وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ،
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
قال أبو الخَطَّابِ: وهو قولُ أكثر الفُقهاءِ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتاجٌ، فأشْبَهَ الكَبِيرَ، ولأنَّ أكلَه للكفَّارَةِ ليس بشَرْطٍ، وهدْا يَصْرِفُ الكفَّارَةَ إلى ما يحتاجُ إليه ممَّا تَتِمُّ به كِفايَتُه، فأشْبَهَ الكبِيرَ.
ولَنا، قوْلُه تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (1). وهذا يَقْتَضِي أكْلَهُم له، فإذا لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ أكْلِهم، وَجَبَ اعْتِبارُ إمْكانِه ومَظِنَّتِه، ولا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُه في مَن لا يَأْكُلُ، ولأنَّه لو كان المقْصُودُ دَفْعَ حاجَتِه؛ لجاز دَفْعُ القِيمَةِ، ولم يتَعَيَّنِ الإِطْعامُ، وهذا يُقَيِّدُ (2) ما ذَكَرُوه.
فإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأوْصافُ في واحدٍ، جاز الدَّفْعُ إليه، كبيرًا كان أو صَغِيرًا، مَحْجُورًا عليه أو غيرَ مَحْجُورٍ عليه، إلَّا أن مَن لا حَجْرَ عليه يقْبِضُ لنَفْسِه، أو يَقْبِضُ له وَكِيلُه، والمَحْجُورُ عليه كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، يَقْبِضُ له وَلِيُّه.
3775 -
مسألة: ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى كافرٍ. وقد ذَكَرْناه (ولا إلى مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه)
وقد ذَكَرْنا ذلك في الزَّكاةِ 3. وفي دَفْعِها إلى الزَّوْجِ وَجْهانِ؛ بِناءً على دَفْعِ الزَّكاةِ إليه 4.12
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا، فَبَانَ غَنِيًّا، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
وَإنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، إلا أَنْ لَا يَجِدَ غَيرَهُ، فَيُجْزِئُهُ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُ وَإنْ وَجَدَ غَيرَهُ.
3776 - مسألة: ويَجُوزُ دَفْعُ الكَفَّارَةِ إلى مَن ظاهِرُه الفَقْرُ.
فإن بان غَنِيًّا، فهل يُجْزِئُه؟ فيه وَجْهان، بناءً على الرِّوايَتَين في الزَّكاةِ.
وإن بان كافرًا أو عَبْدًا، لم يُجْزِئْه، وَجْهًا واحِدًا.
3777 -
مسألة: (وإن رَدَّدَهَا على مِسْكِينٍ واحِدٍ سِتِّين يَوْمًا، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن لا يَجِدَ غيرَه، فيُجْزِئُه في ظَاهِرِ المذْهَب. وعنه، لا يُجْزِئُه. وعنه، يُجْزِئُ وإن وَجَدَ غيرَه)
وجملةُ ذلك، أنَّ الواجِبَ في كفَّارَةِ الظِّهارِ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكينًا؛ للآيَةِ، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه أن يُطْعِمَ مسكينًا واحدًا في سِتِّينَ يومًا.
ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
حكاه القاضي أبو الحُسَينِ؛ لأنَّ هذا المسكينَ لم يَسْتَوْفِ 1 قُوتَ يَوْمِه مِن هذه الكفَّارَةِ، فجاز أن يُعْطَى
..................................
منها، كاليَوْم الأوَّلِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه 1 إن وجَدَهم لم يُجْزئْه؛ لأنَّه أمكَنَه امْتِثالُ الأمْر بصُورَته ومَعْناه، وإن لم يَجدْ غيرَه أجْزَأه؛ لتَعَذُّرِ المساكينِ.
ووَجْهُ الأُوَلَى، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ 2. وهذا يُطْعِمْ إلَّا واحِدًا، فلم يَمْتَثِلِ الأمْرَ، ولأنَّه لم يُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فلم يُجْزِئْه، كما لو دَفَعَها إليه في يَوْمٍ واحدٍ، ولأنَّه لو جازَ الدَّفْعُ إليه في أيَّامٍ؛ لجازَ الدَّفْعُ إليه في يَوْمٍ واحدٍ، كالزَّكاةِ وصدقةِ الفِطْرِ، يُحَقِّق هذا أن الله تعالى أمَرَ بعدَدِ المساكينِ، لا بعَدَدِ الأيَّامِ، وقائِل هذا يَعْتَبِر عدَدَ الأيَّامِ دُونَ عدَدِ المساكينِ، والمَعْنى في اليومِ الأوَّلِ، أنَّه لم يَسْتَوف حَقَّه من هذه الكفَّارَةِ، وفي اليومِ الثَّانِي قد اسْتَوْفَى حقَّه، وأخَذَ منها قوتَ يَوْمٍ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه في اليومِ الثَّانِي، كما لو أوْصَى إنْسانٌ بشيءٍ لسِتِّين مسكينًا.
وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَينِ، أَجْزأهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ.
3778 - مسألة: (وإن دَفَعَ إلى مِسْكِينٍ في يَوْم واحدٍ مِن كَفّارَتَين، أجْزَأه)
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه دَفَعَ القَدْرَ الواجِبَ إلى العَدَدِ الواجِبِ، فأجْزَأ، كما لو دَفَعَ إليه المُدُيَّن في يَوْمَين.
وفيه رِواية أخْرَى، أنَّه (لا يُجْزِئُه) وهو قول أبي حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى قوتَ 1 يومٍ مِن كفَّارَةٍ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه ثانيًا، كما لو دَفَعَها إليه مِن كفَّارةٍ واحدةٍ.
فعلى هذه الروايَةِ، يُجْزِئُه عن إحْدَى الكفَّارَتَين.
وهل له الرُّجُوعُ في الأُخْرَى؟ يُنْظَر؛ فإن كان أعْلَمَه أنَّها عن كفَّارَتَين 2، فله الرُّجُوعُ، وإلَّا فلا.
وَيَتَخَرَّجُ أن لا يَرْجِع بشيءٍ، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ.
والرِّوايَة الأولَى أقْيَسُ وأصحُّ، فإنَّ اعْتِبارَ عَدَدِ المساكينِ أَوْلَى مِن اعْتِبارِ عَددِ الأيَّامِ، ولو دَفَعَ إليه ذلك في يَومَين 3
وَالْمُخْرَجُ في الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الْفِطْرَةِ.
وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ.
أجْزَأه، ولأنَّه لو كان الدَّافِعُ اثْنَين، أجْزَأ عنهما، فكذلك إذا كان الدَّافِعُ واحدًا.
ولو دَفَعَ سِتِّينَ مُدًّا إلى ثلاثين مسكينًا مِن كفَّارَةٍ واحدةٍ، أجْزَأه من ذلك ثلاثون، ويُطْعِمُ ثلاثين آخَرِين، فإن دَفَعَ السِّتِّينَ مِن كفَّارَتَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المسْأَلةِ قبلَها، وهي إذا أطْعَمَ مسكينًا واحدًا مُدَّين مِن كفَّارَتَين في يومٍ واحدٍ.
3779 -
مسأَلة: (والمُخْرَجُ في الكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ)
وهو البُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، سَواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ.
وما عداها، فقال القاضي: لا يُجْزِئُ إخْراجُه، سواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يكُنْ؛ لأنَّ الخبَرَ وَرَدَ بإخْراجِ هذه الأصْنافِ (1) على ما جاءَ في الأحاديثِ التي نَذْكُرُها، ولأنَّه الجِنْسُ المُخْرَجُ في الفِطْرَةِ، فلم يُجْزِئُ غيرُه، كما لو لم يكُنْ قُوتَ بَلَدِه.
3780 -
مسألة: (وفي الخُبْزِ رِوايَتان)
إحداهما، يُجْزِئُ.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
ونصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ1
..................................
لأبي عبدِ اللهِ: رجُلٌ أخَذَ ثلاثةَ عشَرَ رَطْلًا وثُلُثًا دَقِيقًا، وهو كفَّارَةُ اليَمِينِ، فخَبَزَه للمساكينِ، وقَسَمَ الخُبْزَ على عشَرةِ مَساكِينَ، أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: ذلك أعْجَبُ إليَّ، والذي جاءَ فيه الحَدِيثُ أن يُطْعِمَهُم مُدَّ بُرٌّ، وهذا إن فَعَلَ فأرْجُو أن يُجْزِئَه.
قلتُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
فهذا قد أطْعَمَهم، وأوْفَاهم المُدَّ.
قال: أرْجُو أن يُجْزِئَه.
وهذا قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ.
ونَقَلَ الأثْرَمُ، في موضِعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سألَه رجلٌ عن الكفَّارَةِ، قال: أُطْعِمُهم خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تَمْرٌ.
قال: فخُبْزٌ؟ قال: لا، ولكن بُرًّا أو دَقِيقًا بالوَزْنِ، رَطْلٌ وثُلُثٌ لكُلِّ مِسْكينٍ.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حالةِ الكَمَالِ والادِّخارِ، فأَشْبَه الهَرِيسَة.
قال شيخُنا 1: والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
وهذا مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهْلَه، وليس الادِّخارُ مقْصُودًا في الكفَّارَةِ، فإنَّها مُقَدَّرَة بما يَقُوتُ المسكينَ في يومِه، فيدُلُّ ذلك على أنَّ المقْصُودَ كفَايَتُه في يومِه، وهذا قَد هَيَّأَه للأكْلِ
وَإنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيرَ ذَلِكَ، أَجْزَأَهُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ الله تِعَالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ.
المُعْتادِ لِلاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها.
وأمَّا الهَرِيسَةُ والكَبُولا (1) ونَحْوُهما، فلا يُجْزِئُ؛ لأنَّهما خرُجَا عن الاقْتِياتِ المُعْتادِ إلى حَيِّزِ الإدام.
وأمَّا السَّويقُ، فيَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئ؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئ؛ لأَنَّه يُقْتاتُ في بعضِ البُلْدانِ، ولأنَّ السَّويقَ يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فأجْزَأ (2) ههُنا.
3781 -
مسألة: (فإن كان قُوتُ بَلَدِه غيرَ ذلك)
كالذُّرةِ، والدُّخْنِ، والأرُزِّ، لم يُجْزِئُ إخْراجُه، على قَوْلِ القاضِي.
وقال أبو12
..................................
الخَطَّابِ: عندِي أنَّه يجْزِئُه الإِخْراجُ مِن جميعِ الحُبُوب التي هي قُوتُ بَلَدِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 1. وهذا ممَّا يُطْعِمُه أهْلَه، فوَجَبَ أن يُجْزِئَه بظاهرِ النَّصِّ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
فإن أخْرَجَ عن 2 قُوتِ بَلَدِه، أجْوَدَ منه، فقد زادَ خيرًا.
فصل: وإخْراجُ الحَبِّ أفْضَلُ عندَ أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّه يَخْرُجُ به مِن الخِلافِ، وهي حالة كَمالِه؛ لأنَّه يُدَّخَر فيها، ويَتَهَيَّأُ لمنافِعِه كُلِّها، بخِلافِ غيرِه.
فإن أخْرَجَ دَقِيقًا، جاز، لكنْ يَزِيدُ على المُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخْرِجُه بالوَزْنِ؛ لأنَّ الحَبَّ يَرُوعُ 3، فيكونُ في مِكْيَالِ الحَبِّ أكثرُ ممَّا يكونُ في مِكْيالِ الدَّقِيقِ.
قال الأثْرَمُ: قِيل لأبي عبدِ اللهِ: فيُعْطِي البُرَّ والدَّقِيقَ؟ قال: أمَّا الذي جاءَ فالبُرُّ، ولكن إن أعْطاهُم الدَّقِيقَ بالوزنِ، جازَ.
وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه ليس بحَالِ الكَمالِ، لأجْلِ ما يَفوتُ به مِن وُجُوهِ الانْتِفاعِ، فأشْبَهَ الهَرِيسَةَ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
والدَّقِيق مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُه أهلَه، ولأنَّ الدَّقِيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ، وقد كَفاهم مُؤْنَتَه وطَحْنَه، وهَيَّأه وقَرَّبَه مِن الأكْلِ، وفارَقَ
وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ اقَلُّ مِنْ مُدٍّ، وَلَا مِنْ غَيرِهِ أقَلُّ مِنْ مُدَّينِ، الهَرِيسَةَ، فإنَّها تَفْسُدُ عن قَرِيبٍ، ولا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها في غيرِ الأكْلِ في تلك الحالِ، بخلافِ مَسْأَلتِنا.
3782 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ مِن البُرِّ أقَلُّ مِن مُدٍّ، ولا مِن غَيرِه أقَلُّ مِن مُدَّين)
وجملةُ ذلك، أنَّ قَدْرَ الطَّعامِ في الكفَّاراتِ مُدٌّ مِن بُرٍّ لكُلِّ مسكينٍ، أو نصفُ صاعِ تَمْرٍ أو شعيرٍ.
ومِمَّن قال: مُدُّ بُرٍّ.
زيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ.
حَكاه عنهم الإمامُ أحمدُ، ورواه عنهم الأثْرَمُ، وعن عطاءٍ، وسليمانَ بنِ موسى.
وقال سليمانُ بنُ يَسارٍ: أدْرَكْتُ النَّاسَ إذا أعْطَوْا في كفَّارَةِ اليَمِينِ، أعْطَوْا مُدًّا مِن حِنْطَةٍ بالمُدِّ الأصْغَرِ، مُدِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 1. وقال أبو هُرَيرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أيِّ الأنْواعِ كان.
وبه قال عَطاء، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ؛ لِما روَى أبو داود 2 بإسْنادِه، عن أوْس أخِي 3 عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
أعْطاه -يَعني المُظاهِرَ- خمسةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ، إطْعامَ سِتِّينَ مسكينًا.
وروَى الأثْرَمُ 1 بإسْنادِه، عن أبي هُرَيرَة، في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِىَ بِعَرَقٍ فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «خُذْه وَتَصَدَّقْ به».
وإذا ثَبَتَ هذا 2 في المُجامِعِ بالخَبَرِ، ثَبَتَ في المُظاهِرِ قِياسًا عليه، ولأنَّه إطْعامٌ واجبٌ، فلم يَخْتَلِفْ باخْتلافِ أنْواعِ المُخْرَجِ، كالفِطْرَةِ.
وقال مالكٌ: لكُلِّ مِسكينٍ مُدَّان مِن جيعِ الأنْواعِ.
وممَّن قال: مُدَّان مِن قَمْحٍ.
مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ؛ لأنَّها كفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ على صِيَام وإطْعامٍ، فكان لكُلِّ مِسكين نِصْفُ صاعٍ، كفِدْيَةِ الأذَى.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ: مِن القمحِ مُدَّان، ومِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ صاعٌ لكُلِّ مسْكِينٍ؛ لقوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: «فَأطْعِمْ وَسْقًا مِن تَمْرٍ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما 3. وروَى الخَلَّالُ 4 بإسْنادِه، عن يُوسفَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، عن خُوَيلَةَ: فقال لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ».
وفي روايةِ أبي داودَ 5: والعَرَقُ سِتُّونَ صاعًا.
وروَى
..................................
ابنُ ماجه 1 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كَفَّرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، وأمَرَ النَّاسَ، فَمَن لم يَجِدْ فنِصْفُ صَاعٍ مِن بُرٍّ.
[وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أطْعِمْ عَنِّي صَاعًا مِن تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ] 2. ولأنَّه إطْعامٌ للمساكِينِ، فكان صاعًا مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، كصَدَقَةِ الفِطْرِ.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ، ثنا إسماعيلُ، ثنا أيُّوبُ، عن أبي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، قال: جاءتِ امْرَأةٌ مِن بني بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمُظاهِرِ: «أطْعِمْ هذا؛ فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَان مُدِّ بُرٍّ» 3. وهذا نَصٌّ.
ولأنَّه قَوْلُ زَيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، ولم نَعْرِفْ لهم في الصَّحابَةِ مُخَالِفًا، فكان إجْماعًا.
وعلى أنَّه نِصْفُ صاع مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ، ما روَى عطاءُ بنُ يَسارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لخَوْلَةَ 4 امْرَأةِ أوْسِ بنِ الصَّامِتِ: «اذْهَبِي إلى فُلانٍ الأنْصَارِيِّ، فإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّه يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْتَأْخُذِيه، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا» 5. وفي حديثِ
..................................
أوْسِ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ».
قلتُ: يا رسولَ اللهِ: فإنِّي سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ.
قال: «أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ».
وروَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّه قال: العَرَقُ زِنْبِيلٌ يَأْخُذُ خمسةَ عَشَرَ صاعًا.
فالعَرَقان ثلاثونَ صاعًا، لكُلِّ مِسْكينٍ نِصْف صاعٍ.
ولأنَّها كفَّارَة تَشْتَمِلُ على صِيامٍ وإطْعامٍ، فكان لكُلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ 2 والشَّعِيرِ، كفِدْيَةِ الأذَى.
فأمَّا رِوايَةُ أبي داودَ أنَّ الْعَرَقَ سِتُّون صاعًا.
فقد ضَعَّفَها، وقال: غيرُها أصَحُّ منها.
وفي الحديثِ ما يدُلُّ على الضَّعْفِ؛ لأنَّ ذلك في سياقِ قَوْلِه: «إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ».
فقالتِ امْرأتُه: إنِّي سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ.
قال: «فأَطْعِمِي بها عنه سِتِّينَ مِسْكِينًا».
فلو كان العَرَقُ سِتِّينَ صاعًا، لكانتِ الكفَّارَةُ مائةً وعشرين صاعًا، ولا قائِلَ به.
وأمَّا حَدِيثُ المُجامِعِ الذي أعْطاه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «تَصَدَّقْ بِهِ».
فيَحْتَمِلُ أنَّه اقْتَصَرَ عليه إذ 3 لم يَجِدْ سِواه، ولذلك لمَّا أخْبَرَه بحاجَتِه إليه أمرَه بأكْلِه.
وفي الحديثِ المُتَّفَقِ عليه 4: «قَرِيبٌ مِن عِشْرِينَ صاعًا».
وليس ذلك مَذْهَبًا لأحَدٍ، فيَدُلُّ
وَلَا مِنَ الْخُبْزِ أَقلُّ مِنْ رَطْلَينِ بِالْعِرَاقِيِّ، إلَّا أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُدٌّ.
على أنَّه اقْتَصَرَ على البَعْضِ الذي لم يَجِدْ سواه.
وحَدِيثُ أوْسٍ أخِي (1) عُبادَةَ مُرْسَلٌ، يَرْويه عنه عَطاءٌ، ولم يُدْرِكْه، على أنَّه حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطاه عَرَقًا، وأعانَتْه امْرَأتُه بعَرقٍ آخَرَ، فصارا جَمِيعًا ثلاثين صاعًا، كما فَسَّرَه أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ.
وسائِرُ الأحادِيثِ يُجْمَعُ بينَها وبينَ أخْبارِنا بحملِها على الجوازِ، وأخْبارُنا على الإجْزاءِ، وقد عَضَد هذا أنَّ ابنَ عباسٍ رَاوي (2) بعْضِها، ومذْهَبُه أنَّ المُدَّ مِن البُرِّ يُجْزِئُ، وكذلك أبو هُرَيرَةَ، وسائِرُ ما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، مع الإجْماعِ الذي نَقَلَه سليمانُ بنُ يَسارٍ.
3783 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِئُ (مِن الخُبْزِ أقَلُّ مِن رَطْلَينِ بالعراقِيِّ، إلَّا أن يَعْلمَ أنَّه مُدٌّ) وجملةُ ذلك، أنَّه [إذا أعْطى] 3 المسْكِينَ12 = من عشرين صاعا، كما أورده الشارح.
وأخرجه ابن خزيمة، في: باب ذكر قدر مكيل التمر...، من كتاب الصيام.
صحيح ابن خزيمة 3/ 221. وأبو داود في: باب كفارة من أتى أهله في رمضان، من كتاب الصيام.
سنن أبي داود 1/ 558. والبيهقي، في: باب رواية من روى الأمر بقضاء يوم...، من كتاب الصيام.
السنن الكبرى 4/ 227. وعبد الرزاق، في: باب من يبطل الصيام...، من كتاب الصيام.
المصنف 4/ 195. وانظر الكلام على طرق الحديث في فتح الباري 4/ 169.
وَإنْ أُخرَجَ الْقِيمَةَ، أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ.
رَطْلَيْ خُبْزٍ بالعِراقِيِّ، أجْزَأه.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وذلك بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ الذي هو سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ، خَمْسُ أواقٍ وسُبْعُ أُوقِيَّةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ من (1) أقَلَّ مِن مُدٍّ.
قال القاضي: المُدُّ يَجِئُ منه رَطْلان؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ رَطْلَين مِن الخُبْزِ لا يَكونُ مِن (1) أقَلَّ مِن مُدٍّ.
فأمَّا إن عَلِمَ أنَّه مُدٌّ، بحيثُ يَأْخُذُ مُدًّا مِن حِنْطَةٍ، فيَطْحَنُه، ويَخْبِزُه، أو رَطْلًا وثُلُثًا مِن دَقِيقِ الحِنْطَةِ، ويَصنَعُه خُبْزًا، فيُجْزِئُه.
وهذا في البُرِّ.
فأمَّا إن كان مِن الشَّعِيرِ، فلا يُجْزِئُه إلَّا ضِعْفُ [ذلك على ما قَرَّرْنا] (2)، أو يَخْبِزُ نِصْفَ صاعِ شعيرٍ.
كما قُلْنا في البُرِّ، ويُخْرِجُه، فيُجْزِئُه.
3784 -
مسألة: (فإن أخْرَجَ القِيمَةَ، أو غَدَّى المساكِينَ أو عَشَّاهم، لم يُجْزِئْه)
ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه.
لا يُجْزِئُ إخْراجُ القِيمَةِ في الكَفَّارَةِ.
نَقَلهَا المَيمُونِيُّ، والأثْرَمُ.
وهو مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو الظَّاهِرُ مِن قولِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ عباسٍ.12
..................................
وأجازَه الأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ المقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ المساكينِ، وهو يَحْصُلُ بذلك.
وخرَّجَ بعْضُ أصحابِنا مِن كلامِ أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه.
وهو ما روَى الأثْرَمُ، أنَّ رَجُلًا سأل أحمدَ، قال: أعْطَيتُ في كفَّارَةٍ خَمْسَ دَوانِيقَ؟ فقال: لو اسْتَشَرْتَني قبلَ أن تُعْطِيَ، لم أُشِرْ عليك، ولكن أعْطِ ما بَقِيَ مِن الأثْمانِ على ما قُلتُ لك.
وسَكَتَ عن الذي أعْطىَ.
وهذا ليس بروايةٍ، إنَّما سَكَتَ عن الذي أعْطى؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَرَ التَّضْيِيقَ عليه فيه.
والمذهبُ الأوَّلُ؛ لظاهِرِ قولِه سبحانه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
ومَن أخْرَجَ القِيمَةَ، لم يُطْعِمْ.
وقد ذَكَرْناه في الزَّكاةِ.
3785 -
مسألة: (وإن غَدَّى المَساكِينَ أو عَشَّاهُمْ، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه)
ظاهِرُ المذْهَبِ في كيفِيَّةِ إطْعامِ المساكينِ، أنَّ الواجِبَ أنْ يُمَلِّكَ كلَّ إنْسانٍ مِن المساكينِ القَدْرَ الواجِبَ مِن الكفَّارَةِ، فلو غَدَّى المساكِينَ أو عشَّاهُم، لم يُجْزِئه، سواءٌ [فَعَل ذلك بالقَدْرِ] 1 الواجب، أو أقلَّ، أو أكْثَرَ، ولو غَدَّى كلَّ واحدٍ بمُدٍّ 2، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن يُمَلِّكه إيَّاه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه إذا أطْعَمَهم القَدْرَ الواجِبَ لهم.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ.
وأطْعَمَ أنَسٌ
..................................
في فِدْيَةِ الصِّيامِ 1. قال أحمدُ: أطْعَمَ شيئًا كَثِيرًا، وَضَعَ الجِفانَ.
وذكَرَ حَدِيثَ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
وهذا قد أطْعَمَهُم، فيَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، ولأنَّه أطْعَمَ المساكينَ، فأجْزَأه، كما لو مَلَّكَهم.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ المَنْقُولَ عن الصَّحابةِ إعْطاؤُهم، ففي قولِ زيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ، مُدٌّ لكُلِّ فَقِيرٍ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لكَعْبٍ، في فِدْيَةِ الأذَى: «أطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، بَينَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» 2. ولأنَّه مالٌ وَجَبَ للفُقَراء شَرْعًا، فوجَبَ تَمْلِيكُهم إيَّاه كالزَّكاةِ.
فإن قُلْنا: يُجْزِئُ.
اشْتُرِطَ أَن يُغَديهم سِتِّينَ مُدًّا 3 فصَاعِدًا، ليكونَ قد أطْعَمَهم قَدْرَ الواجِبِ.
وإن قُلْنا: لا يُجْزِئُ أن يُغَدِّيَهُم.
فَقدَّمَ إليهم سِتِّينَ مُدًّا، وقال: هذا بينَكم بالسَّويَّةِ.
فقَبِلُوه، أجْزَأ، لأنَّه مَلَّكَهم التَّصَرُّفَ فيه والانتِفاعَ 4 قَبْلَ القِسْمَةِ.
وهذا ظاهِرُ مذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: يُجْزِئُه، وإن لم يَقُلْ: بالسَّويَّةِ، لأنَّ قَوْلَه: خُذُوها عن كَفَّارَتِي.
يَقْتَضِي التَّسْويَةَ، لأنَّ ذلك حُكْمُها.
وقال
فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ الإخْرَاجُ إلا بِنِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ الإعْتَاقُ وَالصِّيَامُ.
القاضي: إن عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، أجْزَأ، وإن لم يَعْلَمْ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِه، ما لم يَعْلَمْ وُصُولَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه مُشَاعًا، فقَبِلُوه، فبَرِئَ منه، كدُيُونِ غرَمائِه.
فصل: ولا يَجِبُ التّتابُعُ في الإطْعامِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، وقيل له: يكونُ عليه كفَّارَةُ يَمِينٍ، فيُطْعِمُ الصَوْمَ واحِدًا، والآخَرَ بعدَ أيَّامٍ، وآخَرَ بَعْدُ حتى يَسْتَكْمِلَ عَشَرَةً؟ فلم يَرَ بذلك بأْسًا؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لم يَشْتَرِطِ التَّتابُعَ فيه.
ولو وَطِئَ في أثْناءِ الإطْعامِ، لم تَلْزَمْه إعادَةُ ما مَضَى منه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: يَسْتَأْنِفُ؛ لأنَّه وَطِئَ في أثْناءِ الكفَّارَةِ، فوَجَبَ الاسْتِئْنافُ كالصِّيامٍ.
ولَنا، أنَّه وَطِئَ في أثْناءِ ما لا يُشْتَرَطُ التَّتابُعُ فيه، فلم يُوجِبْ الاسْتِئْناف، كوَطْءِ غيرِ المُظاهَرِ منها، أو كالوَطْءِ 1 في كفَّارَةِ اليَمِينِ، وبهذا فارَقَ الصِّيامَ.
فصل: (ولا يُجْزِئُ الإخْراجُ إلَّا بنِيَّةٍ، وكذلك الإعْتاقُ والصِّيامُ) لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» 2. ولأنَّ العِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرِّعًا
فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَنَوَى عَنْ كَفَّارَتِي، أَجْزَأَةُ، وَإنْ كَانَ عَلَيهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ، فَنَوَى إِحْدَاهَا، أَجْزأَهُ عَنْ وَاحِدَةٍ.
به، وعن كفَّارَةٍ أُخْرَى، أو نَذْرٍ، فلم يَنْصَرِفْ الن هذه الكفَّارَةِ إلَّا بنِيَّةٍ، وصِفَتُها أن يَنْويَ العِتْقَ، أو الإطْعامَ، أو الصِّيامَ عن الكفَّارَةِ، فإن زادَ الواجبَةَ فهو تأْكيدٌ، وإلَّا أجْزَأتْ نِيَّةُ الكفَّارَةِ.
وإن نَوَى وُجُوبَها، ولم يَنْو الكفَّارَةَ، لم تُجْزِئْه؛ لأنَّ الوُجُوبَ يَتَنَوَّعُ عن كفَّارَةٍ ونَذْرٍ، فَوجَبَ تَمْيِيزُه.
ومَوْضِعُ النِّيَّةِ مع التَّكْفِيرِ، أو قَبْلَه بيَسِيرٍ.
وهذا الذي نَصَّ عليه الشافعيُّ، وقال به بعضُ أصحابه.
وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ حنى يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ.
وإن كانتِ الكفَّارَةُ صِيامًا، اشْتُرِطَتْ نِيَّةُ الصِّيام عن الكفَّارَةِ في كلِّ لَيلَةٍ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ» (1).
3786 -
مسألة: (فإن كانت عليه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، فَنَوَى عن كَفَّارَتِي، أجْزَأه)
لأنَّ النِّيَّةَ تَعَينَّتْ لها (وإن كان عليه كفَّاراتٌ مِن جنْسٍ) وَاحِدٍ، لم يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِها.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصَحابُ الرَّأْي.
ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا.
فعلى هذا، لو كان مُظاهِرًا مِن أرْبَعِ نِساءٍ،1
..................................
فأعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه، أجْزَأه عن إحْداهُنَّ، وحَلَّتْ له واحدةٌ غيرُ مُعَينَّةٍ؛ لأنَّه وَاجِبٌ مِن جِنْس واحِدٍ، فأجْزَأتْه نِيَّةٌ مُطْلَقَة، كما لو كان عليه صَوْمُ يَوْمَينِ مِن رَمضانَ.
وقِياسُ المذهبِ أن يُقْرِعَ بَينَهُنَّ، فتُخْرَجَ المُحَلَّلَةُ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ.
وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ.
وقال الشافعيُّ: له أن يَصْرِفَها إلى أيَّتِهِنَّ شاءَ، فَتَحِل.
وهذا يُفْضِي إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ بينَ كَوْنِ هذه المرأةِ مُحَلَّلَةً له أو مُحَرَّمَةً عليه.
وإن كان الظِّهارُ مِن ثَلاثِ نِسْوَةٍ، فأعْتَقَ عبدًا عن إحْداهُنَّ، ثم صامَ شَهْرَينِ عن أُخْرَى، ثم مَرِض، فأطْعَمَ سِتِّينَ مسكينًا عن أُخْرَى، أجْزَأه، وحَلَّ 1 له الجَمِيعُ مِن غيرِ قُرْعَةٍ ولا تَعْيِينٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْرِعُ بَينَهُنَّ، فمَنْ تَقَعُ لها القُرْعَةُ، فالعِتْقُ لها، ثم يُقْرِعُ بينَ الباقِيَتَين، فمن تَقَعُ لها القُرْعَةُ فالصِّيامُ لها، والإطْعامُ عن الثَّالثةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِن هذه الخِصالِ لو انْفَرَدَتْ، احْتاجَتْ إلى قُرْعَةٍ، فكذلك إذا اجْتَمَعَتْ.
ولَنا، أنَّ التَّكْفِيرَ قد حَصَلَ عن الثَّلاثِ، وزالتْ حُرْمَةُ الظِّهارِ، فلم يَحْتَجْ إلى قُرْعَةٍ، كما لو أعْتَقَ ثلاثةَ أعْبُدٍ (1) عن ظِهارِهِنَّ، دَفْعَةً واحِدَةً.
وَإنْ كَانَتْ مِنْ أجْنَاسٍ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَا تُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا.
فَإنْ كَانَتْ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَسِيَ سَبَبَهَا، أَجْزأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الأوَّلِ.
وَعَلَى الثَّانِي، يَجِبُ عَلَيهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الأسْبَابِ.
وَاللهُ أَعْلَمُ.
3787 - مسألة: (وإن كانت مِن أجْناسٍ)
كظِهارٍ، وقَتْلٍ، وجِماعٍ في رَمَضانَ، ويَمِينٍ، فقال أبو الخَطَّابِ: لا تَفْتَقِرُ 1 إلى تعْيِينِ السَّبَبِ.
[وهذا مذهبُ] 2 الشافعيِّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ واجِبَةٌ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أدائِها إلى تَعْيِينِ سَبَبِها، كما لو كان مِن جِنْسٍ واحِدٍ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ تَعْيينُ سَبَبها، ولا يُجْزِئُ بنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ.
وحَكاه بعْضُ أصحابِ الشافعيِّ، عن أحمدَ.
وهو مذهبُ إلى حنيفة؛ لأنَّهما عِبادتان مِن جِنْسَين، فوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لهما، كما لو وَجَبَ عليه صَوْمٌ مِن قَضَاءٍ ونَذْرٍ.
فعلى هذا، لو كانت عليه كفَّارَةٌ واحدةٌ لا يَعْلَمُ سَبَبَها، أجْزَأتْه كفَّارَةٌ واحدةٌ، على الوَجْهِ الأوَّلِ.
قاله أبو بكرٍ.
وعلى الوَجْهِ الثَّانِي يَنْبَغِي أن تَلْزَمَه (كفَّاراتٌ بعَدَدِ الأسْبابِ) كُلُّ واحدةٍ عن سَبَبٍ، كمَن نَسِيَ صلاةً مِن يومٍ لا يَعْلمُ عَينَها، فإَّنه يَلْزَمُه خمسُ صلواتٍ، ولو عَلِمَ أنَّ عليه يومًا، لا يَعْلَمُ هل هو مِن قَضاءٍ أو مِن نَذْرٍ، لَزِمَه صَوْمُ يَوْمَين.
..................................
فإن كان عليه صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، لا يَدْرِي أهي مِن كفَّارةٍ، أو نَذْرٍ، أو قَضاءٍ، لَزِمَه صيامُ تِسْعَةِ أيَّامٍ، كلُّ ثلاثةٍ عن واحدةٍ مِن الجِهاتِ الثَّلاثِ.
فصل: إذا كان على رجلٍ كفَّارَتان، فأعْتَقَ عنهما عَبْدَين، لم يَخْلُ مِن أرْبَعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن هذه الكفَّارَةِ، وهذا عن هذه.
فيُجْزِئُه، إجْماعًا.
الثَّانِي، أن يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن إحْدَى الكفَّارَتَينِ، وهذا عن الأُخْرَى.
مِن غيرِ تَعْيينٍ؛ وإنْ كانا مِن جِنْسٍ واحدٍ، ككَفَّارَتَيْ ظِهارٍ، أو قَتْل، أجْزَأه.
وإنْ كانتا مِن جِنْسَين، ككَفارَةِ ظِهارٍ، وكفَّارَةِ قَتْل، خُرِّجَ على وَجْهَينِ في اشْتِراطِ تَعْيِينِ السَّبَب؛ فإن قُلْنا: يُشْتَرَطُ.
لم يُجْزِئْه واحدٌ منهما.
وإن قُلْنا: لا يُشْتَرَطُ.
أجزَأه عنهما.
الثَّالِثُ، أن يقولَ: أعْتَقْتُهما عن الكفَّارَتَين.
..................................
فإن كانتا مِن جِنْسٍ، أجْزَأ عنهما، ويَقَعُ كلُّ واحدٍ عن كفَّارَةٍ؛ لأنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ إعْتاقُ الرَّقَبَةِ عن الكفَّارَةِ، فإذا أطْلَقَ ذلك، وَجَبَ حَمْلُه عليه، وإن كانا مِن جِنْسَين، خُرِّجَ على الوَجْهَين.
الرَّابعُ، أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما عنهما جميعًا، فيَكون مُعْتِقًا عن كلِّ واحدةٍ مِن الكفَّارَتَينِ نِصْفَ العَبْدَين 1، فيَنْبَنِي ذلك 2 على أصْلٍ آخَرَ، وهو إذا أعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَتَين عن كفَّارَةٍ 3، هل يُجْزِئُه أو لا؟ فعلى قَوْلِ الخِرَقِيِّ، يُجْزِئُه؛ لأنَّ الأشْقاصَ بمَنْزِلَةِ الأشْخاصِ، فيما لا يَمْنَعُ منه العَيبُ اليَسِيرُ، بدليلِ الزَّكاةِ، فإنَّ مَن مَلَكَ نِصْفَ ثمانينَ شاةً، كان كمَن مَلَكَ أرْبَعِينَ، ولا تَلْزَمُ الأُضْحِيَةُ، فإنَّه يَمْنَعُ منها العَيبُ اليَسِيرُ.
وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ: لا يُجْزِئُه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّ ما أُمِرَ بصَرْفِه إلى شَخْصٍ في الكفَّارَةِ، لم يَجُزْ تَفْرِيقُه على اثْنَين، كالمُدِّ في الإِطْعامِ.
ولأصحاب الشافعيِّ كهذين الوَجْهَين، ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّه إن كان باقِيهما حُرًّا، أجْزَأ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه متى كان باقِيهما
..................................
حُرًّا، حَصَلَ تَكْمِيلُ الأحْكام والتَّصَرُّفُ.
وخَرَّجَه القاضي وَجْهًا لنا أيضًا، إلَّا أنَّ للمُعْتَرِضِ عليه أَن يقولَ: إنَّ تَكْمِيلَ الأحْكامِ ما حَصَلَ بعِتْقِ هذا، وإنّما حَصَلَ بانْضِمامِه إلى عِتْقِ النِّصْفِ الآخَرِ، فلم يُجْزِئْه.
فإذا قُلْنا: لا يُجْزِيء عِتْقُ النِّصْفَين.
لم يُجزِئْ في هذه المسْأَلةِ عن شيءٍ مِن الكفَّارَتَين.
وإن قُلْنا: يُجْزِئُ.
وكانتِ الكفَّارَتان مِن جِنْسٍ، أجْزَأ العِتْقُ عنهما.
وإن كانتا مِن جِنْسَين، فقد قِيلَ: يُخَرَّجُ على الوَجْهَين.
والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ عِتْقَ النِّصْفَين عنهما، كعِتْقِ عَبْدَين عنهما.
فصل: ولا يجوزُ تَقْدِيمُ كفَّارَةِ الظِّهارِ قَبْلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُه على سَبَبِه، فلو قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ السَّاعَةَ إن تَظَهَّرْتُ 1. عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عن ظِهارِه إن تَظَهَّرَ 2؛ لأنَّه قَدَّمَ الكفَّارَةَ على سَبَبِها المُخْتَصِّ؛ فلم يَجُزْ، كما لو قَدَّمَ كفَّارَةَ [اليَمِينِ عليها، أو كفَّارَةَ] 3 القَتْلِ على الجَرْحِ.
ولو قال لامْرأتِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي.
لم يَجُزِ التَّكْفِيرُ قبلَ دُخُولِ الدَّارِ؛ لأنَّه تَقْدِيمٌ للكفَّارَةِ قبلَ الظِّهارِ.
فإن أعْتَقَ عَبْدًا عن ظِهارِه، ثم دَخَلَتِ الدَّارَ، عَتَقَ العَبْدُ، وصارَ مُظاهِرًا،
..................................
ولم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الظِّهارَ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، [فلا يُوجَدُ قبلَ وجودِ شَرْطِه] 1. وإن قال لعَبْدِه: إن تَظَهَّرْتُ 2 فأنتَ حُرٌّ عن ظِهارِي.
ثم قال لامْرأتِه: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي.
عَتَقَ العبدُ؛ لوُجُودِ الشَّرْطِ.
وهل يُجْزِئُه عن الكفَّارَةِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُجْزِئه؛ لأنَّه عَتَقَ بعدَ الظِّهارِ، وقد نَوَى إعْتاقَه عن الكفَّارَةِ.
والثَّانِي، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، وهو الشَّرْطُ، ولأنَّ النِّيَّةَ لم تُوجَدْ عندَ عِتْقِ العَبْدِ، والنِّيَّةُ عندَ التَّعْلِيقِ لا تُجْزِئُ؛ لأنّه تَقْدِيمٌ لها على سَبَبِها.
والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.