الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 550-32

وَإِنَّما تَجِبُ دِيَتُهُ إِذَا أزَالَهُ عَلَى وَجْه لَا يَعُودُ، فَإِنْ عَادَ، سَقَطَتِ الدِّيَةُ، وَإِنْ أَبقَى مِنْ لِحْيَتِه مَا لَا جَمَالَ فِيهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ.

4298 - مسألة: (وإنَّما تَجبُ دِيَتُه إذا أزاله على وَجْهٍ لا يَعُودُ)

مثلَ أن يقْلِبَ على رأسِه ماءً (1) حارًّا، فيَتْلَفَ مَنْبَتُ الشَّعَرِ، فيَنْقَلِعَ (2) بالكُلِّيَّةِ بحيثُ لا يعودُ.
وإن رُجِىَ عَوْدُه إلى مُدَّةٍ، انْتُظِرَ إليها.
4299 -

مسألة: (فإن عاد، سَقَطَتِ الدِّيَةُ)

إذا عادَ قبلَ أخْذِ الدِّيَةِ، لم تجبْ، فإن عادَ بعدَ أخْذِها رَدَّها، والحُكمُ فيه كالحُكمِ في ذَهابِ السَّمْعِ والبَصَرِ فيما يُرْجى عَوْدُه وما لا يُرْجَى.
4300 -

مسألة: (وإن بَقِىَ مِن لِحْيَته ما لا جَمالَ فيه)

أو مِنِ غيرِها 3 مِن الشُّعُورِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُؤْخَذُ بالقِسْطِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ يجبُ في بعْضِه بحِصَّتِه، فأشْبَهَ الأُذُنَ ومارِنَ الأنْفِ.
والثانى، تجبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأنَّه أذْهبَ المقْصُودَ كلَّه، فأشْبَهَ ما لو أذْهَب ضَوْءَ العَيْنَيْن،12

وَإِنْ قَلَعَ الْجَفْنَ بِهدْبِهِ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَة الْجَفْنِ، وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الأسْنَانِ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَة الأَسْنَانِ،  ولأَنَّ جنايتَه ربَّما أحْوجَتْ إلى إذْهابِ الباقى لزِيادَتِه في القُبْحِ على ذَهابِ الكلِّ، فتكون جِنايتُه سَبَبًا لذَهابِ الكلِّ، فأوْجَبَتْ دِيَتَه، كما لو ذَهبَ بسِرايَةِ الفِعْلِ، أو كما لو احْتاجَ في دَواءِ شَجَّةِ الرَّأْسِ إلى ما أذْهبَ ضَوْءَ عَيْنَيْه.
فصل: ولا قِصاصَ في شَىْءٍ مِن هذه الشُّعُورِ؛ لأن إتْلافَها إنَّما يكونُ بالجِنايةِ على مَحَلِّها، وهو غيرُ معلومِ المِقْدارِ، ولا تُمْكِنُ المُساواةُ فيه، فلا يجبُ القِصاصُ فيه.

4301 -

مسألة: (وإن قَلَعَ الجَفْنَ بِهُدْبِه، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الجَفْنِ)

لأَنَّ الشَّعَرَ يَزولُ تَبَعًا لِزَوالِ الأجْفانِ، فلم يجبْ فيه شئٌ، كالأصابعِ إذا قُطِعَ الكَفُّ وهى عليه.
4302 -

مسألة: (وإن قَلَعَ اللَّحْيَيْن بما عليهما مِن الأسْنانِ، وَجَبَتْ دِيَتُهما ودِيَةُ الأسْنانِ)

ولم تَدْخُلْ دِيَةُ الأسْنانِ في اللَّحْيَيْنِ، كما تدْخُلُ دِيَةُ الأصابعِ في اليَدِ؛ لوُجُوهٍ ثلاثةٍ 1؛ أحَدُها، أنَّ الأسْنانَ ليست مُتَّصِلَةً

وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَةُ الْأَصَابعِ.
وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابعِ، دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابعَ في دِيَتِهَا، وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِى الْكَفِّ.
باللَّحْيَيْنِ، وإنَّما هى مُغْرَزَة فيها، بخِلافِ الأَصابعِ.
الثانى، أنَّ أحَدَهما يَنْفَرِدُ باسْمِه عن الآخرِ، بخِلافِ الأصابعِ مع الكَفِّ، فإنَّ اسمَ اليَدِ يشْمَلُهما.
الثالثُ، أن اللَّحْيَيْن يُوجَدان مُنْفَرِدَيْن عن الأسْنانِ، فإنَّهما يُوجَدان قبلَ وُجودِ الأسْنانِ، ويَبْقَيان بعدَ قَلْعِهما، بخِلافِ الكَفِّ مع الأصابعِ.

4303 -

مسألة: (وإن قَطَع كَفًّا بأصابِعِه، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الأصابعِ)

لدُخولِ الجميعِ في مُسَمَّى اليَدِ، وكما لو قَطَع ذَكَرًا بحَشَفَتِه، لم يجبْ إلَّا دِيَةُ الحَشَفَةِ؛ لدُخُولِها في مُسَمى الذَّكَرِ.
4304 -

مسألة: (وإن قَطَعَ كَفًّا عليه بَعْضُ الأصابعِ، دَخَلَ مَا حاذَى الأصابعَ في دِيتها، وعليه أَرْشُ باقِى الكَفِّ)

لأَنَّ الأصابعَ لو كانت

وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفْرِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَتُهَا.

فَصْلٌ: وَفِى عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
سالمةً كلّها لدَخَلَ أَرْشُ الكَفِّ كلِّه في دِيَةِ الأصابعِ، فكذلك ما حَاذَى الأصابعَ السالمةَ يدْخُلُ في دِيَتِها، وما حَاذَى المقْطُوعاتِ ليس له ما يدْخُلُ في دِيَتِه، فوجَبَ أَرْشُه، كما لو كانتِ الأصابعُ كلُّها مقْطوعةً.

4305 -

مسألة: (وإن قَطَعَ أُنْمُلَةً بِظُفْرِها، فليس عليه إلَّا دِيَتُها)

كما لو قطعَ كَفًّا بأصابِعِها، أو قَطَعَ جَفْنًا بهُدْبِه.

فصل

: (وفى عَيْنِ الأعْورِ دِيَةٌ كاملةٌ.
نَصَّ عليه) وبذلك قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، وقَتادةُ، وإسْحاقُ.
وقال مَسْرُوقٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّل، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ: فيها نِصْفُ الدِّيَةِ، لقوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وفى العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ» 1. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفى العَيْنَيْنَ الدِّيَةُ» 2. يقْتَضِى أن

..................................  لا يجبَ فيها أكثرُ مِن ذلك، سَواءٌ قَلَعَهُما 1 واحِدٌ أو اثْنانِ، في وقتٍ واحدٍ أو في وَقْتَيْن، وقالعُ الثَّانيةِ قالِعُ عَيْنِ أعْوَرَ، فلو وجَبَ عليه دِيَةٌ، لوَجبَ فيهما دِيَةٌ ونِصْفٌ، ولأَنَّ ما يُضْمَنُ بنِصْفِ الدِّيَةِ مع نَظِيرِه، يُضْمَنُ به مع ذَهابِه، كالأُذُنِ.
ويَحْتَمِلُ هذا 2 كلامُ الخِرَقِىِّ، لقوْلِه: وفى العيْنِ الواحدةِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
ولم يُفَرِّقْ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، وعُمانَ، وعَلِيًّا، وابنَ عمرَ، قَضَوْا في عَيْنِ الأعْوَرِ بالدِّيَةِ.
ولا نعلمُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا, ولأَنَّ قَلْعَ عَيْنِ الأعْوَرِ يتَضَمَّنُ إذهابَ البصرِ كلِّه، فوجَبَتِ الدِّيَةُ، كما لو أذْهَبَه من العيْنَيْن.
ودليلُ ذلك أنَّه يحْصُلُ بها ما يحْصُلُ بالعينَيْن، فإنَّه يَرَى الأشْياءَ البعيدةَ، ويُدْرِكُ الأشْياءَ اللَّطيفةَ، ويعْمَلُ أعْمالَ البُصَراءِ، ويجوزُ أن يكونَ قاضِيًا، ويُجْزِئُ في الكفَّارَةِ، وفى الأُضْحِيَةِ إذا لم تَكُنِ العينُ مَخْسُوفَةً، فوجبَ في بَصَرِه دِيَة كاملةٌ، كذِى العَيْنَيْن.
فإن قِيل: فعلى هذا ينْبَغِى أن لا يجبَ في ذَهابِ إحْدَى العَيْنَيْن نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ.
قُلْنا: لا 3 يَلْزَمُ مِن وُجوبِ شئٍ مِن دِيَةِ العَيْنَيْن نَقْصُ دِيَةِ الباقى، بدليلِ ما لو جَنَى عليهما فاحْوَلَّتا، أو عَمِشَتا، أو نَقَصَ ضَوْؤهما، فإنَّه يجبُ أَرْشُ النَّقْصِ، ولا تَنْقُصُ دِيَتُهما بذلك،

وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً لِعَيْنهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ.
ولأَنَّ النَّقْصَ الحاصلَ لم يُؤثِّرْ في تَنْقِيصِ أحْكامِه، ولا هو مَضْبُوطٌ في تَفْويتِ النَّفْعِ، فلم يُؤثِّرْ في تَنْقِيصِ الدِّيَةِ.
قلتُ: ولولا ما رُوِى عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، لكان القولُ الآخَرُ أوْلَى؛ لظاهرِ النَّصِّ، والقِياسِ على ذَهابِ سَمْعِ إحْدَى الأُذُنيْنِ، وما ذُكِرَ مِن المعانى، فهو موٍ جودٌ فيما إذا أذْهَبَ سَمْعَ (1) إحْدَى الأُذُنيْن، ولم يُوجِبُوا في الباقيةِ (2) دِيَة كاملةً.
واللَّهُ أعلمُ.

4306 -

مسألة: (وإن قَلَعَ الأعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُماثِلَةً لعَيْنِه الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فلا قِصاصَ، وعليه دِيَةٌ كامِلَةٌ)

إذا قَلَعَ الأعْوَرُ عينَ صَحِيحٍ، نَظَرْنا؛ فإن قلَعَ العَيْنَ التى لا تُماثِلُ عيْنَه الصَّحيحةَ، أو قلعَ المُماثِلَةَ خَطأً، فليس عليه إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ ذلك12

وَيَحْتَمِل أَنْ تقْلَعَ عَيْنُهُ وَيُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ.
هو الأصْلُ، وإن قلَعَ المُماثِلَةَ لعَيْنِه الصَّحِيحَةِ عَمْدًا، فلا قِصاصَ، وعليه دِيَةٌ كاملةٌ.
وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومالكٌ في إحْدَى رِوايتَيْه.
وقال في الأُخْرَى: عليه نِصْفُ الدِّيَةِ، ولا قِصاصَ.
وقال المُخالِفُون في المسألَةِ الأُولَى: له القِصاصُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 1. وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله نِصْفُها؛ للخَبَرِ، ولأنَّه لو قَلَعَها غيرُه لم يجبْ فيها إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، فلم يجبْ فيه إلَّا نِصْفُها، كالعَيْنِ الأُخْرَى.
ولَنا، أنَّ عمرَ، وعُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قَضَيَا بمثْلِ مذْهَبِنا، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا, ولأنَّنا مَنَعْناه مِن إتْلافِ ضَوْءٍ يُضْمَنُ بدِيَةٍ كاملةٍ، فوجَبَتْ عليه دِيَةٌ كاملةٌ، كما لو قَلَعَ عَيْنَىْ سَليمٍ، ثم عَمِىَ الجانِى (ويَحْتَمِلُ أن تُقْلَعَ عيْنُه، ويُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ) لأَنَّ ذلك يُرْوَى فيه أثَرٌ 2، وقد رُوِى عن 3 علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في الرَّجُلِ إذا قَتَلَ امرأةً، أنَّه 4 يُقْتَلُ بها، ويُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ 5.

وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَىْ صَحِيحٍ عَمْدًا، خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ عَيْنهِ وَلَا شَىْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وبَيْنَ الدِّيَةِ.
4307 - مسألة: (وإن قَلَعَ عَيْنَىْ صَحِيحٍ عَمْدًا، خُيِّرَ بينَ قَلْعِ عَيْنه ولا شَىْءَ له غَيْرُها، وبينَ الدِّيَةِ) إذا قَلَعَ الأعْور عَيْنَىْ صَحِيحٍ عَمْدًا، فإن شاءَ قَلَع عَيْنَه ولا شئَ له؛ لأَنَّ عيْنَه فيها دِيَةٌ كاملةٌ؛ لِما ذكَرْنا مِن قضاءِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فيها بالدِّيَةِ، ولأنَّه أذْهَبَ بَصَرَه كلَّه، فلم يَكُنْ له أكثرُ مِن إذْهابِ بَصَرِه، وهو مَبْنِىٌّ على قَضاءِ الصَّحابةِ، وأنَّ عَيْنَ الأَعْوَرِ تَقومُ مَقامَ العيْنَيْنِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ له القِصاصَ ونِصْفَ الدِّيَةِ للعَيْنِ الأُخْرَى، وهو مُقْتَضَى الدليلِ.
واللَّهُ أعلمُ [(وبينَ) أخْذِ (الدِّيَةِ)] 1 فأمَّا إن قَلَعَهما خَطأً، فليس له إلَّا الدِّيَةُ، كما لو قَلَعَهما صَحِيحُ العيْنَيْن.
وذكرَ القاضى فيما إذا قَلَعَهُما عَمْدًا أنَّ قِياسَ المذهبِ وجُوبُ دِيَتَيْن؛ إحداهما في العَيْنِ التى اسْتَحَقَّ بها قَلْعَ عَيْنِ الأَعْوَرِ، والأُخْرَى في الأُخْرَى؛ لأنَّها عَيْنُ أعْوَرَ 2. ولَنا، قولُ النبىِّ

وَفِى يَدِ الأَقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ في رِجْلِهِ.
وَعَنْهُ، فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
- صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» (1). ولأنَّه قَلَع عَيْنَيْن، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن الدِّيَةِ، كما لو كان القالِعُ صَحِيحًا, ولأنَّه لم يَزِدْ على تَفْوِيتِ منْفَعةِ الجِنْسِ، فلم يَزِدْ على الدِّيَةِ، كما لو قَطَع أذُنَيْه.
وما ذَكَره القاضى لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ وجُوبَ الدِّيَةِ في إحْدَى عيْنَيْهِ لا يجْعَلُ الأُخْرَى عَيْنَ أعْوَرَ، على أنَّ (2) وُجوبَ الدِّيَةِ بقَلْعِ إحْدَى العَيْنَيْن، قَضِيَّةٌ مُخالِفةٌ للخَبَرِ والقِياسِ، صِرْنا إليها لإِجْماعِ الصَّحابةِ عليها، ففيما عَدا مَوْضِعَ الإِجْماعِ يجبُ العملُ بهما والبقاءُ عليهما.

4308 -

مسألة: (وفى يدِ الأقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وكذلك في رِجْلِه. وعنه، فيها دِيَةٌ كامِلَةٌ)

وإنِ اخْتارَ القِصاصَ فله ذلك؛ لأنَّه عُضْوٌ أمْكَنَ القِصاصُ في مِثْلِه، فكان الواجبُ فيه القِصاصَ أو دِيَةَ12

..................................  مِثْلِه، كما لو قَطَعَ أُذُنَ مَن له أُذُنٌ واحدةٌ.
وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أنَّ الأُولَى إن كانت قطِعَتْ ظُلْمًا وأخَذَ دِيَتَها، أو قُطِعَتْ قِصاصًا، ففيها نِصْفُ دِيَتِها، وإن قُطِعَتْ في سَبيلِ اللَّهِ، ففى الباقيةِ دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّه عَطَّلَ منافِعَه مِن العُضْوَيْن جُمْلَةً، فأشْبَهَ قَلْعَ عَيْنِ الأعْوَرِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ هذا أحَدُ العُضْويْن اللَّذَيْنِ تحْصُلُ بهما مَنْفَعةُ الجِنْسِ، لا يقُومُ مَقامَ العُضْويْن، فلم يَجِبْ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كسائرِ الأعْضاء، وكما لو كانتِ الأُولَى أُخِذَتْ قِصاصًا، أو في غيرِ سبيلِ اللَّهِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على عيْنِ الأعْوَرِ؛ لثلاثةِ وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ عَيْنَ الأعْوَرِ حصَلَ بها 1 ما يحصُلُ بالعَيْنَيْن، ولم يَخْتَلِفا في الحقيقةِ والأحْكامْ إلَّا اخْتِلافًا يَسِيرًا، بخِلافِ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ.
والثانى، أنَّ عَيْنَ الأعْورِ لم يخْتلفِ الحُكْمُ فيها باخْتِلافِ صِفَةِ 2 ذَهابِ الأُولَى، وههُنا اخْتلَفَ.
الثالثُ، أنَّ هذا التَّقْديرَ والتَّعْيِينَ على هذا الوَجْهِ أمرٌ لا يُصارُ إليه بمُجَرَّدِ الرَّأْى، ولا تَوْقِيفَ فيه فيُصارَ إليه، ولا نَظِيرَ له فيُقاسَ عليه، فالمصيرُ إليه تحَكُّمٌ بغيرِ دليلٍ، فيجبُ اطِّراحُه.
فأمَّا إن قُطِعَتْ أُذُنُ مَن قُطِعَتْ أُذُنُه، أو مَنْخَرُ مَنِ قُطِعَ مَنْخَرُه، لم يجبْ فيه أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ، رِوايةً واحدةً؛ لأَنَّ مَنْفعةَ كلِّ أُذُنٍ لا تتعلَّقُ بالأُخْرَى، بخِلافِ العَيْنَيْن.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل اللَّه مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ الشِّجَاجِ وَكسْرِ الْعِظَامِ

الشَّجَّةُ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً؛ وَهِىَ عَشْرٌ؛ خَمْسٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا؛ أَوَّلُهَا، الْحَارِصَةُ الَّتِى تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَىْ تَشُقُّهُ قَلِيلًا ولا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الَّتِى يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ الَّتِى تَبْضِعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ الَّتِى أَخَذَتْ في اللَّحْمِ.
بابُ الشِّجاجِ وكَسْرِ العِظامِ (الشَّجَّةُ اسْمٌ لجُرْحِ الرَّأْسِ والوَجْهِ خاصَّةً، وهى عَشْرٌ، خَمسٌ لا مُقَدَّرَ فيها، أوَّلُها الحارِصَةُ) وهى (التى تَحْرِصُ الجِلْدَ، أى تَشُقُّه قَلِيلًا ولا تُدْمِيه، ثم البازِلَةُ) وهى الدّامِيَةُ التى يَخرُجُ منها دَمٌ يَسِيرٌ (ثم

ثُمَّ السِّمْحَاقُ الَّتِى بَيْنَهَا وَبَينَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ.
فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكومَةٌ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، في الْبَازِلَةِ بَعِيرٌ، وَفِى  الباضِعَةُ) وهى التى تَشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ (ثم المُتَلاحِمَةُ) وهى التى تَنْزِلُ فيها اللَّحْمِ (ثم السِّمْحاقُ التى بينَها وبينَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ.
فهذه الخَمْسُ فيها حُكومةٌ في ظاهرِ المَذْهَبِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الشِّجاجَ عَشْرٌ؛ خَمسٌ لا تَوْقِيتَ فيها، أوَّلُها الحارِصَةُ -قالَه الأصْمَعِىُّ- وهى التى تَشُقُّ الجِلْدَ قليلًا.
يَعْنِى 1 تَقْشِرُ شيئًا يَسِيرًا مِن الجِلْدِ، لا يَظْهَرُ منه دَمٌ، ومنه: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ.
إذا شَقَّه قليلًا.
وقال بعْضُهم: هى الحَرْصَةُ.
ثم البازِلَةُ وهى التى يَنْزِلُ منها الدَّمُ، أى يَسِيلُ.
وتُسَمَّى الدَّامِيَة أيضًا، والدَّامِعةَ، لقِلَّةِ سَيَلانِ دَمِها، تَشْبِيهًا له بخرُوجِ الدَّمْعِ من العَيْنِ.
ثم الباضِعَةُ وهى التى تَشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ.
ثم المُتَلاحِمَةُ وهى التى أخَذَتْ في اللَّحْمِ، يعنى دَخَلَتْ فيه دُخُولًا كثِيرًا، تَزِيد على الباضِعَةِ ولم تَبْلُغِ السِّمْحاقَ.
ثم السِّمْحاقُ وهى التى تَصِلُ إلى قِشرَةٍ رَقِيقَةٍ فوقَ العَظْمِ، تُسَمَّى تلك القِشْرَةُ سِمْحَاقًا، وسُمِّيتِ الجِراحُ الواصِلَةُ إليها بها،

الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِى الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَة، وَفِى السِّمْحَاقِ أربَعَةٌ.
ويُسَمِّيها أهلُ المدينةِ المِلْطى والمِلْطَاةَ، وهى تأخُذُ اللَّحْمَ كلَّه حتى تَخْلُصَ منه.
وهذه الشِّجاجُ الخمسُ لا تَوْقِيتَ فيها في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهاءِ.
يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى أنَّ (في الدَّامِيَةِ بَعِيرًا، وفى الباضِعَةِ بغِيرَيْنِ، وفى المُتَلاحِمَةِ ثلاثةَ أبعِرَةٍ 1، وفى السِّمْحاقِ أرْبَعَةَ أبعِرَةٍ) لأَنَّ ذلك يُرْوَى عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في السِّمْحاقِ مثلُ ذلك.
روَاه سعيدٌ عتهما 2. لى عن عمرَ، وعُثمانَ، فيها نِصْفُ أَرْشِ المُوضِحَةِ 3. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، فإنَّها جِراحاتٌ لم يَرِدْ فيها تَوْقِيت في الشَّرْع، فكان الواجِبُ فيها حُكومةً، كجِرِاحاتِ البَدَنِ.
رُوِى عن مَكْحُولٍ قال: قَضَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: في المُوضِحَةِ بخمْسٍ من الإِبلِ، ولم يَقْضِ فيما دُونَها 4. ولأنَّه لم يَثْبُتْ فيها مُقَدَّرٌ 5 بتَوْقِيفٍ، ولا له (1) قِياسٌ يَصِحُّ، فوجَب

..................................  الرُّجوعُ إلى الحُكُومَةِ، كالحَارِصَةِ.
وذكرَ القاضى أنَّه متى 1 أمْكَنَ اعْتِبارُ [هذه الجِراحاتِ مِن المُوضِحَةِ، مثلَ أن يكونَ في رأسِ المَجْنِىِّ عليه مُوضحَة إلى جانِبِها، قُدِّرَتْ] 2 هذه الجِراحةُ منها، فإنْ كانتْ بقَدْرِ النِّصْفِ، وجَب نِصْفُ أَرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ كانتْ بقَدْرِ الثُّلُثِ، وجبَ ثُلُثُ الأَرْشِ.
وعلى هذا إلَّا أَنْ تَزِيدَ الحُكُومَةُ على قَدْرِ ذلك، فتُوجِبُ 3 ما تُخْرِجُه الحُكُومَةُ، فإذا كانتِ الجراحَة قَدْرَ نِصْفِ المُوضِحَةِ، وشَيْنُها يَنْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْها، فيُوجِبُ ثُلُثَى أَرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ نَقَصتِ الحُكُومَةُ أقَلَّ مِن النِّصْفِ، أوجبَ النِّصْفَ، فيُوجِبُ الأكْثَرَ ممَّا تُخْرِجُه الحُكومةُ أو قَدْرِها من المُوضِحَةِ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ سَببانِ 4 مُوجِبانِ؛ الشَّيْنُ وقَدْرُها مِن المُوضِحَةِ، فوجَبَ فيها، والدَّلِيلُ على

..................................  إيجابِ 1 المِقْدارِ، أنَّ هذا اللَّحْمَ فيه مُقَدَّرٌ، فكان في بَعْضِه بقَدْرِه مِن دِيَتِه، كالمارِن، الحَشَفَة، الشَّفَة، والجَفْنِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
قالَ شَيْخُنا 2: وَهذا لا نَعلَمُه مَذْهَبًا لأحمدَ ولا يقْتَضِيه مَذْهَبُه، ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ هذه جِراحَةٌ تَجِبُ فيها الحُكُومَةُ، فلا يجبُ فيها مُقَدَّرٌ، كجراحاتِ البَدَنِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على ما ذكَرُوه، فإنَّه لا تجبُ فيه الحُكُومةُ، ولا نَعْلَمُ لِما ذَكَرُوه نَظيرًا، وما لم يَكُنْ فيه مِن الجِراحِ تَوْقِيتٌ، ولم يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وُقِّتَتْ دِيَتُه، ففيه حُكُومَةٌ.
أمَّا الذى فيه تَوْقِيتٌ، فهو الذى نَصَّ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه, وبَيَّنَ قَدْرَ دِيَتِه، كقَوْلِه: «في الأنْفِ الدِّيَةُ 3، وفى اللِّسَانِ الدِّيَةُ» 4. [وقد ذَكَرْناه] 5. وأمَّا نَظِيرُه،

فَصْلٌ: وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ؛ أَوَّلُهَا، الْمُوضِحَةُ الَّتِى تُوضِحُ الْعَظْمَ، أَىْ تُبْرِزُهُ، وَفِيهَا خَمْسَةُ أبْعِرَةٍ.
فهو ما كان في مَعْناه، ومَقِيسًا عليه، كالأَلْيَتَيْنِ (1)، والثَّدْيَيْنِ، والحاجِبَيْنِ، وقد ذكَرْناه أيْضًا (2)، فما لم يَكُنْ مِن المُوَقَّتِ، ولا ممَّا يُمْكِنُ قِياسُه عليه (2)، كالشِّجاجِ التى دُونَ المُوضِحَةِ، وجِراحِ البَدَنِ سِوَى الجائِفَةِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ، وكَسْرِ العِظامِ، فليس فيه إلَّا الحُكُومَةُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وخَمْسٌ فيها مُقَدَّرٌ، أوَّلُها، المُوضِحَةُ) وهى (التى تُوضِحُ العَظْمَ، أى تُبْرِزُه) والوَضَحُ البَيَاضُ، يَعْنِى أنَّها أبدَتْ وَضَحَ العَظْمِ، أىْ بَياضَه.
وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ أرشَها مُقَدَّرٌ.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ 3. وفى كتابِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وَفِى المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ» 4. ورَوَى12

وَعَنْهُ، في مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ.
وَالأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
عمرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «في المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ».
رواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وإنَّما يجِبُ ذلك في مُوضِحَةِ الحُرِّ، فأمَّا مُوضِحَةُ العَبْدِ فقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها.
ومُوضِحَةُ المَرْأةِ كمُوضِحَةِ الرَّجُلِ، فيما يَجِبُ فيها عندَ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأن المرأةَ تُساوِى 2 جِراحُها جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ.
وعندَ الشَّافعىِّ أنَّ مُوضِحَةَ المرأةِ إنَّما يَجِبُ فيها نِصْفُ ما وجَبَ في مُوضِحَةِ الرَّجلِ، بِناءً على مذْهَبِه في أنَّ جِراحَ المَرْأةِ على النِّصْفِ مِن جِراحِ الرَّجُلِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ.
والحديثُ الذى ذكرْناه حُجَّةٌ عليه، وفيه كِفايَة.
وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ المُوضِحَةَ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَواءٌ.
وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ.
رُوِى ذلك عن أبى بكْرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال شُرَيْحٌ، ومَكْحُولٌ، [والشَّعْبِىُّ] 3، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ، وأبو حَنِيفةَ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ.
(وعن أحمدَ أنَّ في مُوضِحَةِ الوَجْهِ عَشَرَةَ أبعِرَةٍ) رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ

..................................  المُسَيَّبِ؛ لأَنَّ شَيْنَها أكْثَرُ، ومُوضِحَةُ الرَّأْسِ يسْتُرُها الشَّعَرُ والعِمامَةُ.
وقال مالكٌ: إذا كانت في أنْفٍ أو في اللَّحْىِ الأسْفَلِ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّها تَبْعُدُ عن الدِّماغِ، فأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ 1 سائرِ البَدَنِ.
ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وقولُ أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: المُوضِحَةُ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَوَاءٌ 2. ولأنَّها مُوضِحَةٌ، فكانَ أرْشُها خَمْسًا من الإِبلِ، كغَيرِها ممَّا سَلَّمُوه، ولا عِبْرَةَ بكَثْرَةِ الشَّيْنِ، بدليلِ التَّسْوِيَةِ بينَ الكَبيرَةِ والصَّغِيرَةِ.
[وما ذَكَرَه مالِكٌ] 3 لا يَصِحُّ، فإنَّ المُوضِحَةَ في الصَّدْرِ أكثرُ ضَرَرًا، وأقْرَبُ إلى القَلْبِ، ولا مُقَدَّرَ فيها, ولأَنَّ ما قالَه مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ.
وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه قال: مُوضِحَةُ الوَجْهِ أحْرَى أَنْ يُزادَ في دِيَتها.
وليس مَعْنَى هذا أنَّه يَجبُ فيها أكْثَرُ، إنَّما مَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّها أوْلَى بإِيجابِ الدِّيَةِ، فإنَّها إذا وجَبَتْ في مُوضحَةِ الرَّأْسِ، مع قِلَّةِ شَيْنها واسْتِتَارِها بالشَّعَرِ وغِطاءِ الرَّأْسِ، خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، فلَأنْ يَجِبَ ذلك في الوَجْهِ الظاهِرِ الذى هو مَجْمَعُ المَحاسِنِ وعُنوانُ الجَمالِ أوْلى.
وحَمْلُ كلام أحمدَ على 4 هذا أوْلَى مِن حَمْلِه على ما يُخالِفُ الخَبَرَ والأَثَرَ وقَوْلَ أكْثَرِ أَهْلِ العلمِ، بغيرِ تَوْقِيفٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ.

..................................  فصل: ويَجِبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ في الصَّغيرةِ والكبيرةِ، والبارِزَةِ والمسْتُورةِ بالشَّعَرِ؛ لأَنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ.
وحَدُّ المُوضِحَةِ ما أفْضَى إلى العَظْمِ ولو بقدرِ إبْرةٍ.
ذكَره ابنُ القاسِمِ، والقاضى.
فصل: وليس في مُوضِحَةِ غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ مُقَدَّرٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم إمامُنا، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: ولا تَكُونُ في البَدَنِ مُوضِحَةٌ.
يَعْنِى ليس فها مُقَدَّرٌ.
[وقال] 2: على ذلك جَماعةُ العُلَماءِ إلَّا اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ، قال: المُوضِحَةُ تَكُونُ في الجَسَدِ أيضًا.
وقال الأوْزاعِىُّ في جِراحَةِ الجَسَدِ: على النِّصْفِ من جِراحةِ الرَّأْسِ.
وحُكِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ الخُرَاسانِىِّ، قال: في 3 المُوضِحَةِ في سائرِ الجَسَدِ خَمْسَةٌ وعِشْرون دِينارًا.
ولَنا، أنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ إنَّما يُطْلَقُ على الجِراحَةِ المَخْصُوصَةِ في الوَجْهِ والرَّأسِ، وقَوْلُ الخَلِيفَتَيْن الرَّاشِدَيْن: المُوضِحَةُ

فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
في الرَّأْسِ والوجهِ سواءٌ.
يَدُلُّ على أنَّ باقِىَ الجسدِ بخلافِه، ولأَنَّ الشَّيْنَ فيما في الرَّأْسِ والوجهِ أكثرُ وأخْطَرُ ممَّا في سائِرِ البَدَنِ، فلا يَلْحَقُ به، ثُمَّ إيجابُ ذلك في سائِرِ البَدَنِ يُفْضِى إلى أَنْ يَجِبَ في مُوضِحَةِ العُضْوِ أكثرُ من دِيَتِه، مثلَ أن يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُها ثلاثةٌ وثُلُثٌ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ.
وأمَّا قولُ الأَوْزاعِىِّ وعَطاء الخُرَاسانِىِّ، فتَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا يَقْتَضِيه القِياسُ، فيَجِبُ اطِّرَاحُه.

4309 -

مسألة: (فَإنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ ونَزَلَتْ إلى الوَجْهِ، فهل هى مُوضِحَةٌ أو مُوضِحَتَان؟ على وَجْهَيْن)

إذا أوْضَحَه في رَأسِه، ومَدَّها إلى وَجْهِه، فعلى وَجْهَيْن؛ أحدُهما، هى مُوضِحَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ الوَجْهَ والرَّأسَ سَواءٌ في المُوضِحَةِ، فصارا كالعُضْوِ الواحِدِ.
والثانى، هما مُوضِحَتانِ؛

وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، فَإِنْ خَرَقَ  لأنَّه أَوْضَحَه في عُضْوَيْن، فكان لكلِّ واحدٍ منهما حُكْمُ نفْسِه، كما لو أوْضَحَه في رَأْسِه ونزل إلى القَفَا.
ذكر شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، قال: إذا عَمَّتِ الرَّأْسَ.
ولم يذْكُرْه في كتابَيْهِ «المُغْنِى» و «الكافِى» بل (1) أطْلَقَ القَوْلَ فيما إذا كان بعْضُها في الرَّأْسِ، وبعْضُها في الوَجْهِ (2). وإن لم تَعُمَّ الرَّأْسَ، ففيها الوَجْهان، وهو الذى يَقْتَضِيه الدَّلِيلُ المَذْكُورُ.
واللَّهُ أعلمُ.

4310 -

مسألة: (وإن أوْضَحَه مُوضحَتَيْنِ بينهما حاجِزٌ، فعليه

12

مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بالسِّرَايةِ، صَارَا مُوضِحَةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ أَوْ أَجْنَبِىٌّ، فَهِىَ ثَلَاثُ مَوَاضِحَ.
عَشَرَةٌ) مِن الإِبِلِ، أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأنَّهما مُوضِحَتانِ (فإن خرَقَ ما بينَهما، أو ذهب بالسِّرَايَةِ، صارا مُوضِحَةً واحِدَةً) فيَجِبُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ، فصار كما لو أوْضَحَ الكَلَّ مِن غيرِ حاجِز.
فإنِ انْدَمَلَتا، ثم أزالَ الحاجِزَ بينَهما، فعليه أَرْشُ (1) ثَلاثِ مَواضِحَ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ عليه أَرْشُ المُوضِحَتَيْن (2) الأُولَيَيْن بالانْدِمالِ، ثم لَزِمَتْه دِيَةُ الثَّالِثَةِ.
وإنِ انْدَمَلَتْ إحْداهُما، وزالَ الحاجِزُ بفِعْلِه أو سِرَايَةِ الأُخْرَى، فعليه أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ.

4311 -

مسألة: فإنْ خَرَقه أجْنَبِىٌّ،

فعلى الأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وعلِى الثَّانِى أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ أحَدِهما لا يَنْبَنِى على فِعْلِ الآخرِ، فانْفرَدَ كلُّ واحدٍ منهما بحُكْمِ جِنايَتِه.
وإنْ أَزالَه المَجْنِىُّ عليه، وجَب على الأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لأَنَّ ما وجَب بجِنايَتِه لا يَسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه.12

وَإِنِ اخْتَلَفَا في مَنْ خَرَقَهُ، فَالْقولُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ أصَابعِ امْرَأَةٍ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الإبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ، عَادَ إِلَى عِشْرِينَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا في قَاطِعِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ.

4312 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في مَن خَرَقَه، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه)

إذا قال الجانى: أنا شَقَقْتُ ما بينَهما.
وقال المَجْنِىُّ عليه: بل أنا.
أو: أزَالها آخَرُ سِواكَ.
كان القولُ قولَ المَجْنِىِّ عليه؛ لأَنَّ سبَبَ أَرْشِ مُوضِحَتَيْن قد وُجدَ، والجانِى يدَّعِى زَوالَه، والمَجْنِىُّ عليه يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ معه (ومثلُه لو قطَع ثَلاثَ أَصابعِ امْرَأةٍ، فعليْه ثَلاثونَ مِن الإِبِلِ، فإن قَطَع الرّابِعَةَ، عادَ إلى عِشرِين، فإنِ اخْتَلَفا في قاطِعِها، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه) لِما ذَكَرْنا.
وهذا على مَذْهَبِنا؛

وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ المُوضِحَتَيْنِ في الْبَاطِن، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
لأَنَّ عندَنا أنَّ جِراحَ المَرْأَة تُساوِى جِراحَ الرَّجُلِ إلى الثُّلُثِ، فإذا زادَتْ صارَتْ على (1) النِّصْفِ.

4313 -

مسألة: (وَإِنْ خَرَق ما بينَهما في الباطِنِ)

بأنْ قَطَع اللَّحْمَ الذى بينَهما، وتَرَك الجِلْدَ الذى فوقَهما، ففيها وَجْهَان، أحَدُهما، يَلْزَمُه أَرْشُ مُوضِحَتَيْن؛ لانْفِصالِهما في الظَّاهِرِ.
والثانى، أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لاتصالِهما في الباطِنِ.
وإن جَرَحه جِرَاحًا واحدةً، أوْضَحَه في طَرَفَيْها 2، وباقِيها دُونَ المُوضِحَةِ، ففيه أَرش مُوضِحَتَيْن، لأَنَّ ما بينَهما ليس بمُوضِحَةٍ.1

وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلَّا مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ.
ثُمَّ الْهَاشِمَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ، فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلَ.

4314 - مسألة: (وإن شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِه سمْحاقًا إلَّا مَوْضِعًا مِنْه أوْضَحَه، فعليه أْرشُ مُوضِحَةٍ)

إذا شَجَّه في رَأْسِه شَجَّةً، بَعْضُها مُوضِحَةٌ، وبَعْضُها دونَ المُوضِحَةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن أَرْشِ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه لو أوْضَحَ الجَمِيعَ، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن ذلك، فَلأَن لا يَلْزَمَه في الإِيضاحِ في البَعْضِ أكثرُ مِن ذلك أوْلَى.
وهكذا لو شَجَّه شَجَّةً بعضُها هَاشِمَةٌ، وباقِيها دُونَها، لم يَلْزَمه أكثرُ مِن أَرْشُ هَاشِمَةٍ.
وإن كانتْ مُنَقِّلَةً وما دُونَها، أو مَأْمُومَةً وما دُونَها، فعليه أَرْشُ مُنَقِّلَةٍ أو مَأْمُومَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
4315 -

مسألة: (ثم الهاشِمَةُ؛ وهىِ التى تُوضِحُ العَظْمَ وتَهْشِمُه، ففيها عَشْر مِن الإِبِلِ)

سَمِّيَتْ هاشِمَةَ لهشْمِها العَظمَ.
ولم

..................................  يَبْلُغْنا عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها تَقْدِيرٌ، وأكثرُ مَن بَلَغَنا قولُه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ أَرشَها مُقَدَّرٌ بعَشْرٍ مِن الإِبلِ.
رَوَى ذلك 1 قَبيصَةُ بنُ ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ 2. وبه قال قَتادَةُ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
ونحوُه قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّهم قَدَّرُوها بعُشْرِ 3 الدِّيَةِ مِن الدَّراهمِ، وذلك على قولِهم: ألفُ دِرْهَم.
وكان الحسنُ لا يُوَقِّتُ فيها شيئًا.
وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّه قال: لا أعْرِفُ الهاشِمَةَ، لكن في الإِيضاحِ خَمْسٌ، وفى الهَشْمِ حُكومةٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 4: النَّظَرُ يدُلُّ على قولِ الحسنِ، إذْ لا سُنَّةَ فيها ولَا إجْماعَ، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها تَقْدِيرٌ، فوجبَتْ فيها الحُكومةُ، دُونَ المُوضِحَةِ.
ولَنا، قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، ومثل ذلك الظَّاهِرُ أنَّه تَوْقِيفٌ، ولأنَّه لا يُعْرَفُ له مُخافٌ في عَصْرِه، ولأنَّها شَجَّةٌ فوقَ المُوضِحَةِ تَخْتَصُّ باسْمٍ، فكان فيها مُقَدَّرٌ، كالمَأْمُومَةِ.
فصل: والهاشِمَةُ في الوَجْهِ والرَّأْسِ خاصَّةً، كما ذَكَرْنا في المُوضِحَةِ.
فإنْ هشَمَه هاشِمَتَيْنِ، بينَهما حاجِزٌ، ففيهما عِشرون مِن الإِبلِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ في المُوضِحَةِ.
وتَسْتَوِى الهاشِمَةُ الصغيرةُ والكبيرةُ، كالمُوضِحَةِ.
وإن شَجَّه شَجَّة، بَعْضُها مُوضِحَةٌ، وبَعْضُها

فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوضِحَهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
هاشِمَةٌ، وبعضُها سِمْحَاقٌ، وبعضُها مُتَلاحِمَةٌ، وجب أَرْشُ الهاشِمَةِ؛ لأنَّه لو كان جَمِيعُها هاشِمَةً، أجْزَأ أرْشُها، ولو انْفَرَدَ [القَدْرُ المَهْشُومُ] (1)، وجب أرْشُها، فلا يَنْتَقِضُ ذلك بما زادَ مِن الأَرْشِ في غيرِها.

4316 -

مسألة: (فإن ضَرَبه بمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِن غيرِ أن يُوضِحَهُ، ففيه حُكُومَةٌ)

ولَا تَجِبُ دِيَةُ الهاشِمَةِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأَنَّ الأَرْشَ المُقَدَّرَ وجب في هاشِمَةٍ معها مُوضِحَةٌ.
وفى الواجبِ فيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، حُكُومَةٌ؛ لأنَّه كَسْرُ عَظْمٍ لا جُرْحَ معه، فأشْبَهَ كَسْرَ قَصَبَةِ الأَنْفِ.
والثانى، فيها خمْسٌ مِن الإِبِل؛ لأنَّه لو أَوْضَحَ وهَشَم، لوَجَب عَشْرٌ؛ خَمْسٌ في الإِيضاحِ، وخمْسٌ في الهَشْمِ، فإذا وُجِدَ أحَدُهما، وجَب خَمْسٌ، كالإِيضاحِ وحدَه.
فصل: فإنْ أَوْضَحَه مُوضِحَتَيْن، هَشَم العَظْمَ في كلِّ واحدةٍ منهما،1

ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تُوضِحُ وَتَهْشِمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، فَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ.
واتَّصَلَ الهَشْمُ في الباطنِ، فهما (1) هاشِمَتان؛ [لأَنَّ الهَشْمَ إنَّما يكونُ تَبَعًا للإِيضاحِ، فإذا كانَتا مُوضِحَتَيْنِ، كان الهَشْمُ هاشِمَتَيْنِ، بخِلافِ المُوضِحَةِ، فإنَّها ليست] (2) تَبَعًا لغيرِها، فَافْتَرقا.

4317 -

مسألة: (ثُمَّ المُنَقِّلَةُ؛ وهى التى تُوضِحُ وتَهْشِمُ وتَنْقُلُ عِظامَها، ففيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإبلِ)

المُنَقِّلَةُ زَائِدَةٌ على الهاشِمَةِ، وهى التى تَكْسِرُ العِظامَ وتُزِيلُها عن مَواضِعِها، فيَحْتاجُ إلى نَقْلِ العَظْمِ ليَلْتَئِمَ.
وفيها خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإِبلِ، بإِجْماعٍ مِن أهلِ العلمِ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ 3. وفى كتابِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرِو بنِ حَزْم: «وَفِى المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِن الإِبِلِ» 4. وفى تَفْصِيلِها ما في تَفْصِيلِ المُوضِحَةِ والهاشِمَةِ، على ما [ذَكَرْنا فيما] 5 مَضَى.12

ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ.
وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ آمَّةَ، فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.

4318 - مسألة: (ثُمَّ المَأْمُومَةُ؛ وهى التى تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدِّماغِ، وتُسَمَّى أُمَّ الدِّماغِ. وتُسَمَّى المَأْمُومَةُ آمَّةً)

قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: أهلُ العِراقِ يَقُولُونَ لها 2: الآمَّةُ.
وأهلُ الحِجازِ: المَأْمُومَةُ.
وهى الجِراحَةُ الوَاصِلةُ إلى أُمِّ الدِّماغِ؛ وهى جِلْدَةٌ فيها الدِّماغُ، سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّماغِ؛ لأنَّها تحُوطُه وتَجْمَعُه، فإذا وَصَلَتِ الجِراحَةُ إليها، سُمِّيَت آمَّةً ومَأْمُومَةً، [يُقالُ: أَمَّ الرَّجُلَ آمَّةً ومَأْمُومَةً] 3. وأَرشُها ثُلُثُ الدِّيَةِ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا مَكْحُولًا، فإنَّه قال: إن كانت عَمْدًا، ففيها ثُلُثا الدِّيَةِ، وإن كانتْ خَطَأً، ففيها ثُلُثُها.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وَفِى المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» 4. وعن ابنِ عَمْرٍو 5 عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ ذلك.
ورُوِىَ نحوُه عن علىِّ 6. ولأنَّها شَجَّةٌ فلم

ثُمَّ الدَّامِغَةُ؛ وَهِىَ الَّتِى تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ، فَفِيهَا مَا في الْمَأْمُومَةِ.

فَصْلٌ: وَفِى الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وَهِىَ الَّتِى تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ  يَخْتَلِفْ أَرشُها بالعَمْدِ والخَطَأَ في المِقْدارِ، كسائِرِ الشِّجاجِ.
(ثُمَّ الدَّامِغَةُ، وهى التى تَخْرِق الجِلْدَ، ففيها ما في المَأْمُومَةِ) قال القاضى: لم يَذْكُرْ أصْحابُنا الدَّامِغَةَ؛ لمُساوَاتِها المَأْمُومَةَ في أَرْشِها.
وقيل: فيها مع ذلك حُكُومَةٌ لخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّماغِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم تَركُوا ذِكْرَها؛ لكَوْنِها لا يَسْلَمُ صاحِبُها في الغالبِ.

فصل

: فإن أوْضَحَه رَجُلٌ، ثم هَشَمَه الثَّانِى، ثم جعَلها الثالثُ مُنَقِّلَةً، ثم جعَلها الرَّابعُ مَأْمُومَةً، فعلى الأَوَّلِ أَرْشِ مُوضِحَةٍ، وعلى الثَّانِى خَمْسٌ، تمامُ أَرْشِ الهاشِمَةِ، وعلى الثالثِ خَمْسٌ، تَمامُ أَرْشِ المُنَقِّلَةِ، وعلى الرَّابعِ ثمانيةَ عَشَرَ وثُلُثٌ، تَمامُ أَرْشِ المَأْمُومَةِ.
فصل: (وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ وهى التى تَصِلُ إلى باطِنِ الجَوْفِ

الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرِ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ.
مِن بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو نَحْرٍ) وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأهلُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْى، إلَّا مَكْحولًا، قال فيها: في العَمْدِ ثُلُثا الدِّيَةِ ولنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في كتابِ عمرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» 1. وعن ابنِ عمرَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ ذلك 2. ولأنَّها جِراحةٌ فيها مُقَدَّرٌ، فلم يخْتَلِفْ قَدْرُ أَرْشِها بالعَمْدِ والخَطَأ، كالمُوضِحَةِ.
ولا نعلمُ في جِراحِ البَدَنِ الخاليةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكسْرِ العِظامِ مُقَدَّرًا 3 غيرَ الجائفةِ.
وذكرَ ابنُ عبدِ البَرِّ 4، أنَّ مالكًا، وأبا حنيفةَ، والشَّافعىَّ، [والبَتِّىَّ] 5، وأصْحابَهم، اتَّفَقُوا على أنَّ الجائفة لا تكونُ إلَّا 6 في الجَوْفِ.
وقال ابنُ القاسِمِ: الجائِفَةُ ما أفْضَى إلى الجَوْفِ ولو بمَغْرِزِ إبْرَةٍ.
فصل: وإن أجافَه جائِفَتَيْنِ بينَهما حاجِزٌ، فعليه ثُلُثا الدِّيَةِ، وإن خرَق

فَإِنْ خَرَقَهُ مِنْ جَانِبٍ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِىَ جَائِفَتَانِ.
الجانِى ما بينَهما، أو (1) ذهَب بالسِّرايَةِ، صارا جائفةً واحدةً، فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ لا غيرُه، وإن خرَق ما بينَهما أجْنَبِىٌّ، أو المَجْنِىُّ عليه، فعلى الأَوَّلِ ثُلُثا الدِّيَةِ، وعلىِ الأجْنَبِىِّ الثانى ثُلُثُها، ويسْقُطُ ما قابلَ فِعْلَ المَجْنِىِّ عليه.
وإنِ احْتاجَ إلى خرْقِ ما بينَهما للمُداواةِ، فخَرَقَها المَجْنِىُّ عليه أو غيرُه بأَمرِه، أو خرَقَها وَلِىُّ المَجْنِىِّ عليه لذلك، أو الطَّبِيبُ بأَمْرِه، فلا شئَ (2) في خَرْقِ الحاجِزِ، وعلى الأَوَّلِ ثُلُثا (3) الدِّيَةِ.

4319 -

مسألة: (فإن خَرَقَه مِن جانبٍ فخَرَجَ مِن الجَانبِ الآخَرِ، فهى جائِفَتانِ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادةُ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ وأصْحابُ الرَّأْى.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: لا أعلمُهم يخْتلِفون في ذلك.
وحُكِىَ عن بعضِ أصْحابِ الشَّافعىِّ أنَّه قال: هى جَائفةٌ واحدةٌ.
وحُكِىَ أيضًا عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الجائفةَ هى التى تَنْفُذُ مِن ظاهرِ البَدَنِ إلى الجَوْفِ، وهذه الثَّانيةُ إنَّما نفَذَتْ مِن الباطنٍ إلى الظاهرِ.
ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلَا123

..................................  بسَهْمٍ، فأنْفَذَه، فقَضَى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بثُلُثَىِ الدِّيَةِ.
ولا مُخالِفَ له، فيكون إجْماعًا.
أخْرجَه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه» 1. ورُوِىَ عن 2 عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضى في الجائفةِ إذا نفذَتِ 3 الجَوْفَ بأَرْشِ جائِفَتَيْنِ 4. ولأنَّه أنْفذَه مِن مَوْضِعَيْن، فكانَ جائِفَتَيْنِ، كما لو أنْفَذَه بضَرْبَتَيْنِ.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ الاعْتِبارَ بوُصولِ الجُرْحِ إلى الجَوْفِ، لا بكَيْفِيَّةِ إيصالِه، إذْ لا أثَرَ لصورَةِ الفِعْل مع التَّساوِى في المعنَى، ولأَنَّ ما ذكَرُوه مِن الكَيْفِيَّةِ ليس بمَذْكورٍ في خبَرٍ، وإنَّما الغالبُ والعادةُ وُقوعُ الجائفةِ.
هكذا، فلا يُعْتَبَرُ، كما أنَّ العادةَ والغالبَ حُصولُها 5 بالحديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لكانت جائفةً، ثم ينْتَقِضُ ما ذكَروه بما لو أدْخَلَ يدَهُ في جائفةِ إنْسانٍ، فخَرَقَ بَطْنَه مِن مَوْضِعٍ آخرَ، فإنَّه 6 يَلْزَمُه أَرْشُ جائفةٍ بغيرِ خِلافٍ نعْلَمُه.
وكذلك 7 يُخرَّجُ في مَن

وَإِنْ طَعَنَهُ في خَدِّه فَوَصَلَ إِلَى فَمِهِ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَائِفَةً.
أوْضَحَ إنْسانًا في رَأْسِه، ثم أخْرَجِ رَأْسَ السِّكِّينِ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فهى مُوضِحَتان.
وإن هَشَمه هاشِمَةً لها مَخْرَجان، فهى هاشِمَتانِ.
وكذلك ما أشْبَهَه.
فصل: فإن أدْخَلَ إصْبَعَه (1) في فَرْجِ بِكْرٍ، فأَذْهَبَ بَكارَتَها، فليس بجائِفَةٍ؛ لأَنَّ ذلك ليس بجَوْفٍ.

4320 -

مسألة: (وإن طَعَنَهُ في خَدِّهِ فَوَصَلَ إلى فيهِ، ففيه حُكومَةٌ)

لأَنَّ باطِنَ الفَمِ حُكمُه حُكْمُ الظَّاهرِ لا حُكْمُ الباطنِ (ويَحْتَمِلُ أن تكونَ جائفةً) لأنَّه جُرْحٌ وصَل إلى جَوْفٍ مُجَوَّفٍ، فأَشْبَهَ ما لو وصَلَ إلى البَطْنَ.
فصل: فإن طَعَنه في وَجْنَتِه، فكسرَ العَظْمَ، ووصَلَ إلى فِيهِ، فليس بجائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا.
وقال الشَّافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: هو جائفةٌ؛ لأنَّه قد وصَل إلى جَوْفٍ.
وقد ذكَرْنا أنَّ باطِنَ الفَمِ في حُكْمِ الظَّاهرِ، بخِلافِ الجَوْفِ.
فعلى هذا، يكونُ عليه دِيَةٌ هاشِمَةٍ لكَسْرِ1

فَإِنْ جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوضِحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوَرِكِ.
العظمِ، وفيما زادَ حُكومَةٌ.
وإن جَرَحَه في أنْفِه فأنْفَذَه، فهو كما لو جَرَحَه في وَجْنَتِه فأنْفَذَه إلى فِيه (1)، في الحُكْمِ والخلافِ.
وإن جَرَحَه في ذَكَرِه، فوصلَ إلى مَجْرَى البَوْلِ مِن الذَّكَرِ، فليس بجائِفةٍ؛ لأنَّه ليس بجَوْفٍ يُخافُ التَّلَفُ مِن الوُصولِ إليه، بخِلافِ غيرِه.

4321 -

مسألة: (وإن جَرَحَهُ في وَرِكِهِ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى جَوْفِه، أو أوْضَحَهُ فَوَصَلَ الجُرْحُ إلى قَفاهُ، فعليهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ ومُوضِحَةٍ، وحُكومَةٌ لِجُرْحِ القَفَا والوَرِكِ)

إذا جَرَحَه في فَخِذِه، ومَدَّ السِّكِّينَ حتى بلَغ1

وَإِنْ أَجَافَهُ وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ، فَهِىَ جَائِفَتَانِ، وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطِنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ.
الوَرِكَ، فأجَافَه (1) فيه، أو جرَح الكَتِفَ، وجَرَّ (2) السِّكِّينَ حتى بلَغِ الصَّدْرَ، فأجَافَه فيه، فعليْه أَرْشُ الجائفةِ، وحُكومَةٌ في الجُرْحِ؛ لأَنَّ الجِراحَ (3) في غيرِ مَوْضِعِ الجائفةِ، فانْفَرَدَتْ بالضَّمانِ، كما لو لم يكنْ معها جائفةٌ، وإن أوْضَحَه فوصَلَ إلى قَفاهُ، فعليه دِيَةُ مُوضِحَةٍ؛ لأنَّه أوْضَحَه، وعليه حُكومةٌ لجُرْحِ القَفا، كما لو انْفَرَدَ.

4322 -

مسألة: (وَإن أجَافَهُ، وَوَسَّعَ آخَرُ الجُرْحَ، فهى جائِفَتانِ)

وعلى كُلِّ واحدٍ مِنهما أَرْشُ جائِفَةٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ كُلِّ واحدٍ مِنهما لو انْفَرَدَ كان جائفةً، فلا يَسْقُطُ حُكْمُه بانْضِمامِه إلى فِعْلِ غيرِه؛ لأَنَّ فِعْلَ الإِنْسانِ لا يَنْبَنِى على فعلِ غيرِه.
وإن وَسَّعَها الطَّبِيبُ بإذْنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه لمصلحتِه، فلا شئَ عليه.
4323 -

مسألة: (وَإن وَسَّعَ ظاهِرَه دُونَ باطِنِهِ، أو باطِنَه دُونَ ظَاهِرِه، فعليه حُكومَةٌ)

لأَنَّ جِنايتَه 4 لم تبْلُغِ الجائفه.123

وَإِنِ الْتَحَمَتِ الْجَائِفَةُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، فَهِىَ جَائِفَةٌ أُخْرَى.

فصل

: وإْن أدْخَلَ السِّكِّينَ في الجائفةِ ثم أخْرَجَها، عُزِّرَ، ولا شئَ عليه.
وإن خاطَها، فجاءَ آخرُ فقَطَعَ الخَيْطَ، وأدْخَلَ السِّكِّينَ فيها قبلَ أن تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أشَدَّ مِن التَّعْزِيرِ الذى قبلَه، وغرِم ثمنَ الخُيوطِ وأُجْرَةَ الخَيَّاطِ، ولم يَلْزَمْه أَرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّه لم يُجِفْهُ.

4324 -

مسألة: (وإنِ الْتَحَمَتِ الجَائِفَةُ فَفَتَحَها آخرُ، فهى جائِفَةٌ أُخْرَى)

عليه أرْشُهَا؛ لأنَّه عادَ إلى الصِّحَّةِ، فصار كالذى لم يُجْرَحْ.
وإنِ الْتَحَمَ بعضُها دونَ بعضٍ، ففَتَقَ ما الْتَحَمَ، فعليه أَرْشُ جائفةٍ؛ لِما ذكَرْنا 1. وإن فتَق غيرَ ما الْتَحَمَ، فليس عليه أرْيقُ الجائفةِ، وحُكْمُه حُكْمُ مَن فعلَ مثلَ فِعْلِه قبلَ أن يَلْتَحِمَ منها شئٌ.
وإن فتَق بعضَ ما الْتَحَم في الظَّاهرِ دونَ الباطنِ، أو الباطنِ دونَ الظاهرِ، فعليه حُكومَةٌ، كما لو وَسَّعَ جُرْحَه كذلك.
فصل: ومِن وَطِئَ زَوْجَتَه وهى صغيرَةٌ، فَقتَقَها، لَزِمَه ثُلُثُ الدِّيَةِ.
ومَعْنى الفَتْقِ خرْقُ ما بينَ مَسْلَكِ البَوْلِ والمَنِىِّ.
وقيل: بل مَعْناه خَرْقُ

..................................  ما بينَ القُبُلِ والدُّبُرِ.
إلَّا أنَّ هذا بعيدٌ، لأنَّه يَبْعُدُ أن يَذْهَبَ بالوَطْءِ ما بينَهما مِن الحاجزِ، فإنَّه حاجِز غليظٌ قوِىٌّ.
والكلامُ في ذلك في أمْرَيْن؛ أحدُهما، في أصْلِ وجُوبِ الضَّمانِ.
والثانى، في قَدْرِه: أمَّا الأَوَّلُ: فإنَّ الضَّمانَ إنَّما يَجِبُ بوَطْءِ الصغيرةِ أو النَّحيفةِ التى لا تَحْتَمِلُ 1 الوَطْءَ، دُونَ الكبيرةِ المُحْتَمِلَةِ له 2. وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يجبُ الضَّمانُ في الجميعِ؛ لأنَّه جنايةٌ، فيجبُ الضَّمانُ به، كما لو كان في أجْنَبِيَّةٍ.
ولنا، أنَّه وَطْءٌ مُسْتَحَق، فلم يَجبْ ضَمانُ ما تَلِفَ به، كالبَكارةِ 3، ولأنَّه فِعْل مأْذونٌ فيه ممَّن يَصِحُّ إذْنُه، فلم يُضْمَنْ ما تَلِفَ بسِرايَتِه، كما لو أذِنت في مُداواتِها بما يُفْضِى إلى ذلك،

جارٍ التحميل