..................................
فصل: إذا وَقَف على مَن لا يجوزُ ثم على مَن يجوزُ، فهو وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الابْتِداءِ، كالوَقْفِ على عَبْدِه، أو أمِّ وَلَدِه، أو مَجْهُولٍ، فإن لم يَذْكُرْ له مآلًا فالوَقْفُ باطِل.
وكذلك إن جَعَل له مآلًا يجوزُ الوَقْفُ عليه؛ لأنَّه أخَلَّ بأحَدِ شَرْطَيِ الوَقْفِ، فبَطَلَ، كما لو وَقَف ما لا يجوزُ وَقْفُه.
وإن جَعَل له مآلًا يجوزُ الوَقْفُ عليه، كمَن يَقِفُ على عَبْدِه ثم على المَساكِينِ، ففي صِحَّتِه وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فإذا قُلْنا: يَصِحُّ.
وهو قولُ القاضي، وكان مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِراضِه؛ كالمَيِّتِ، والمَجْهُولِ،
..................................
والكَنائِسِ، صُرِف في الحالِ إلى مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه؛ لأنَّنا لَمّا صَحَّحْنا الوَقْفَ مع ذِكر ما لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فقد ألْغَيناه؛ لتَعَذُّرِ التَّصْحِيح مع اعْتِبارِه، وإن كان مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِراضِه؛ كأمِّ وَلَدِه، وعَبْدٍ مُعَيَّن، فكذلك.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنه يُصْرَفُ في الحالِ (إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ، إلى أن يَنْقَرِضَ) مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فإذا انْقَرَضَ صُرِف إلى مَن يجوزُ.
ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الواقِفَ إنَّما جَعَلَه وَقْفًا على مَن يجوزُ بشَرْطِ انْقِراضِ هذا، فلا يَثْبُتُ بدُونِه، ويُفارِقُ ما لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِراضِه؛ لتَعَذُّرِ اعْتِبارِه.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَينِ.
..................................
فصل: فإن كان الوَقْفُ صَحِيحَ الطرَفَين مُنْقَطِعَ الوَسَطِ، كمَن وَقَف على وَلَدِه، ثم على عَبِيدِه، ثم على المَساكِينِ، خُرِّجَ في صِحةِ الوَقْفِ وَجْهان، بِناءً 1 على ما نَذْكُرُه في الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
ثم يُنْظَرُ فيما لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فإن لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ انْقِراضِه ألْغَيناهُ، إذا قُلْنا بالصِّحَّةِ، وإن أمْكَنَ اعْتِبارُ انْقِراضِه، فهل يُعْتَبَرُ أو يُلْغَى؟ على وَجْهَين، كما تَقدَّمَ.
فإن كان مُنْقَطِعَ الطَّرَفَين صَحِيحَ الوَسَطِ، كمَن وقَف على عَبْدِه، ثم على أوْلادِه، ثم على الكَنِيسَةِ، خُرِّجَ في صِحَّتِه أيضًا وَجْهان، ومَصْرِفُه بعدَ مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ.
وإنْ وَقَفَ عَلى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلًا، أوْ عَلَى مَنْ يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ، أوْ قَال: وَقَفْتُ.
وَسَكَتَ، انصَرَفَ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيهِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ وَقْفًا عَلَيهِمْ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَالأخْرَى، إِلَى أقْرَبِ عَصَبَتِهِ.
وهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فُقَرَاؤهُم؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَقَال الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: يَكُون وَقْفًا عَلَى الْمَساكِينِ.
2568 - مسألة: (وإن وَقَف على جِهَةٍ تَنْقَطِعُ ولم يَذْكُرْ له مآلًا، أو وَقَف على مَن يجوزُ ثم على مَن لا يجوزُ، أو قال: وَقَفْتُ.
وسَكَت، انْصَرَفَ بعدَ انْقِراضِ مَن يجوزُ الوَقْفُ عليه إلى وَرَثَةِ الواقِفِ وَقْفًا عليهم، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأخْرَى، إلى أقْرَبِ عَصَبَتِه.
وهل يَخْتَصُّ به فُقَراؤهم؟ على وَجْهَين.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: يكونُ وَقْفًا على المَساكِينِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الوَقْف الذي لا اختِلافَ في صِحَّتِه عندَ
..................................
القائِلِين بصِحَّةِ الوَقْفِ، ما كان مَعْلُومَ الابتِداءِ والانْتِهاءِ، غيرَ مُنْقَطِعٍ، مثلَ أن يُجْعَل على المَساكِينِ، أو طائِفةٍ لا يجوزُ بحُكْمِ العادَةِ انْقِراضُهم.
وإن كان غيرَ 1 مَعْلُومِ الانْتِهاءِ، مثلَ أن يَقِف على قَوْم يجوزُ انْقِراضُهم بحُكْمِ العادَةِ، ولم يَجْعَلْ آخِرَه للمَساكِينِ ولا لجِهَةٍ غيرِ مُنْقَطِعَةٍ، فهو صحِيحٌ أيضًا.
وبه قال مالِك، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
وقال [أبو حنيفةَ، و] 2 محمدُ بنُ الحَسَنِ: لا يَصِح.
وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ مُقْتَضاه التَّأبِيدُ، فإذا كان مُنْقَطِعًا صار وَقْفًا على مَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَقف على مَجْهُولٍ في الابتِداءِ.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّف مَعْلُومُ المَصْرِفِ، فصَحَّ، كما لو صَرَّحَ بمَصْرِفِه المُتَّصِلِ، ولأنَ الإطْلاقَ إذا كان له عُرْف، حُمِل عليه، كنَقْدِ البَلَدِ، وعُرْفُ المَصْرِفِ ههُنا أوْلَى الجِهاتِ به، فكأنه عَيَّنهَم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَنْصَرِفُ عندَ انْقِراضِ المَوْقُوفِ عليهم إلى أقارِبِ الواقِفِ.
وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ الناسِ إلى الواقِفِ، الذَّكَرُ والأنثَى فيه سواء.
..................................
وعنِ أحمدَ، أنَّه يُصْرَفُ إلى المَساكِينِ.
اخْتارَه القاضِي، والشَّرِيف أبو جَعْفر؛ لأنَّهم مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ وحُقُوقِ اللهِ تعالى مِن الكَفّاراتِ ونحوها، فإذا وُجِدَتْ صَدَقة غيرُ مُعَيَنةِ المَصْرِفِ، انْصَرَفَتْ إليهم، كما لو نَذَر صَدَقَةً مُطْلقَةً.
وعن أحمدَ رِواية ثالثة، أنَّه يُجْعَلُ في بَيتِ مالِ المُسْلِمِين؛ لأنَّه مال لا مُسْتَحِقَّ له، فأشبَه مال مَن لا وارِثَ له.
وقال أبو يُوسُفَ: يَرْجِعُ إلى الواقِفِ وإلى وَرَثَتِه، إلَّا أن يقولَ: صَدَقَة مَوْقُوفَةٌ يُنْفَقُ منها على فلانٍ وفُلانٍ.
فإذا انْقَرَضَ المُسَمَّى، كانت على الفُقَراءِ والمَساكِينِ؛ لأنَّه جَعَلَها صَدَقَةً على مُسَمى، فلا تكونُ على غيرِه، ويُفارِقُ ما إذا قال 1: يُنْفَقُ منها على فُلانٍ وفُلانٍ.
فإنه جَعَل الصَّدَقَةَ مُطْلَقَةً.
ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أن يَرْجِعَ إليه،
..................................
كما لو أعْتَقَ عَبْدًا، والدَّلِيلُ على صَرْفِه إلى أقارِبِ الواقِفِ، أنَّهم أوْلَى الناسِ بصَدَقَتِه، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَتُكَ عَلَى غَيرِ ذِي رَحِمِكَ صَدَقَةٌ، وصَدَقَتُكَ على ذِي رَحِمِكَ صَدَقَة وصِلَة» 1. وقال: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» 2. ولأنَّهم أوْلَى الناسِ بصَدَقاتِه النَّوافِلِ والمَفْرُوضاتِ، فكذلك صَدَقَتُه المَنْقُولَةُ.
إذا ثَبَت هذا، فإَّنه يكونُ للفُقَراءِ منهم والأغْنِياءِ في إحْدى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقيِّ، لأنَّ الوَقْفَ لا يَخْتَصُّ الفُقَراءَ، ولأنَّه لو وَقَف
..................................
على أولادِه، تَناوَلَ الأغْنِياءَ والفُقَراءَ، كذا ههُنا.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَخْتَصُّ الفُقَراءَ منهم؛ لأنَّهم أهْلُ الصَّدَقاتِ دُونَ الأغْنِياءِ، ولأنَّنا خَصَصْنا الأقارِبَ بالوَقْفِ، لكَوْنِهم أوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ، وأوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ الفُقَراءُ دُونَ الأغْنِياء.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في مَن يَسْتَحِقُّ الوَقْفَ مِن أقْرباء الواقِفِ، ففي إحْدى الرِّوايَتَين، يَختَصّ بالوَرَثةِ منهم؛ لأنهم الذين صَرَف اللهُ إليهم ماله بعدَ مَوْتِه واسْتِغْنائِه عنه، فكذلك يُصْرَفُ إليهم مِن مالِه ما لم يَذْكُرْ له مَصْرِفًا.
فعلى هذا، يكونُ بينَهم على حَسَبِ مِيراثِهم، ويكونُ وَقْفًا عليهم.
نَصَّ عليه أحمدُ، وذكَرَه القاضي؛ لأنَّ الوَقْفَ يَقتَضِي
..................................
التّأكيدَ، وإنَّما صَرَفْناه إلى هؤلاءِ؛ لأنَّهم أحَقُّ الناسِ بصَدَقَتِه، فيُصْرَفُ إليهم مع بَقائِه صَدَقَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يُصْرَفَ إليهم على سَبِيلِ الإرْثِ، على ما ذَكَرَه الخِرَقِي، ويَبْطُلُ الوَقفُ فيه، كقَوْلِ أبي يُوسُفَ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ عَصَبَةِ الواقفِ دُونَ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ 1، ودُونَ البَعِيدِ مِن العَصَباتِ، فيُقَدَّمُ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، على حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِم لوَلاءِ 2 المَوالِي، لأنَّهم خُصُّوا بالعَقْلِ عنه، وبمِيراثِ مَوالِيه، فخُصُّوا بهذا أيضًا.
قال شيخُنا 3: وهذا لا يَقْوَى عندِي، فإنَّ اسْتِحْقاقَهم لهذا دُونَ غيرِهم مِن الناسِ لا يكونُ إلَّا بدَلِيل، مِن نَصٍّ أو إجْماعٍ، ولا نَعْلَمُ فيه نَصًّا ولا إجْماعًا، ولا يَصِحُّ قِياسُه على مِيراثِ وَلاءِ المَوالِي؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتَحَقَّقُ ههُنا، وأقْرَبُ الأقْوالِ فيه صَرْفه
..................................
إلى المَساكِينِ، لأنَّهم مَصارِفُ مالِ اللهِ وحُقُوقِه، فإن كان في أقارِبِ الواقِفِ مَساكِينُ، كانوا أوْلَى به، لا على سَبِيلِ الوُجُوبِ، كما أنَّهم أوْلَى بزَكاتِه وصِلاته مع جَوازِ الصَّرْفِ إلى غيرِهم، ولأنّا إذا صَرَفْناه إلى أقارِبِه على سَبِيلِ التَّعْيِينِ، فهي أيضًا جِهَة مُنْقَطِعَة، فلا يَتَحَقَّقُ اتِّصالُه إلَّا بصَرْفِه إلى المَساكِينِ.
فإن لم يَكُنْ للواقِفِ أقارِبُ، أو كان له أقارِبُ فانْقَرَضُوا، صُرِف إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ 1 وَقْفًا عليهم؛ لأنَّ القَصْدَ به الثَّوابُ الجارِي عليه على وَجْهِ الدَّوامِ، وإنَّما قَدَّمْنا الأقارِبَ على المَساكِينِ؛ لكَوْنِهم أوْلَى، فإذا لم يَكونُوا، فالمَساكِينُ أهْل لذلك، فصُرِفَ إليهم، إلَّا على قَوْلِ مَن قال: إنَّه يُصْرَفُ إلى وَرَثَةِ الواقِفِ مِلْكًا لهم.
فإنَّه يُصْرَفُ عندَ عَدَمِهم إلى بَيتِ المالِ؛ لأنَّه بَطَل الوَقْفُ فيه بانْقِطاعِه، فصار مِيراثًا لا وارِثَ له، فكان بَيتُ المالِ أوْلَى به.
.................................. فصل: وإن وَقَف على مَن يجوزُ، ثم على مَن لا يجوزُ، كمَن وَقَف على أوْلادِه، ثم على البِيَعِ، صَحَّ الوَقْفُ أيضًا، ويَرْجِعُ بعدَ انْقِراضِ مَن
..................................
يجوزُ الوَقف عليه إلى مَن يُصْرَفُ إليه الوَقْفُ المُنْقَطِعُ، كالمسألَةِ قبلَها؛ لأنَّ ذَكر مَن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه وعَدَمَه واحِدٌ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ الوَقْفُ؛ لأَنه جَمَع بينَ ما يجوزُ وما لا يجوزُ، فأشبَهَ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ هذا.
وسَكَتَ، أو قال: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ.
ولم يَذْكُرْ سَبِيلَه، فلا نَصَّ فيه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يَصِحُّ الوَقْف.
قال
وَإنْ قَال: وَقَفْتُهُ سَنَةً.
لَمْ يَصِحَّ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، وَيُصْرَفُ بَعْدَهَا
القاضي: هو قِياسُ قَوْلِ أحمدَ، فإنَّه قال في النَّذْرِ المُطْلَقِ: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لكَفّارَةِ اليَمِينِ.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيه؛ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فوَجب أن يَصِحَّ مُطْلَقًا، كالأضْحِيَةِ، والوَصِيَّةِ.
ولو قال: وَصَّيتُ بثُلُثِ مالِي.
صَحّ، وإذا صَحّ صُرِف إلى مصارِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ عندَ انْقِراضِ المَوْقُوفِ عليه، كما ذَكَرْنا.
2569 -
مسألة: (وإن قال: وَقَفْتُ دارِي سَنَةً)
أو إلى يَوْمِ يَقْدَمُ الحاجُّ (لم يَصِحَّ) في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ مُقْتَضَى الوَقفِ
مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ.
التَّأبِيدُ، وهذا يُنافِيه.
والوَجْهُ الآخَرُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه مُنْقَطِعُ الانْتِهاءِ، فهو ما لو وَقف على مُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
فإن قلنا: يَصِحُّ.
فهو كمُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ، يُصْرَفُ إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
فصل: فإن قال: هذا وَقْف على وَلَدي سَنَةً، ثم على المَساكِينِ.
صَحَّ.
وكذلك إن قال: وَقْفٌ على وَلَدِي مدَّةَ حَياتِي، ثم هو بعدَ مَوْتِي للمَساكِينِ.
صَحَّ؛ لأنَّه وَقْف مُتَّصِلُ الابتداءِ والانْتِهاءِ.
وإن قال: وَقفٌ على المَساكِينِ، ثم على أوْلادِي.
صَحَّ، ويَكونُ وَقْفًا على المَساكِينِ، ويَلْغُو قَوْلُه: على أولادِي.
لأنَّ المَساكِينَ لا انْقِراضَ لهم.
وَلَا يُشْتَرطُ إِخْرَاجُ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
2570 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إخْراجُ الوَقْفِ عن يَدِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الوَقْفَ يَزُولُ به مِلْكُ الواقِفِ، ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ لأنَّ الوَقْفَ يَحْصُلُ به.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ وإخْراجِ الوَقْفِ عن يَدِه؛ فإنَّه قال: الوَقْفُ المَعْرُوفُ أن يُخْرِجَه مِن يَدِه إلى غيرِه، يُوَكِّلَ فيه مَن يَقُومُ به.
اخْتارَه ابنُ أبي موسى، وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ؛ لأنَّه تَبَرُّع بمالٍ لم يُخرِجْه عن المالِيَّةِ، فلم يَلْزَمْ بمُجَرَّدِه، كالهِبَةِ، والوَصِيَّةِ.
ولَنا، ما رَوَيناه مِن حَدِيثِ عُمَرَ، ولأنه تَبَرُّع يَمْنَعُ البَيعَ والهِبَةَ والمِيراثَ، فيَلْزَمُ 1 بمُجَرَّدِه، كالعِتْقِ، ويُفارِقُ الهِبَةَ؛ فإنَّها تَمْلِيك مُطْلَق، والوَقْفُ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، فهو بالعِتْقِ أشْبَهُ، وإلْحاقُه به أوْلَى.
فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيهِ الْوَقْف.
وَعَنْهُ لَا يَمْلِكُهُ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ويَمْلِكُ المَوْقُوفُ عليه الوَقْفَ.
وعنه، لا يَمْلِكُه) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ في المَوْقُوفِ إلى المَوْقُوفِ عليه.
قال أحمدُ: إذا وَقَف دارَه على وَلَدِ أخِيه، صارت لهم.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم مَلَكُوه.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُمْلَكُ، فإنَّ جَماعَةً نَقَلُوا عنه، في مَن وَقَف على وَرَثَتِه في مَرَضه: يجوزُ؛ لأنَّه لا يُباعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا للوَرَثَةِ، وإنَّما يَنْتَفِعُون بغَلَّتِها.
وهذا يَدُلُّ بظاهِرِه
..................................
على أنَّهمِ لا يَمْلِكُون.
ويحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بقَوْلِه: لا يَمْلِكُون.
أي لا يَمْلِكُون التَّصَرُّف في الرَّقَبَةِ، فإن فائِدَةَ المِلْلص وآثارَه ثابِتَة في الوَقفِ.
وعن الشافعيِّ مِن الاخْتِلافِ نحوُ ما حَكَيناه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنتقِلُ المِلْكُ في الوَقْفِ اللَّازِمِ، بل يكونُ حَقًّا للهِ تعالى؛ لأَنه إزالةُ مِلْك عن العَينِ والمَنْفَعَةِ على وَجْهِ القُرْبَةِ بتَمْلِيكِ المَنْفَعَةِ، فانْتقَلَ إلى اللهِ تعالى، كالعِتْقِ.
ولَنا، أنَّه سَبَب يُزِيلُ مِلْكَ الواقِفِ، وُجدَ 1 إلى مَن يَصِحُّ تَمْلِيكُه على وَجْهٍ لم يُخْرِجِ المال عن مالِيَّته، فوَجَب أَن يَنْقُلَ المِلْكَ إليه، كالهِبَةِ والبَيعِ، ولأنَّه لو كان تَمْلِيك المَنْفَعَةِ المُجَردَةِ، لم يَلْزَمْ، كالعارِيَّةِ والسُّكْنَى، ولم يَزُلْ مِلْكُ الواقِفِ عنه، كالعارِيَّةِ، ويُفارِقُ العِتْقَ، فإنَّه أخْرَجَه عن المالِيَّةِ، وامْتِناعُ التصَرُّفِ في الرّقَبةِ لا يَمْنَعُ المِلْكَ، كأمِّ الوَلَدِ.
وَيَمْلِكُ صُوفَهُ وَلَبَنَهُ وَثَمَرَتَهُ وَنَفْعَهُ.
وَلَيسَ لَهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ، فَإن فَعَلَ، فَلَا حَدَّ عَلَيهِ وَلَا مَهْرَ.
وإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ حُرٌّ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، يُشتَرَى بهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ،
2571 - مسألة: (ويَمْلِكُ صُوفَه ولَبَنَه وثَمَرَتَه ونَفْعَه)
لأنَّه نَماءُ مِلْكِه.
ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
2572 -
مسألة: (وليس له وَطْءُ الجارِيَةِ، فإن فَعَل، فلا حَدَّ عليه ولا مَهْرَ)
لا يجوزُ للمَوْقُوفِ عليه وَطْءُ الأمَةِ المَوْقُوفَةِ؛ لأنَّا لا نَأمَنُ حَبَلَها، فتَنْقُصُ أو تَتْلَفُ أو تَخْرُجُ مِن الوَقْفِ بكَوْنِها أمَّ وَلَدٍ، ولأنَّ مِلْكَه ناقِص.
فإن وَطِيء، فلا حَدَّ عليه؛ للشُّبْهَةِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنه لو وَجَب لوَجَبَ له، ولا يَجِبُ للإنْسانِ شيء على نَفْسِه.
2573 -
مسألة: وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ حُر؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ (وعليه قِيمَتُه)
يومَ الوَضعِ، يُشْتَرَى بها عَبْد مكانَه؛ لأنه فَوَّتَ رِقَّه،
وَتَصِيرُ أمَّ وَلَدِهِ، تَعْتِقُ بِمَوتِهِ، وَتَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ، وَيُشتَرَى بِهَا مِثْلُهَا وَتَكُونُ وَقْفًا.
وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له؛ لأنه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه.
فإذا مات عَتَقَتْ (وتَجِبُ قِيمَتُها في تَرِكَتِه) لأَنه أتْلَفَها على مَن بعدَه مِن البُطُونِ، فيُشْتَرَى بها جارِيَة (تكونُ وَقْفًا) مكانَها.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُها المَوْقُوفُ عليه.
لم تَصِرْ أمَّ وَلَدٍ له بذلك؛ لأَنها أجْنَبِيَّة.
فصل: [فإن أعْتَقَ العَبْدَ الموْقُوفَ] 1، لم يَنْفُذْ عِتْقُه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِه، ولأنَّ الوَقْفَ لازِم، فلا يَتَمكَّنُ مِن إبْطالِه.
فإن كان نِصْفُ العَبْدِ وَقْفًا ونِصْفُه طَلْقًا، فأعْتَقَ صاحِبُ الطَّلْقِ، لم يَسْرِ عِتْقُه إلى الوَقْفِ؛ لأَنه إذا لم يَعْتِقْ بالمُباشَرَةِ فبالسِّرايَةِ أوْلَى.
وَإنْ وَطِئَهَا أجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ، فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيهِ الْمَهْرُ لأهْلِ الْوَقْفِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ.
وإنْ تَلِفَت، فَعَلَيهِ قِيمَتُهَا، يُشْتَرَى بِهَا مِثْلُهَا،
2574 - مسألة: (وإن وَطِئَها أجْنَبِيّ بشُبْهَةٍ، فالوَلَدُ حُر)
لاعْتِقادِه أنَّه يَطَأ في مِلْكِه، وإن كان الواطِئ عَبْدًا (وعليه المَهْرُ لأهْلِ الوَقْف) لأنَّه وَطِيء جارِيَتَهم في غيرِ مِلْكٍ، أشْبَهَ الأمَةَ المُطْلَقَةَ، وتجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّه كان مِن سَبِيله أن يكونَ مَمْلُوكًا، فمنَعَه اعْتِقادُ الحُرِّيةِ مِن الرِّقِّ، فوَجَبَتْ قِيمَتُه، يُشْتَرَى بها عَبْدٌ يكونُ وَقْفًا، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُه يومَ تَضَعُه حَيًّا؛ لأَنه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه قبلَ ذلك.
وإن وَطِئَها مُكْرَهَةً أو طاوَعَتْه، فعليه الحَدُّ إذا انْتَفَتِ الشُّبْهَةُ، والمَهْرُ لأهْلِ الوَقْفِ؛ لأنَّه وَطِيء جارِيةَ غيرِه، ويكونُ وَلَدُها وَقْفًا معها؛ لأَنه تَبَع لها.
2575 -
مسألة: (وإن تَلِفَتْ، فعليه قِيمَتُها، يُشْتَرَى بها مِثْلُها)
سواء أتْلَفَها أجْنَبِي أو الواقفُ، كما لو أتْلَفَ غيرَ الوَقفِ.
وإن أتْلَفَه المَوْقُوفُ عليه، فعليه قِيمَتُه أيضًا، يُشْتَرَى بها مِثْلُه
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ قِيمَةَ الْوَلَدِ هَهُنَا، وَلَا يَلْزَمُهْ قِيمَتُهُ إِنْ أَوْلَدَهَا.
يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في رَقَبَتِه، إنَّما له نَفْعُه (ويَحْتَمِلُ أن يمْلِكَ) المَوْقُوفُ عليه (قِيمَةَ الوَلَدِ) فيما إذا وَطِئَها أجْنَبِيٌّ بشبْهَةٍ، فأتَتْ بوَلَدٍ (ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه إن أوْلَدَها) لذلك.
وَلَهُ تَزْويجُ الْجَارِيَةِ وَأَخْذُ مَهْرِهَا، وَوَلَدُهَا وَقْفٌ مَعَهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهُ.
2576 - مسألة: (وله تَزْويجُ الأمَةِ وأخْذُ مَهْرِها، ووَلَدُها وَقْفٌ معها. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَه)
يجوزُ للمَوْقُوفِ عليه تَزْويجُ الأمَةِ المَوْقُوفةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَهَ الإِجارَةَ، ولأنَّ المَوْقُوفَ عليه لا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَ هذه المَنْفَعَةِ، فلا يتضَرَّرُ بتَمْلِيكِ غيرِه إيّاها، والمَهْرُ للمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه بَدَلُ نَفْعِها، أشْبَهَ الأُجْرَةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ تَزْويجُها؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَتِها في العُمُرِ، فيُفْضِي إلى تَفْويتِ مَنْفَعَتِها في حَقِّ البَطْنِ الثانِي، ولأنَّ النِّكاحَ يتعَلَّقُ به حُقُوقٌ؛ مِن وُجُوبِ تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِن اسْتِمْتاعِها، ومَبِيتِها عندَه، فتَفُوتُ خِدْمَتُها في اللَّيلِ على البَطْنِ الثانِي.
فإن طَلَبَتِ التَّزْويجَ وَجَب تَزْويجُها؛ لأنَّه حَقٌّ لها طَلَبَتْه، فتَعَيَّنَتَ الإِجابَةُ إليه، وما فات مِن الحَقِّ به، يَفُوتُ تَبَعًا لإِيفائِها حَقَّها، فلا يكونُ مانِعًا
وَإِنْ جَنَى الْوَقْفُ خَطَأً، فَالأَرْشُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ
مِن تَزْويجِها، كغيرِ المَوْقُوفَةِ إذا طَلَبتْ ذلك.
وإذا زَوَّجَها فوَلَدَتْ مِن الزَّوْجِ، فوَلَدُها وَقْفٌ معها؛ لأنَّ وَلَدَ كلِّ ذاتِ رَحِمٍ حُكْمُه حُكْمُها؛ كأُمِّ الوَلَدِ، والمُكَاتَبَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ المَوْقُوفُ عليه وَلَدَها؛ لأنَّه مِن نَمائِها.
2577 -
مسألة: (وإن جَنَى الوَقْفُ خَطَأً، فالأَرْشُ على المَوْقُوفِ
أَنْ يَكُونَ في كَسْبِهِ.
عليه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ في كَسْبِه) إذا جَنَى الوَقْفُ جنايَةً مُوجِبَةً للمالِ، لم يتَعَلَّقْ أَرشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ بَيعُها، ويَجِبُ أرشُها على المَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه تَعَذَّرَ تَعَلُّقُ أَرْشِه برَقَبَتِه، فكان على مالِكِه، كجِنايَةِ أُمِّ الوَلَدِ.
ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، كأُمِّ الوَلَدِ.
فإن قُلْنا: إنَّ الوَقْفَ لا يُمْلَكُ.
فالأَرْشُ في كَسْبِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ تَعَلُّقُه برَقَبَتِه، لكَوْنِها لا تُباعُ، وبالمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، فكان في كَسْبِه، كالحُرِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ في بَيتِ المالِ، كأَرْشِ جِنايَةِ الحُرِّ المُعْسِرِ.
قال شيخُنا 1: وهذا احْتِمالٌ ضَعِيفٌ؛ فإنَّ الجِنايَةَ إنَّما تكونُ في بَيتِ المالِ في صُورَةٍ تَحْمِلُها العاقِلَةُ عندَ عَدَمِها، وجِنايَةُ العَبْدِ لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ.
وإن كان الوَقْفُ على المَساكِينِ، فيَنْبَغِي أن يكونَ الأَرْشُ في كَسْبِه؛ لأنَّه ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ إيجابُ الأَرْشِ عليه، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُه برَقَبَتِه، فتَعَيَّنَ في كَسْبِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ في بَيتِ المالِ.
وإن جَنَى جِنايَةً تُوجِبُ القِصاصَ، وَجَب، سواءٌ كانت على المَوْقُوفِ عليه أو على غيرِه.
فإن قُتِل بَطَل الوَقْفُ فيه، وإن قُطِع كان باقِيه وَقْفًا, كما لو تَلِف بفِعْلِ اللهِ تعالى.
..................................
فصل: وإن جُنِيَ على الوَقْفِ جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للمالِ، وَجَبَ؛ لأنَّ مالِيَّتَهَ لم تَبْطُلْ، ولو بَطَلَتْ مالِيَّتُه لم يَبْطُلْ أَرْشُ الجِنايَةِ عليه، فإنَّ الحُرَّ يَجِبُ أَرْشُ الجنايَةِ عليه.
فإن قُتِل وَجَبَتْ قِيمَتُه، وليس للمَوْقُوفِ عليه العَفْوُ عنها؛ لأنَّه لا يَخْتَصُّ بها، ويُشْتَرَى بها 1 مثلُ المَجْنِيِّ عليه يكونُ وَقْفًا.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ المَوْقُوفُ.
عليه بالقِيمَةِ إن قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ المَوْقُوفَ؛ لأنَّها بَدَلُ مِلْكِه.
ولَنا، أنَّه مِلْكٌ لا يَخْتَصُّ به، فلم يَخْتَصَّ بِبَدَلِه، كالعَبْدِ المُشْتَرَكِ والمَرْهُونِ، وبَيانُ عَدَمِ الاخْتِصاصِ ظاهِرٌ، فإَّنه يتعَلَّقُ به حَقُّ البَطْنِ الثاني، فلم يَجُزْ إبْطالُه، ولا نَعْلَمُ قَدْرَ ما يَسْتَحِقُّ هذا
..................................
منه فيَعْفُو عنه، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عن شيءٍ منه, كما لو أتْلَفَ رجلٌ رَهْنًا، أُخِذَتْ منه قِيمَتُه فجُعِلَتْ رَهْنًا، ولم يَصِحَّ عَفْوُ واحِدٍ منهما عنه.
وإن كانتِ الجنايَةُ عَمْدًا مَحْضًا مِن مُكافِئٍ له، فالظّاهِرُ أنَّه لا يَجِبُ القِصاصُ، لأنَّه مَحَلٌّ لا يَخْتَصُّ به 1 المَوْقُوفُ عليه، فلم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ مِن قاتِلِه،
..................................
كالعَبْدِ المُشْتَرَكِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يكون ذلك إلى الإِمام.
فإن قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ أو بعضُ أطْرافِه، فله اسْتِيفاءُ القِصَاصِ؛ لأَنَّه حَقُّه 1 لا يُشارِكُه فيه غيرُه.
وإن كان القَطْعُ لا يُوجِبُ القِصَاصَ، أو يُوجِبُه فعُفِيَ عنه، وَجَب نِصْفُ قِيمَتِه، فإن أمْكَنَ أن يُشْتَرَى بها عَبْدٌ كامِلٌ، وإلَّا اشْتُرِيَ شِقْصٌ مِن عَبْدٍ.
وَإِذَا وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نَصِيبُهُ إِلَى الْآخرَينَ.
2578 - مسألة: (وإذا وَقَف على ثَلاثَةٍ ثم على المَساكِينِ، فمَن مات منهم رَجَع نَصِيبُه إلى الآخَرينِ)
فإذا ماتا رَجَع إلى المَساكِينِ؛ لأنَّه جَعَلَه لهم مَشْرُوطًا بانْقِراضِ الثَّلاثَةِ، فوَجَبَ اتِّباعُ شَرْطِه في ذلك، كسائِرِ شُرُوطِه، وكما لو وَقَف على وَلَدِه ثم على المَساكِينِ، فإنَّه لا يُصْرَفُ إلى المَساكِينِ شيءٌ مِن الوَقْفِ إلَّا بعدَ انْقِراضِ الوَلَدِ، كذلك ههُنا.
فَصْلٌ: وَيُرْجَعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ في قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيهِ، وَفِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّسْويَةِ وَالتَّفْضِيلِ وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ، وَفِي النَّاظِرِ فِيهِ، وَالإِنْفَاقِ عَلَيهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ويُرْجَعُ إلى شَرْطِ الواقِفِ في قَسْمِه على المَوْقُوفِ عليهم؛ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرٍ، والجَمْعِ والتَّرْتِيبِ، والتَّسْويَةِ والتَّفْضِيلِ، وإخْراجِ مَن شاء بصِفةٍ وإدْخالِه بصِفَةٍ، وفي النّاظِرِ فيه، والإِنْفاقِ عليه، وسائِرِ أحْوَالِه) لأنَّه ثَبَت بوَقْفِه، فوَجَبَ أن يُتْبَعَ فيه شَرْطُه، ولأنَّ ابْتِداءَ الوَقْفِ مُفَوَّضٌ إليه، فكذلك تَفْضِيلُه 1 وتَرْتِيبُه.
وكذلك إن شَرَط إخْراجَ بعضِهم بصِفَةٍ ورَدَّه بصِفَةٍ، مثلَ أن يقولَ:
..................................
مَن تَزَوَّجَ منهم فله، ومَن فارَقَ فلا شيءَ له.
أو عكس ذلك.
أو: مَن حَفِظ القُرآنَ فله، ومَن نَسِيَه فلا شيءَ له.
أو: مَن اشْتَغَلَ بالعِلْمِ فله، ومَن تَرَكَه فلا شيءَ له.
أو: مَن كان على مَذْهَبِ كذا فله 1، ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له.
وكذلك إن وَقَف على أوْلادِه على أنَّ للأُنْثَى سَهْمًا وللذَّكَرِ سَهْمَين، أو على حَسَبِ مِيِراثِهم، أو بالعَكْسِ، أو على أنَّ للكَبِيرِ ضِعْفَ ما للصَّغِيرِ، أو للفَقِيرِ ضِعْفَ ما للغَنِيِّ، أو عكس ذلك، أو عَيَّنَ بالتَّفْضِيلِ واحِدًا
..................................
مُعَيَّنًا، أو وَلَدَه، وما أشْبَهَ هذا، فهو على ما قال؛ لِما ذَكَرْنا.
فكلُّ هذا صَحِيحٌ، وهو على ما شَرَط.
وقد رَوَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، أنَّ الزُّبَيرَ جَعَل دُورَه صَدَقَةً على بَنِيه، لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَرْدُودَةِ مِن بَناتِه أن تَسْكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ اسْتَغْنَتْ بزَوْجٍ فلا حَقَّ لها في الوَقْفِ 1. وليس هذا تَعْلِيقًا للوَقْفِ بصِفَةٍ، بل وَقْفٌ مُطْلَقٌ، والاسْتِحْقاقُ له بصِفَةٍ.
وكلُّ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا، فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ.
وَقِيلَ: لِلْحَاكِمِ وَيُنْفِقُ عَلَيهِ مِنْ غَلَّتِهِ.
2579 - مسألة: (فإن لم يَشْرُطْ ناظِرًا، فالنَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه. وقِيلَ: للحاكِمِ, ويُنْفِقُ عليه مِن غَلَّتِه)
النَّظَرُ في الوَقْفِ لمَن شَرَطَه الواقِفُ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، جَعَل وَقْفَه إلى حَفْصَةَ، تَلِيه ما عاشَتْ، ثم يَلِيه ذُو الرَّأْي مِن أهْلِها 1. ولأنَّ مَصْرِفَ الوَقْفِ يُتْبَعُ فيه شَرْطُ الواقِفِ، فكذلك النَّظَرُ.
فإن جَعَل النَّظَرَ لنَفْسِه، جاز، وإن جَعَلَه إلى غيرِه، صَحَّ.
فإن لم يَجْعَلْه إلى أحدٍ، أو جَعَلَه لإِنْسانٍ فمات، فالنَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه يَخْتَصُّ بنَفْعِه، فكان نَظَرُه إليه، كَمِلْكِه المُطْلَقِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْظُرَ فيه الحاكِمُ.
اخْتارَه ابنُ أبي موسى.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك مَبْنِيًّا على أنَّ المِلْكَ فيه هل يَنْتَقِلُ إلى
..................................
المَوْقُوفِ عليه، أو إلى اللهِ تعالى؟ فإن قُلْنا: هو للمَوْقُوفِ عليه.
فالنَّظَرُ له فيه؛ لأنَّه يَمْلِكُ عَينَه ونَفْعَه.
وإن قُلْنا: هو لله تعالى.
فالحاكِمُ يتَوَلّاه، ويَصْرِفُه إلى مَصارِفِه؛ لأنَّه مالُ اللهِ، فكان النَّظَرُ فيه إلى حاكِمِ المُسْلِمِين، كالوَقْفِ على المَساكِينِ.
فأمّا الوَقْفُ على المَساكِينِ والمساجِدِ ونحوها، أو على مَن لا يُمْكِنُ حَصْرُهم واسْتِيعابُهم، فالنَّظَرُ فيه إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه ليس له مالِكٌ مُعَيَّنٌ يَنْظُرُ فيه وللحاكِمِ أن يَسْتَنِيبَ فيه؛ لأنَّ الحاكِمَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي النَّظَرِ بنَفْسِه.
فصل: ومتى كان النَّظَرُ للمَوْقُوفِ عليه، إمّا بجَعْل، الواقِفِ النَّظَرَ له، أو لكَوْنِه أحَقَّ بذلك عندَ عَدَمِ ناظِرٍ سِواه، و 1 كان واحِدًا مُكَلَّفًا رَشِيدًا، فهو أحَقُّ بذلك، رجلًا كان أو امْرأةً، عَدْلًا أو فاسِقًا؛ لأنَّه يَنْظُرُ لنَفْسِه، فكان له ذلك في هذه الأحْوالِ، كمِلْكِه المُطْلَقِ.
ويَحْتَمِلُ أن
..................................
يُضَمَّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ؛ حِفْظًا لأصْلِ الوَقْفِ عن البَيعِ والتَّضْيِيعِ.
وإن كان الوَقْفُ لجَماعَةٍ رَشِيدِين، فالنَّظَرُ للجَمِيعِ، لكلِّ إنْسانٍ في حِصَّتِه.
فإن كان المَوْقُوفُ عليه صَغِيرًا أو مَجْنُونًا أو سَفِيهًا، قام وَلِيُّه في النَّظَرِ مَقامَه، كمِلْكِه المُطْلَقِ.
وإن كان النَّظَرُ لغيرِ المَوْقُوفِ عليه بتَوْلِيَةِ الواقِفِ
..................................
أو الحاكِمِ، أو لبعضِ المَوْقُوفِ عليهم، لم يَجُزْ أن يكونَ إلَّا أمِينًا، فإن لم يكنْ أمِينًا، لم تَصِحَّ ولايتُه إن كانت مِن الحاكِمِ، وأُزِيلَتْ يَدُه.
وإن وَلَّاه الواقِفُ وهو فاسِقٌ، أو كان عَدْلًا ففَسَقَ، ضُمَّ إليه أمِينٌ لحِفْظِ الوَقْفِ، ولم تَزُلْ يَدُه؛ لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَقَّين.
ويَحْتَمِلُ أن لا
..................................
تَصِحَّ تَوْلِيَةُ الفاسِق، ويَنْعَزِلُ إذا فَسَق؛ لأنَّها ولايَةٌ على حَقِّ غيرِه، فنافاها الفِسْقُ, كما لو وَلَّاه الحاكِمُ، وكما لو لم يُمْكِنْ حِفْظُ الوَقفِ منه مع بَقاءِ ولايَتِه، فإنَّ يَدَه تُزالُ؛ لأنَّ مُراعاةَ حِفْظِ الوَقْفِ أهَمُّ مِن إبْقاءِ ولايةِ الفاسِقِ عليه.
فصل: ونَفَقَةُ الوَقْفِ مِنِ حيثُ شَرَط الواقِفُ؛ لأنَّه لَمّا اتُّبعَ شَرْطُه في مَصْرِفِه، وَجَب اتِّباعُه في نفَقَتِه.
فإن لم يَكُنْ شَرَط، فمِن غَلَّتِه؛ لأنَّ الوَقْفَ اقْتَضَى تَحْبِيسَ أصْلِه وتَسْبِيلَ نَفْعِه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بالإِنْفاقِ
..................................
عليه، فهو مِن ضَرُورَتِه.
وكذلك عِمارَةُ الوَقْفِ، قِياسًا على نَفَقَتِه.
فإن تَعَطَّلَتْ مَنافِعُ الحَيَوانِ المَوْقُوفِ، فنَفَقَتُه على المَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه.
ويَحْتَمِلُ وُجُوبَها في بَيتِ المالِ.
ويجوزُ بَيعُه، على ما نَذْكُرُه.
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَهُوَ لِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّويَّةِ،
2580 - مسألة: (وإن وَقَف على وَلَدِه ثم على المَساكِينِ، فهو لوَلَدِه الذُّكُورِ والإِناثِ)
والخَناثَى 1 (بالسَّويَّةِ).
وكذلك إن قال: وَقَفْتُ على أوْلادِي.
أو: على وَلَدِ فُلانٍ.
لأنَّه شَرَّكَ بينَهم، وإطْلاقُ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي التَّسْويَةَ, كما لو أقَرَّ لهم بشيءٍ، وكَولَدِ الأُمِّ في المِيراثِ حينَ شَرَّكَ الله تعالى بينَهم فيه فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 2. تَساوَوْا فيه، ولم يُفَضِّلْ بعضَهم على بعضٍ، وليس كذلك في مِيراثِ وَلَدِ الأبَوَين، ووَلَدِ الأبِ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ 3. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
2581 - مسألة: (ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ، وهل يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَنِين؟ على روايتَين)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمه اللهُ، في ذلك، فرُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّه يكونُ وَقْفًا على أوْلادِه، وأوْلادِ بَنِيه الذُّكُورِ والإِناثِ، ما لم تَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُه عن ذلك، دُونَ أولادِ البَناتِ.
قال
..................................
المَرُّوذِيُّ: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: ما تقولُ في رجلٍ وَقَف ضَيعَةً على وَلَدِه، فمات الأوْلادُ وتَرَكُوا النِّسْوَةَ حَوامِلَ؟ فقالي: كلُّ ما كان مِن أوْلادِ الذُّكُورِ، بناتٍ كُنَّ أو بَنِين، فالضَّيعَةُ مَوْقُوفَةٌ عليهم، وما كان مِن أوْلادِ البَناتِ فليس لهم فيه شيءٌ؛ لأنَّهم مِن رجلٍ آخَرَ.
ووَجْهُ ذلك أنَّ اللهَ تعالى لَمّا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ 1. دَخَل فيه وَلَدُ البَنِين وإن سَفَلُوا، ولَمّا قال: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
تَناوَلَ وَلَدَ البَنِين.
فالمُطْلَقُ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ إذا خَلا عن قَرِينَةٍ، يَنْبَغِي أن يُحْمَلَ على المُطْلَقِ مِن كَلامِ اللهِ تعالى، ويُفَسَّرَ بما يُفَسَّرُ به.
ولأنَّ وَلَدَ الوَلَدِ وَلَدٌ، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾