الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 386-426

كِتابُ الصَّلَاةِ

صفحات 386-426

..................................  فصل: وأمّا الخُنْثَى، فلا يجُوزُ أن يَؤُمَّ رجلًا؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ امْرَأةً، ولا يَؤُمَّ خُنْثَى؛ لجَوازِ أن يكونَ الإمامُ امْرأةً والمأُمُومُ رجلًا، ولا أن تَؤُمَّه امْرَأةٌ؛ لجَوازِ أن يكونَ رجلًا.
ويَجُوزُ له أن يَؤُمَّ المرأةَ؛ لأنَّ أدْنَى أحْوالِه أن يكونَ امرأةً.
وقال القاضي: رأيْتُ لأبي حَفْص البَرْمَكِيِّ 1 أنَّ الخُنْثَى لا تَصِحُّ صَلاتُه في جَماعَةٍ؛ لأنَّه إن قام مع الرِّجالِ احْتَمَلَ أن يكونَ امرأةً، وإن قام مع النِّساءِ، أو وَحْدَه، أو ائْتَمَّ بامرأةٍ، احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن أمَّ الرِّجالَ احْتَمَل أن يكونَ امْرَأةً.
وإن أمَّ النِّساءَ فقامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن قام أمامَهُنَّ احْتَمَل أنَّه امْرَأةٌ.
قال

وَلَا إمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغ، إلَّا فِي النَّفْلِ،  الشيخُ (1): ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صَلاتُه في هذه الصُّورَةِ، وفي صُورَةٍ أُخْرى، وهو أن يَقُومَ في صَف الرِّجالِ مَأُمُومًا؛ فإنَّ المَرْأَةَ إذا قامت في صَفِّ الرِّجالِ لم تَبْطُلْ صَلاتُها، ولا صلاةُ مَن يَلِيها.

560 -

مسألة؛ قال: (ولا إمامَةُ الصَّبِيِّ لبالِغٍ، إلَّا في النَّفْلِ،

1

عَلى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
على إحْدَى الرَّوايَتَيْن) لا يَصِحُّ ائْتِمامُ البالِغِ بالصَّبِيِّ في الفَرْضِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس.
وبه قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ 1، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وأجازه الحسنُ، والشافعيُّ: وإسحاق، وابنُ المُنْذِر.
وذَكَر أبو الخَطَّاب رِوايَةً في صحَّةِ إمامَتِه في الَفْرض، بِناءً على [إمامَةِ المُفْترِض بالمُتَنَفِّلِ.
وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في صِحَّةِ إمامَةِ ابنِ عَشْر سِنينَ وجْهًا، بناءً على] 2 القَوْلِ بوُجُوب الصلاة عليه.
ووَجْهُ ذلك قوْلُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» 3. فيدخُلُ في عُمُوم ذلك.
وروَى عَمْرُو ابنُ سَلَمةَ الجَرْمِي، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لقَوْمِه: «لِيَؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».

..................................  قال: فكنتُ أؤُمُّهم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين، أو ثَمانِ سِنِين.
رَواه البُخاريُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما 1. ولَنا، قَوْل ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ولأنَّ الإمامَةَ حالُ كَمالٍ، والصَّبِيُّ ليس مِن أهلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ، كالمَرْأَة؛ ولأنَّهُ لا يُؤْمَنُ مِن الصَّبِي الإخْلالُ بشَرْط مِن شَرائِطِ الصلاةِ أو القِراءَةِ حالَ الإسْرارِ.
فأما حديثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ، فقال الخَطابِيُّ 2: كان أحمدُ يُضَعِّفُ أمْرَ عمرِو بنِ سَلَمَةَ.
وقال مَرَّةً: دَعْه، ليس بشئٍ.
قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: حَدِيثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ؛ قال: لا أدْرِي أيُّ شيء هذا! ولَعَلَّه إنَّما تَوَقفَ عنه؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الأمْرِ إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإنَّه كان بالبادِيَةِ في حَيٍّ مِن العَربِ بَعِيدٍ مِن المَدِينَةِ، وقَوَّى هذا الاحْتِمالَ قَوْلُه في الحديثِ: وكنتُ إذا سَجَدْتُ خَرَجَتِ اسْتِي.
وهذا غيرُ سائِغٍ.

وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مُحْدِثٍ وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
فصل: فأمّا إمامَتُه في النَّفْلِ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لذلك.
والثانيةُ، تَصِحُّ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِين، ولأنَّ النّافِلَةَ يَدْخُلُها التَّخْفِيفُ، ولذلك تَنْعَقِدُ الجَماعَةُ به فيها إذا كان مَأْمُومًا.

561 -

مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذلك

فَإنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ.
فإن جَهِل هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاةَ، صَحَّتْ صلاةُ المَأْمُومِ وحدَه) متى أخَلَّ بشَرْطِ الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لإخْلالِه بالشَّرْطِ.
فإن صَلَّى مُحْدِثًا، وجَهِل الحَدَثَ هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاة، فصلاةُ المَأْمُومِين صَحِيحَةٌ، وصلاةُ الإِمامِ باطِلَةٌ.
ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ, والشافعيُّ.
وعن عليٍّ، أنَّهم يُعيِدُون جميعًا 1. وبه قال ابنُ سِيرِينَ 2، والشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّه صَلَّى بهم مُحْدِثًا، أشْبَهَ ما لو عَلِم.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فرُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى بالنّاسِ الصُّبْحَ, ثم خَرَج إلى الجُرْفِ 3، فأهْراقَ الماء، فوَجَدَ في ثَوْبِه احْتِلامًا، فأعاد ولم يُعِدِ

..................................  النّاسُ 1. وعن عثمانَ أنَّه صَلَّى بالنّاسِ صلاةَ الفجْرِ، فلَمّا أصْبَح وارْتَفَع النَّهارُ إذا هو بأثَرِ الجَنابَةِ، فقال: كَبُرَتْ واللهِ، كَبُرَتْ واللهِ.
وأعاد الصلاةَ، ولم يَأْمُرْهم أن يُعِيدُوا.
وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك 2. رَواه كلَّه الأثْرَمُ.
وعن البَراءِ بن عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا صَلَّى الجُنُبُ بِالْقَوْمِ، أعاد صَلَاتهُ، وتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلاتُهم».
رَواه أبو سُليمانَ محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرّانِيُّ.
ولَأنَّ الحَدَثَ ممَّا يَخْفَى، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه مِن الإِمامِ للمَأْمُومِ، فكان مَعْذورًا في الاقْتِداءِ به، ويُفارِقُ ما إذا عَلِم الإمامُ حَدَثَ نَفْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَهْزِئًا بالصلاةِ، فاعِلًا ما لا يَحِلُّ.
وإذا عَلِمَه المَأْمُومُ، لم يُعْذَرْ في الاقْتِداءِ به، وما نُقِل عن عليٍّ لا يَثْبُتُ، بل قد نُقِل عنه كما ذَكَرْنا عن غيرِه مِن الصَّحابةِ.
والحُكْمُ في النَّجاسَةِ كالحُكْمِ في الحَدَثِ؛ لأنَّها في مَعْناه في خَفائِها على الإِمامِ والمَأْمُومِ، على أنَّ في النَّجاسَةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ الإِمامَ أَيضًا لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ.
وقد ذَكَرْناه.

..................................  فصل: فإن عَلِم حَدَثَ نَفْسِه في الصلاةِ، أو عَلِم المَأْمُومُون، لَزِمَهم اسْتِئْنافُ الصلاةِ.
قال الأثْرَمُ سأَلْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ [غيرَ طاهرٍ] 1، بعضَ الصلاةِ، فذَكَرَ؟ قال: يُعْجِبُنِي أن يَبْتَدِئُوا الصلاةَ.
قلتُ: يقولُ لهم: اسْتَأْنِفُوا الصلاةَ؟ قال: لا، ولكنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ، ويَبْتَدِئُون هم الصلاةَ.
وذَكَر ابنُ عقيل رِوايَةً، إذا عَلِم المَأْمُومُون، أنَّهم يَبْنُون على صَلاِتهم.
وقال الشافعيُّ: يَبْنُون على صَلاِتهم، سواءٌ عَلِم بذلك، أو عَلِم المَأْمُومُون؛ لأن ما مَضَى مِن صَلاِتهم صَحِيحٌ، فكان لهم البِناءُ عليه، لو قام 2 إلى خامِسَةٍ فسَبَّحُوا به فلم يَرْجِعْ.
ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن صَلَاتُه فاسِدَةٌ، مع العِلْمِ منهما أو مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بامرَأةٍ.
وإنما خُولِفَ هذا إذا اسْتَمَرَّ الجَهْلُ [منهما؛ للإِجْماعِ، ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ على المَأْمُومِين حالَ 3 اسْتِمْرارِ الجَهْلِ] 4 يَشُقُّ؛ لتَفَرُّقِهم، بخِلافِ مَا إذا عَلِمُوا في الصلاةِ.

..................................  وإن عَلِم بعضُ المَأْمُومِين دُونَ بَعْضٍ، فالمَنْصُوصُ أنَّ صلاةَ الجَمِيعِ تَفْسُدُ.
والأوْلَى يَخْتَصُّ البُطْلانُ بمَن عَلِم دُون مَن جَهِل؛ لأنَّه مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ بالبُطْلانِ، كحَدَثِ نَفسِه.
فصل: قال أحمدُ، في رَجُلَيْن أمَّ أحَدُهما الآخرَ، فشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِع صوْتًا يَعْتَقِدُه مِن صاحِبِه: يَتَوَضَّآن، ويُعِيدان الصلاةَ؛ لأنَّ كلُّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ فَسادَ صلاةِ صاحِبِه.
وهذا إذا قُلْنا: تَفْسُدُ صلاةُ كُلِّ واحِدٍ مِن الإمامِ والمَأْمُومِ بفَسادِ صلاةِ الآخَرِ، بكَوْنِه صارِ فَذًّا.
وعلى الرِّوايَةِ المَنْصُورَة يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ، ويُتِمُّ صَلاتَه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بفَسادِ صَلاتِهما، إذا أتَمّا الصلاةَ على ما كانا عليه مِن غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤتَمَّ بمُحْدِثٍ، والإمامَ يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا.
وأمَّا قولُه: يَتَوَضَّآن.
فلَعَلَّه أراد؛ لتَصِحَّ صَلاتُهما جَماعَةً.
إذ ليس لأحَدِهما أن يَأْتَمَّ بالآخَرِ مع اعْتِقادِه حَدَثَه، [أو احْتِياطًا] 1. أمّا إذا صَلَّيا مُنْفَرِدَيْن، فلا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للطَّهارَةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَّ غيرُ ذلك مِن الشُّرُوطِ في حَقِّ الإِمامِ، كالسِّتارَةَ،

وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُمِّيِّ؛ وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، إِلَّا بِمِثْلِهِ،  واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لم يُعْفَ عنه في حَقِّ المَأْمُومِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى غالِبًا، بخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ.
وكذا إن فَسَدَتْ صلاُته، لتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صلاُتهم.
نَصَّ عليه (1) أحمدُ، في مَن تَرَك القِراءَةَ، يُعِيدُ ويُعِيدُون، وكذلك لو تَرَك تَكْبيرَةَ الإِحْرامِ.

562 -

مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة الأُمِّيِّ؛ وهو مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، أو يُدْغِمُ حَرْفًا [لا يُدْغَمُ، أو يُبْدِل حَرْفًا] 2، أو يَلْحَنُ فيها 3 لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، إلَّا بِمِثْلِه) الكلامُ في هذه المَسْأَلةِ في فَصْلَيْن؛1

..................................  أحَدُهما، أن الأمِّيَّ لا تَصِحُّ إمامَتُه بمَن يُحْسِنُ قِراءَةَ الفاتِحَةِ.
وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ في الجديدِ.
وقيل عنه: يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ القارِئُ بالأُمِّيِّ في صلاةِ الإِسْرارِ دُونَ الجَهْرِ.
وعنه، يَصِحُّ أن يَأُتَمَّ به في الحالَيْن.
ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بعاجِزٍ عن رُكْن وهو قادِرٌ عليه، فلا تَصِحُّ، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالأخْرَسِ والعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأمّا القِيامُ فهو رُكْنٌ أخَفُّ مِن غيرِه؛ بدَلِيل أنَّه يَسْقُطُ في النّافِلَةِ مع القُدْرَةِ عليه بخِلافِ القِراءَةِ.
فإن صَلَّى بأُمِّيِّ وقارِئٍ، صَحَّتْ صلاةُ الأُمِّيّ والإِمام.
وقال أبو حنيفةَ: تفْسُدُ صلاةُ الإِمامِ أَيضًا؛ لأنَّه يَتَحَمَّلُ القِراءَةَ عن المَأَمُومِ، وهو عاجِزٌ عنها ففَسَدَتْ صَلَاتُه.
ولَنا، أنَّه أمَّ مَن لا يَصِحُّ ائْتِمامُه به، فصَحَّتْ صلاةُ الإمامَ، كما لو أمَّتِ امْرأةٌ رَجُلًا ونِساءً.

..................................  وقَوْلُهم: إنَّ المَأُمُومَ يَتَحَمَّلُ عنه الإمامُ القِراءَةَ.
قُلْنا: إنَّما يَتَحَمَّلُها مع القُدْرَةِ، فأمّا مَن يَعْجِزُ عن القِراءَةِ عن نَفْسِه، فعن غيرِه أوْلَى.
الفصلُ الثانِي: أنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه؛ لأنَّه يُساوِيه، فصَحَّتْ إمامَتُه به، كالعاجِزِ عن القِيام.
فصلَ: قَوْلُه (أو يُبْدِلُ حَرْفًا) هو كالأُلْثَغِ الذى يُبْدِلُ الرّاءَ غَيْنًا.
والذى (يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى) كالذى يَكْسِرُ كافَ ﴿إِيَّاكَ﴾، أو

وَإنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
تاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾ أو يَضُمُّها، إذا كان لا يَقْدِرُ على إصْلاحِ ذلك، يَصِحُّ ائْتِمامُه بمِثْلِه، كاللَّذَيْن لا يُحْسِنان شيئًا (وإن) كان يَقْدِرُ (على إصْلاحِ ذلك، لم تَصِحَّ صَلَاتُه) ولا صلاةُ مَن يَأْتَمُّ به؛ لأنَّه تَرَك رُكْنًا مِن أرْكانِ 1 الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، أشْبَهَ تارِكَ الرُّكُوعِ.
فصل: فإن صَلَّى القَارِئُ خلفَ مَن لا يَعْلَمُ حالَه في صلاةِ الإسْرارِ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه إنَّما يَتَقَدَّمُ مَن يُحْسِنُ القِراءَةَ.
وإن كان يُسِرُّ في صلاةِ الجَهْرِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تصِحُّ صلاةُ القارِئُ.
ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو أحْسَن القِراءَةَ لجَهَرَ.

..................................  والثَّانِي، تَصِحُّ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يَؤُمُّ النّاسَ إلَّا مَن يُحْسِنُ القِراءَةَ، والإسْرارُ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لجَهْل أو نِسْيانٍ.
فإن قال: قد قَرَأْتُ.
صَحَّتِ الصلاةُ على الوَجْهَيْن؛ لأن الظّاهِرَ صِدْقُه.
وتُسْتَحَبُّ الإِعادَةُ احْتِياطًا.
ولو أسَرَّ في صلاةِ الإِسْرارِ، ثم قال: ما كنتُ قَرَأْتُ الفاتِحَةَ.
لَزِمَه ومَن وَراءَه الإعادَةُ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه صَلَّى بهم المَغْرِبَ، فلَمَّا سَلَّم، قال: ما سَمِعْتُمُونِي قَرَأْتُ؟ قالوا: لا.
قال: فما قَرَأْتُ في نَفْسِي.
فأعاد بهم الصلاةَ.

وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ، وَالْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ،  فصل: وإذا كان رَجُلان لا يُحْسِنان الفاتِحَةَ، أو أحَدُهما يُحْسِنُ سَبْعَ آياتٍ مِن غيرِها، والآخَرُ لا يُحْسِنُ شيئًا، فلكلِّ واحِدٍ منهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّهما أُّمِّيّانِ، والمُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ مَن يُحْسِنُ الآياتِ (1)؛ لأنَّه أقْرَأُ.
وعلى هذا، كُلُّ مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، يَجُوزُ أن يَوُّمَّ مَن لا يُحْسِنُها، سواءٌ اسْتَوَيا في الجَهْلِ، أو تَفاوَتا فيه.

563 -

مسألة: (وتُكْرَه إمامَةُ اللَّحّانِ، والفَأْفَاءِ الذي يُكَرِّرُ الفاءَ، والتَّمْتامِ الذي يُكَرِّرُ التَّاءَ 2، ومن لا يُفْصِحُ ببَعْضِ الحُرُوفِ) أمّا الذي1

..................................  يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، فقد ذَكَرْناه.
وتُكْرَهُ إمامَةُ اللَّحّانِ الذي لا يُحِيلُ المعْنى.
نصَّ عليه 1. وتَصِحُّ صَلاتُه بمَن لا يَلْحَنُ؛ لأنَّه أتَى بفَرْضِ القِراءَةِ.
فإن أحالَ المعْنَى في غيرِ الفاتِحَةِ، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمامَتِه، إلَّا أن يَتَعَمَّدَه، فيُبْطِلُ صَلَاتهما.
ومَن لا يُفْصِحُ ببَعْضِ الحُرُوفِ، كالقافِ والضّادِ، فقال القاضي: تُكْرَهُ إمامَته، وتَصِحُّ، أعْجَمِيًّا كان أو عَرَبِيًّا.
وقِيلَ في مَن قرأَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
بالظّاءِ: لا تَصِحُّ صَلَاتُه؛ لأنَّه يُحِيلُ المعْنَى.
يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كذا.
إذا فَعَلَه نَهارًا.
فهو كالألْثَغِ.
وتُكْرَهُ

وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ،  إمامَةُ الفَأْفاءِ، والتِّمْتامِ، وتَصِحُّ (1)؛ لأنَّهُما يَأْتِيان بالحُروفِ على وَجْهِها، ويَزِيدان زِيادَةً هما مَغْلُوبان عليها، فعُفِيَ عنها، ويُكْرَهُ تَقْدِيمُهما؛ لهذه الزِّيادَةِ.

564 -

مسألة: (و)

يُكْرَهُ (أن يَؤُمَّ نِساءٌ أجانِبَ لا رجلَ مَعَهُنَّ) لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى أن يَخْلُوَ الرجلُ بالمرأَةِ الأجْنَبِيَّةِ 2. ولا بَأْسَ أن يَؤُمَّ ذَواتَ مَحارِمِه، وأن يَؤُمَّ النِّساءَ مع الرِّجالِ، فقد كُنَّ النِّساءَ يَشْهَدْنَ مع1

أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ.
النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- (1)، وقد أمَّ أنَسًا واليَتِيمَ وأُمَّه (2).

565 -

مسألة: (و)

يُكْرَهُ أن يَؤُمَّ (قَوْمًا أكُثَرُهم له كارِهُون)12

..................................  لِما روَى أبو أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ؛ الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وإمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» 1. حديثٌ حسنٌ غرِيبٌ.
وعن عبدِ اللهِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ 2 مِنْهُمْ صَلَاةً: مَنَ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا»، والدِّبَارُ أن يَأْتِيَ بعدَ أن يَفُوتَ الوَقتُ، «ورَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا».
رَواه أبو داودَ 3. وقال عليٌّ لرَجُلٍ أمَّ قَوْمًا وهم له كارِهُون: إنَّك لخَرُوطٌ 4. = في: باب الصلاة على الخمرة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 139. والإمام مالك، في: باب جامع في سبحة الضحى.
الموطأ 1/ 153. والإمام أَحْمد، في: المسند 3/ 131، 149، 164، 242، 258.

..................................  قال أحمدُ: إذا كَرِهَه اثْنان أو ثَلَاثةٌ، فلا بَأْسَ، حتَّى يَكْرَهَه أكْثَرُهُم.
فإن كان ذا دِينٍ وسُنَّةٍ فكَرِهَه القَوْمُ لذلك، لم تُكْرَهْ إمامَتُه.
قال مَنْصُورٌ: أما إنّا سَأَلْنا عن ذلك، فقِيلَ لنا: إنَّما عَنَى بهذا الظَّلَمَةَ، فأمّا مَن أقام السُّنَّةَ فإنَّما الإثْمُ على مَن كَرِهَهُ.
قال القاضي: والمُسْتَحَبُّ أن لا يَؤْمهُمْ؛ صِيانَةً لنَفْسِه.
وإنِ اسْتَوى الفَريقان فالأوْلَى أن لا يَؤُمَّهُم، [إزالةَ لذلك] 1 الاخْتِلافِ.
واللهُ أعلمُ.

وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَالْجُنْدِيِّ، إذَا سَلِمَ دِينُهُمَا.

566 - مسألة: (ولا بَأْسَ بإمامَةِ وَلَدِ الزِّنا وَالجُنْدِيِّ، إذا سَلِمِ دينُهما)

لا بَأْسَ بإمامَةِ وَلَدِ الزِّنا.
وهو قولُ عطاءٍ، وسليمانَ ابنِ مُوْسى 1، والحسن، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وإسَحاقَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا تُجْزِئُ الصلاةُ خَلْفَه.
وكرِه مالكٌ أن يُتَّخَذَ إمامًا راتِبًا.
وقال الشافعيُّ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الِإمامَةَ مَنْصِبُ فَضِيلَةٍ، فَكُرِهَ تقْدِيمُه فيها، كالعَبْدِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقْرَؤُهُمْ» 2. وقالت عائشةُ: ليس عليه مِن وِزْرِ أبَوَيْه شئٌ.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 3. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 4. والعَبْدُ لا تكْرَهُ إمامَتُه،

..................................  لكنَّ الحُرَّ أوْلَى منه، ولو سَلِم ذلك فالعَبْدُ ناقِصٌ في أحْكامِه، لا يَلِي النِّكاحَ ولا المالَ، بخِلافِ هذا.
ولا بَأْسَ بإمامَةِ الجُنْدِيُّ والخَصيِّ إذا كانا مَرْضِيِّيْن؛ لأنَّه عَدْلٌ يَصْلُحُ للإمامَةِ، أشْبَهَ غيرَه.
فصل: ولا بَأْسَ بإمامَةِ الأعْرابِيِّ إذا كان يَصْلُحُ.
نصَّ عليه.
وهو قَوْلُ عطاءٍ، والثَّوْريِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْيِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا تُعْجِبُنى إمامَةُ الأعْرابِيِّ، إلَّا أن يكونَ قد سَمِع وفَقِه؛ لأنَّ الغالِبَ عليهم الجَهْلُ.
وكَره ذلك أبو مِجْلَز.
وقال مالكٌ: لا يَؤُمُّهم؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ 1. الآية.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السلامُ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتابِ اللهِ».
ولأنَّه مُكَلَّفٌ عَدْلٌ تَصِحُّ صَلاتُه لنَفْسِه، أشْبَهَ المُهاجِرَ.
فصل: والمُهاجِرُ أوْلَى منه؛ لأَنَّه 2 يُقَدِّمُ على المَسْبُوقِ بالهِجْرَةِ، فمَن لا هِجْرَةَ له أوْلَى.
قال أبو الخَطّابِ: والحَضَرِيُّ أوْلَى مِن البَدَوِيِّ، لأنَّه مُخْتَلَفٌ في إمامَتِه، ولأنَّ الغالِبَ عليهم الجَفاءُ، وقِلَّةُ المَعْرِفَةِ بحُدُودِ اللهِ تعالى.

وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا.

567 - مسألة: (ويَصِحُ ائْتِمامُ [مَن يُؤْدِّي] 1 الصلاةَ بمَن يَقْضِيها) مثلَ أن يكونَ عليه ظُهْرُ أمْسِ، فأراد قَضاءَها، فائْتَمُّ به رجلٌ عليه ظُهْرُ اليوم، ففِيه رِوايَتان؛ أَصَحُّهما، أنَّه يَصِحُّ. نصَّ عليه في 2 رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهذا اخْتِيارُ الخَلَالِ، وقال: المذْهَبُ عندِي في هذا رِوايَةٌ واحِدَةٌ، وغَلِط مَن نَقَل غيرَها؛ لأنَّ القَضاءَ يَصِحُّ بنِيَّةِ الأداءِ فيما إذا صَلَّى فبانَ بعدَ خُرُوجِ الوَقْتِ. وكذلك مَن يَقْضِي الصلاةَ، يُصَلِّي خَلْفَ مَن يُؤدِّيها؛ لأنَّه في مَعْناه. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ. نَقَلَها صالِحٌ؛ لأن نِيَّتَهما مُخْتَلِفَةٌ؛ هذا يَنْوِي قَضاءً، وهذا أداءً.

وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَصِحُّ فِيهِمَا.

568 - مسألة: (ويَصِحُّ ائْتِمامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ، ومَن يُصَلِّي الظُّهْرَ بمَن يُصَلِّي العَصْرَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ فيهما)

اخْتَلَفَ عنه 1 في صِحَّةِ ائْتِمامِ 2 المُفْترِضِ بالمُتَنَفِّلِ؛ فنقَلَ

..................................  عنه حَنْبَلٌ، وأبو الحارِثِ، لا يَصِحُّ.
اخْتارَه أكْثَرُ الأصْحابِ.
وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأَيِ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّمَا جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تخْتَلِفُوا عَلَيْهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّ صلاةَ المَأْمُومِ لا تَتَأَدَّى بنِيَّةِ الْإمامِ، أشْبَهَ صلاةَ الجُمُعَةِ خلفَ مَن يُصَلِّي الظُّهْرَ.
والثّانِيَةُ، تصِحُّ.
نَقَلَها عنه إسماعِيلُ بنُ سعيدٍ، وأبو داودَ.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال

..................................  شيخُنا 1: وهي أَصَحُّ؛ لأنَّ مُعاذًا كان يُصَلِّي مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثم يَرْجعُ فيُصَلِّي بقوْمِه تلك الصلاةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وصَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بطائِفَةٍ مِن أصْحابِه في صلاةِ الخَوْفِ رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم صَلَّى بالطائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ.
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 3. وهو في الثّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ أمَّ 4 مُفْتَرِضِين.
ولأنَّهما صلاتان اتَّفَقَتا في الأفْعالِ، فجازَ ائْتِمَّامُ المُصَلِّي في إحْداهما بالمُصَلِّي في الأخْرَى، كالمُتَنَفِّلِ خلفَ المُفتَرِضِ.
فأمّا حَدِيثُهم فالمُرادُ به، لا تَخْتَلِفُوا عليه في الأفْعالِ؛ لأنَّه إنَّما ذَكَر في الحديثِ الأفْعالَ, فقالَ: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
ولهذا صَحَّ ائْتِمامُ المُتَنَفِّلِ بالمُفْترِضِ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَسْبُوقِ في الجُمُعَةِ إذا أدْرَك أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فنَوَى الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصلِّي الجُمُعَةَ.

..................................  فصل: فأمّا صلاةُ المُتَنَفِّلِ خلفَ المُفْتَرِضِ، فلا نَعْلَمُ في صِحَّتِها خِلافًا، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه عليه السَّلامُ: «ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» 1. فصل: فأمّا صلاةُ الظُّهْرِ خلفَ مَن يُصَلِّي العَصْرَ، ففيه رِوايَتان، وكذلك صلاةُ العِشاءِ خلفَ مَن يُصَلِّي التَّراوِيحَ؛ إحداهما، يَجُوزُ.
نَقَلَها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، فإنَّه قال له: ما تَرَى إن صَلَّى في رمضانَ خلفَ إمام يُصَلِّي بهم التَّراوِيحَ؛ قال: يُجْزِئُه ذلك مِن المَكْتُوبَةِ.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ.
نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ؛ لأنَّ أحَدَهما لا يَتَأدَّى بنِيَّةِ الأُخْرَى.

..................................  [وهذا فَرْعٌ على صلاةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ، وقد مَضَى ذِكْرُها.
فأمّا إن كانت إحْداهما تُخالِفُ الأُخْرَى] 1، كصلاةِ الجُمُعَةِ والكُسُوفِ خلفَ مَن يُصَلِّي غيرَهما، أو صلاةِ غيرِهما خلفَ مَن يُصَلِّيهما، لم تَصِحَّ، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه يُفْضِي إلى المُخالَفَةِ في الأفْعالِ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ».

..................................  فصل: ومن صَلَّى الفَجْرَ، ثم شَكَّ، هل طَلَع الفَجْرُ أو لا، لزِمَتْه الإعادَةُ، وله أن يَؤُمَّ فيها مَن لم يُصَلِّ.
وقال بَعْضُ أصْحابنا: تُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في إمامَةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه ووُجُوبُ فِعْلِها 1، فأشْبَهَ ما لو شَكَّ، هل صَلَّى أو لا؟ ولو فاتَتِ المَأْمُومَ رَكْعَةٌ، فصَلَّى الإمامُ خَمْسًا ساهِيًا، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لا يُعْتَدُّ للمَأْمُومِ بالخامِسَةِ؛ لأنِّها سَهْوٌ وغَلَطٌ.
وقال القاضي: هذه الرَّكْعَةُ نافِلَةٌ للإمامِ، وفَرْضٌ للمأْمُومِ.
فيُخَرَّجُ فيها الرِّوايَتان.
وقد سُئِل أحمدُ عن هذه المَسائِلَ، فتَوَقَّفَ فيها.
قال شيخُنا 2: والأوْلَى أنَّه يُحْتَسبُ له بها؛ لأنَّه لو لم يُحْتَسبْ له بها, لَزِمَه أن يُصَلِّيَ خَمْسًا مع عِلْمِه

..................................  بذلك، ولأنَّ الخامِسَةَ واجِبَةٌ على الإمامِ عندَ مَن يُوجِبُ عليه البِناءَ على اليَقِينِ، ثم إن كانَتْ نَفْلًا، فقد ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الائْتِمامِ فيه.
وإن صَلَّى بقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّها العَصْرَ، فقالَ أحمدُ: يُعِيدُ ويُعِيدُون.
وهذا على الرِّوايَةِ التي مَنَع فيها ائْتِمامَ المفْتَرضِ بالمُتَنَفِّلِ.
فإن ذَكَر الإِمامُ وهو في الصلاةِ، فأتَمَّها عَصْرًا، كانت له نفْلًا، وإن قَلَب نِيِّتَه إلى الظُّهْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لِما ذَكَرْناه مُتَقدِّمًا 1. وقال ابنُ حامِدٍ: يُتِمُّها، والفَرْضُ باقٍ في ذِمَّتِه.

فَصْلٌ في الْمَوْقِفِ: السُّنَّةُ أنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإمَامِ،  (فصلٌ في المَوْقِفِ: السُّنَّةُ أن يَقِفَ المَأْمُومُون خلفَ الإمامِ) إذا كان المَأْمُومُون جَماعَةٌ، فالسُّنَّةُ أن يَقِفُوا خلفَ الإمامِ، رِجالًا كانوا أو نِساءً؛ لأنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي بأصْحابِه فيَقُومُون خلفَه، ولأنَّ جابِرًا وجَبّارًا لَمّا وَقَفا عن يَمِينِه وشِمالِه، رَدَّهما إلى خلفِه 1. وإن كانا اثْنَيْن فكذلك, لِما روَى جابرٌ، قال: سِرْتُ مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في غَزْوَةٍ، فقامَ يُصَلِّي، فتَوَضَّأْتُ، ثم جِئْتُ حتَّى قُمْتُ عن يَسارِه، فأخَذَ بيَدِي فأدارَنى حتَّى أقامَنِي عن يَمِيِنِه، فجاءَ جَبّارُ بنُ صَخْرٍ حتَّى قام عن يَسارِه، فأخَذَنا جِميعًا بيَدَيْه فأقامَنا خلفَه.
رَواه أبو داودَ 2. وهذا قولُ عُمَرَ، وعليٍّ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ، والحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وكان ابنُ مسعودٍ يَرَى أن يَقِفا عن جانِبَيِ الإِمامِ؛ لأنَّه يُرْوَى عنه، أنَّه صَلَّى بينَ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، وقال: هكذا رَأيْتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل.
رَواه

فَإنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ، لَمْ يَصِحَّ،  أبو داودَ (1). ولَنا، الحديثُ الذي ذَكَرْناه، فإنَّه أخَّرَهما إلى خلفِه، ولا يَنْقُلُهما إلَّا إلى الأكْمَلِ، وصَلَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بأنَسٍ واليَتِيمِ، فجَعَلَهما خلفَه (2). وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَدُلُّ على الجَوازِ، فإن كان أحَدُهما صَبِيًّا فكذلك، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن إن كانَتِ الصلاةُ تَطَوُّعًا؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَعَل أنَسًا واليَتيمَ وراءَه.
وإن كان فَرْضًا، جَعَل الرَّجل عن يَمِينِه، والغُلامَ عن يَسارِه، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ، أو جَعَلَهما عن يَمِينِه.
فإن جَعَلَهما خلفَه، فقال بعضُ أَصْحابِنا: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَوُّمَّه فيه [فلم يُصافَّه] (3)، كالمَرْأَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المُتَنَفِّلِ، والمُتَنَفِّلُ يُصَافُّ المُفْتَرِضَ.

569 -

مسألة: (فإن وَقَفُوا قُدّامَه، لم يَصِحَّ)

وهذا قولُ أبي123

..................................  حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال مالكٌ، وإسْحاقُ: يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ الاقْتِداءَ به، فأَشْبَهَ مَن خلفَه.
ولَنا، قَوْلُهُ عليه السَّلامُ: «إنَّما جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤُتَمَّ بِهِ» 1. ولأنَّه يَحْتاجُ في الاقْتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى ورائِه، ولأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا هو في مَعْنَى المَنْقُولِ، فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى في بَيْتِه بصلاةِ الإمامِ، ويُفاِرقُ مَن خلفَ الإمامِ؛ فإنَّه لا يَحْتاجُ

وَإنْ وَقَفوا مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ، أوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ.
وإنْ كَانَ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ،  في الاقْتِداء إلى الالتِفاتِ، بخِلافِ هذا.
وقال بَعْضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ للمرأةِ أن تَؤم الرِّجالَ في صلاةِ التَّراوِيحِ، ويَكونُون بينَ يَدَيْها.
وقد ذَكَرْنا فَسادَ ذلك فيما مَضَى.

570 -

مسألة: (وإنْ وَقَفُوا عن يَمِينِه أو عن جَانِبَيْه، صَحَّ)

لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ، ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لإِمام العُراةِ، وللمَرْأةِ إذا أمَّتِ النِّساءَ.
ويَصِحُّ أن يَقِفُوا عن يَمِينِه؛ لأنَّه مَوْقِفٌ للواحِدِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ.
571 -

مسألة: (وإن كان واحِدًا، وَقَف عن يَمِينِه)

رجلًا كان

وَإِنْ وَقَفَ خَلْفَهُ، أوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
أو غُلامًا؛ لِما رَوَيْنا مِن حديثِ جابِرٍ.
وروَى ابنُ عباسٍ، قال: قام النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ, فَقُمْتُ ووَقَفْتُ عن يسارِه، فأخَذَ بذُؤَابَتِي، فأدارَنِي عن يَمِيِنه.
مُتَّفَقٌ عليه (1).

572 -

مسألة: (وإن وَقَف خَلْفَهُ، أو عن يَسارِه، لم يَصِحَّ)

وجُملَةُ ذلك، أنَّه مَن صَلَّى وحدَه خَلْفَ الإمامِ رَكْعَةً كامِلَةً، لم تَصِحَّ صَلَاتُه.
وهذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغيرِهم.
وأجازَه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ, والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ أَبا بَكْرَةَ رَكَع دُونَ الصَّفِّ، فلم يَأْمُرْه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالإعادَةِ 2، ولأنَّه مَوْقِفٌ1

..................................  للمرأةِ فكان مَوْقِفًا للرجالِ، كما لو كان مع جَماعَة.
ولَنا، ما روَى وابصَةُ ابنُ مَعْبَدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وحْدَه، فأَمَرَه أن يُعِيدَ.
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 1. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت الحديثُ.
وفي لَفْظٍ: سُئِل رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن رجلٍ صَلَّى وراءَ الصَّفِّ وحدَه، فقال: «يُعِيدُ».
رَواه تمّامٌ في «الفَوائِدِ».
وعن عليِّ بنِ شَيْبانَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بهم فسَلَّمَ، فانْصَرَفَ ورَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ، فوَقَفَ نبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى انْصَرَف الرَّجُلُ، فقال النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتك، فَلَا صَلَاةَ لفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
رَواه الأثْرَمُ 2. وقال: قلتُ لأبِي عبدِ اللهِ: حديثُ مُلازِمِ بنِ عمرٍو، يَعْنِي هذا الحَدِيثَ، أَيضًا حسَنٌ؟ قال: نعم.
ولأنَّه خالَفَ المَوْقِفَ، فلم تَصِحَّ صلاتُه، كما لو وَقَف قُدّامَ الإمامِ.
فأمّا حديثُ أبي بَكْرَةَ، فإنَّ النبيَّ نَهاه، فقالَ: «لا تَعُدْ» 3. والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفَسادَ، وعَذَره فيما فَعَلَه لجَهْلِه،

..................................  وللجَهْلِ تَأْثِيرٌ في العَفْوِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِه مَوْقِفًا للمَرْأةِ أن يكونَ مَوْقِفًا للرجلِ؛ بدَلِيلِ اخْتِلافِهما في كَراهَةِ الوُقُوفِ واسْتِحْبابِه.
فصل: وإن وَقَف عن يَسارِ الإِمام، وكان عن يَمِينَ الإِمام أحَدٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ مسعود 1, ولأنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لإِمامِ العُراةِ.
وإن لم يكنْ عن يَمِينِه أحَدٌ فصَلاتُه فاسِدَةٌ.
وكذلك إن كانوا جَماعَةً.
وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَروْن أنَّ الأوْلَى للواحِدِ أن يَقِفَ عن يَمِينِ الإمامِ.
رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان إذا لم يكنْ معه إلَّا واحِدٌ جَعَلَهُ عن يَسارِه.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: تَصِحُّ صلاةُ مَن وَقَف عن يَسارِ الإمامِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ لَمَّا أحْرَم عن يَسارِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدارَه عن يَمِيِنه، ولم تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُه، ولو لم يكنْ مَوْقِفًا، لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كقُدّامِ الإمامِ، ولأنَّه أحَدُ الجانِبَيْن، أشْبَهَ اليَمِينَ، وكما لو كان عن يَمِينِه أحَدٌ.
ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدارَه عن يَمِيِنه.
وكذلك حَدِيثُ جابِرٍ.
وقَوْلُهم: لم يَأْمُرْه بابْتِداءِ التَّحْريمَةِ؛ لأنَّ ما فَعَلَه قبلَ الرُّكُوعِ لا يُؤْثِّرُ، فإنَّ الإمامَ يُحْرِمُ قبل المَأْمُومِين، وكذلك المَأْمُومُون يُحْرِمُ بَعْضُهم قبلَ بعضٍ 2، ولا

..................................  يَضُرُّ انْفِرادُه، ولا يَلْزَمُ مِن العَفْوِ عن ذلك العَفْوُ عن رَكْعَةٍ كامِلَةٍ.
وقَوْلُهم: هو مَوْقِفٌ إذا كان أحَدٌ عن يَمِينِه.
قُلْنا: لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِه موْقِفًا في صُورَةٍ أن يكونَ مَوْقِفًا في غيرِها؛ بدَلِيلِ ما وراءَ الإِمامِ، فإنَّه مَوْقِفٌ للاثْنَيْن، وليس مَوْقِفًا للواحِدِ، وإن مَنَعُوه فقد دَلَّ عليه الحديثُ المذْكُورُ.
والقِياسُ أنَّه يَصِحُّ، كما لو كان عن يَمِينِه، وكونُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أدار ابنَ عباسٍ، وجابِرًا يَدُلُّ على الفَضِيلَةِ، لا على عَدَمِ الصِّحَّةِ، بدَلِيلِ رَدِّ جابِرٍ وجَبّارٍ إلى وراءِه مع صِحَّةِ صَلاِتهما عن جَنْبَيْه.
فصل: فإن كان خَلْفَ الإمامِ صَفٌّ، فهل تَصِحُّ صلاةُ مَن وقفَ عن يَسارِه؛ فيه احْتمالانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه صَلَّى وأبو بَكْرٍ عن يَمِينِه، وكان أبو بكر الإمَامَ 1. ولأنَّ مع الإمامِ مَن تَنْعَقِدُ صَلَاتُه به، فصَحَّ، كما لو كان عن يَمِينِه أحَدٌ.
والثّانِي، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه ليس بمَوْقِفٍ إذا لم يكنْ صَفَّ، فلم يكنْ مَوْقِفًا مع الصَّفِّ، كأمامِ الإمامِ، وفارَقَ إذا كان معه آخَرُ؛ لأنَّه معه في الصَّفِّ, فكان صَفًا واحِدًا، فهو كما لو وَقَف معه خَلْفَ الصَّفِّ.

وَإنْ أمَّ امْرَأةً وَقَفَتْ خَلفُه،

573 - مسألة: (وإن أَمَّ امرأَةً وَقَفَتْ خَلْفَه)

[إذا أمَّ الرجلُ المرأةَ وَقَفَتْ خلفَه] 1؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» 2. وروَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى [به و] 3 بأُمِّه أو خالَتِه، فأقامَنِي عن يَمِينِه، وأقام المَرْأة خَلْفَنا.
رَواه مسلمٌ 4. وإن أَمَّ رجلًا وامرأةً، وَقَف الرجلُ عن يَمِينِه، ووقَفَتِ المَرْأَةُ خَلْفَهُما؛ لِما ذَكَرْنا.

..................................  وإن كانا رَجُلَيْن وَقَفا خَلْفَه، والمرأةُ خلْفَهما، كما روَى أنَسٌ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بهم، قال 1: فصَفَفْتُ أنا واليَتِيمُ وراءَه، والمَرْأَةُ خَلْفَنا، فصَلَّى لَنا رسولُ الله رَكْعَتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وكان الحسنُ يُقُولُ، في ثَلَاثَةٍ أحَدُهم امْرَأةٌ: يَقُومُ بعْضُهم وراءَ بعضٍ 3. وهذا قَوْلٌ لا نَعْلَمُ أحدًا وافَقَه فيه، واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى.
فصل: فإن وَقَفَتِ المرأةُ في صَفِّ الرجالِ كُرِه لها ذلك، ولم تبْطُلْ صَلاتُها, ولا صلاةُ مَن يَلِيها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبوِ بكرٍ: تَبْطُلُ صلاةُ مَن يَلِيها ومَن خَلْفَها دُونَها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّه مَنْهِيٌّ عن الوُقُوفِ إلى جانِبَها، أشْبَهَ الوُقُوفَ أمامَ الإمامِ.
ولَنا، أنَّها لو وقَفَتْ في غيرِ صلاةٍ لم تَبْطُلْ صَلاتُه، كذلك في الصلاةِ، وقد ثَبَت أنَّ عائشةَ كانت تَعْتَرِضُ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّى 4. وقوْلُهم: وهو مَنْهِيٌّ عنه.
قُلْنا: هي مَنْهِيَّةٌ عن الوُقُوفِ مع الرجالِ، فإذا لم تَبْطُلْ صَلاُتها، فصَلاتُهُم أوْلَى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأشْبَهُ بالمذْهَبِ عنديِ بُطْلانُ صلاِتها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أَخِّرُوهُنَّ».
وهو مَوْقِفٌ مَنْهِيٌّ عنه، أشْبَهَ مَوْقِفَ الفَذِّ خَلْفَ الإمامِ والصَّفِّ.

جارٍ التحميل