الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 444-484

كِتَابُ الصِّيَامِ

صفحات 444-484

..................................  فصل: فإن جامَعَ في غيرِ صومِ رمضانَ عامِدًا، أفْسَدَه، ويَجِبُ عليه القَضاءُ إن كان واجِبًا، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وإن كان نَفْلًا ففيه اخْتِلافٌ.
نَذْكُرُه إن شاء الله تعالى.
الثالثُ، أنَّ مَن جامَعَ في الفَرْجِ في رمضانَ عامِدًا، تَجِبُ عليه الكَفّارَةُ، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وعن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: أنَّه لا كَفارَةَ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ لا تَجِبُ الكَفّارَةُ بإفْسادِ قَضائِها، فلم تَجِبْ في إفْسادِ أدائِها، كالصلاةِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: بَيْنا نحن جُلُوسٌ عندَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاءَه رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قال: «مَا لَكَ؟».
قال: وَقَعْتُ على امرأتِى وأنا صائِمٌ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟».
قال: لا.
قال: فمَكَثَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -،

..................................  فبَيْنا نحن على ذلك أُتِىَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ.
والعَرَقُ: المِكْتَل 1. فقالَ: «أيْنَ السَّائِلُ؟».
فقالَ: أنا.
فقالَ: «خُذْ هذَا فتَصَدَّقْ بِهِ».
فقالَ الرجلُ: على أفْقَرَ مِنِّى يا رسولَ اللهِ؟ فواللهِ ما بينَ لَابَتَيْها 2 أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِن بَيْتِى.
فضَحِكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أنْيابُه، ثم قال: «أَطعِمْهُ أهْلَكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ الأداءِ في ذلك

..................................  بالقَضاءِ؛ لأنَّ الأداءَ يَتَعَلَّقُ بزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ به، والقَضاءُ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، والصلاة، يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ، بخِلافِ مسألتِنا.
الرابعُ، أنَّ مَن جامَعَ ناسِيًا، فحُكْمُه حُكْم العامِدِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، وابنِ الماجِشُونَ.
وروَى أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه تَوَقَّفَ عن الجَوابِ، وقال: أجْبُنُ أن أقولَ فيه شَيْئًا.
وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ دُونَ الكَفّارَةِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ الكَفّارَةَ لرَفْعِ الإِثْمِ، وهو مَحْطُوطٌ عن النّاسِى.
وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، نَقَلها عنه ابن القاسِمِ، أنَّه قال: كلُّ أمْرٍ غُلِب عليه الصّائِمُ، فليس عليه قَضاءٌ ولا غيرُه.
وهذا يَدُلُّ على إسْقاطِ القَضاء والكَفّارَةِ عن المُكْرَهِ والنّاسِى.
وهو قول الحسنِ، ومُجاهِدٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَه الصَّوْمُ، فإذا وُجِد منه مُكْرَهًا أو ناسِيًا، لم يُفْسِدْه، كالأكْلِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ الذي قال: وَقَعْتُ على امرأتِى.
بالكَفّارَةِ، ولم يَسْتَفْصِلْه، ولو افْتَرَقَ الحالُ لسَألَ واسْتَفْصَلَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّه يَجِبُ التَّعْلِيلُ بما تَنَاوَلَه لَفْظُ السّائِلِ، وهو الوُقُوعُ على المرأةِ في الصومِ، ولأنَّ

..................................  السُّؤالَ كالمُعادِ في الجَوابِ، فكأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: مَن وَقَع على أهْلِه في نَهارِ رمضانَ فلْيُعْتِقْ رَقَبَةً.
فإن قيلَ: ففي الحديثِ ما يَدُلُّ على العَمْدِ، وهو قَوْلُه: هلكْتُ.
ورُوِىَ: احْتَرَقتُ.
قُلْنا: يَجُوزُ أن يُخْبِرَ عن هَلَكَتِه لِما يَعْتَقِدُه في الجِماعِ مع النِّسْيانِ، وخَوْفِه مِن غيرِ ذلك، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تُحَرِّمُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى فيها عَمْدُه وسَهْوُه، كالحَجِّ، ولأنَّ إفْسادَ الصومِ ووُجُودَ الكَفّارَةِ حُكْمان يَتَعَلَّقان بالجِماعِ، لا تُسْقِطُهُما الشُّبْهَةُ، فاسْتَوَى فيهما العَمْدُ والسَّهْوُ، كسائِرِ أحْكامِه.
الخامسُ، أنَّه لا فَرْقَ بينَ كوْنِ الفَرْجِ قُبُلًا أو دُبُرًا، مِن ذَكَرٍ أو أُنْثَى.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، في أَشْهَرِ الرِّوايَتَيْن: لا كَفّارَةَ بالوَطْءِ في الدُّبُرِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإحْلالُ، ولا الإحْصانُ، فلا يُوجِبُ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ.
ولَنا، أنَّه أَفْسَدَ صومَ رمضانَ بجِماعٍ في الفَرْجِ، فأوْجَبَ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ في القُبُلِ.
وأمّا الوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ، فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْنا؛ فلأنّ الجِماعَ دُونَ الفَرْجِ لا يُفْسِدُ الصومَ بمُجَرَّدِه، بخِلافِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ.

وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ.
وَهَل يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.

1070 - مسألة: (ولا يَلْزَمُ المرأةَ كَفّارَةٌ مع العُذْرِ. وهل يَلْزَمُها مع عَدَمِه؟ على رِوايَتَيْن)

حُكْمُ الوَطْءِ في رمضانَ في حَقِّ المرأةِ، كحُكْمِه في حَقِّ الرجلِ، في إفْسادِ الصومِ، ووُجُوبِ القَضاءِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه في المَذْهَبِ؛ لأَنَّه نَوْعٌ مِن المُفْطِراتِ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمرأةُ، كالأكْلِ.
ولا يَجِبُ على المرأةِ كَفّارَةٌ مع العُذْرِ، لِما نَذْكُرُه.
وهل يَجِبُ عليها الكَفّارَةُ مع عدَمِ العُذْرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجِبُ عليها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛

..................................  لأنَّها هَتَكَتْ 1 صومَ رمضانَ بالجِماعِ، فوَجَبَتْ عليها الكَفّارَةُ، كالرجلِ.
والثانيةُ، لا كفّارَةَ عليها.
قال أبو داودَ: سُئِل أحمدُ عمَّن أتَى أهْلَه في رمضانَ، أعليها كَفّارَةٌ؟ قال: ما سَمِعْنا أنَّ على امرأةٍ كَفّارَةً.
وهذا قولُ الحسنِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
ووَجْهُ ذلك أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر الواطِئِ في رمضانَ أن يُعْتِقَ رَقَبَةً، ولم يَأْمُرْ في المرأةِ بشيءٍ مع عِلْمِه بوُجُودِ ذلك منها، ولأنَّه حَقُّ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بالوَطْءِ مِن بينِ جِنْسِه، فكان على الرجلِ، كالمَهْرِ.

وَعَنْهُ، كُلُّ أمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الإكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.

1071 - مسألة؛ قال: (وكلُّ أمْرٍ غُلِب عليه الصّائِمُ فليس عليه قَضاءٌ ولا كَفّارَةٌ)

هذه الرِّوايَةُ نَقَلَها عنه ابنُ القاسِمِ (وهي تَدُلُّ على إسْقاطِ القَضاءِ والكَفّارَةِ مع الِإكْراهِ والنِّسْيانِ) وكذلك قال أبو الخَطّابِ.
وقد ذَكَرْنا حُكْمَ النّاسِى.
فأمّا حُكْمُ الِإكْراهِ، فإن أُكْرِهَتِ المرأةُ على الجِماعِ، فلا كَفّارَةَ عليها، رِوايَةً واحِدَةً، وعليها القَضاءُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
قال مُهَنَّا: سَألْتُ أحمدَ عن امرأةٍ غَصَبَهَا رجلٌ نَفْسَها، فجامَعَها، أعليها القَضاءُ؟ قال: نعم.
قُلْتُ: وعليها الكَفّارَةُ؟ قال: لا.
وهذا قولُ الحسنِ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وعلى قِياسِ ذلك النّائِمَةُ.
وقال مالكٌ في النَّائِمَةِ: عليها القَضاءُ بلا كَفّارَةٍ، والمُكْرَهَةُ عليها القَضاءُ والكَفّارَةُ.
وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: إن كان

..................................  الإكْراهُ بوَعِيدٍ حتى فَعَلَتْ، كقَوْلِنا.
وإن كان إلْجاءً، أو كانت نائِمَةً لم تُفْطِرْ.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أحمدَ، في هذه الرِّوايَةِ التي رَواها ابنُ القاسِمِ؛ لأنَّها لم يُوجَدْ منها فِعْلٌ، فلم تُفْطِرْ، كما لو صُبَّ في حَلْقِها ماءٌ بغيرِ اخْتِيارِها.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه جِماعٌ في الفَرْجِ، فأفْسَدَ، كما لو أُكْرِهَت بالوَعِيدِ، ولأنَّه عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ ففسَدَت به على كلِّ حالٍ، كالصلاةِ، والحَجِّ.
فصل: فإن جامَعَتِ المرأةُ ناسِيَةً، فقالَ أبو الخَطّابِ: حُكْمُ النِّسْيانِ حُكْمُ الإكْراهِ، يُوجِبُ القَضاءَ دُونَ الكَفّارَةِ، قِياسًا على الرجلِ في أنَّ الجِماعَ يُفْطِرُه معِ النِّسْيانِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها القَضاءُ؛ لأنَّه مُفْسِدٌ لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ، أشْبَهَ الأكْلَ.
فصل: فإن أُكْرِهَ الرجلُ فجامَعَ، فَسَد صَوْمُه على الصَّحِيحِ؛ لأنَّه إذا أفْسَدَ صوم المرأةِ، فالرجلُ أوْلَى.
فأمّا الكَفّارَةُ، فقالَ القاضِى: تَجِبُ عليه؛ لأن الإِكْراهَ على الوَطْءِ لا يُمْكِنُ، لأنَّه لا يَطَأُ حتى يَنْتَشِرَ، ولا يَنْتَشِرُ إلَّا عن شَهْوَةٍ، فهو كغيرِ المُكْرَهِ.
وقال أبو الخَطّابِ: فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا كفارةَ عليه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ الكَفّارَةَ إمّا عُقُوبَةٌ، أو ماحِيَةٌ للذَّنْبِ، والمُكْرَهُ غيرُ آثِمٍ، ولا مُذْنِبٍ، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 1. والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، عليه الكَفّارَةُ، لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن كان

وَإنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأنْزَلَ، أو وَطِئَ بَهِيمَةً في الْفَرْجِ، أَفْطَرَ.
نائِمًا فانْتَشَرَ، فاسْتَدْخَلَتْه امْرَأتُه، أو غَلَبَتْه على نَفْسِه في حالِ يَقَظَتِه، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لا قَضاءَ عليه، ولا كَفّارَةَ.
وهو ظاهِرُ قولِ أحمدَ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَه الصومُ، حَصَل بغيرِ اخْتِيارِه، فلم يُفْطِرْ به، كما لو طار إلى حَلْقِه ذُبابَةٌ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ.
وقد ذَكَرْناه؛ لأنَّ الصومَ عِبادَةٌ يُفْسِدُها الجِماعُ، فاسْتَوَى فيه حالَةُ الاخْتِيارِ والإكْراهِ، كالحَجِّ، ولا يَصِحُّ قِياسُ الجِماعِ على غيرِه في عَدَمِ الإِفْسادِ؛ لتَأكُّدِه بإيجابِ الكَفّارَةِ، وإفْسادِ الحَجِّ مِن بينِ سائِرِ مَحْظُوراتِه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن تَساحَقَتِ امْرَأتانِ، فَسَد صَوْمُهما إن أنْزَلَتا.
فإن أنْزَلَتْ إحْداهما، فَسَد صومُها وَحْدَها دُونَ الأُخْرَىِ.
وهل يَكُونُ حُكْمُهما حُكْمَ المُجامِعِ دُونَ الفَرْجِ إذا أنْزَلَ، أو لا يَلْزَمُهما كَفّارَةٌ بحالٍ؟ فيه وَجْهانِ مَبْنِيّان على أنَّ الجِماعَ مِن المرأةِ هل يُوجِبُ الكَفّارَةَ؟ على رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ أنَّه لا كَفّارَةَ عليهما؛ لأنَّ ذلك ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فيَبْقَى على الأَصْلِ.
فإن أنْزَلَ المَجْبُوبُ بالمُساحَقَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُجامِعِ دُونَ الفَرْجِ إذا أنْزَلَ.
واللهُ أعلمُ.

1072 -

مسألة: (وإن جامَعَ فيما دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، أو وَطِئَ

وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
بَهِيمَةً في الفَرْجِ أفْطَرَ.
وفى الكَفّارَةِ وَجْهان) إذا جامَعَ فيما دُونَ الفَرْجِ عامِدًا فأنْزَل، فسَد صَوْمُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وهل تَجِبُ عليه الكَفّارَةُ؟ فيه عن أحمدَ رِوايَتان؛ إحْداهُماِ، تَجِبُ.
وبه قال مالكٌ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ، والقاضى؛ لأنَّه أفْطَرَ بجِماعٍ، فوَجَبَت به الكَفّارَةُ، كالوَطْءِ في الفَرْجِ.
والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه.
وهو مَذْهَبُ 1 أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه فِطْرٌ بغيرِ جِماعٍ تامٍّ، أشْبَهَ القُبْلَةَ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ؛ لأنَّ الجِماعَ في الفَرْجِ أبْلَغُ، بدَلِيلِ تَعَلُّقِ الكَفَّارَةِ به مِن غيرِ إنْزالٍ، ويَجبُ به الحَدُّ، ويَتَعَلَّقُ به اثْنا عَشَرَ حُكْمًا، فلا يَصحُّ القِياسُ عليه.
ولأنَّ العِلًّةَ في الأصْلِ الجِماعُ بدُونِ الإِنْزالِ، والجِماعُ ههُنا بدُونِ إنْزالٍ غيرُ مُوجِبٍ بالإِجْماعِ، فلا يَصحُّ الاعْتِبارُ به.
وهذه أصَحُّ, إن شاء اللهُ تعالى.

..................................  فصل: فأَمّا الوَطْءُ في فَرْجِ البَهِيمَةِ، فذَكَرَ القاضي أنَّه مُوجِبٌ للكَفّارَةِ.
وذَكَرَ أبو بكرٍ ذلك عن أحمدَ، نَقَلَها عنه ابنُ مَنْصورٍ؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ، مُوجِبٌ للغُسْلِ، مُفْسِدٌ للصومِ، أشْبَهَ وَطْءَ الآدَمِيَّةِ.

..................................  وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ.
ذَكَرَه أبو الخَطّاب؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فإنَّه مُخالِفٌ لوَطْءِ الآدَمِيَّةِ في إيجابِ

..................................  الحَدِّ، على إِحْدَى الرِّوايَتَيْن، وفى كَثِيرٍ مِن أحْكَامِه.
فصل: فإن قَبَّلَ أو لمَسَ فأنْزَلَ، فَسَد صَوْمُه.
وفى الكَفّارَةِ رِوايَتان؛ أصَحُّهما، أنَّها لا تَجبُ.
نَقَلَها عنه الأَثْرَمُ، وأبو طالِبٍ.
واخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهو قول الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه إنْزَالٌ بغيرِ وَطْءٍ، أشْبَهَ الإِنْزالَ بتَكْرارِ النَّظَرِ.
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ؛ لأنَّ الاسْتِمْتاعَ بالوَطْءِ فيما دُونَ الفَرْجِ أَقْوَى وأَبْلَغُ مِن القُبْلَةِ؛ لكَوْنِه وَطْأً في الجُمْلَةِ.
والثانيةُ، عليه الكَفّارَةُ.
نَقَلَها حَنْبَلٌ؛ لأنَّه إنْزالٌ عن مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الِإنزَالَ بالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المَوْطُوءَةِ زَوْجَةً أو أَجنَبِيَّةً، صَغِيرَةً أو كَبِيرَةً؛ لأنَّه إذا وَجَب بوَطْءِ الزَّوْجَةِ، فبوَطْءِ الأجْنَبِيَّةِ أوْلَى.

وَإنْ جَامَعَ في يَوْمٍ رَأى الْهِلَالَ في لَيْلَتِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.

1073 - مسألة: (وإن جامَعَ في يومٍ رَأى الهِلالَ في لَيْلَتِه ورُدَّت شَهادَتُه، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ)

وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجبُ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ؛ فلم تَجِبْ بفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كالحَدِّ.
ولَنا،

وَإِنْ جَامَعَ فِى يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَوْ كفَّارَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أنَّه أفْطَرَ يَوْمًا مِن رمضانَ بجِماعٍ، فوَجَبَت عليه الكَفّارَةُ، كما لو قُبِلَت شَهادَتُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الكَفّارَةَ عُقُوبَةٌ، ثم قِياسُهم يَنْتَقِضُ بوُجُوبِ الكَفَّارَةِ بالجِماعِ في السَّفَرِ القَصِيرِ، مع وُقُوعِ الخِلافِ فيه.

1074 -

مسألة: (وإن جامَعَ في يَوْمَيْن ولم يُكَفِّرْ، فهل تَلْزَمُه كَفّارَةٌ أو كَفّارَتان؟ على وَجْهَيْن)

إذا جامَعَ مَرَّتَيْن، ولم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ، فإن كان في يَوْمٍ واحدٍ أجْزَأَتْه كَفّارَةٌ واحدَةٌ بغيرِ خِلافٍ.
وإن كان في يَوْمَيْن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُجْزِئُه كَفّارَةٌ واحِدَةٌ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ أبى بكرٍ.
وإليه ذَهَب الزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ،

..................................  وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّها جَزاءٌ عن جِنايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُها قبلَ اسْتِيفائِها، فيَجِبُ أن تَتَداخَلَ، كالحَدِّ.
والثانى، يَلْزَمُه كَفّارَتان.
اخْتارَه القَاضِى.
وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ؛ لأنَّ كلَّ يَوْمٍ عِبادَةٌ مُفْرَدَةٌ، فإذا وَجَبَتِ الكَفّارَةُ بإفْسادِه لم تَتَداخَلْ، كرَمَضانَيْن وكالحَجَّتَيْن.

وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فِى يَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ، إِذَا جَامَعَ.

1075 - مسألة: (وإن جامَعَ ثم كَفَّرَ ثم جامَعَ في يومِه، فعليه كَفّارَةٌ ثانِيَةٌ. نَصَّ عليه. وكذلك كلُّ مَن لَزِمَه الإِمْساكُ، إذا جامَعَ)

إذا كَفَّرَ ثم جامَعَ ثانِيَةً، فإن كان في يَوْمَيْن، فعليه كَفّارَةٌ ثانِيَةٌ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، وإن كان في يومٍ واحِدٍ، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهكذا يُخَرَّجُ في كلِّ مَن لَزِمَه الإِمْساكُ، وحُرِّمَ عليه الجِماعُ في نَهارِ رمضانَ، وإِن لم يَكُنْ صائِمًا، كمن لم يَعْلَمْ برُؤْيَةِ الهِلالِ إلَّا بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، أو نسِىَ النِّيَّةَ، أو أكَل عامِدًا ثم جامَعَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا شئَ عليه بذلك الجِماعِ؛ لأنَّه لم يُصادِفِ الصومَ، ولم يَمْنَعْ صِحَّتَه،

..................................  فلم يُوجِبْ شيئًا، كالجِماعِ في اللَّيْلِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ الكَفّارَةُ بالجماعِ فيها، فتَكَرَّرَتْ بتَكَرُّرِ الوَطْءِ إذا كان بعدَ التَّكْفِيرِ، كالحَجِّ، ولأَنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لحُرْمَةِ رمضانَ، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كالأوَّلِ، وفارَقَ الوَطْءَ في اللَّيْلِ, لأنَّهُ مُباحٌ.
فإن قِيلَ: الوَطْءُ الأوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصومِ، وهو مُؤَثِّرٌ في الإِيجابِ، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه.
قُلْنا: هو مَلْغِىٌّ بمَن طَلَع عليه الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ فاسْتَدامَ، فإنَّه يَلْزَمُه الكَفّارَةُ، مع أنَّه لم يَهْتِكِ الصومَ.
فصل: وإذا بَلَغ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كافِرٌ، أو أفاق مَجْنُونٌ، أو طَهُرَتْ حائِضٌ أو نُفَساءُ، أو قَدِم المُسافِرُ مُفْطِرًا في نَهارِ رمضانَ، فقد ذَكَرْنا في وُجُوبِ الإِمْساكِ عليهم رِوايَتَيْن.
فإن قُلْنا بوُجُوبِ الِإِمْساكِ، وَجَبَتِ الكَفّارَةُ على المُجامِعِ.
وإن قُلْنا: لا يَجِبُ.
فلا شئَ عليهم؛ لأنَّ الفِطْرَ مُباحٌ لهم، أشْبَهَ المُجامِعَ باللَّيْلِ.
فأمَّا إن نَوَى الصومَ في مَرَضِه أو سَفَرِه أو صِغَرِه، ثم زال عُذْرُه في أثْناءِ النَّهارِ، لم يَجُزْ له الفِطْرُ، رِوايَةً واحِدَةً، وعليه الكَفّارَةُ إن وَطِئَ.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: في المُسافِرِ خاصَّةً

وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ.
وَجْهان؛ أحَدُهما، له الفِطْرُ؛ لأَنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ ظاهِرًا أو باطِنًا في أوَّلِ النَّهارِ، فكانت له اسْتِدامَتُه، كما لو قَدِم مُفْطِرًا.
ولا يَصحُّ ذلك؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زال قبلَ التَّرَخُّصِ، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو قَدِمَتْ به السَّفِينَةُ قبلَ قَصْرِ الصلاةِ، وكالصَّبِىِّ يَبْلُغُ، والمَرِيضِ يَبْرَأُ.
وهذا يَنْقُضُ (1) ما ذَكَرُوه.
وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
ولو عَلِم الصَّبِىُّ أنَّه يَبْلُغُ في أثْناءِ النَّهارِ بالسِّنِّ، أو عَلِم المُسافِرُ أنَّه يَقْدَمُ، لم يَلْزَمْهما الصيامُ قبلَ زَوالِ عُذْرِهما؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ، فثبَتَ حُكْمُها، كما لو لم يَعْلَما ذلك.

1076 -

مسألة: (وإن جامَعَ وهو صَحِيحٌ، ثم مَرِض أو جُنَّ أو سافَرَ، لم تَسْقُطْ عنه)

إذا جامَعَ في أوَّلِ النَّهارِ، ثم مَرِض أو جُنَّ، أو كانَتِ امرأةً فحاضَتْ أو نَفِسَتْ في أثْناءِ النَّهارِ، لم تَسْقُطِ الكَفّارَةُ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، وابنُ الماجِشُونَ، وإسحاقُ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا كَفّارَةَ عليهم.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن.
واحْتَجُّوا بأنَّ صومَ هذا اليَوْمِ خَرَج عن كَوْنِه مُسْتَحَقًّا، فلم يَجِبْ بالوَطْءِ فيه كَفّارَةٌ، كصومِ المُسافِرِ، أو كما لو تَبَيَّنَ أنَّه مِن شَوّالٍ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى طَرَأ بعدَ وُجُوبِ1

..................................  الكَفّارَةِ، فلم يُسْقِطْها، كالسَّفَرِ، ولأَنَّه أفْسَدَ صومًا واجبًا مِن رمضانَ بجِماعٍ تامٍّ، فاسْتَقَرَّتِ الكَفّارَةُ عليه، كما لو لم يَطْرَأ العُذْرُ، والوَطْءُ في صومِ المُسافِرِ مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ فالوَطْءُ ثَمَّ مُباحٌ؛ لأنَّه في صومٍ أُبِيحَ الفِطْرُ فيه، بخِلافِ مسألتِنا.
وكذا إذا تَبَيَّنَ أنَّه مِن شَوَّالٍ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ أنَّ الوَطْءَ لم يُصادِفْ رمضانَ، والمُوجِبُ إنَّما هو الوَطْءُ المُفْسِدُ لصومِ رمضانَ.
فأمّا إن جامَعَ في نَهارِ رمضانَ، ثم سافَرَ في أثْناءِ النَّهارِ، لم تَسْقُطِ الكَفّارَةُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أنَّ كُلَّ مَن جامَعَ أمْكَنَه إسْقَاطُ الكَفّارَةِ عنه بالسَّفَرِ في النَّهارِ، وهو غيرُ جائِزٍ.
فصل: إذا طَلَع الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ، فاسْتَدامَ الجِماعَ، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ القَضاءُ دُونَ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ وَطْأَه لم يُصادِفْ صومًا صَحِيحًا، فلم يُوجِبِ الكَفّارَةَ، كما لو تَرَك النِّيَّةَ وجامَعَ.
ولَنا، أنَّه تَرَك صومَ رمضانَ بجِماعٍ أثِمَ به؛ لحُرْمَةِ الصومِ، فوَجَبَتْ به الكَفّارَةُ، كما لو وَطِئَ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فأمّا إن نَزَع في الحالِ مع أوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقالَ ابنُ حامِدٍ، والقاضى: عليه الكَفّارَةُ؛ لأنَّ النَّزْعَ جِماعٌ يَلْتَذُّ به، أشْبَهَ الإِيلاجَ.
وقال أبو حَفْصٍ: لا قَضاءَ عليه، ولا كَفَّارَةَ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه تَرَك الجِماعَ، فلا يَتَعَلَّقُ

وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِى سَفَرِهِ، ثُمَّ جَامَعَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
به ما يَتَعَلَّقُ بالجِماعِ، كما لو حَلَف لا يَدْخلُ دَارًا، وهو فيها، فخَرَجَ منها.
وقال مالكٌ: يَبْطُلُ صَوْمُه، ولا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أكْثَرَ مِمّا فَعَلَه مِن تَرْكِ الجِماعِ، أشْبَهَ المُكْرَهَ.
قال شيخُنا (1): وهذه المسألةُ تَقْرُبُ مِن الاسْتِحالَةِ، إذ لا يَكادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ على وَجْهٍ يَتَعَقَّبُه النَّزْعُ مِن غيرِ أن يَكُونَ قبلَه شيءٌ مِن الجِماعِ، فلا حاجَةَ إلى فَرْضِها، والكَلامِ فيها.
فصل: ومَن جامَعَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أنَّه كان طَلَع، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ.
وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: لا كَفّارَةَ عليه، ولو عَلِم في أثْناءِ الوَطْءِ، فاسْتَدامَ ذلك، فلا كَفّارَةَ عليه أيضًا؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ لم يَأْثَمْ، أَشْبَهَ النَّاسِىَ، وإن عَلِم فاسْتَدامَ، فقد حَصَل الذى أثِمَ به في غيرِ صَوْمٍ.
ولَنا.، حديثُ المُجامِعِ، حيث أمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بالكَفّارَةِ ولم يَسْتَفْصِلْ (2). ولأنَّه أفْسَدَ صومَ رمضانَ بجِماعٍ تامٍّ، فوَجَبَت عليه الكَفّارَةُ، كما لو عَلِم، ووَطْءُ النَّاسِى مَمْنُوعٌ.
ثم إنَّه لا يَحْصُلُ به الفِطْرُ على الرِّوايَةِ الأُخرَى.

1077 -

مسألة: (وإن نَوَى الصومَ في سَفَرِه، ثم جامَعَ، فلا

12

وَعَنْهُ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
كَفّارَةَ عليه.
وعنه، عليه الكَفّارَةُ) إذا نَوَى الصومَ في سَفَرِه، ثم أفْطَرَ بالجِماعِ، ففى الكَفّارَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، تَجِبُ.
اخْتارَها القاضى؛ لأنَّه أفْطَرَ بجِماعٍ، فلَزِمَتْه الكَفّارَةُ، كالحاضِرِ.
والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه.
اخْتارَها شيخُنا 1، وهى الصَّحِيحَةُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه صومٌ لا يَجِبُ المُضِىُّ فيه، فلم تَجِبِ الكَفّارَةُ بالجِماعِ فيه، كالتَّطَوُّعِ، وفارَقَ الحاضِرَ الصَّحِيحَ، فإنَّه يَجِبُ عليه المُضِىُّ في الصومِ، وإن كان مَرِيضًا يُباحُ له الفِطْرُ، فهو كالمُسافِرِ قِياسًا عليه، ولأَنَّه يُفْطِرُ بنِيَّةِ الفِطْرِ، فيَقَعُ الجِماعُ بعدَ حُصُولِ الفِطْرِ، أشْبَهَ ما لو أكلَ ثم جامَعَ.
ومتى أفْطَرَ المُسافِرُ فله فِعْلُ جَمِيعِ ما يُنافِى الصومَ مِن الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وغيرِه؛ لأنَّ حُرْمَتَها بالصومِ، فيَزُولُ بزَوالِه، كمَجِئِ اللَّيْلِ.

وَلَا تَجِبُ [58 و] الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِى صِيَامِ رَمَضَانَ.

1078 - مسألة: (ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بغيرِ الجِماعِ في نَهارِ رمضانَ)

إذا جامَعَ في غيرِ صومِ رمضانَ لم تَجِبْ عليه الكَفّارَةُ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وقال قَتادَةُ: تَجِبُ على مَن وَطِئَ في قَضاءِ رمضانَ؛ لأنَّه عِبادَةٌ تَجِبُ الكَفّارَةُ في أدائِها، فوَجَبَتْ في قَضائِها، كالحَجِّ.
ولَنا، أنَّه جامَعَ في غيرِ رمضانَ، فلم يَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو جامَعَ في صِيامِ الكَفّارَةِ، والقَضاءُ يُفارِقُ الأداءَ؛ لأنَّه مُتَعَيِّنٌ بزَمانٍ مُحْتَرَمٍ، فالجِماعُ فيه هَتْكٌ له، بخِلافِ القَضاءِ.
فصل: ولا تَجِبُ الكَفّارَةُ بإفْسادِ الصومِ بغيرِ الجِماعِ.
وعن أحمدَ في المُحْتَجِمِ، إن كان عالِمًا بالنَّهْىِ فعليه الكَفّارَةُ.
وقال عَطاءٌ في المُحْتَجِمِ: عليه الكَفّارَةُ.
وقال مالكٌ: تَجِبُ الكَفّارَةُ بكلِّ ما كان هَتْكًا للصومِ، إلَّا الرِّدَّةَ، قِياسًا على الإِفْطارِ بالجِماعِ.
وحُكِىَ عن عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ، أنَّ الفِطْرَ بالأكْلِ والشُّرْبِ يُوجِبُ ما يُوجِبُ الجِماعُ.
وبه قال أبو حنيفةَ،

..................................  إلَّا أنَّه اعْتَبَرَ ما يُتَغَذَّى به، أو يُتَداوَى به، فلو ابْتَلَعَ حَصاةً أو نَواةً أو فُسْتُقَةً بقِشْرِها، فلا كَفّارَةَ عليه.
واحْتَجَّ بأنَّه أفْطَرَ بأعلى ما في البابِ مِن جِنْسِه، فوَجَبَتْ عليه الكَفّارَةُ، كالمُجامِعِ.
ولَنا، أنَّه أفْطَرَ بغيرِ جِماعٍ، فلم يُوجِبِ الكَفّارَةَ، كبَلْعِ الحَصاةِ، وكالرِّدَّةِ عندَ مالكٍ، ولأنَّه لا نَصَّ في إيجابِ الكَفّارَةِ بهذا, ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الجِماعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّجْرِ عنه أمَسُّ، والحِكمةَ في التَّعَدِّى 1 به آكَدُ، ولهذا يَجِبُ به الحَدُّ إذا كان مُحَرَّمًا، ويَخْتَصُّ بإفْسادِ الحَجِّ دُونَ سائرِ مَحْظُوراتِه، ويُفْسِدُ صومَ اثْنَيْن في الغالِبِ، دُونَ غَيرِه.

وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.

1079 - مسألة: (والكَفّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)

ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ كَفّارَةَ الوَطْءِ في رمضانَ مُرَتَّبَةٌ، ككَفارَةِ الظِّهارِ، يَلْزَمُه العِتْقُ، فإن عَجَز عنه انْتَقَلَ إلى الصيامِ، فإن عَجَز انْتَقَلَ إلى الإِطْعامِ المَذْكُورِ.
وهذا قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها على التَّخْيِيرِ بينَ هذه الثَّلاثَةِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه.
وهى رِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لِما روَى مالكٌ، وابنُ جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً أفْطَرَ في رمضانَ، فأمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُكَفِّرَ بعِتْقِ رَقَبَةٍ، أو صِيامِ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، أو إطْعامِ سِتِّين مِسْكِينًا 1. و «أو» حَرْفُ تَخْيِيرٍ.
ولأنَّها تَجِبُ بالمُخالَفَةِ، فكانت على التَّخْيِيرِ، ككَفَّارَةِ اليَمِينِ.
وعن مالكٍ،

..................................  رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه قال: الذى نَأْخُذُ به في الذى يُصِيبُ أهْلَه في شهرِ رمضانَ، إطْعامُ سِتِّين مِسْكِينًا، وصِيامُ ذلك اليَوْمِ، وليس التَّحْرِيرُ والصيامُ مِن كفّارَةِ رمضانَ في شئٍ.
وهذا القولُ مُخالِفٌ للحديثِ الصَّحيحِ، مع أنَّه ليس له أصْلٌ يَعْتَمِدُ عليه، ولا شئٌ يَسْتَنِدُ إليه، وسُنَّةُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى الحديثُ الصَّحِيحُ، رَواه مَعْمَرٌ، ويُونُسُ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وموسى بنُ عُقْبَةَ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعِراكُ بنُ مالكٍ، وغيرُهم، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال للواقِعِ على أهْلِه: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟».
قال: لا.
وذَكَر سائِرَ الحدِيثِ، وهذا لَفْظُ التَّرْتِيبِ، والأخْذُ به أوْلَى مِن رِوايَةِ مالكٍ؛ لأنَّ أصحابَ الزُّهْرِىِّ اتَّفَقُوا على رِوايَتِه هكذا, سِوَى مالكٍ وابنِ جُرَيْجٍ، فيما عَلِمْنا، واحْتِمالُ الغَلَطِ فيهما أكْثَرُ مِن احْتِمالِه في سائِرِ أصحابِه، ولأنَّ التَّرْتِيبَ زِيادَةٌ، والأخْذُ بالزِّيادَةِ مُتَعَيِّنٌ، ولأنَّ حديثَنا لَفْظُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وحَدِيثُهم لَفْظُ الرَّاوِى، ويَحْتَمِلُ أنَّه رَواه بـ «أو» لاعتِقادِه أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْن سَواءٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فكانت مُرَتَّبَةً، كالظِّهارِ والقَتْلِ.

..................................  فصل: فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا عَدِم الرَّقَبَةَ انْتَقَلَ إلى الصومِ المَذْكورِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في دُخولِ الصومِ في هذه الكَفّارَةِ، إلَّا قَوْلًا شاذًّا يُخالِفُ السُّنَّةَ الثابِتَةَ، وقد ذَكَرْناه.
ولا خِلافَ بينَ مَن أوْجَبَه أنَّه شَهْران مُتَتابعان؛ للخَبَرِ.
فإن لم يَشْرَعْ في الصيامِ حتى وَجَد الرَّقَبَةَ لَزِمَه العِتْقُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَألَ المُواقِعَ عن ما يَقْدِرُ عليه حينَ أخْبَرَه بالعِتْقِ، ولم يَسْألْه عن ما كان يَقْدِرُ عليه حالَةَ المُواقَعَةِ، وهى حالَةُ الوُجُوبِ، ولأَنَّه وَجَد المُبْدَلَ قبلَ التَّلَبُّسِ بالبَدَلِ، فلَزِمَه، كما لو وَجَدَه حالَ الوُجُوبِ.
وإن شَرَع في الصومِ قبلَ القُدْرَةِ على الإِعْتاقِ، ثم قَدَر عليه، لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ إليه، إلَّا أن يشاءَ أن يُعْتِقَ، فيُجْزِئُه، ويَكُونُ قد فَعَل الأوْلَى.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه العِتْقُ؛ لأنَّه قَدَر على الأصْلِ قبلَ أدْاءِ فَرْضِه بالبَدَلِ، فبَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، كالمُتَيمِّمِ يَرَى الماءَ.
ولَنا، أنّه شَرَع في الكَفّارَةِ الواجِبَةِ عليه، فأجْزَأَتْه، كما لو اسْتَمَرَّ العَجْزُ، وفارَقَ العِتْقُ التَّيَمُّمَ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ وإنَّما يَسْتُرُه؛ فإذا وُجِد الماءُ ظَهَر حُكْمُه، بخِلافِ الصومِ؛ فإنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ الجِماعِ بالكُلِّيَّةِ.
الثانِى، أنَّ الصيامَ تَطُولُ مُدَّتُه، فيَشُقُّ إلْزامُه الجَمْعَ بينَه وبينَ العِتْقِ، بخِلافِ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ.

..................................  فصل: (فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ سِتِّين مِسْكِينًا) قال شيخُنا 1 رَحِمَه الله: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، في دُخُولِ الإِطْعامِ في كَفّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ في الجُمْلَةِ، وهو مَذْكُورٌ في الخَبَرِ.
ولأَنَّه إطْعامٌ في كَفّارَةٍ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْن، فكان سِتِّين مِسْكِينًا، ككَفّارةِ الظِّهارِ.
وقَدْرُ المُطْعَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن البُرِّ، لكلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ وهو رُبْعُ الصَّاعِ، أو ثلاثون صاعًا مِن التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ، لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ.
وقال أبو حنيفةَ: مِن البُرِّ لكلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، ومن غيرِه صاعٌ لكلِّ مِسْكِينٍ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: «فأطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ».
رَواه أبو داودَ 2. وقال أبو هُرَيْرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أىِّ الأنْواعِ شاء.
وبهذا قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بمِكْتَلٍ مِن تَمْرٍ، قَدْرُه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقالَ: «خُذْ هذا، فَأطْعِمْهُ عَنْكَ».
رَواه أبو داودَ 3. ولَنا، ما روَى أحمدُ 4: حَدَّثنا إسْماعِيلُ، ثنا أيُّوبُ،

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ عَنْهُ.
وَعَنْهُ، لَا تَسْقُطُ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ.
عن أبى يَزِيدٍ (1) المَدَنِىِّ، قال: جاءَتِ امرأةٌ مِن بنى بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - للمُظاهِرِ (2): «أَطْعِمْ هذا، فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» (3). ولأنَّ فِدْيَةَ الأذَى نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ بلا خِلافٍ، فكذا هذا.
والمُدُّ مِن البُرِّ يَقُومُ مَقامَ نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه، بدَلِيلِ هذا الحديثِ، ولأنَّه قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وزيدٍ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ.
وأمّا حديثُ سَلَمَةَ بنِ صَخرٍ، فقد اخْتُلِفَ فيه، وحديثُ أصحابِ الشافعىِّ يَجُوزُ أن يَكُونَ الذى أُتِىَ به النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - قاصِرًا عن الواجِبِ، فاجْتُزِئَ به لعَجْزِ المُكَفِّرِ عن ما سِواه.

1080 -

مسألة: (فإن لم يَجدْ سَقَطَت عنه. وعنه، لا تَسْقُطُ. وعنه، أنَّ الكَفّارَةَ على التَّخْيِيرِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأَه)

ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المُجامِعَ في رمضانَ إذا عَجَز عن العِتْقِ والصِّيامِ والإِطْعامِ، أنَّ الكَفّارَةَ123

..................................  تَسْقُطُ عنه.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ مِن التَّكْفِيرِ، بدَلِيلِ أنَّ الأعْرابِىَّ أَخْبَرَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بإعْسارِهِ قبلَ أن يَدْفَعَ إليه العَرَقَ، ولم يُسْقِطْها عنه، ولأنَّها كَفّارَةٌ واجِبَةٌ فلم تَسْقُطْ بالعَجْزِ عنها، كسائِرِ الكَفّاراتِ.
وهذه الرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ.
وهو قِياسُ قول أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنًّ الأعْرابِىَّ لَمّا دَفَع إليه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - التَّمْرَ، فأخْبَرَهْ بحاجَتِه، قال: «أطْعِمْهُ أَهْلَكَ» 1. ولم يَأْمُرْه بكَفّارَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهم: إنَّه أخْبَرَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بعَجْزِه فلم يُسْقِطْها.
قُلْنا: قد أسْقَطَها عنه بعدَ ذلك، وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وأمّا القِياسُ على سائِرِ الكَفّاراتِ، فلا يَصِحُّ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ.
والاعتبارُ بالعَجْزِ في حالَةِ الوُجُوبِ، وهو حالَةُ الوَطْءِ.

بَابُ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ، وَحُكْمُ الْقَضَاءِ

يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ، وَأنْ يَبْتَلِعَ النُّخَامَةَ.
وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بابُ ما يُكْرَهُ وما يُسْتَحَبُّ، وحُكْمُ القَضاءِ

1081 -

مسألة: (ويُكْرَهُ للصّائِمِ أن يَجْمَعَ رِيقَه فيَبْلَعَه، وأن يَبْتلعَ النُّخامَةَ. وهل يُفْطِرُ بهما؟ على وَجْهَيْن)

لا يُفَطِّرُ ابْتِلاعُ الرِّيقِ إذا لم يَجْمَعْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ غُبارَ الطّرِيقِ.
ويُكْرَهُ للصّائِمِ جَمْعُ رِيقِه وابْتِلاعُه؛ لإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه.
فإن جَمَعَه ثم ابْتَلَعَه قَصْدًا، لم يُفَطِّرْه؛ لأنَّه يَصِلُ إلى جَوْفِه مِن مَعِدَتِه، أشْبَهَ إذا لم يَجْمَعْه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفَطِّرُه؛ لأنَّه أمْكَنَه التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو قَصَد ابْتِلاعَ غُبارِ الطرَّيقِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الرِّيقَ لا يُفَطِّر إذا

..................................  لم يَجْمَعْه، وإن قَصَد ابْتِلاعَه، فكذلك إذا جَمَعَه، بخِلافِ غُبارِ الطَّريقِ.
فإن خَرَج ريقُه إلى ثَوْبِه، أو بينَ أَصابِعِه، أو بينَ شَفَتَيْه، ثم عاد فابْتَلَعَه، أو بَلَع رِيقَ غيرِه، أفْطَرَ؛ لأنَّه ابْتَلَعَه مِن غيرِ فَمِه، أشْبَهَ غيرَ الرِّيقِ.
فإن قِيلَ: فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُها وهو صائِمٌ, ويَمُصُّ لِسانَها.
رَواه أبو داودَ 1. قُلْنا: قد رُوِىَ عن أبى داودَ أنَّه قال: هذا إسْنادٌ ليس بصَحِيحٍ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ يُقَبِّلُ في الصوم، ويَمُصُّ لِسانَها في غيرِه.
ويَجُوزُ أن يَمُصَّه ثم لا يَبْتَلِعُه، ولأنَّه لم يَتَحَقَّقِ انْفِصالُ ما على لِسانِها مِن البَلَلِ إلى فَمِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك حَصاةً مَبْلُولَةً في فيه، أو لو تَمَضْمَضَ بماءٍ ثم مَجَّه.
ولو تَرَك في فَمِه حَصاةً أو دِرْهَمًا فأخْرَجَه وعليه بِلَّةٌ مِن الرِّيقِ، ثم أعادَه في فِيه، نَظَرْتَ؛ فإن كان ما عليه مِن الرِّيقِ كَثِيرًا فابْتَلَعَه، أفْطَرَ، وإن كان يَسِيرًا لم يُفْطِرْ بابْتِلاعِ رِيقِه.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُفْطِرُ لابْتِلاعِه ذلك البَلَلَ الذى كان على الجِسْمِ.

..................................  ولَنا، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْفِصالُ ذلك البَلَلِ ودُخُولُه إلى حَلْقِه، كالمَضْمَضَةِ، والتَّسَوُّكِ بالسِّواكِ الرَّطْبِ والمَبْلُولِ.
ويُقَوِّى ذلك حديثُ عائشةَ في مَصِّ لِسانِها.
ولو أخْرَجَ لِسانَه وعليه بِلَّةٌ، ثم عاد فأدْخَلَه وابْتَلَعَ رِيقَه، لم يُفْطِرْ.
فصل: وإنِ ابْتَلَعَ النُّخامَةَ، فقد.
روَى حَنْبَلٌ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: إذا تَنَخَّمَ ثم ازْدَرَدَه، فقد أفْطَرَ؛ لأنَّ النُّخامَةَ تَنْزِلُ مِن الرَّأْسِ، والرِّيقُ مِن الفَمِ.
ولو تَنَخَّعَ مِن جَوْفِه ثم ازْدَرَدَه، أفْطَرَ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منها، أشْبَهَ الدَّمَ، ولأنَّها مِن غيرِ الفَمِ، أشْبَهَ القَئَ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يُفْطِرُ.
فإنَّه قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ:

وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ، وَإنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
ليس عليك قَضاءٌ إذا ابْتَلَعْتَ النُّخاعَةَ وأنت صائمٌ.
لأنَّه مُعْتَادٌ في الفَمِ، أشْبَهَ الرِّيقَ.
فصل: فإن سال فَمُه دَمًا، أو خَرَج إليه قَلْسٌ (1) أو قَىْءٌ فازْدَرَدَه، أفْطَرَ وإن كان يَسِيرًا؛ لأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظّاهِرِ، والأصْلُ حُصُولُ الفِطْرِ بكلِّ واصِلٍ منه، لكنْ عُفِىَ عن الرِّيقِ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.
وإن ألْقاه مِن فِيه، وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا، أو تَنَجَّسَ فَمُه بشئٍ مِن خارِجٍ، فابْتَلَعَ رِيقَه، فإن كان معه جُزْءٌ مِن المُنَجَّسِ أفْطَرَ بذلك الجُزْءِ، وإلَّا فلا.

1082 -

مسألة: (ويُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعامِ، وإن وَجَد طَعْمَه في

1

..................................  حَلْقِه، أفْطَرَ) قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعامِ، فإن فَعَل لم يَضُرَّه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ مِن غيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما دَخَل حَلْقَه فأفْطَرَ، ولا بَأْسَ به مع الحاجَةِ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لا بَأْسَ أن يَذوقَ الطَّعامَ الخَلَّ، والشَّئَ يُرِيدُ شِراءَه 1. والحسنُ كان يَمْضَغُ الجَوْزَ لابنِ ابنِه وهو صائِمٌ 2. ورَخَّصَ فيه إبراهيمُ.
فإن فَعَل فوَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه أفْطَرَ، وإلَّا لم يُفْطِرْ.
فصل: ولا بَأْسَ بالسِّواكِ للصَّائِمِ قبلَ الزَّوالِ.
قال أحمدُ: لا بَأْسَ به؛ لِما روَى عامِرُ بنُ رَبِيعةَ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ما لا أُحْصِى، يَتَسَوَّكُ وهو صائِمٌ 3. حديث حسنٌ.
ولكنَّه يَكُونُ عُودًا ذاوِيًا.
وهل يُكْرَهُ السِّواكُ للصّائِمِ بعدَ الزّوالِ؟ على رِوايَتَيْن، ذَكَرْناهما في بابِ الوُضُوءِ 4. ويُكْرَهُ للصائِمِ السِّواكُ بالعُودِ الرَّطْبِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.

وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ.
الَّذِى لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أجْزَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أجْزَاءٌ، إِلَّا أنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
وهو قولُ قَتادَةَ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، ومالكٍ في رِوايَةٍ؛ لأنَّه مُغَرِّرٌ بصوْمِه؛ لكَوْنِه رُبَّما يَتحَلَّلُ منه أجْزَاءٌ تَصِلُ إلى حَلْقِه، فيُفَطِّرُه.
وعنه، لا يُكْرَهُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، وابنِ عُمَر، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، ولِما رَوَيْنا مِن الحديثِ واللهُ أعْلَمُ.

1083 -

مسألة: (ويُكْرَهُ مَضْغُ العِلْكِ الذى لا يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ، ولا يَجُوزُ مَضْغُ ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه، وإن وَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه، أفْطَرَ)

المَنْقُولُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، كَراهَةُ مَضْغِ العِلْكِ.
قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحمدَ: الصّائِمُ يَمْضَغُ العِلْكَ؟ قال: لا.

..................................  وقال أصحابُنا: العِلْكُ ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ وهو الرَّدِئُ الذى يَتَحَلَّلُ بالمَضْغِ، فلا يَجْوزُ مَضْغُه، إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه، فإن فَعَل فنَزَلَ إلى حَلْقِه منه شئٌ، أفْطَرَ به، كما لو تَعَمَّدَ أَكْلَه.
والثانِى، القَوِىُّ الذى يَصْلُبُ بالمَضْغِ، فهذا يُكْرَهُ مَضْغه ولا يَحْرُمُ.
ومِمَّن كَرِهَه الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومحمدُ بنُ علىٍّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ وذلك لأنَّه يَحْلُبُ الفَمَ، ويَجْمَعُ الرِّيقَ، ويُورِث العَطَشَ.
ورَخَّصَتْ عائشةُ في مَضْغِه.
وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه لا يَصِلُ إلى الجَوْفِ منه شئٌ، فهو كوَضْعِ الحَصاةِ في فِيه.
ومتى مَضَغَه ولم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، لم يُفْطِرْ.
وإن وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُفَطِّره، كالكُحْلِ إذا وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه.
والثانى، لا يُفَطِّرُه؛ لأنَّه لا يُتْرَكُ منه شئٌ، ومجَرَّدُ الطَّعْمِ لا يُفَطِّرُ؛ بدَلِيلِ أنَّه قد قِيلَ: إنَّ مَن لَطَخ باطِنَ قَدَمِه بالحَنْظَلِ وَجَد طَعْمَه، ولا يُفْطِرُ.
بخِلافِ الكُحْلِ، فإنَّ أَجْزاءَه

وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
تَصِلُ إلى الحَلْقِ، ويُشَاهَدُ إذا تَنَخَّعَ.
قال أحمدُ: مَن وَضَعَ في فِيه دِرْهَمًا أو دِينارًا وهو صائِمٌ، فلا بَأْسَ به، ما لم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، وما يَجِدُ طَعْمَه فلا يُعْجِبُنِى.
وقال عبدُ اللهِ: سَألْتُ أبى عن الصّائِمِ يَفْتِلُ الخُيُوطَ، قال: يُعْجِبُنِى أن يَبْزُقَ.

1084 -

مسألة: (وتُكْرَهُ القُبْلَةُ، إلَّا أن يَكُونَ ممَّن لا تُحَرِّكُ شَهْوَتَه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

وجُمْلَتُه أنَّ المُقَبِّلَ لا يَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، أن يَكُونَ ذا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه إذا قَبَّلَ أنْزَلَ أو مَذَى، فهذا تَحْرُمُ عليه القُبْلَةُ؛ لأنَّها مُفْسِدَةٌ لصَوْمِه، أشْبَهَتِ الأكْلَ.
الثانِى، أن يَكُونَ ذا شَهْوَةٍ، لكنَّه لا يَغْلِبُ على ظَنِّه ذلك، فيُكْرَهُ له التَّقْبِيلُ, لأنَّه يُعَرِّضُ صَوْمَه للفِطْرِ، ولا يَأْمَنُ عليه الفَسادَ؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المَنامِ،

..................................  فأعْرَضَ عَنِّى، فقُلْتُ له: [ما لى] 1؟ فقال: «إنَّكَ تُقَبِّلُ وَأنْتَ صَائِمٌ» 2. ولأنَّ العِبادَةَ إذا مَنَعَتِ الوَطْءَ مَنَعَت دَواعِيَه، كالإِحْرامِ.
ولا تَحْرُمُ القُبْلَةُ في هذه الحال؛ لِما رُوِىَ أنَّ رجلاً قَبَّلَ وهو صائِمٌ، فأرْسَلَ امْرَأتَه، فسَألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، فقالَ الرجلُ: إنَّ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليس مِثْلَنا، قد غَفَر اللهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تَأخَّرَ.
فغَضِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «إنِّى لَأخْشَاكُمْ لِلّهِ، وَأعْلَمُكُمْ بِمَا أتَّقِى».
رَواه مسلمٌ بمَعْناه 3. ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه قال: هَشَشْتُ فقَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ صَنَعْتُ

..................................  اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ.
قال: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: لا بَأْسَ به.
قال: «فَمَهْ».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّ إفْضَاءَه إلى إفْسادِ الصومِ مَشْكُوكٌ فيه، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بالشَّكِّ.
الثالثُ، أن يَكُونَ مِمَّن لا تُحَرِّكُ القُبْلَةُ شَهْوَتَه، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تُكْرَهُ له.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، لَمّا كان مالِكًا لإِرْبِهِ، وغيرُ ذِى الشَّهْوَةِ في مَعْناه.
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً سَألَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُباشَرَةِ للصائِمِ، فرَخَّصَ له، فأتاه آخَرُ فسَألَه 2، فنَهاه، فإذا الذى رَخَّصَ له شيخٌ، والذى نَهاه شابٌّ.
أخْرَجَه أبو داودَ 3. ولأنَّها مُباشَرَةٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، أشْبَهَتْ لَمْسَ اليَدِ لحاجَةٍ.

جارٍ التحميل