..................................
الثَّانِى، ما أَصْلُه الإِباحَةُ، كالماءِ يَجدُه مُتَغَيِّرًا، لا يَعْلَمُ بنَجَاسَةٍ تَغَيَّرَ، أو غيْرِها؟ فهو طاهِرٌ في الحُكْمِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا يَزُولُ عنها إلَّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ، ولم يوجَدْ واحِدٌ منهما.
والأصْلُ في ذلك حَدِيثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ زَيْدٍ، رضِىَ اللَّهُ عنه، قال: شُكِىَ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه في الصَّلَاةِ أنَّه يَجِدُ الشَّئَ، قال: «لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجدَ رِيحًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. الثالِثُ، ما لا يُعْرَفُ له أصْلٌ كَرجُلٍ في مالِه حَلالٌ وحَرامٌ، فهذا هو الشُّبْهَةُ التى الأَوْلَى تَرْكُها، على ما ذَكَرْناهُ، وعَمَلًا بما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه وَجَدَ تمْرَةً ساقِطَةً، فقال: «لَوْلا أنِّى أَخْشَى أَنَّها مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها» 2. وهو مِن بابِ الوَرَعَ.
فصل: وكان أحمدُ لا يَقْبَلُ جوائِزَ السُّلْطانِ، ويُنْكِرُ على وَلَدِه وعَمِّه قَبُولَها، ويُشَدِّدُ في ذلك.
ومِمَّنْ كان لا يَقْبَلُها؛ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، وبُسْرُ 3 بنُ سَعِيدٍ، ومحمدُ بنُ واسِعٍ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ
..................................
المُبارَكِ، وكان هذا مِنْهم على سَبِيلِ الوَرَعِ، لا على أَنَّها حَرامٌ، فإنَّ أحمدَ قال: جَوائِزُ السُّلْطانِ أَحَبُّ إلَىَّ مِن الصَّدَقَةِ.
وقال: ليس أحَدٌ مِن المُسْلِمِينَ إلَّا وله في هذه الدَّرَاهِمِ نصِيبٌ، فكَيْفَ أَقُولُ إنّها سُحْتٌ.
ومِمَّنْ كان يقبلُ جَوائِزَهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وغيرُهم، مثلُ: الحَسَنِ، والحُسَيْنِ، وابنِ جَعْفَرٍ.
ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ البَصْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِىُّ، والشّافِعِىُّ.
واحْتَجَّ بَعْضُهم بأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طَعامًا 1، وماتَ ودِرْعُه مَرْهُونَةٌ عِنْدَه 2. وأجابَ يَهُودِيًّا دَعاهُ، وأكل مِن طعامِه 3. وقد أخْبَرَ اللَّه تعالى أنَّهم أَكّالُونَ للسُّحْتِ 4. ورُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنّه قال: لا بَأْسَ
..................................
بجَوائِزِ السُّلْطانِ، فإنَّ ما يُعْطِيكُم مِن حَلالٍ أكثرُ مِمّا يُعْطِيكُم مِن الحرامِ.
وقال: لا تَسْأْلِ السُّلْطانَ شَيْئًا، وإنْ أعْطَى فخُذْ، فإنَّ ما في بَيْتِ المالِ مِن الحَلالِ أكْثَرُ مِمّا فيه مِن الحَرامِ.
فصل: قال أحمدُ، في مَن معه ثَلَاثةُ دَراهِمَ فيها دِرْهَمٌ حَرامٌ: يَتَصَدَّقُ بالثَّلَاثَةِ، وإنْ كانَ معه مائَتا دِرْهَمٍ، فيها عَشَرَةُ دَراهِمَ حَرامٌ، تَصَدَّقَ بالعَشَرَةِ؛ لأنَّ هذا كثيرٌ وذاكَ قَلِيلٌ.
قيلَ له: قال سُفْيَانُ: ما كان دُونَ العَشَرَةِ يُتَصَدَّقُ به، وما كان أكْثَرَ يُخْرجُ.
قال: نعم، لا يُجْحَفُ به.
قال القاضِى: ليس هذا على سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وإنَّما هو على سَبِيلِ الاخْتِيارِ؛ لأنَّه كُلَّما كَثُرَ الحَلالُ بَعُدَ تناوُلُ الحَرام، وشقَّ التَّوَرُّعُ عن الجَمِيعِ، بخِلافِ القَلِيلِ، فإنَّه يَسْهُلُ إخْراجُ الكلِّ.
والواجِبُ في المَوْضِعَين إخراجُ قَدْرِ الحَرام، والباقِى له، وهذا لأنَّ تَحْرِيمَه لم يكُنْ لتَحْرِيمِ عيْنِه، وإنَّما حُرِّمَ لتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِه به، فإذا أخرجَ عِوَضَه زالَ التَّحْرِيمُ، كما لو كان صاحِبُه حاضِرًا فرَضِىَ بعِوَضِه، وسواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا.
والوَرَعُ إخْراجُ ما يُتَيَقَّنُ به إخْراجُ عَيْنِ الحَرام، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بإخْرَاجِ الجَمِيعِ، لكنْ لمّا شقَّ ذلك في الكَثِيرَ، تُرِكَ لأجْلِ
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَجْوزُ بَيْعُ الْآبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ في الْهَوَاءِ، وَلَا السَّمَكِ في الْمَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
المَشَقَّةِ فيه، واقتُصِرَ على الواجِبِ.
ثم يَخْتَلِفُ هذا باخْتِلافِ النّاسِ؛ فمنهم مَن لا يكونُ له سِوَى الدَّراهِمِ اليَسِيرَةِ، فيَشُقُّ إخْراجُها؛ لحاجَتِه إليها، ومنهم مَن يَكُونُ له مالٌ (1) كثيرٌ، فيَسْتَغْنِى عنها، فيَسْهُلُ إخْراجُها.
واللَّهُ تعالى أعْلَمُ.
(
فصل
: الخامِسُ، أن يكونَ مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه، فلا يَجُوز بَيْعُ الآبِقِ، ولا الشارِدِ، ولا الطَّيْرِ في الهَواءِ، ولا السَّمَكِ في الماءِ، ولا المَغْصُوبِ إلَّا مِن غاصِبِه، أو مِمَّن يَقْدِرُ على أَخْذِه منه) بَيْعُ العَبْدِ الآبِقِ لا يَجُوزُ، سَواءٌ عَلِمَ بمكَانِه أو جَهِلَه.
وكذلك ما في مَعْناهُ؛ مِن الجَمَلِ الشارِدِ، والفَرَسِ العائِرِ 2 وَشِبْهِهما.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنّه1
..................................
اشْتَرَى مِن بعضِ ولَدِه بَعِيرًا شارِدًا.
وعن ابنِ سِيرِينَ؛ لا بَأْسَ بِبَيْعِ الآبِقِ، إذا كان عِلْمُهما فيه واحِدًا.
وعن شُرَيْحٍ مِثْلُه.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وعن بَيْعِ الغَرَرِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ 1. وهذا بَيْعُ غَرَرٍ، ولأنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالطَّيْرِ في الهَواءِ، فإنْ حَصَلَ في يَدِ إنْسَانٍ، جازَ بَيْعُه؛ لإِمْكانِ تَسْلِيمِه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواءِ، مَمْلُوكًا كان أو لَا؛ أمّا
..................................
المَمْلُوكُ، فلأَنَّه غيرُ مَقْدُورٍ عليه، وغيرُ المَمْلُوكِ لا يَجُوزُ لِعِلَّتَيْنِ؛ عَدَمُ القُدْرَةِ، وعَدَمُ المِلْكِ؛ لحَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، قيلَ في تَفْسِيرِه: هو بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواء، والسَّمَكِ في الماءِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا, ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الطائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ، أو لا يَأْلَفُه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه الآنَ، وإنَّما يَقْدِرُ إذا عادَ.
فإنْ قيلَ: فالغائِبُ في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ على تَسْلِيمِه في الحالِ! قُلْنا: الغائِبُ يَقْدِرُ على اسْتِحْضارِه، والطَّيْرُ لا يَقْدِرُ صاحِبُه على رَدِّه، إلَّا أنْ يَرْجِعَ هو بنَفْسِه، ولا يَسْتَقِلُّ مالِكُه برَدِّه، فيكونُ عاجِزًا عن تَسْلِيمِه، لعَجْزِه عن الواسِطَةِ التى يَحْصُلُ بها تَسْلِيمُه، بخِلافِ الغائِبِ.
وإن باعَهُ الطَّيْرَ في البُرْجِ، نَظرتَ؛ فإن كان البُرْجُ مَفْتُوحًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الطَّيْرَ إذا قَدَرَ على الطَّيَرانِ لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فإن كان مُغْلَقًا ويُمكِنُ أخْذُه، جازَ بَيْعُه.
وقال القاضِى: إن لم يمكِنْ أخْذُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وهو مُلْغًى بالبَعِيدِ الذى لا يُمْكِنُ إِحْضَارُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ.
وفَرَّقُوا بينهما، بأنَّ البَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ التى يحتاجُ إليها في إحْضارِه بالعادَةِ، وتَأخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُه مَعْلُومَةٌ.
والصَّحِيحُ أنَّ تَفاوُتَ المُدَّةِ في إحْضارِ البَعِيدِ، واخْتِلافَ المَشَقَّةِ أكْثَرُ مِن التَّفاوُتِ والاخْتِلافِ 1 في إِمْساكِ طائِرٍ مِن البُرْجِ، والعادَةُ تكونُ في هذا
..................................
كالعَادَةِ في ذلك، فإذا صَحَّ في البَعِيدِ مع كَثْرةِ التَّفَاوُتِ وشِدَّةِ اخْتِلافِ المَشَقَّةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ في الآجامِ.
هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنّه نَهَى عنه، وقال: إنَّه غرَرٌ 1. وكَرِهَهُ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والمَعْنَى.
فإن باعَه في الماءِ، جازَ بثَلَاثةِ شُروطٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ مَمْلُوكًا.
وأنْ يكونَ الماءُ رقِيقًا، لا يمنعُ مُشاهَدَتَه ومَعْرِفَتَه.
وأنْ يُمْكِنَ اصْطِيادُه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ يمكنُ تَسْلِيمُه، فجازَ بَيْعُه، كالمَوْضُوعِ في طَسْتٍ في الماءِ.
وإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ ممّا ذَكَرْنا، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لفَواتِ الشَّرْطِ.
ورُوِىَ عن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ أبى لَيْلَى، في مَن له أُجْمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فيها، يجُوزُ
..................................
بَيْعُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه ظاهِرًا، أشْبَهَ ما يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في الكَيْلِ أو الوَزْنِ والنَّقْلِ.
ولَنا، قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عمرَ: لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الماءِ؛ لأنَّه غَرَرٌ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْع الغَرَرِ، وهذا منه، ولأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بعدَ اصْطِيادِه، أشْبَهَ الطَّيْرَ في الهَواءِ، ولأنَّه مَجْهُولٌ، أشْبَهَ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ، ويُفارِقُ ما قَاسُوا عليه؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ القَبْضِ، وهذا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ ليُمْكِنَ قَبْضُه، فأمّا إن كانت له بِرْكَةٌ له فيها سَمَكٌ يُمْكِنُ اصْطِيَادُه بغيرِ كُلْفَةٍ، والماءُ رَقِيقٌ لا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، صَحَّ بَيْعُه، على ما ذَكَرْنا، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بمشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، وكانت يَسِيرَةً، بمَنْزِلَةِ اصْطِيادِ الطّائِرِ مِن البُرْجِ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ في بَيْعِ الطّائِرِ في البرجِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
وإن كانت كَثِيرَةً تَتَطَاوَلُ المُدَّةُ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للعَجْزِ عن تَسْلِيمِه في الحالِ، والجَهْلِ بإمْكانِ وقْتِ 1 التَّسْلِيمَ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ المَغْصُوبِ؛ لعَدَمِ إمْكانِ تَسْلِيمِه، فإن باعَه
فَصْلٌ: السَّادِسُ، أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ بِرُؤْيَةٍ، أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ.
لغاصِبِه أو لقادِرٍ على أخْذِه منه، جازَ؛ لعَدَمِ الغرَرِ فيه، ولإِمْكانِ قَبْضِه.
وكذلك إن باعَ الآبِقَ لقادِرٍ عليه، صَحَّ كذلك، وإنْ ظَنَّ أَنَّه قادِرٌ على اسْتِنْقاذِه مِمّن هو في يَدِه، صَحَّ البَيْعُ.
فإن عَجَزَ عن اسْتِنْقاذِه، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحَّ لكَوْنِه مَظْنُونَ القُدْرَةِ على قَبْضِه، وثَبَتَ له الفَسْخُ؛ للعَجْزِ عن القَبْضِ, فهو كما لو باعَهُ فَرَسًا فشَرَدَتْ قبلَ تَسْلِيمِها، أو غَائِبًا بالصِّفةِ، فَعَجَزَ عن تَسْلِيمِه.
فصل
: (السادِسُ، أن يكُونَ مَعْلُومًا؛ برُؤْيةٍ، أو صِفَةٍ تحصُلُ بها
فَإِنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ رَآهُ وَلَم يَعْلَمْ مَا هُوَ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا لَا يَكْفِى في السَّلَمِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَلِلْمُشْتَرِى خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
مَعْرِفَتُه.
فإنِ اشْتَرَى ما لِم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، أو رَآهُ ولم يَعْلَمْ ما هو، أو ذُكِرَ له مِن صِفتِه ما لا يَكْفِى في السَّلَمِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وعنه، يَصِحُّ، وللمُشْتَرِى خيارُ الرُّؤْيَةِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في بَيْع الغائِبِ الذى لم يُوصَفْ، ولم تَتَقدَّمْ رُؤْيَتُه، فالمَشْهُورُ عنه، أنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه.
وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ.
وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثَّانِى للشافِعِىِّ.
واحْتَجَّ مَن أجَازَه بعُمُومِ قولِه
..................................
تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 1. وبما رُوِى عن عثمانَ، وطَلْحَةَ، أنَّهُما تَبَايَعَا دَارَيْهِما؛ إحداهُما بالكُوفَةِ، والأُخْرَى بالمَدِينَةِ، فقيلَ لعُثْمانَ: إنَّكَ قد غُبِنْتَ.
فقال: ما أُبالِى؛ لأنِّى 2 بِعْتُ ما لم أرَهُ.
وقيل لطَلْحَةَ، فقال: لِيَ الخِيارُ؛ لأنَّنِى اشْتَرَيْتُ ما لم أرَهُ.
فَتَحَاكَمَا إلى جُبَيْرٍ 3، فَجَعَلَ الخِيارَ لطَلْحَةَ 4. وهذا اتِّفاقٌ منهم على صِحَّةِ البَيْعِ.
ولأنَّه عقدُ مُعَاوَضَةٍ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّتُه إلِى رُؤْيَةِ المَعْقُودِ عليه، كالنِّكَاحِ.
ولَنا، ما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ 5. ولأنَّه باعَ ما لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ النَّوَى في التَّمْرِ، ولأنَّه
..................................
بَيْعٌ، فلم يَصِحَّ مع الجَهْلِ بصِفَةِ المَبِيعِ، كالسَّلَمِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بما ذكَرْناه مِن الأصْلِ.
وأمّا حَدِيثُ عثمانَ وطَلْحَةَ، فَيَحْتَمِلُ أنَّهما تَبَايَعَا بالصِّفَةِ، ومع ذلك فهو قَوْلُ صَحابِىٍّ، وقد اخْتُلِفَ في كَوْنِه حُجَّةً، ولا يُعَارَضُ به حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والنِّكاحُ لا يُقْصَدُ منه المُعاوَضَةُ، ولا يَفْسُدُ بفَسَادِ العِوَضِ، ولا بتَركِ ذِكْرِه، ولا يَدْخُلُه شئٌ مِن الخِيارَاتِ، وفى اشْتِراطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ على المُخَدَّرَاتِ، وإضْرَارٌ بهِنَّ، ولأَنَّ الصِّفاتِ التى تُعْلَمُ بالرُّؤْيَةِ ليست هى المَقْصُودَةَ بالنِّكَاحِ، فلا يَضُرُّ الجَهْلُ بها، بخِلافِ البَيْعِ.
فإن قيل: فقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَه، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» 1. والخِيَارُ لا يَثْبُتُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ.
قُلْنا: هذا يَرْوِيه عمرُ بنُ إبراهيمَ الكُرْدِىُّ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ 2. ويَحْتَمِلُ أنَّه بالخِيارِ بينَ العَقْدِ عليه وتَرْكِه.
..................................
فعلى هذا، يُشْتَرطُ رُؤْيَةُ ما هو مَقْصُودٌ بالبَيْعِ، كداخِلِ الثَّوْبِ، وشَعَرِ الجارِيَةِ، ونحوِهما.
فلو باعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا، أو عَيْنًا حاضِرَةً لا يُشَاهَدُ منها ما يَخْتَلِفُ الثمَنُ لأجْلِهِ، كان كبَيْعِ الغائِبِ.
فإن قُلْنا بصِحَّةِ بَيْعِ الغائِبِ، فللمُشْتَرِى الخيارُ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ.
ويَثْبُتُ الخِيارُ عندَ رُؤْيَةِ المَبِيعِ في الفَسْخِ والإِمْضاءِ، ويكونُ على الفَوْرِ، فإنِ اخْتَارَ الفَسْخَ انْفَسَخَ العَقْدُ، وإن لم يَخْتَرْ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّ الخِيارَ خِيارُ الرُّؤْيَةِ، فوَجَبَ أن يكونَ عندَها.
وقيلَ: يَتَقَيَّدُ بالمَجْلِسِ.
وإنِ اخْتَارَ الفَسْخَ قبلَ الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ؛ لأنَّ العَقْدَ غيرُ لازِمٍ في حَقِّه، فملَكَ الفَسْخَ، كحالَةِ الرُّؤْيَةِ.
وإنِ اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، لم
وَإِنْ ذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِى فِى السَّلَمِ، أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
ثُمَّ إِنْ
يَلْزَمْ؛ لأنَّ الخِيارَ يَتعَلَّقُ بالرُّؤْيَةِ، ولأَنَّه يُؤدِّى إلى إلْزامِ العَقْدِ على المَجْهُولِ، فَيُفْضِى إلى الضَّرَرِ.
وكذلك لو تَبَايَعَا على أن لا يَثْبُتَ الخِيارُ للمُشْتَرِى، لم يَصِحَّ الشرطُ؛ لذلك (1). وهل يَفْسُدُ به البَيْعُ؟ على وَجْهَيْن، بناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ.
فصل: ويُعْتَبَرُ لصِحَّةِ العَقْدِ الرُّؤْيَةُ مِن المُتَعَاقِدَيْنِ، وإن قُلْنَا بصِحَّةِ البَيْعِ مع عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَباعَ ما لم يَرَه، فله الخِيارُ عندَ الرُّؤْيَةِ، وإنْ لم يَرَه المُشْتَرِى، فلِكُلِّ واحدٍ (2) منهما الخِيارُ.
وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا خِيارَ للبائِعِ؛ لحَدِيثِ عثمانَ وطَلْحَةَ، ولأَنَّنا لو أَثْبَتْنا له الخِيارَ، لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ، والزِّيَادَةُ في المَبِيعِ لا تثْبِتُ الخِيارَ، بدَلِيل ما لو باع شَيْئًا على أنَّه مَعِيبٍ، فَبَانَ غيرَ مَعِيبٍ، لم يَثْبُتِ الخيارُ له.
ولَنا، أنَّه جاهِلٌ بصِفَةِ المَعْقُودِ عليه، فأَشْبَهَ المُشْتَرِىَ.
فأمّا الخَبَرُ فإنَّه قَوْلُ طَلْحَةَ وجُبَيْرٍ، وقد خَالفَهُما عثمانُ، وقَوْلُه أوْلَى؛ لأنَّ البَيْعَ يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا منهما، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ التى هى مَظِنَّةُ الرِّضَا منهما.
1566 -
مسألة: (وإن ذَكَرَ لَه مِن صِفَتِه ما يَكْفِى في السَّلَمِ،
12
وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَالْقَوْلُ في ذَلِكَ قَولُ الْمُشْتَرِى مَعَ يَمِينِهِ.
أو رآه، ثم عَقَدَا بعدَ ذلك بزَمَنٍ لا يَتَغَيَّرُ فيه ظاهِرًا، صَحَّ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْن.
ثم إن وَجَدَه لم يَتَغَيَّرْ، فلا خِيارَ له، وإن وَجَدَه مُتَغَيِّرًا، فله الفَسْخُ، والقوْلُ في ذلك قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه) إذا ذَكَرَ له مِن صِفاتِ المَبِيعِ ما يَكْفِى في صِحَّةِ السَّلَمِ، صَحَّ بَيْعُه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وعنه، لا يَصِحُّ حتَّى يَرَاهُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا يَحْصُل بها مَعْرِفَةُ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ البَيْعُ بها، كالذى لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
ولَنا، أنَّه بَيْعٌ بالصِّفَةِ، فَصَحَّ، كالسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّفَةَ لا يَحْصُلُ بها المَعْرِفةُ، فإنَّها تَحْصُلُ بالصِّفاتٍ الظاهِرَةِ التى لا يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ ظَاهِرًا، ولهذا اكْتُفِىَ به في السَّلَمِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ في الرُّؤْيَةِ الاطِّلاعُ على الصِّفَاتِ الخَفِيَّةِ.
وأَمّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، فإنَّما لم يَصِحَّ بَيْعُه بالصِّفَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ ضَبْطُه بها.
إِذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه مَتَى وَجَدَهُ على الصِّفَةِ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ.
وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، وأَيُّوبُ، ومالِكٌ، والعَنْبَرِىُّ،
..................................
وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، أبو حَنِيفَةَ، وأصحابُه: له الخِيارُ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ، ولأنَّ الرُّؤْيَةَ مِن تمامِ هذا العَقْدِ، فأَشْبَهَ غيرَ المَوْصُوفِ.
ولأصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ، كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّه سَلَّمَ له المَعْقُودَ عليه بصِفاتِه، فلم يَكُنْ له خِيارٌ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه مَبِيعٌ مَوْصُوفٌ، فلم يكُنْ للعاقِدِ فيه الخِيارُ في جَميعِ الأحْوالِ، كالسَّلَمِ.
وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ.
لا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، فإن ثَبَتَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه يُسَمِّيه مَنْ يَرَى ثُبُوتَ الخِيارِ، فلا يَحْتَجُّ به على غَيْرِه.
فأمّا إن وَجَدَه بخلافِ الصِّفَةِ، فله الخِيارُ، ويُسَمَّى خِيارَ الخُلْفِ في الصِّفَةِ؛ لأنَّه وَجَدَ المَوْصُوفَ بخِلافِ
..................................
الصِّفَةِ، فلم يَلْزَمْه [كالسَّلَمِ] 1. وِإنِ اخْتَلَفَا في اخْتِلافِ الصِّفَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه مِن الثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه ما لم يُقرَّ به، أو يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ، أو ما يقومُ مَقامَها.
فصل: والبَيْعُ بالصِّفَةِ نَوْعانِ؛ أحَدُهما، بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَنّةَ، مثلَ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدِىَ التُّركِىَّ.
ويَذْكُرُ صِفاتِه، فهذا يَنْفَسِخُ العَقْدُ عليه برَدِّهِ على البائِع، وتَلَفِه قَبْلَ قَبْضِه؛ لكَوْنِ المَعْقُودِ عليه مُعَيَّنًا، فيَزُولُ العَقْدُ بزَوالِ مَحَلِّه، ويَجُوزُ التَّفَرُّقُ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه، وقَبْضِه، كبَيْع الحاضِرِ.
الثَّانِى،
..................................
بَيْعُ مَوْصُوفٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، مثلَ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدًا تركِيًّا.
ثم يَسْتَقْصِى صِفاتِ السَّلَمِ، فهذا في مَعْنَى السَّلَمِ، فمتَى سَلَّمَ إليه عَبْدًا على غيرِ ما وَصَفَ، فَرَدَّهُ، أو على ما وَصَفَ، فأبْدَلَه، لم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ على غيرِ هذا، فلم يَنْفَسِخِ العَقْدُ برَدِّهِ، كما لو سَلَّمَ إليه في السَّلَمِ غيرَ ما وَصَفَ له، فرَدَّهُ.
ولا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عن مَجْلِممرر العَقْدِ قبلَ قَبْضِ المَبِيعِ، أو قَبْضِ ثَمَنِه.
وهذا قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ قَبْضِ أَحَدِ العِوَضَيْنِ، كالسَّلَمِ.
وقال القاضى: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيْعٌ حالٌّ، فجازَ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ, كبَيْعِ العَيْنِ.
..................................
فصل: فإن رَأَيا المَبِيعَ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بعد ذلك بزَمَنٍ لا تَتَغَيَّرُ العَيْنُ فيه، جازَ، في قولِ أكثرِ أَهْلِ العِلْمَ.
وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يَجُوزُ حتَّى يَرَيَاهَا حالَةَ العَقْدِ.
وحُكِىَ ذلك عن الحَكَمِ، وحَمّادٍ؛ لأنَّ ما كانَ شَرْطًا في صِحَّةِ العَقْدِ، يَجِبُ أنْ يكونَ مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ، كالشَّهادَةِ في النِّكَاحِ.
ولَنا، أنَّه مَعْلُومٌ عندهما، أشْبَهَ ما لو شاهَدَاه حالَ العَقْدِ، والشَّرْطُ إنَّما هو العِلْمُ، والرُّؤْيَةُ طَرِيقُ العِلْمِ، ولهذا اكْتُفِىَ بالصِّفَةِ المُحَصِّلَةِ للعِلْمِ، والشَّهادَةُ في النِّكاحِ تُرادُ لحِلِّ العَقْدِ والاسْتِيثاقِ عليه، فلهذا اشْتُرِطَتْ حالَ العَقْدِ.
ويُقَرِّرُ ما ذَكَرْنَاهُ ما لو رَأَيَا دَارًا، ووَقَفَا في بيتٍ منها، أو أَرْضًا، ووَقَفَا في طَرَفِها، وتَبَايَعَاهَا، صَحَّ، بلا خِلافٍ، مع عَدَمِ المُشَاهَدَةِ للكُلِّ في الحالِ.
ولو كانتِ الرُّؤْيَةُ المَشْرُوطَةُ للبَيْعِ
..................................
مَشْرُوطَةً حالَ العَقْدِ لاشْتُرِطَ رُؤْيَةُ جَمِيعِه.
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَمَتَى وَجَدَ المَبِيعَ بحالِه لم يَتَغَيَّرْ، لَزِمَهُ البَيْعُ، وإن كان ناقِصًا ثَبَتَ له الخِيارُ؛ لأنَّ ذلك كحُدُوثِ العَيْبِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في التَّغَيُّرِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَلْزَمُه الثَّمَنُ، فلا يَلْزَمُه ما لم يَعْتَرِفْ به.
فأمّا إن عُقِدَ البَيْعُ بعد رُؤيةِ المَبِيعِ بمُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فيها فسادُ المَبِيعِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّه مِمّا لا يَصِحُّ بَيْعُه، وإن كان يَتَغَيَّرُ فيها, لم يصحَّ بيعُه أَيضًا؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، وكذلك إن كان الظّاهِرُ تَغَيُّرَه، فأمّا إن كان يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ وعَدَمَه، وليس الظاهِرُ تغيّرَه، صَحَّ بَيْعُه؛ لأنَّ الأصْلَ السّلامَة، ولم
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمْلِ في الْبَطنِ، وَاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وَالْمِسْكِ في الْفَأْرِ, وَالنَّوَى في التَّمْرِ،
يُعَارِضْه ظاهِرٌ، فصَحَّ بَيْعُه، كما لو كانتِ الغَيْبَةُ يَسِيرةً.
وهذا ظاهرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ.
1567 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحَمْلِ في البَطنِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والمِسْكِ في الفَأْرِ، والنَّوَى في التَّمْرِ)
بَيْعُ الحَمْلِ في البَطنِ فاسِدٌ بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ بَيْعَ المَلاقِيحِ والمضَامِينِ غيرُ جائِزٍ.
وإنّما لم يَجُزْ بَيْعُ الحَمْلِ في البَطنِ، لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، الجهالَةُ، فإنَّه لا تُعْلَمُ صِفَتُه ولا حَياتُه.
والثانِى، أنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، بخِلافِ الغائِبِ، فإنَّه يَقْدِرُ على الشُّرُوعِ في تَسْلِيمِه.
وقد رَوَى سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعِ المَلاقِيحِ، والمَضامِينِ 1. قال أبو عُبَيْدٍ 2: المَلاقِيحُ، ما في البُطُونِ، وهى الأجِنَّةُ، والمَضامِينُ، ما في أصْلابِ الفُحُولِ، فكانُوا يَبِيعُونَ الجَنِينَ في بَطنِ النّاقَةِ، وما يَضْرِبُه الفَحْلُ في عامِه، أو في أَعْوامٍ.
..................................
وأَنْشَدَ 1:
إنَّ المَضَامِينَ الَّتى في الصُّلْبِ
مَاءُ الفُحُولِ في الظُّهُورِ الحُدْبِ
وروَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعِ المَجْرِ 2. قال ابنُ الأعْرابِىِّ: المَجْرُ ما في بَطنِ النّاقَةِ، والمَجْرُ الرِّبَا.
والمَجْرُ القِمارُ.
والمَجْرُ المُحاقَلَةُ والمُزَابَنَةُ.
فصل: ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى عن بَيْع حَبَلِ الحَبَلَةِ.
[مُتَّفَقٌ عليه] 3. ومَعْناه، نِتاجُ النِّتَاجِ.
قاله أبو عُبَيْدٍ 4. وعن ابنِ عمرَ قال: كان أهلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُون لحْمَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ.
وحَبَلُ الحَبَلَةِ أنْ تُنْتَجَ
..................................
النّاقَةُ، ثم تَحْمِلُ التى نُتِجَتْ.
فَنَهاهُم النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواهُ مُسْلِمٌ 1. وكِلَا البَيْعَيْنِ فاسِدٌ؛ أمّا الأوَّلُ فَلأَنَّه بَيْعُ مَعْدُومٍ، وإِذا لم يَجُزْ بَيْعُ الحَمْلِ، فبَيْغ حَمْلِه أَوْلَى، وأمّا الثَّانِى فلأنَّه بَيْعٌ إلى أَجلِ مَجْهُولٍ.
فصل: ولا يَجُوز بَيْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
وبه قال الشّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْى.
ونَهَى عنه ابن عَبّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ.
وكَرِهَهُ طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ.
وحكِىَ عن مالِكٍ، أنّه يجوز أيَّامًا مَعْلُومَةً إذا عَرَفَا حِلابَها, لِسَقْىِ الصَّبِىِّ، كلَبَنِ الظِّئْرِ.
وأجازَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومحمدُ بن مَسْلَمَةَ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أنْ يُباعَ صُوفٌ على ظَهْرٍ، أو لبنٌ في ضَرْعٍ.
رواه الخَلَّالُ، وابنُ ماجَه 2. ولأنَّه مَجْهولُ الصِّفَةِ والمِقْدارِ، فأَشْبَهَ الحَمْلَ، ولأنَّه بَيْعُ عَيْنٍ لم تُخْلَقْ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ ما تَحْمِلُ النّاقَةُ، والعادَةُ في ذلك
..................................
تَخْتَلِفُ.
وأمّا لَبَنُ الظِّئْرِ فإنَّما جازَ للحَضَانَةِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
فصل: ولا يَجْوزُ بَيْعُ المِسْكِ في الفَأْرِ 1، وهو الوِعاءُ الذى يكونُ فيه.
قال الشَّاعِرُ:
إذا التَّاجِرُ الهِنْدِىُّ رَاحَ بفَأْرَةٍ … مِن المِسْكِ رَاحَتْ في مَفَارقِهِمْ تَجْرِى
فإنْ فَتَحَ، وشاهَدَ ما فيه، جازَ بَيْعُه، وإنْ لم يُشَاهِدْ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للجَهالَةِ.
وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ؛ لأنَّ بقاءَهُ في فَأْرِه مَصْلَحَةٌ له، فإنَّه يَحْفَظُ رُطُوبَتَه وذكاءَ رائِحَتِه، أَشْبَهَ ما مَأْكُولُه في جَوْفِه.
ولَنا، أنَّه يَبْقَى خارِجَ وِعائِه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، وتَبْقَى رَائِحَتُه، فلم يَجُزْ بَيْعُه مَسْتُورًا، كالدُّرِّ في الصَّدَفِ.
وما مَأْكُولُه في جَوْفِه إخْراجُه يُفْضِى إلى تَلَفِه.
فالتَّفْصيلُ في بَيْعِه مع وِعائِه، كالتَّفْصِيلِ في بَيْعِ السَّمْنِ في ظَرْفِه،
وَلَا الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بِشَرْطِ جَزِّهِ فِى الْحَالِ.
على ما نَذْكُرُه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى في التَّمْرِ، والبَيْضِ في الدَّجاجِ، للجَهْلِ بهما.
ولا نَعْلَمُ في هذا اخْتِلافًا.
فأَمَّا بَيْعُ (الصُّوفِ على الظَّهْرِ) فالمَشْهُورُ أنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُه؛ لِما ذَكَرْنَا مِن الحَدِيثِ، ولأنَّه مُتَّصِلٌ بالحَيَوانِ فلم يَجُزْ إفرادُه بالعَقْدِ، كأعْضَائِه (وعنه، أنَّه يَجُوزُ بشَرْطِ جَزِّه في الحالِ) لأنَّه مَعْلُومٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، فجار بَيْعُه، كالرَّطْبَةِ، وفارَقَ الأعْضَاءَ؛ لكَوْنِها لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُها مع بقاءِ الحَيَوانِ سالِمًا.
والخلافُ فيه كالخِلافِ في اللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
فإنِ اشْتَرَاهُ بشَرْطِ القَطْعِ، وتَرَكَه حتَّى طالَ، فحُكْمُه حُكْمُ الرَّطْبَةِ إذا طالَتْ، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه.
فصل: فأمَّا بَيْعُ الأعْمَى وشِرَاؤُهُ، فإنْ أمْكَنَه مَعْرِفَةُ المَبِيعِ؛ بالذَّوْقِ إن كان مَطْعُومًا، أو بالشَّمِّ إن كان مَشْمُومًا، صَحَّ بَيْعُه وشِراؤُه.
وإن لم يُمْكِنْ، جازَ بَيْعُه بالصِّفَةِ، كالبَصِيرِ، وله خِيارُ الخُلْفِ في الصِّفَةِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِى هَذَا، عَلَى أَنَّكَ مَتَى لَمَسْتَهُ، فَهُوَ عَلَيْكَ بِكَذَا.
أَوْ يَقُولَ: أَىُّ ثَوْبِ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا.
وَلَا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَىُّ ثَوْبٍ
وبهذا قال مالِكٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: له الخِيارُ إلى مَعْرِفَتِه بالبَيْعِ؛ إمّا بحَسِّه، أو ذَوْقِه، أو وَصْفِه.
وقال عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ: شِراؤُه جائِزٌ، وإِذا أَمَرَ إِنْسَانًا بالنَّظرَ إليه، لَزِمَه.
وقال الشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ إِلَّا على الوَجْهِ الذى يَجُوزُ فيه بَيْعُ المَجْهُولِ، أو يكونُ قد رَآهُ بَصِيرًا، ثم اشْتَراهُ قبلَ مُضِىِّ زَمَنٍ يَتَغَيَّرُ فيه المَبِيعُ؛ لأنَّه مَجْهُولُ الصِّفةِ عند العاقِدِ، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ البَيْضِ في الدَّجاجِ، والنَّوَى في التَّمرِ.
ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ الاطِّلاعُ على المَقْصُودِ ومَعْرِفَتُه، فأَشْبَهَ بَيْعَ البَصِيرِ، ولأنَّ إشارَةَ الأخْرَسِ تَقُومُ مَقامَ عِبارتِه (1)، فكذلك شَمُّ الأعْمَى وذَوْقُه، فأمّا البَيْضُ والنَّوَى، فلا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه ولا وَصْفُه، بخِلافِ مسألتِنا.
1568 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ المُلامَسَةِ؛ وهو أن يَقُولَ: بعْتُكَ ثَوْبِى هذا، على
2 أنَّكَ متى لَمَسْتَه، فهو عَلَيْكَ بكذا.
أو يقولَ: أَىُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فهو لَكَ بكذا.
ولَا بَيْعُ المُنابَذَةِ؛ وهو أن يقولَ:1
نَبَذْتَهُ إِلَىَّ، فَهُوَ عَلَىَّ بِكَذَا.
وَلَا بَيْعُ الْحَصَاةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ، فَعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا.
أَوْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْرَ مَا تَبْلُغُ هَذِه الْحَصَاةُ إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا.
أىُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَه إلَىَّ، فهو عَلَىَّ بكذا.
ولا بَيْعُ الحَصَاةِ، وهو أَنْ يقولَ: ارْمِ هذه الحَصَاةَ، فعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لَكَ بكذا.
أو يقولَ: بِعْتُكَ مِن هذه الأَرْضِ قَدْرَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصَاةُ إذا رَمَيْتَها بكذا) لا نَعْلَمُ بينَ أَهْلِ العِلْمِ خِلافًا في فَسادِ هذه المُبايَعاتِ.
والمُلَامَسَةُ، أن يَبِيعَه شَيْئًا, ولا يُشاهِدَه، على أنَّه مَتَى لَمَسَهُ وَقَعَ البَيْعُ.
والمُنَابَذَةُ، أن يقولَ: أىُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَه إلَىَّ، فقد اشْتَرَيْتُه بكذا.
هكذا فَسَّرَهُ أحمدُ في الظَّاهِرِ عنه.
ونحوَه قال مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ.
وفيما رَوَى البُخَارِىُّ 1 أنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدٍ، وَلَا شَاةً
- صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن المُنَابَذَةِ، وهى طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَه بالبَيْعِ إلى الرَّجُلِ، قبلَ أن يُقَلِّبَه أو يَنْظرُ إليه، ونَهَى عن المُلَامَسَةِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لا يَنْظُرُ إليه.
ورَوَى مُسْلِمٌ (1) عن أبى هُرَيْرَةَ في تفسيرِهما، قال: هو لَمْسُ كُلِّ واحِدٍ منهما ثَوْبَ صاحِبِه بغَيْرِ تَأَمُّلٍ، والمُنابَذَةُ، أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ واحِدٍ منهما ثَوْبَه، ولم يَنْظر كُلُّ واحِدٍ منهما إلى ثَوْبِ صاحِبِه.
وعلى التَّفْسِيرِ الأَوَّلِ لا يَصِحُّ البَيْعُ فيهما؛ لِعِلَّتَيْنِ؛ إحْداهُما، الجَهالَةُ.
والثَّانِيَةُ، كَوْنُه مُعَلَّقًا على شَرْطٍ؛ وهو نَبْذُ الثّوْبِ، أو لَمْسُه له.
وإنْ عَقَدَ البَيْعَ قبلَ نَبْذِه ولَمْسِه، فقال: بِعْتُكَ مَا تَلْمِسُهُ مِن هذه الثِّيابِ.
أو: ما أنْبِذُه إليك.
فهو غيرُ مُعَيَّنٍ ولا مَوْصُوفٍ، فأشْبَهَ ما لو قالَ: بِعْتُكَ واحِدًا منهما.
فأمَّا بَيْعُ الحَصَاةِ، فقد رَوَى مسلمٌ (2)، عن أبِى هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نهَى عن بَيْع الحَصَاةِ.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِه، فقيلَ: هو أَنْ يقولَ: ارْمِ هذه الحَصَاةَ، فعلى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لَكَ بدِرْهَمٍ.
وقيلَ: هو أَنْ يقولَ: بِعْتُكَ مِن هذه الأرضِ مِقْدارَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصاةُ إِذا رَمَيْتَها، بكذا.
وقيلَ: هو أَنْ يقولَ: بِعْتُكَ هذا بكذا، على أنِّى مَتَى رَمَيْتُ هذه الحَصاةَ، وَجَبَ البَيْعُ.
وكُلُّ هذه البُيُوعِ فَاسِدَةٌ؛ لِما فيها مِن الغَرَرِ والجَهْلِ.
واللَّهُ تَعالَى أعْلَمُ.
1569 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ولَا عَبْدًا
12
مِنْ قَطِيعٍ، وَلَا شَجَرَةً مِنْ بُسْتَانٍ، وَلَا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا هَذَا الْقَطِيعَ إِلَّا شَاةً.
وَإِنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِنْ ذَلِكَ، جَازَ.
مِن عَبِيدٍ، ولا شاةً مِن قَطِيعٍ، ولا شَجَرَةً مِن بُسْتانٍ، ولا هؤلاء العَبِيدَ إلَّا واحِدًا غيرَ مُعَيَّن، ولا هذا القَطِيعَ إلَّا شاةً غيرَ مُعَينَّةَ.
وإنِ اسْتَثْنَى مُعَيَّنًا مِن ذلك، جازَ) لا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا غيرَ مُعَيَّنٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولأنَّه غرَرٌ، وقد نهَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَيْعِ الغَرَرِ 1. ولا عَبْدًا مِن عَبِيدِه، سواءٌ قَلُّوا أو كَثُرُوا.
وبه قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: إذا باعَه عَبْدًا مِن عَبْدَيْنِ، أو مِن ثَلاثَةٍ، بشَرْطِ الخِيارِ له، صَحّ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، ولو كانُوا أَكْثَرَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَكْثُرُ الغَرَرُ.
ولَنا، أنَّه مِمّا تَخْتَلِفُ أجْزاؤُه وقِيمَتُه، فلا يَجُوزُ شِراءُ بَعْضِه غيرَ مُعَيَّنٍ ولا مُشَاعًا 2، كالأَرْبَعَةِ، ولأنَّه لا يَصِحُّ مِن غيرِ شَرْطِ الخِيارِ، فلا يَصِحُّ مع
..................................
شَرْطِه، كالأرْبَعَةِ، ولا حاجَةَ إلى هذا، فإنَّ الاخْتِيارَ يمْكِنُ قبلَ العَقْدِ، ويبطلُ ما قالوه بالأَرْبَعَةِ.
ولا يجوزُ بَيْعُ شاةٍ مِن القَطِيعِ؛ لأنَّ شِياهَ القَطِيعِ غيرُ مُتَسَاوِيَةِ القِيَمِ، فَتَكُونُ مَجْهُولَةً، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى التَّنَازُعِ، وكذلك إنْ باعَ شَجَرةً مِن بُسْتَانٍ، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنَا, ولأنَّ فيه غرَرًا، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْى عن بَيْعِ الغَرَرِ.
فصل: وإنْ باعَ هؤلاء العَبِيدَ إلَّا واحِدًا غَيْرَ مُعَيَّن، أو هذا القَطِيعَ إلَّا شاةً غيرَ مُعَيَّنَةَ، لم يَصِحَّ.
نَصَّ عليه.
وهو قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ.
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ أَنْ يبِيع مائَةَ شاةٍ إِلَّا شاةً يَخْتَارُها، ويَبِيعَ ثَمَرَةَ حائِطٍ، ويَسْتَثْنِىَ ثمَرَةَ نَخَلاتٍ يَعُدُّهَا.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن الثُّنْيَا 1 إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
قال التِّرمِذِىُّ 2: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ونَهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ 3. ولأنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، [والمُسْتَثْنَى منه مَجْهولٌ] 4، فلم يَصِحَّ،
وَإِنْ بَاعَةُ قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، صَحَّ.
كما لو قال: إلَّا شاةً مُطْلَقَةً.
ولأنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ شاةً تَخْتَارُها مِن القَطِيعِ.
وضابِطُ هذا البابِ، أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما لا يَصِحُّ بَيْعُه مُنْفَرِدًا، أو بَيْعُ ما عَداهُ مُنْفَرِدًا عن المُسْتَثْنَى.
ونحوُه مَذْهَبُ أبى حَنِيفةَ، والشّافِعِىِّ، إلَّا أنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَثْنَوْا مِن هذا سواقِطَ الشَّاةِ؛ للأَثَرِ الوارِدِ (1)، فَيَبْقَى فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الأصْلِ.
فإنِ اسْتَثْنَى مُعَينًا مِن ذلك، جازَ؛ لأن المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ؛ لكَوْنِ المُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، ولا يَبْقَى فيه غَرَرٌ، ولأَنَّ نَهْى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ، يَدُلُّ على الصِّحَّةِ إذا كانت مَعْلُومَةً، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
1570 -
مسألة: (وإنْ باعَ قَفِيزًا 2 مِن هذه الصُّبْرَةِ، صَحَّ)1
..................................
لأَنَّه مَعْلُومٌ؛ لكَوْنِ أَجْزَائِها لا تَخْتَلِفُ، فلا تُفْضِى إلى الجَهالَةِ.
وكذلك إذا باعَه رَطْلًا مِن دَنٍّ، أو مِن زُبْرةِ حَدِيدٍ، يصِحُّ؛ لذلك.
وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مُشاهَدٍ ولا مَوْصُوفٍ.
ولَنا، أنَّ المَبِيعَ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِن جُمْلَةٍ يَصِحُّ بَيْعُها، أشْبَهَ إذا باعَ نِصْفَها، وما ذَكَرَه قياسٌ، وهو لا يَحْتَجُّ بالقِياسِ، ثم لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إذا شاهَدَ الجَمِيعَ فقد شاهَدَ البَعْضَ.
وَإِنْ بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزًا، أَوْ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاعًا، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ.
1571 - مسألة: (وإن باعَه الصُّبْرةَ إلَّا قَفِيزًا، أو ثمرةَ الشَّجَرَةِ إلَّا صاعًا، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ)
إذا باعَ ضبْرَةً، واسْتَثْنَى منها قَفِيزًا، أو أقْفِزَةً، أو باعَ ثمرةَ بُسْتَانٍ، واسْتَثْنَى منها صاعًا، أو آصُعًا، لم يَصِحَّ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ، والحَسَنِ، والشّافِعِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجُوز.
وهو قَوْل ابنِ سِيرِينَ، وسالِمِ بن عبدِ اللَّهِ، ومالِكٍ؛ لأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إَّلا أَنْ تُعْلَمَ.
وهذه ثُنْيَا مَعْلُومَةٌ، ولأنَّه مَعْلُومٌ، أشْبَهَ إذا اسْتَثْنَى منها جُزْءًا مُشَاعًا.
وَوَجْهُ الأُولَى، ما رَوَى البُخارِىُّ 1، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
..................................
نَهَى عن الثُّنْيَا.
ولأنَّ المَبِيعَ إنَّما عُلِمَ بالمُشَاهَدَةِ لا بالقَدْرِ، والاسْتِثْناءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ المُشاهَدَةِ؛ لأنَّه لا يدرِى كم يَبْقَى في حُكْمِ المُشَاهَدَةِ، فلم يَجُزْ، ويُخالِفُ الجُزْءَ، فإنَّه لا يُغَيِّرُ 1 حُكْمَ المُشَاهَدَةِ، ولا يَمْنَعُ المَعْرِفَةَ بها.
وكذلك إذا باعَ ثمرةَ شَجَرَةٍ واسْتَثْنَى أرْطالًا، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا.
وقال القاضِى في «شَرْحِه»: يَصِحُّ؛ لأنَّ الصّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجازُوا اسْتِثْنَاءَ سَواقِطِ الشَّاةِ.
والصّحِيحُ ما ذَكَرْناه.
وهذه المسألةُ أَشْبَهُ بمسألةِ اسْتِثْناءِ الصّاعِ مِن الحائِطِ، والمَعْنَى الذى ذَكَرْناه ثَمَّ مُتَحقِّقٌ ههُنا.
فصل: فإنِ اسْتَثْنَى مِن الحائِطِ شَجَرَةً بِعَيْنِها، جازَ؛ لأنَّ المُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ، ولا يُؤدِّى إلى الجَهالَةِ في المُسْتَثْنَى منه.
وإنِ اسْتَثْنَى شَجَرَةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المُسْتَثْنَى مَجْهُولٌ.
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ أَنْ يَسْتَثْنِى ثَمَرَةَ نَخَلاتٍ يَعُدُّها.
وقد ذَكَرْناه.
وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه باعَ
..................................
ثَمَرَةً بأَرْبَعَةِ آلافٍ، واسْتَثْنَى طعامَ الفِتْيانِ، وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه اسْتَثْنَى نَخْلًا مُعَينًا بقَدْرِ طعامِ الفِتْيانِ؛ لأنَّه لو حُمِلَ على غيرِ ذلك، لكان مُخالِفًا لنَهْىِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثُّنْيَا، إلَّا أن تُعْلَمَ.
ولأنَّ المُسْتَثْنَى متى كان مَجْهُولًا، لَزِمَ أَنْ يكونَ الباقِى بعدَه مَجْهُولًا، فلم يَصِحَّ بَيْعُه، كما لو قال: بِعْتُكَ مِن هذه الثَّمرَةِ طعامَ الفِتْيانِ.
فصل: وإنِ اسْتَثْنَى جُزْءًا مَعْلُومًا مِن الصُّبْرَةِ أو الحائِطِ، مُشاعًا، [كثُلُثٍ أو رُبْعٍ] 1، أو أجْزَاءٍ، كثَلاثَةِ أَثْمانٍ، صَحَّ البَيْعُ والاسْتِثْنَاءُ.
ذَكَرَه أصْحَابُنا.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وقال أبو بَكْرٍ، وابنُ أبى مُوسَى: لا يَجُوزُ.
ولنا، أنَّه لا يُؤدِّى إلى جَهالةِ المُسْتَثْنَى ولا المُسْتَثْنَى منه، فَصَحَّ، كما لو اسْتَثْنَى شَجَرَةً بعَيْنِها؛ وذلك لأنَّ مَعْنى: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ إلَّا ثُلُثَها.
أى بِعْتُكَ ثُلُثَيْها.
وإنْ باعَ حَيَوانًا واسْتَثْنَى ثُلُثَه، جازَ.
ومَنَع منه القاضِى، قِياسًا على اسْتِثْناءِ الشَّحْمِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ مَجْهُولٌ
..................................
لا يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيْعِ، وهذا مَعْلُومٌ، يَصِحُّ إفْرَادُه بالبَيْعِ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُه، كالشَّجَرَةِ المُعَيَّنةِ، وقياسُ المَعْلُومِ على المَجْهُولِ في الفَسادِ لا يَصِحُّ.
فعلى هذا يَصِيرانِ شَرِيكَيْنِ فيه؛ للمُشْتَرِى ثُلُثاهُ، وللبائِعِ ثُلُثُه.
فصل: وإذا قال: بِعْتُكَ قَفِيزًا مِن هذه الصُّبْرَةِ إلَّا مَكُوكًا 1. جازَ؛ لأنَّ القَفِيزَ مَعْلُومٌ، والمَكُوكَ مَعْلُومٌ، فلا يُفْضِى إلى جَهالَةٍ.
ولو قال: بِعْتُكَ هذه الثمرَةَ بأَرْبَعَة دَراهِمَ إلَّا بقَدْرِ دِرْهَمٍ.
صَحَّ؛ لأنَّ قَدْرَهُ مَعْلُومٌ مِن المَبِيعِ، وهو الرُّبْعُ، فكأنَّه قالَ: بِعْتُكَ ثَلَاثَةَ أرْبَاعِ هذه الثمرَةِ بأَرْبَعَةِ دَراهمَ.
وإنْ قال: إلَّا ما يُسَاوِي دِرْهَمًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما يُساوِي الدِّرْهَمَ قد 2 يكونُ الرُّبْعَ، وأكثَرَ وأقَلَّ، فيكُونُ مَجْهُولًا، فَيَبْطُلُ.
وَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا إِلَّا جَرِيبًا، أَوْ جَرِيبًا مِنْ أَرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَهَا، صَحَّ، وَكَانَ مُشَاعًا فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
1572 - مسألة: (وإنْ باعَه أرْضًا إلَّا جَرِيبًا 1، أو جَرِيبًا مِن أرْضٍ يَعْلَمَانِ جُرْبَانَها، صَحَّ، وكان مُشَاعًا فيها، وإلَّا لم يَصِحَّ) إذا باعَه أرْضًا إلَّا جَرِيبًا، يُرِيدانِ بذلك قَدْرًا غيرَ مُشَاعٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الأَرْضَ لا تَتَسَاوَى أجْزَاؤُها، فيكونُ البَيْعُ مَجْهُولًا، فهو كما لو بَاعَهُ شاةً مِن قَطِيعٍ، أو عَبْدًا مِن عَبِيدٍ، وإنْ كان الجَرِيبُ المُسْتَثْنَى مُشَاعًا في الأَرْضِ، وهما يَعْلَمانِ جُرْبَانَها، صَحَّ؛ لأَنَّها إذا كانت عشَرةَ أجْرِبَةٍ، فقد باعَ تِسْعَةَ أعْشارِ هذه الأرْضِ، وهو مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، وإنْ لم يَعْلَمَا جُرْبَانَها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَبِيعَ غيرُ مَعْلُوم، فهو كما لو باعَ هؤلاء العَبيدَ إلَّا واحِدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، وكذلك إنْ باعَهُ جَرِيبًا مِن هذه الأرْضِ، إنْ أَرادَ قَدْرًا غيرَ مُشَاعٍ، لم يصِحَّ، وإنْ باعَهُ مُشَاعًا، وهما يَعْلَمانِ جُرْبَانَها، صَحَّ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الجريبَ عِبارَةٌ عن بُقْعَةٍ
..................................
بِعَيْنِها، ومَوْضِعُه مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنَّ الجَرِيبَ مِن عَشَرةٍ عُشْرُها.
ولو قال: بِعْتُكَ عُشْرَ هذه الأرْضِ.
صَحَّ، فكذلك إذا باعَهُ منها جَرِيبًا
مُشَاعًا، وهى عَشَرَةٌ.
وما قالوه غيرُ مُسَلَّمٍ؛ [بل هو] 1 عِبارَةٌ عَن قَدْرٍ، كما أنَّ المِكْيَالَ عِبَارَةٌ عن قَدْرٍ، فإذَا أضَافَه إلى جُمْلَةٍ، كان ذلك جُزْءًا منها.
وإن كانَا لا يَعْلَمَانِ ذُرْعانَ الدّارِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الجُمْلَةَ غيرُ مَعْلُومَةٍ، وأجْزَاءَ الأرْضِ مُخْتلِفَةٌ، فلا يُمْكِنُ أَنْ يكون مُعَينًا ولا مُشَاعًا.
وإنْ قال: بِعْتُكَ مِن الأرْضِ مِن ههُنا إلى ههُنا.
جازَ؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ.
وإن قال: عَشَرَةُ أذْرُعٍ، ابْتِداؤُها مِن هُنَا إلى حيثُ يَنْتَهِى الذَّرْعُ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَوْضِعَ الذى يَنْتَهِى إليه الذَّرْعُ لا يُعْلَمُ حالَ العَقْدِ.
وإن قال: بعْتُكَ نَصِيبِى مِن هذه الدّارِ.
ولا يُعْلَمُ قَدْرُ نصِيبِه.
أو قال: نَصِيبًا منها.
أَو: سَهْمًا.
لم يَصِحَّ؛ للجَهالَةِ، وإنْ عَلِماهُ، صَحَّ.
وإن قال: بِعْتُكَ نصف دَارِى مِمّا يلى دارَكَ.
لم يَصِحَّ.
نصَّ عليه؛ لأنَّه لا يَدْرِى إلى أين يَنْتَهِى، فيكونُ مَجْهُولًا.
وَإِنْ بَاعَهُ حَيَوَانًا مَأْكُولًا إِلَّا رَأْسَهُ، وَجِلْدَهُ، وَأَطْرَافَهُ، صَحَّ.
وَإِنِ اسْتَثْنَى حَمْلَهُ، أَوْ شَحْمَهُ، لَمْ يَصِحَّ.
فصل: وحُكْمُ الثَّوْبِ حُكْمُ الأرْضِ، إلَّا أنَّه إذا قال: بِعْتُكَ مِن هذا الثَّوْبِ مِن هذا المَوْضعِ إلى هذا.
صَحَّ، فإن كان القَطْعُ لا يَنْقُصُه، قَطعاه، وإن كان يَنْقُصُه، وشَرَطَ البائِعُ أَنْ يَقْطَعَ له، أو رَضِىَ بقَطْعِه هو والمُشْتَرِى، جازَ.
وإنْ تَشَاحَّا في ذلك، كانا شَرِيكَيْنِ فيه، كما يَشْتَرِكانِ في الأرْضِ.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على التَّسْلِيمِ إلَّا بضَرَرٍ، أَشْبَهَ ما لو باعَهُ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِن الحيَوانِ.
ولَنا، أنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ، ولُحُوقُ الضَّرَرِ لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إذا حَصَلَ الرِّضَا، فهو كما لو باعَه نِصْفَ حَيَوانٍ مُشَاعًا، وفارَقَ نِصْفَ الحَيَوانِ المُعَيَّنَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه مُفْرَدًا، إلَّا بإتْلَافِه وإخْرَاجِه عن المالِيَّةِ.
1573 -
مسألة: (وإن باعَهُ حَيَوانًا مَأْكُولًا إلَّا رَأسَه، أو جِلْدَه، أو أطْرَافَهُ، صَحَّ. وإنِ اسْتَثْنَى حَمْلَه، أو شَحْمَه، لم يَصِحَّ)
إذا باعَهُ حَيَوانًا
..................................
مَأْكُولًا، واسْتَثْنَى رَأْسَهُ، أو جِلْدَهُ، أو أَطْرَافَهُ، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّه.
وقال مالِكٌ: يَصِحُّ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ؛ لأنَّ المُسَافِرَ لا يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ بالجِلْدِ والسَّوَاقِطِ.
فِجَوَّزَ له شِراءَ اللَّحْمِ دُونَها.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَجْوزُ إفْرادُه بالبَيْعِ، فلم يَجُزِ اسْتِثْنَاؤُه، كالحَمْلِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ 1. وهذه مَعْلُومَةٌ.
ورُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، ومعه أبو بَكْرٍ، وعامِرُ بن فهَيْرَةَ مَرُّوا بِرَاعِى غَنَمٍ، فذَهَبَ أبو بَكْرٍ وعامِرٌ فاشْتَرَيَا منه شاةً، وشَرَطَا له سلَبَهَا 2. ورَوَى أبو بكْرٍ في «الشَّافِى» 3 بإسْنَادِه، عن جابِرٍ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: قَضَى زَيْدُ بن ثابِتٍ وأصحابُ