..................................
عَبْدٍ: «وَالنَّصْرانِيُّ، وَالْمَرأَةُ الْحَائِضُ».
فلو ثَبَت هذا الحديثُ، تَعَيَّنَ المَصِيرُ إليه، غيرَ أنَّه لم يَجْزِمْ برَفْعِه، وفيه ما هو مَتْرُوكٌ بالإِجْماعِ، وهو ما عَدا الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ.
ولا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ ذلك بمَوْضِع السُّجُودِ، كما قال بعضُهم، فإن قولَه عليه السَّلامُ: «إذَا لَم يَكُنْ بَيْنَ يَدَيه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، قَطَعَ صَلَاتهُ الْكَلْبُ الأسْوَدُ» 1. يَدُلُّ على أنَّ ما هو أبْعَدُ مِن السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ الصلاةُ 2 فيه بِمُرُورِ الكلبِ، والسُّتْرَةُ تكونُ أبْعَدَ مِن مَوْضِع السُّجُودِ.
قال شيخُنا 3: والصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذلك بما إذا مَشَى إليه المُصَلِّي، ودَفَع المارَّ بينَ يَدَيْه، لا تَبْطلُ صلاتُه؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَر بدَفْعِ المارِّ بينَ يَدَيْه، فتَقَيَّدَ بدَلالَةِ الإجْماعِ بما يَقْرُبُ منه، بحيث إذا مَشَى إليه لا تَبْطلُ صلاتُه، واللَّفْظُ في الحَدِيثَين واحِدٌ، وقد تَعَذَّر حَمْلُهُما على الإِطْلاقِ، وقد تَقَيَّدَ أحَدُهُما بالإِجْماعِ، فيَنْبَغِي أنْ يَتَقَيَّدَ الآخَر به.
واللهُ أعلمُ.
..................................
فصل: وإذا صَلَّى إلى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ، فاجْتازَ وَراءَها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، قَطَعَها في أحِد الوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن نَصْبِها، والصلاةِ إليها، فوُجُودُها كَعَدَمِها.
والثَّانِي، لا تَبْطُلُ، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «يَقِي 1 ذلك مِثْل آخِرَةِ الرَّحْلِ» 2. وقد وُجِدَ.
وأصْلُ 3 الوَجْهَيْن إذا صَلَّى في ثَوْب مَغْصُوبٍ، وفيه رِوايَتان.
فصل: وسُتْرَةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَن خَلْفَه.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ 4. قال الترمِذيُّ 5: قال أهلُ العلمِ: سُترةُ الإمامِ سُتْرَةٌ 6 لِمَن خَلْفَه.
وهو قولُ الفُقَهاء السَّبْعَةِ، والنَّخَعِيِّ، ومالك، والشافعيِّ، وغيرِهم؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى إلى سُتْرَةٍ، ولم يأْمر أصحابَه بنَصب سُتْرَةٍ أُخْرَى.
وفي حديثِ ابنِ عباس، قال: أقْبَلْتُ رَاكِبًا 7 على حِمَارٍ أتانٍ،
..................................
والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصلِّي بالناسِ بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَى بَعْضِ الصَّفِّ، فنَزَلْتُ فأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عليَّ أحَدٌ.
مُتَفَقٌ عليه 1. ومَعْنَى قَوْلِهم: سُتْرَةُ الإمامِ سُتْرَةٌ لِمَن خلْفَه.
أنَّه متى لم يَحُلْ بينَ الإمامِ وسُتْرَتِه شيءٌ يَقْطَعُ الصلاةَ، لم يَضُرَّ المَأمُومِينَ مُرُورُ شئٍ بينَ أيْدِيهم في بَعْضِ الصَّفِّ، ولا فيما بينَهم وبينَ الإمامِ، وإن مَرَّ بينَ يَدَيِ الإمامِ ما يَقْطَعُ صلَاته قَطَع صلاتَهُم، وقد دَلَّ على ذلك ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبيه، عن
وَيَجُوزُ لَهُ النَّظر فِي الْمُصْحَفِ
جَدِّه، قال: هبَطْنا مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن ثَنِيَّةِ أذاخِرَ (1)، فحَضَرت الصلاةُ، يعنى إلى جَدْرٍ (2) فاتَّخَذَه قِبْلَة، ونحن خَلْفَه، فجاءت بَهْمَةٌ (3) تَمُرُّ بينَ يَدَيْه، فما زالَ يُدارِئُها حتَّى لَصِق بَطْنُه بالجِدارِ، فَمَرَّتْ مِن وَرائِه.
رَواه أبو داودَ (4). فلَوْلا أنَّ سُتْرَتَه سُتْرَةٌ لهم، لم يَكُنْ بينَ مُرُورِها بينَ يَدَيْه وخَلْفَه فَرْقٌ.
454 -
مسألة: (وَيَجُوزُ له النَّظر فِي المُصْحَفِ)
يَجُوز له النَّظَرُ في المُصْحَفِ في صلاةِ التَّطَوُّعِ.
قال أحمدُ: لا بَأسَ أن يُصَلِّيَ بالنّاسِ1234
..................................
القِيامَ وهو يَنْظُرُ 1 في المُصْحَفِ.
قِيلَ له: الفَرِيضَة؟ قال: لم أسْمَعْ فيها بشئٍ.
وسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عن رجلٍ يَقْرأُ في رمضانَ في المصحفِ، فقال: كان خِيارُنا يَقْرَءُون في المصاحِفِ.
رُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ.
ورُوِيَتْ كَراهَتُه عن سعيدِ بين المُسَيَّبِ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن الخُشُوعِ في الصلاةِ.
وقال القاضي: لا بَأْسَ به في التَّطَوُّعِ إذا لم يَحْفَظْ، فإن كان حافِظًا كُرِهَ؛ لأنَّ أحمدَ سُئِلَ عن الإِمامَةِ في المُصْحَفِ في رمضانَ؟ قال: إذا اضْطُرَّ إلى ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الصلاةُ إذا لم يَكُنْ حافِظًا؛ لأنَّه عَمَلٌ طَوِيلٌ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: نَهانا أميرُ المُؤْمِنِين أن نَؤُمَّ النّاسَ في المصاحِفِ.
وأن يَؤُمَّنا إلَّا مُحْتَلِمٌ.
رَواه أبو بكر بنُ أبي داودَ في كتابِ «المصاحف» 2. ولَنا، أنَّ عائشة كان يَؤُمُّها عَبْدٌ لها في المصحفِ.
رَواه الأثْرَمُ 3. وقولُ الزُّهْرِيِّ، ولأنَّه نَظر إلى مَوْضِعٍ مُعَيِّن، فلم تَبْطُلِ الصلاةُ، كالحافِظِ وكالعلمِ 4. وأمّا فِعْلُه في الفَرْضِ، ففيه رِوايَتانِ، إحْداهما، يُكْرَهُ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن خُشُوعِ الصلاةِ، ولا يَحْتَاجُ إليه.
والثانيةُ، لا يُكْرَهُ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن قَرَأ في التَّطَوُّعِ في المصحفِ لم تَبْطُلْ صلاتُه، وإن فَعَل
وَإذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أنْ يَسْأَلهَا، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا.
وَعَنْهُ، يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ.
ذلك في الفَرِيضَةِ، فهل يَجُوزُ؟ على رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا قَرَأ في كِتابٍ في نَفْسِه، ولم يَنْطِقْ بلِسانِه، فقد نَقَل المَرُّوذِيُّ، عن أحمدَ، أنَّه كان يُصَلِّي وهو يَنْظُرُ في الجُزْء إلى جانِبِه.
فظاهِرُه أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ.
وقال جماعةٌ مِن أصحابِنا: تَبْطُلُ الصلاةُ إذا تَطاوَلَ.
وكان ابن حامِدٍ يقولُ: إذا طال عَمَلُ القَلْبِ بالنَّظَرِ (1) أبْطَلَ، كعَمَلِ البَدَنِ (2). والمذهَبُ أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ.
ذَكَرَه القاضي.
455 -
مسألة: (وإذا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ أن يَسْأَلها، أو آيَةُ عَذابٍ أن يَسْتَعِيذَ منها، وعَنْهُ، يُكرَهُ ذلِك في الفَرْضِ)
لا بَأْسَ بذلك في صلاةِ12
..................................
التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ روَى أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه 1. فأمّا الفَرِيضَةُ، فعنه إباحَتُه فيها، كالنّافِلَةِ؛ لأنَّه دُعاءٌ وخَيْرٌ.
وعنه، الكَراهَةُ؛ لأنَّه إنما نُقِل عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في النّافِلَةِ، فيَنْبَغِي الاقْتِصارُ عليه.
والله أعلمُ.
فَصْلٌ: أَرْكَانُ الصَّلَاةِ اثْنَا عَشَرَ، الْقِيَامُ، وَتَكْبِيرَةُ الْإحْرَامَ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَالرُّكُوعُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالسُّجُودُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمأنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَالتَّشَهُدُ الأخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأولَى، وَالتَّرْتِيبُ.
مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
456 - مسألة: قال رحمه الله: (أرْكان الصلاةِ اثْنا عَشَرَ، القِيامُ، وتَكبيرَة الإحْرامِ، وقِراءَة الفاتِحَةِ، والرُّكُوعُ، والاعْتِدالُ عنه، والسُّجُودُ، والجُلوسُ بينَ السَّجْدَتَيْن، والطُّمَأْنِينَة في هذه الأفْعالِ، والتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، والجُلُوسُ له، والتَّسْلِيمَةُ الأُولَى، والتَّرْتِيبُ، مَن تَرَك منها شيئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه)
المَشْروعُ في الصلاةِ قِسْمانِ، واجِبٌ،
..................................
ومَسْنُونٌ، والواجِبُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، أحَدُهُما، لا يَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ، وهي الأرْكانُ التى ذَكَرَها المُصَنِّفُ، إلَّا أنَّ قِراءَةَ الفاتِحَةِ إنَّما تَجِبُ على الإمامِ والمُنْفَرِدِ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النّافِلَةِ، وفي وُجُوب بعضِها اخْتِلافٌ ذَكَرْناه.
وقد ذَكَرْنا أدِلَّتَها في أثْناءِ البابِ سِوَى التَّرتِيبِ، ويَدُلُّ عليه أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّاها مُرَتَّبَةً، وقال: «صَلُّواْ كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» 1. وقد دَلَّ على وُجُوب أكْثَرها ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- دَخَل المَسْجِدَ، فدَخَلَ رَجُلٌ فصَلَّى، ثم جاء فسَلَّمَ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ».
[فرَجَعَ فصَلَّى كما صَلَّى، ثم جاء فسَلَّمَ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»] 2، ثَلاثًا.
فقال: والذى بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحْسِنُ غيرَه، فعَلِّمْنِي.
قال: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبَّر، ثُم اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِن رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ
..................................
اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، [ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا] 1، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاِتكَ كُلِّهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وزاد مسلمٌ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ استقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّر».
فدَلَّ ذلك على أنَّ هذه المُسَمّاةَ فِي الحديثِ لا تَسْقُط بحالٍ، فإنَّها لو سَقَطَتْ لسَقَطَتْ عن الأعرْابِيِّ لجَهْلِه بها، والجاهِلُ كالنّاسِي.
فأمّا أحْكامُ تَرْكِها، فإن كان عَمْدًا بَطَلَتْ صلاتُه في الحالَ، وإن كان سَهْوًا، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ أتَى به على ما سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ.
وإن لم يَذْكُره حتَّى سَلَّمَ وطال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ
..................................
بَنَى على ما مَضَى مِن صلاِته.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال بعضُ أصحابِنا: متى لم يَذْكُرْه حتَّى سَلَّمَ، بَطَلَتْ صلاتُه.
وقال الأوْزاعِيُّ في مَن نَسِيَ سَجْدَةً مِن صلاةِ الظُّهْرِ فذَكَرَها في صلاةِ العَصْرِ: يَمْضى في صلاِته، فإذا فَرَغ سَجَدَها.
ولَنا على 1 أنَّ الصلاةَ لا تَبْطُلُ مع قُرْبِ الفَصْلِ، أنَّه لو تَرَك رَكْعَةً، أو أكْثَرَ 2، وذَكَر قبلَ طُولَ الفَصْلِ، أتَى بما تَرَك ولم تَبْطُلُ صلاتُه إجماعًا.
وقد دَلَّ على
..................................
ذلك حديثُ ذى اليَدَيْن 1. فإذا تَرَك رُكْنًا واحِدًا، فَأوْلَى أنْ لا تَبْطلَ.
والدَّلِيلُ على أنَّ الصلاةَ تَبْطُلُ بطُولِ الفَصْلِ، أنَّه أخَلَّ بالمُوالاةِ، فبَطَلَتْ صلاتُه، كما لو ذَكَرَ في يومٍ ثانٍ.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ إلى العُرْفِ.
وبه قال بعضُ الشافعيَّةِ.
وقال بَعْضُهم: الفَصْلُ الطوِيلُ قَدْرُ رَكْعَةٍ.
وهو نَصُّ الشافعيِّ.
وقال الخِرَقِيُّ، في سُجُودِ السَّهْوِ: إذا تَرَكَه، يَسْجُدُ ما
..................................
كان في المَسْجِدِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ للصلاةِ، فيُحَدُّ قُرْبُ الفَصْلِ وبُعْدُه به.
والأوْلَى حَدُّه بالعُرْفِ؛ لأنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ، كسائِرِ مالا حَدَّ له، ولا يَجُوزُ التَّقْدِيرُ بالتَّحَكُّمِ.
..................................
فصل: ومتى كان المَتْرُوكُ سَلامًا أتَى به فحَسْبُ، وإن كان تَشَهُّدًا أتَى به وبالسلامِ، وإن كان غيرَهما أتَى برَكْعَةٍ كامِلَةٍ.
وقال الشافعيُّ: يَأْتِي بالرُّكْنِ وبما بعدَه لا غيرُ.
ويَأتِي الكَلامُ عليه إن شاء اللهُ.
وتَخْتَصُ تَكْبيرَةُ الإِحرامِ مِن بينِ سائِرِ الأرْكانِ، بأنَّ 1 الصلاةَ لا تَنْعَقِدُ بتَرْكِها؛ لأنَّهَا تَحْرِيمُها، فلا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدونِها، ويَخْتَصُّ السَّلامُ بأنَّه إذا نَسِيَه أتى به وَحْدَه، وقد ذَكَرْناه.
وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ، التَّكْبِيرُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الركُوعِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودُ مَرةً مَرَّةً، وَسُؤالُ الْمَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فِي مَوْضِعِهَا، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ.
457 - مسألة: (وواجِباتُها تِسْعَةٌ: التَّكْبِيرُ غيرَ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، والتَّسْبِيحُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ مَرَّة مَرَّة، والتَّسْمِيع والتحْمِيدُ في الرَّفْع مِن الرُّكُوعِ، وسُؤَالُ المَغْفِرَةِ بينَ السَّجْدَتَيْن مَرة، والتَّشَهُّدُ الأوَّلُ، والجُلُوسُ له، والصَّلاةُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في مَوْضِعِها 1، [والتَّسليمةُ الثَّانية] 2 في رِوايَةٍ) هذا هو القِسْمُ الثانِي من الواجِباتِ.
وفي وُجُوبِها
..................................
رِوايَتانِ، إحْداهما، هي واجِبَةٌ.
وهو قولُ إسحاقَ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
وهو قولُ أكثرَ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال بوُجُوبِ الصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وجَعَلَها مِن الأرْكانِ.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ، لحدِيثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ 1. ودليلُ عَدَمِ وُجُوبِها أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمْها
..................................
المُسئَ في صَلاِته، ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» 1. وقد روَى
..................................
أبو داودَ 1 بإسْنادِه، عن عليٍّ بنِ يَحْيى بن خَلادٍ، عن عَمِّه، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاس حَتَّى يَتَوَضَّأ، فَيَضَعَ الوُضُوءَ مَواضِعَه، ثُمَّ يُكَبر ويَحْمَدَ اللهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ، وَيَقْرَا بِمَا شَاءَ مِنَ الْقُرآنِ، ثمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُم يقُولَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ يَسْجُدَ
..................................
حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ [يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
وَيَرْفَعَ رَأسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ] 1، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّر، فَإذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ».
وفي رِوايَةٍ: «لا تَتِمُّ صَلَاةُ أحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ».
وهذا نَصٌّ في وُجُوبِ التَّكْبِيرِ.
وقد ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
ولأنَّ مَواضِعَ هذه الأرْكانِ 2 أرْكانٌ، فكان فيها ذِكْرٌ واجِبٌ، كالقِيامِ.
وقد
..................................
أشَرْنا إلى أدِلَّةِ الباقِي فيما مَضَى.
فأمّا حدِيثُ المُسِيءِ في صَلاِته، فلم يَذْكُرْ فيه جَمِيعَ الواجِباتِ، بدَلِيلِ أنَّه لم يُعَلِّمْه التَّشَهُّدَ ولا السَّلامَ، فلَعَلَّه اقْتَصَرَ على تَعْلِيم ما أساء فيه.
ولا يَلْزَمُ عِن التَّساوِي في الوُجُوبِ التَّساوِي في الأحْكام، بدَلِيلِ واجِباتِ الحَجِّ.
وقد ذُكِر في الحديثِ الذى رَوَيْناه تَعْلِيمُ التَّكْبِيرَ، وهو زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها.
منْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
وَعَنْهُ، أنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا.
458 - مسألة؛ قال: (ومَن تَرَك منها شَيْئًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُه، ومَن تَرَكَه سَهْوًا سَجَد 1 للسَّهْوِ. وعنه، أنَّ هذه سُنَنٌ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها) وحُكْمُ هذه إذا قُلْنا بوُجُوبِها، أنَّه إن تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّها واجِبَةٌ، أشْبَهَتِ الأرْكانَ. وإن تَرَكَها سَهْوًا جَبَرَها بسُجُودِ السَّهْوِ، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمّا قام إلى ثالِثَةٍ وتَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، سَجَد سَجْدَتَيْن [وهو جالِسٌ] 2 قبلَ أن يُسَلِّمَ، في حديثِ ابن بُحَيْنَةَ 3. ولَوْلا أنَّه سَقَط بالسَّهْوِ لرَجَعَ إليه، ولَوْلا أنَّه واجِبٌ لَما سَجَد لجَبْرِه؛ لأنَّه لا يَزِيدُ في
وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ اثْنَا عَشَرَ، الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ: آمِينَ.
وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَالْجَهْرُ، وَالْإخْفَاتُ، وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ.
بَعْدَ التَّحْمِيدِ،
الصلاةِ زِيادَةً مُحَرمَةً لِجَبْرِ ما ليس بواجِبٍ، وغيرُ التَّشَهُّدِ مِن الواجِباتِ مَقِيسٌ عليه، ولا يَمْتَنِعُ أن يكونَ للعِبادَةِ واجِبٌ يُجْبَر إذا تَرَكَه، وأرْكانٌ (1) لا تَصِحُّ إلَّا بها، كالحَج.
ويَخْتَصُ التَّسمِيعُ بسُقوطِه عن المَأمُومِ.
وذكَر ابنُ عَقِيل رِوايَةً في مَن تَرَك شيئًا مِن الواجِباتِ ساهِيًا، أنَّ صلَاتَه تَبْطُلُ كالأرْكانِ.
قال: والأول أَصَحُّ، [وهو أنَّها] (2) تَنْجَبِرُ بسُجُودِ السَّهْوِ.
459 -
مسألة: (وسُنَنُ الأقْوالِ اثْنا عَشَرَ، الاسْتِفْتاحُ، والتَّعَوُّذُ، وقِراءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، [وقولُ: «آمِينَ»]
3. وقِراءَةُ السُّورَةِ، والجَهْر، والإخْفاتُ، وقولُ: «مِلْءَ السَّماءِ».
بعدَ12
وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤالِ الْمَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَالقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ.
فَهَذِهِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا.
وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
التَّحْمِيدِ، وما زادَ على التَّسْبِيحَةِ الواحِدَةِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وعلى المَرَّةِ في سُؤالِ المَغْفِرَةِ، والتَّعَوُّذُ في التَّشَهدِ الأخِير، والقُنُوتُ في الوِتْرِ.
فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِها) لأنَّ فِعْلَها غيرُ واجبٍ، فجَبْرُها أوْلَى (وهل يُشْرَعُ؛ على رِوايَتَين) إحْداهما، يُشْرَعُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ في الإمامِ إذا تَرَك الجَهْرَ.
وقال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ وأصحابُ الرَّأيِ،
.................................. وإسحاقُ: عليه سَجْدَتَى السَّهْوِ إذا تَرَك قُنُوتَ الوِتْرِ ناسِيًا، لقَولِه عليه السَّلامُ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» 1. والثَّانِيَةُ، لا يُشْرَعُ؛ لأنَّ تَرْكَها
..................................
عَمْدًا لا 1 يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يُشْرَعْ لسَهْوِها سُجُودٌ، كسُنَنِ الأفْعالِ.
وهذا قَوْلُ الشافعيِّ.
وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ لَا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهُ.
460 - مسألة: (وما سِوَى هذا مِن سُنَنِ الأفْعالِ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها)
فأمّا سُنَنُ الأفْعالِ، فهي: رَفْعُ اليَدَيْن عندَ الافْتِتاحِ، والرُّكُوعِ، والرَّفع منه، ووَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، وجَعْلُهما تحتَ السُّرَّةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ فيه، والنَّظَرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه، ووَضْعُ اليَدَيْن على الرُّكْبَتَيْن في الرُّكُوعِ، والتَّجافِي [فيه، و] 1 في السُّجُودِ، ومَدُّ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وجَعْلُه حِيالَ رَأْسِه، والبُدَاءَةُ بوَضْع الرُّكْبَتَيْن قبلَ اليَدَيْن في السُّجُودِ [ورَفْعُ اليَدَيْن قبلَ الرُّكْبَتَيْن في القِيامِ مِن السُّجُودِ ومِن التَّشَهدِ الأوَّلِ، بحيث لا يَعْتَمِدُ بيَدَيْه على الأَرْض، والتَّفْرِيق بينَ رُكْبَتَيْه في السُّجُودِ] (1)، ووَضْعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه وأُذُنَيْه فيه،
..................................
ونَصْبُ قَدَمَيْه وفَتْحُ أصابِعِهما فيه، وفي الجُلُوسِ، والافْتِراشُ في الجُلُوسِ بينَ السَّجْدَتَيْن، وفي التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، والتَّوَرُّكُ في الثّانِي، ووَضْعُ اليَدِ اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى مَقْبُوضةً مُحَلَّقَةً، والإشارَةُ بالسَّبّابَةِ، ووَضْعُ اليَدِ اليُسرى على الفَخِذِ اليُسْرَى مبْسُوطَةً، والالِتفاتُ عن اليَمِينِ والشِّمالِ في التَّسْلِيمَتَيْن، والسُّجُودُ على الأنفِ، وجَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ مِن الصلاةِ في سَلامِه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيهِنَّ.
فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرزُ مِن تَرْكِها، فلو شُرِعَ السُّجُودُ لها لم تَخْلُ صلاةٌ مِن
..................................
سُجُودٍ في الغالِبِ.
وقال أبو الخَطّابِ: فيها روايَتان.
وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لسَهْوِها رِوايَتان بِناءٌ على سُنَنِ الأقْوالِ.
والأولُ أوْلَى.
القِسْمُ الثالثُ مِن السُّنَنِ، ما يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ، وهو الخُشُوعُ في الصلاةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ.
وقد ذَكَرْناه.
واللهُ أعلمُ.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ سُجُودِ السَّهوِ
وَلَا يُشرعُ فِي الْعَمْدِ،
بابُ سُجُودِ السَّهْوِ
قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: تُحْفَظُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمْسَةُ أشْياءَ، سَلَّمَ مِن اثنَتَيْن فسَجَدَ، وسَلَّمَ مِن ثَلاثٍ فسَجَدَ، وفي الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقام مِن اثْنَتَيْن ولم يَتَشَهَّدْ.
وقال الخَطّابِيُّ (1): المُعْتَمَدُ عندَ أهلِ العلمِ هذه الأِحِادِيثُ الخمْسَةُ، حَدِيثا ابنِ مسعودِ، وأبي سعيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ بُحَيْنَةَ.
461 -
مسألة؛ قال: (ولا يُشْرَعُ في العَمْدِ)
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَسجُدُ لتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بسَهْوِه تَعَلَّقَ بحَمْدِه، كَجُبْراناتِ الحَجِّ.
ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضافُ إلى1
وَيُشرعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَة، وَنَقْص، وَشَكٍّ، لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ،
السَّهْوِ، فدَلَّ على اخْتِصاصِه به.
والشَّرْعُ إنَّما وَرَد به فيه، ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبارِ السَّهْوِ به انْجِبارُ العَمْدِ، لوُجُودِ العُذْرِ في السَّهْوِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بزِيادَة رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيام في مَوْضِعِ جُلُوسٍ.
462 -
مسألة: (وَيُشْرَعُ للسَّهْوِ في زِيادَةٍ، ونَقْصٍ، وشَكٍّ)
لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد به في ذلك.
فأمَّا حديثُ النَّفْسِ فلا يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه (1)، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو مَعْفُوٌ عنه.
463 -
مسألة: (للنّافِلَةِ والفَرْضِ)
لا فَرْقَ بينَ النّافِلَةِ والفَرْضِ في سُجُودِ السَّهوِ، أنَّه يُشْرَعُ فيهما، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ1
فَأمَّا الزِّيَادَةُ، فَمتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، قِيَامًا، أوْ قُعُودًا،
سِيرِينَ: لا يُشْرَعُ في النّافِلَةِ.
ولَنا، عُمُومُ قول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
وقَوْله: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَزَادَ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (1). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، فشُرِع لها السُّجُودُ كالفَرِيضَةِ.
فصل: ولا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ في صلاةِ (2) الجِنازَةِ؛ لأَنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففي جَبْرِها أوْلَى.
ولا في سُجُودِ تِلاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجَبْرُ زائِدًا على الأصْلِ.
ولا في سُجُودِ السَّهْوِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولأنَّه إجْماعٌ، حَكاه إسحاقُ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ.
ولو سَها بعدَ سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك.
والله أعلمُ.
464 -
مسألة: (فمتى زاد فِعْلًا مِن جِنْسِ الصلاةِ، قيامًا، أو
12
أوْ رُكُوعًا، أوْ سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ.
قُعُودًا، أو رُكُوعًا، أو سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن كان سَهْوًا سَجَد له) الزِّيادَةُ في الصلاةِ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، زِيادَةُ أقْوالٍ، وزِيادَةُ أفْعالٍ.
وزِيادَةُ الأفْعالِ تَتَنوَّعُ نَوْعَيْن، أحَدُهما، زِيادَة من جِنْسِ الصلاةِ، مِثْلَ أن يَقُومَ في مَوْضِع جُلُوسٍ، أو يَجْلِسَ في مَوْضِعِ قِيامٍ، أو يَزِيدَ رَكْعَةً أو رُكْنًا.
فإن فَعَلَه عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاُتُه إجْماعًا، وإن كان سَهْوًا سَجَدَ له، قَلِيلًا كان أو كَثيرًا، لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
رَواه مسلمٌ 1.
وَإنْ زَادَ رَكْعَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا، وَإِنْ عَلِمَ فِيها، جَلَسَ فِي الْحَالِ، فَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ، وَسَلَّمَ.
465 - مسألة: (وإن زاد رَكْعَةً، فلم يَعْلَمْ حتَّى فَرَغ مِنها، سَجَد لها)
لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: صَلى بنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَمسًا، فلمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهم، فقال: «مَا شَأنُكُمْ»؟ قالُوا: يَا رسولَ الله، هل زِيدَ في الصلاةِ؟ قال: «لَا».
قالُوا: فإنَّك صَلَّيْتَ خَمسًا.
فانْفَتَلَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: «إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ [سَجْدَتَيْنِ».
وفي رِوايةٍ، قال: «إنَّما أنا بَشَرٌ، أذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأنْسَى كَمَا تَنْسَونَ».
ثم سَجَد] (1) سَجْدَتيِ السَّهْوِ.
وفي روايَةٍ، قال: «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
رَواه بطُرُقِه مسلمٌ (2).
466 -
مسألة: (وإن عَلِم فيها، جَلَس في الحالِ، فتَشَهَّدَ إن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، وسَجَد، وسَلَّمَ)
متى قام إلى خامِسَةٍ في الرُّباعِيَّةِ، أو إلى12
..................................
رابِعَةٍ في المَغْرِب، أو إلى الثّالِثَةِ في الصُّبحِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ متى ذَكَر، ويَجْلِسُ، فإن كان قد تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ التى تَمتْ بها صَلاتُه، سَجَد للسَّهْو، ثم سَلَّمَ.
وإن كان تَشَهَّدَ ولم يُصَلِّ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى عليه، ثم سَجَد للسُّهْو وسَلَّمَ.
وِإن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وسَجَد للسَّهْوِ، ثم سَلَّمَ.
وإن لم يَذْكُرْ حتَّى فرَغ مِن الصلاةِ، سَجَد عَقِيبَ ذِكْرِه، وتَشَهَّدَ وسَلَّمَ، وصَحَّتْ صَلاتُه.
وبهذا قال عَلْقَمَةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن ذَكَر قبل أن يَسْجُدَ، جَلَسَ للتَّشَهُّدِ، وإن ذَكَر بعدَ السُّجُودِ، وكان جَلَس عَقِيبَ الرابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، صَحَّتْ صَلاتُه، ويُضِيفُ إلى الزِّيادَةِ أُخْرَى، لتَكُونَ نافِلَةً.
وإن لم يكُنْ جَلَس بَطَلَ فَرْضُه، وصارت صَلَاتُه نافِلَةٌ، ولَزِمَه إعادَةُ الصلاةِ.
ونَحْوَه قال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ.
وقال قَتادَة، والأوْزاعِيُّ، في مَن صَلَّى المَغْرِبَ أرْبَعًا: يُضِيفُ إليها أُخْرَى، فتكونُ الرَّكْعَتان تَطَوُّعًا، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ أبي سعيدٍ: «فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْن لَهُ صَلَاتَهُ».
رَواه مسلمٌ 1. ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، الذى تَقَدَّمَ.
والظّاهِرُ منه
..................................
أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو فَعَلَه لنُقِلَ، ولأنَّه لو 1 قام إلى الخامسةِ يَعْتَقِدُ أنَّه قام عن ثالِثَةٍ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه بذلك، ولم يُضِفْ إلى الخامِسَةِ أخْرَى.
وحديثُ أبي سعيدٍ حُجَّةٌ عليهم أَيضًا؛ لأنَّه جَعَل الزِّيادَةَ نافِلَةً مِن غيرِ أن يَفْصِلَ بَيْنَها وبينَ التى قَبْلَها بجُلُوسٍ، وجَعَل السَّجْدَتَيْن يَشْفَعُها بها، ولم يَضُمَّ إليها رَكْعَةً أُخْرَى، وهذا كلُّه يُخالِفُ ما قالُوه، فقد خالَفُوا الخَبَرَيْن جَمِيعًا.
فصل: ولو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ اللَّيْلِ، فهو كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ 2 الفَجْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال مالكٌ: يُتِمُّها أرْبَعًا، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.
وهو قولُ الشافعيِّ بالعِراقِ.
وقال الأوْزاعِيُّ في صلاةِ النَّهارِ، كقَوْلِه، وفي صلاةِ اللَّيْلِ إن ذَكر قبلَ رُكُوعِه في الثالِثَةِ، كقَوْلِنا، وإن ذَكَر بعدَ 3 رُكُوعِه، كقَوْلِ مالكٍ.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» 4. ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْن، أشْبَهَتْ صلاةَ الفَجْرِ، فأمّا صلاةُ النَّهارِ فيُتِمُّها أرْبَعًا.
وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ،
فصل: إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِعِه قَدْرَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، فقال القاضي: يَلْزَمُه السُّجُودُ، سَواءٌ قُلْنا باسْتِحْبابِ جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه لم يُرِدْها بجُلُوسِه، إنَّما أراد التَّشَهُّدَ سَهْوًا.
قال الشيخُ (1): ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاة، فلم يَسْجُدْ لسَهْوِه، كالعَمَلِ اليَسِيرِ مِن غيرِ جِنْس الصلاةِ.
467 -
مسألة: (وإن سَبَّحَ به اثْنان، لَزِمَه الرُّجُوعُ)
متى سَبَّحَ به اثْنان يَثِقُ بقَوْلِهما، لَزِمَه الرُّجُوعُ إليه، سَواءٌ غَلَب على ظَنِّه صَوابُ قَوْلِهما، أو خِلافُه.
وقال الشافعيُّ: إن غَلَب على ظَنِّه خَطَوُّهما لم يَعْمَلْ1 = باب كيف صلاة الليل، وباب كيف الوتر بواحدة، من كتاب قيام الليل.
المجتبى 3/ 185، 186، 191. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر بركعة، وباب ما جاء في صلاة الليل ركعتين، وباب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 371، 418، 419. والدارمي، في: باب صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وباب في صلاة الليل، وباب كم الوتر، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 340، 372. والإمام مالك، في: باب ما جاء في صلاة الليل، وباب الأمر كالوتر، من كتاب صلاة الليل.
الموطأ 1/ 117، 123. والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 6، 7، 10، 26، 30، 33، 40، 44، 49، 51، 58، 66، 71، 76، 77، 79، 81، 83، 119، 133، 134، 141، 148، 155. وانظر: المسند 1/ 31، 45، 54.
..................................
بقَوْلِهما.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَجَع إلى قولِ أبي بكر، وعُمَرَ، في حديثِ ذى اليَدَيْن، حينَ سَألَهُما: «أحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْن؟».
قالا: نَعَمْ 1. ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ المَأْمُومِين بالتَّسْبِيحِ، ليُذَكِّرُوا الإمامَ،
..................................
ويَعْمَلَ بقَوْلِهم.
وقال في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» 1. فأمّا إن كان الإمامُ على يَقين مِن صَوابِ نَفْسِه، [لم يَجُزْ له مُتابَعَتُم.
وقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، كالحاكِمِ يَحْكُمُ بالشّاهِدَيْن ويَتْرُكُ يَمينَ نَفْسِه] 2. قال شيخُنا 3: وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه يَعْلَمُ خَطأهم فلا يَتْبَعُهم في الخَطَإِ.
وكذا نَقُولُ في الشّاهِدَيْن: متى عَلِم الحاكِمُ كَذِبَهما لم يَجُزْ له الحُكْمُ بقَوْلِهما، لعِلْمِه أنَّهما شاهِدا زُورٍ، ولا يَحِلُّ الحُكْمُ بقولِ الزُّورِ؛ لأنَّ العَدالَةَ اعْتُبِرتْ في الشَّهادَةِ، ليَغْلِبَ على الظَّنِّ صِدْقُ الشُّهُودِ، ورُدَّتْ شَهادةُ غيرِهم، لعَدَمِ ذلك، فمع يَقِينِ الكَذِبِ أوْلَى أن لا يَقْبَلَ.