عليه وَلاءٌ، كالحُرِّ الأصْلِيِّ.
فصل: إذا تَزَوَّجَ مُعْتَقٌ بمُعْتَقَةٍ فأوْلَدَها وَلَدَينِ، فوَلاؤُهما لمَوْلَى أبيهما.
فإن نفاهُما باللِّعانِ، عاد وَلاؤُهما إلى مولَى أمِّهِما.
فإن مات أحَدُهما، فمِيراثُه لأُمِّه ومَوالِيها.
فإن أكْذَبَ أبُوهُما نَفْسَه، لَحِقَه نَسَبُهما، واسْتَرْجَعَ الميراثَ مِن مَوْلَى الأُمِّ.
ولو كان أبُوهما عبدًا، أو لم يَنْفِهما، ووَرِثَ مَوالِي الأُمِّ المَيِّتَ منهما، ثم أُعْتِقَ الأبُ، انْجَرَّ (1) الوَلاءُ إلى مَوالِي الأبِ، ولم يكنْ لهم ولا للأبِ اسْتِرْجَاعُ الميراثِ؛ لأنَّ الوَلاءَ إنَّما ثَبَت لهم عندَ إعْتاقِ الأبِ، ويُفارِقُ الأبَ إذا أكذبَ نَفْسَه؛ لأنَّ النَّسبَ يَثْبُتُ مِن حينِ خَلْقِ (2) الوَلدِ.
2906 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرى الابْنُ أباه، عَتَقَ عليه، وله وَلاؤُه
12
وَإنِ اشْتَرَى الْوَلَدُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى العَتِيقُ أَبَا مُعْتِقِهِ فَأَعْتَقَهُ، ثَبَتَ لَهُ وَلَاؤُهُ، وَجَرَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى الْآخَرِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا ثُمَّ سَبَى الْعَبْدُ مُعْتِقَهُ فَأَعْتَقَهُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَاءُ صَاحِبِهِ.
وَوَلاءُ إخْوَتِه، ويَبْقَى وَلاؤُه لمَوَالي أُمِّه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ وَلاءَ نَفْسِه) وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ مالكٍ في أهلِ المدينةِ، وأبو حنيفةَ في أهلِ العراقِ، والشافعيُّ.
وشَذَّ عمرُو بنُ دينارٍ المَدَنِيُّ، فقال: يَجُرُّ وَلاءَ نَفْسِه، فيَصِيرُ حُرًّا لا وَلاءَ عليه.
قال ابنُ سُرَيجٍ (1): ويَحْتَمِلُه قولُ الشافعيِّ.
ولا تَعْويلَ على هذا القولِ لشذُوذِه، ولأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يكونَ الوَلاءُ ثابتًا على أبوَيه دونَه، مع كونِه مَوْلودًا لهما في حال رِقِّهِما أو في حالِ ثبوتِ الوَلاءِ عليهما.
وليس لَنا مثلُ هذا في الأصُولِ، ولا يُمْكِنُ أن يكونَ مَوْلَى نَفْسِه، يَعْقِلُ عنها، ويَرِثُها، ويُزَوِّجُها.
2907 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى)
هذا (الولدُ عبدًا فأعْتَقَه، ثم اشْتَرَى العبدُ أبا مُعْتِقِه فأعْتَقَه) فإنَّه يَجُرُّ وَلاءَ سيدِه، فيكونُ لهذا الولدِ على مُعْتَقِه الوَلاءُ بإعْتاقِه إياه، والعَتِيقِ وَلاءُ مُعْتِقِه بوَلائِه على أبيه (فصارَ كلُّ واحدٍ منهما مَوْلَى الآخَرِ) متْلُ ذلك (لو أعْتَقَ الحرْبِيُّ عبدًا) فأسْلَمَ، ثمَّ أَسَرَ سَيِّدَه فأَعْتَقَه، صار كلُّ واحدٍ مِنْهُما مَوْلَى1