الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 12-51

..................................  يُهْدِي ويُهْدَى إليه، ويُعْطِي ويُعْطَى، ويُفَرِّقُ الصَّدَقاتِ، ويَأْمُرُ سُعاتَه بأخْذِها وتَفْرِيقِها، وكان أصحابُه يَفْعَلُون ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولا أمْرٌ به ولا تَعْلِيمُه لأحَدٍ، ولو كان ذلك شَرْطًا لنُقِلَ عنهم نَقْلًا مُشْتَهَرًا، وقد كان ابنُ عُمَرَ على بَعِيرٍ لعُمَرَ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ: «بِعْنِيهِ».
فقال: هو لك يا رسولَ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ به ما شِئْتَ» 1. ولم يُنْقَلْ قَبُولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن عُمَرَ، ولا قَبُولُ ابنِ عُمَرَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان شَرْطًا لفَعَلَه النبيُّ

..................................  - صلى الله عليه وسلم - وعَلِمَه ابنُ عُمَرَ، ولم يكنْ ليَأمُرَه أن يَصْنَعَ به ما شاء قبلَ أن يَقْبَلَه.
وروَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أُتِيَ بطَعام سَألَ عنه، فإن قالُوا: صَدَقَةٌ.
قال لأصحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكُلْ، وإن قالُوا: هَدِيَّةٌ.
ضَرَب بيَدِه فأكَلَ معهم 1. ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْنا في أن تَقْدِيمَ الطَّعامِ بينَ يَدي الضِّيفانِ والإذْنَ في أكْلِه، أنَّ ذلك لا يَحْتاجُ إلى إيجابٍ ولا قَبُولٍ.
ولأنه وُجِد ما يَدُلُّ على التَّراضِي بنَقْلِ المِلْكِ، فاكْتُفِيَ به، كما لو وُجِد الإيجابُ والقَبُولُ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُشْتَرَطُ الإيجابُ مع الإطْلاقِ وعَدَمِ العُرْفِ القائِمِ مِن المُعْطِي والمُعْطىَ؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ على الرّضا، فلا بُدَّ مِن قولٍ دالٍّ عليه، أمّا مع قَرائِنِ الأحْوالِ والدَّلالةِ، فلا وَجْهَ لتَوَقُّفِه على اللَّفْظِ، ألا تَرَى أنّا اكْتَفَينا بالمُعاطاةِ في

وَتَلْزَمُ بِالْقَبْض.
وَعَنْهُ، تَلْزَمُ فِي غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.
البَيعِ، واكْتَفَينا بدَلالةِ الحالِ في دُخُولِ الحَمّامِ، وهو إجارَةٌ وبَيعُ أعْيانٍ، فإذا اكْتَفَينا في المُعاوَضاتِ مع تَأكُّدِها بدَلالةِ الحالِ، فإنَّها تَنْقُلُ المِلْكَ مِن الجانِبَين، فلأن نَكْتَفِيَ به في الهِبَةِ أوْلَى.
وأمّا النِّكاحُ فإنَّه يُشْتَرَطُ فيه ما لا يُشْتَرَطُ في غيرِه مِن الإشْهادِ، ولا يَقَعُ إلَّا قَلِيلًا، فلا يَشُقُّ اشْتِراطُ الإِيجابِ والقَبُولِ فيه، بخِلافِ الهِبَةِ.
والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.

2605 -

مسألة: (وتَلْزَمُ بالقَبْضِ. وعنه، تَلْزَمُ في غير المَكِيلِ والمَوْزُونِ بمُجَرُّدِ الهِبَةِ)

أمّا المَكِيلُ والمَوْزُونُ الذي لا يتَمَيَّزُ إلَّا بالكَيلِ والوزْنِ، فلا تَلْزَمُ الهِبَةُ فيه إلَّا بالقَبْضِ، وعلى قِياسِ ذلك المَعْدُودُ والمَذْرُوعُ.
وهو قولُ أكثرَ الفُقَهاءِ؛ منهم النَّخَعِي، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ: تَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، لعُمُومِ قَوْلِه، عليه السَّلامُ: «العائِدُ في هِبَتِه كَالعائِدِ في

..................................  قَيْئِه» 1. ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بغيرِ عِوَضٍ، فلَزِم بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ، ولأنَّه تَبَرُّعٌ فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّه مَرْويٌّ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، رَضِي اللهُ عنهما، ولم نَعْرِفْ لهما في الصَحابةِ مُخالِفًا.
وقد روَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، نخَلَها جِذاذَ عِشْرين وَسْقًا مِن مالِه بالغابة 2، فلَمّا مَرِض قال: يا بُنَيَّةُ،

..................................  ما أحَدٌ أحَبَّ إليَّ 1 غِنًى منك بعدِي، ولا أحَدٌ أعَزَّ عَلَى فَقْرًا منك، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذاذ عِشْرِين وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنَّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ، أخَواكِ واخْتاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
رَواه مالِكٌ في «مُوَطَّئِه» 2. وروَى ابنُ عُيَينَةَ، عن الزهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ قال: ما بالُ قَوْم يَنْحَلُونَ أوْلادَهم، فإذا مات أحَدُهم قال: مالِي وفي يَدِي.
فإذا مات هو قال: قد كنت نَحَلْتُه وَلَدِي، ولا نِحْلَةَ إلَّا 3 نِحْلَة يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ فإن مات وَرِثَه 4. قال المَروذِي: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثْمان وعلي، على أنَّ الهِبَةَ لا تَجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً.
ولأنَّها هِبَة غيرُ مَقْبُوضَةٍ فلم تَلْزَمْ، كما لو مات الواهِبُ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقولُ: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ

..................................  التَّسْلِيمُ.
والخَبرُ مَحْمُولٌ على المَقْبُوضِ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتْقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْراجُ مِلْكٍ إلى اللهِ تعالى، فخالفَ التَّمْلِيكاتِ، والوَصِيَّةُ تَلْزَمُ في حَق الوارِثِ، والعِتْقُ إسْقاطُ حَقٍّ وليس بتَمْلِيكٍ، ولأنَّ الوَقْفَ والعِتْقَ لا يكونُ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النِّزاعَ في المَكِيلِ والمَوْزُونَ.
فصل: وفي غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، في أنَّه لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ.
وهو قولُ أكْثَرِ

..................................  أهلِ العلمِ.
قال المَرُّوذِيُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعليٌّ، على أنَّ الهبَةَ لا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً.
رُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، والحَسَنِ بنِ صالِح، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لِما ذَكَرْنا في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
والثانيةُ، أنَّها تَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ويَثْبُتُ المِلْكُ في المَوْهُوبِ فيه قبلَ قَبْضِه، فرُوىَ عن علي، وابنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما قالا: الهِبَةُ جائِزَة إذا كانت مَعْلُومَةً، قُبِضَتْ أو لم تُقْبَضْ.

..................................  وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، لأنَّ الهِبَةَ أحَدُ نَوْعَي التَّمْلِيكِ، فكان منها ما لا يَلْزَمُ قبلَ القَبْضِ، ومنها ما يَلْزَمُ قبلَه، كالبَيعِ، فإنَّ منه ما لا يَلْزَمُ إلَّا بقَبْضٍ، وهو الصَّرفُ وبَيعُ الرِّبَويّاتِ، ومنه ما يَلْزَمُ قبلَه، وهو ما عَدا ذلك.
فأمّا حديثُ أبي بكرٍ في هِبَتِه لعائشةَ،، فإنَّ جِذَاذَ عِشْرِين وَسْقًا يَحْتَمِلُ أنَّه أراد به عِشْرِين وَسْقًا مَجْذُوذَةً، فيكونُ مَكِيلًا غيرَ مُعَيَّن، وهذا لابُدَّ فيه مِن القَبْضِ، وإن أراد نَخْلًا يُجَذ عِشْرِين وَسْقًا، فهو أيضًا غيرُ مُعَيَّنٍ، فلا تَصِحُّ الهِبَةُ فيه قبلَ تَعْيِينه، فيكونُ مَعْناه: وَعَدْتُكِ بالنِّحْلَةِ.
وقولُ عُمَرَ أراد به النَّهْيَ عن التَّحَيُّلِ بنِحْلَةِ الوالِدِ وَلَدَه نِحْلَةً مَوْقُوفَةً على المَوْتِ، فيُظْهِرُ: إنِّي نَحَلْتُ وَلَدِي شيئًا.
ويُمْسِكُه في يَدِه يَسْتَعْمِلُه 1، فإذا مات أخَذَه وَلَدُه بحُكْمِ النِّحْلَةِ التي أظْهَرَها، وإن مات وَلَدُه أمْسَكَه، ولم يُعْطِ [وَرَثَةَ ولدِه] 2 شيئًا.
وهذا على هذا الوَجْهِ مُحَرَّمٌ، فنَهاهُم عن هذا حتى يَحُوزَها الوَلَدُ دُونَ والِدِه، فإن مات وَرِثَها

وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، إلا مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يَتَأَتَّى فيهِ قَبْضُهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَأْذَنَ فِي الْقَبْضَ.
وَرَثته كسائِرِ مالِه.
وإذا كان المَقْصُودُ هذا اخْتَصَّ بهِبَةِ الوَلَدِ وشِبْهِه.
على أنَّه قد رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، خِلافُ ذلك، فتَعارَضتْ أقْوالُهم.
فصل: قَوْلُه، في المَكِيلِ والمَوْزُونِ: إنَّ الهِبَةَ لا تَلْزَمُ فيه إلَّا بالقَبْضِ.
مَحْمُولٌ على عُمُومِه في كلِّ ما يُكالُ ويُوزَنُ، وخَصَّه أصحابُنا المُتَأخِّرُون بما ليس بمُعَيَّن منه، كقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْل مِن دَنٍّ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في البَيعِ، ورَجَّحْنا العُمُومَ.

2606 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ القَبْصُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ، إلَّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، فيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يتَأتَّى قَبْضُه فيه. وعنه، لا يَصِحُّ حتى يَأْذَنَ في القَبْضِ)

إذا قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ.
لم يَصِحَّ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ؛ لأنَّه قَبْضٌ غيرُ مُسْتَحَق عليه، ولأنَّه أمْرٌ تَلْزَمُ به الهِبَةُ، فلم يَصِحَّ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ، كأصْلِ العَقْدِ 1. فأمّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، كالوَدِيعَةِ والمَغْصُوبِ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّها تَلْزَمُ

..................................  مِن غيرِ قَبْضٍ ولا مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى فيها القَبْضُ؛ فإنَّه قال، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا وَهَب امْرَأتَه شيئًا ولم تَقْبِضْه، فليس بينَه وبينَها خِيارٌ، هي معه في البَيتِ.
فظاهِرُ هذا أَنه لم يَعْتَبِرْ قَبْضًا ولا مُضِيَّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى فيها؛ لكَوْنِها معه في البَيتِ، فيَدُها على ما فيه؛ لأنَّ قَبْضَه مُسْتَدامٌ، فأغْنَى عن الابتِداءِ، كما لو باعَه سِلْعَةً في يَدِه.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
قال القاضي: لابُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى القَبْضُ فيها.
وهل يَفْتَقِرُ، إلى إذْنٍ في القَبْضِ؟ فيه روايتَان؛ إِحْداهما، يَفْتَقِرُ، كغيرِ المَقْبُوضِ.
والثانيةُ، لا يَفْتَقِرُ؛ لأَنَّه مَقْبُوضٌ، فلا مَعْنَى لتَجْدِيدِ الإِذْنِ فيه.
وقد ذَكَرْنا ذلك في الرَّهْن.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في الاخْتِلافِ في اعْتِبار الإِذنِ واعْتِبارِ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى القبْضُ فيها كمَذهَبِنا.

..................................  فصل: والواهِبُ بالخِيارِ قبلَ القَبْضِ، إن شاء أقْبَضَها، وإن شاء رَجَع فيها.
فإن قَبَضَها المُتَّهِبُ بغيرِ إذْنِ الواهِبِ، لم يَصِحَّ القَبْضُ، ولم تَتِمَّ الهِبَةُ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أَنه إذا قَبَضَها في المَجْلِسِ صَحَّ وإن لم يَأْذَنْ له؛ لأنَّ الهِبَةَ قامت مَقامَ الإِذْنِ في القَبْضِ، لكَوْنِها دالّةً على رِضاه بالتَّمْلِيكِ الذي لا يَتِمُّ إلَّا بالقَبْضِ.
ولَنا، أنَّه قَبَض الهِبَةَ بغيرِ إذْنِ الواهِبِ، فلم يَصِحَّ، كما بعدَ المَجْلِسِ، وكما لو نَهاه، ولأنَّ التَّسْلِيمَ غيرُ مُسْتَحَق على الواهِبِ، فلم يَصِحَّ التَّسْلِيمُ إلَّا بإذْنِه، كما لو أخَذَ المُشْتَرِي المَبِيعَ مِن البائِعِ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه.
ولا يَصِحُّ جَعْلُ الهِبَةِ إذنا في القَبْضِ كما بعدَ المَجْلِسِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا قَبَضَها بحَضْرَةِ الواهِبِ فسَكَتَ 1، أن يَقُومَ

وَإنْ مَاتَ الْوَاهِبُ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الإذْنِ وَالرُّجُوعِ.
ذلك مَقامَ الإذْنِ، كما جَعَلْنا أخْذَ المُتَّهِبِ لها بإذْنِ الواهِبِ دَلِيلًا على القَبُولِ.
فإن أذِنَ الواهِبُ في القَبْضِ ثم رَجَع عن الإِذْنِ أو رَجَع في الهِبَةِ، صَحَّ رُجُوعُه؛ لأنَّ ذلك ليس بقَبْضٍ، وإن رَجَع بعدَ القَبْضِ، لم يَصِحَّ رُجُوعُه؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمَّت.

2607 -

مسألة: (فإنْ مات الواهِبُ، قام وارِثُه مَقامَه في الإِذْنِ والرُّجُوعِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا مات الواهبُ أو المُتَّهِبُ قبلَ القَبْضِ، بَطَلَتِ الهِبَةُ، سَواءٌ كان قبلَ الإِذْنِ في القَبْضِ أو بعدَه.
ذكَره القاضي

..................................  في مَوْتِ الواهِب؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فبَطَلَ بمَوْتِ أحَدِ المُتعاقِدَين، كالوَكالةِ.
قال أحَمدُ، في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وأبي الحارِثِ، في رجل أهْدَى هَدِيَّةً، فلم تَصِلْ إلى المُهْدَى إليه حتى مات: فإنَّها تَعُودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقْبِضْها.
وروَى بإسْنادِه 1 عن أُمِّ كُلْثومٍ بِنْتِ أبي سَلَمَةَ 2،

..................................  قالت: لَمّا تَزَوَّجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أُمَّ سَلَمَةَ، قال لها: «إنِّي قد أهْدَيتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأوَاقِيَّ مِسْكٍ، وَلَا أرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَكِ».
فكان كما قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورُدَّتْ عليه هَدِيته، فأعْطَى كلَّ امرأةٍ مِن نِسائِه أوقِيَّةً مِن مِسْكٍ، وأعْطَى أمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ المِسْكِ والحُلَّةَ.
وإن مات المُهْدِي قبلَ

..................................  أن تَصِلَ إلى المُهْدَى إليه، رَجَعَتْ إلى وَرَثَةِ المُهْدِي، وليس للرسولِ حَمْلُها إلى المُهْدَى إليه، إلَّا أن يَأْذَنَ الوارِثُ.
والهِبَةُ كالهَدِيَّةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: قام وارِثُه مَقامَه في الإذْنِ في القَبْضِ والفَسْخِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الهِبَةَ لم تَنْفسِخْ بمَوْتِه.
وهو قولُ أكثَرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ مآله إلى اللزُومِ، فلم يَنْفَسِخْ بالمَوْتِ، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وكذلك يُخَرَّجُ فيما إذا مات المَوْهُوبُ له بعدَ القَبُولِ.
وإِن مات أحَدُهما قبلَ القَبُولِ أو ما يَقُومُ مَقامَه، بَطَلَت، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَتِمَّ،

وَإنْ أَبْرأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِن دَينِهِ، أوْ وَهَبَهُ لَهُ، أو أَحَلَّهُ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإنْ رَدَّ ذلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
فهو كما لو مات المُشْتَرِي بعدَ الإِيجابِ وقبلَ القَبُولِ.
فإن قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تَبْطُلُ.
فمات أحَدُهما بعدَ الإِذْنِ في القَبْضِ، بَطل الإِذْنُ؛ لأنَّ المَيِّتَ إن كان هو الواهِبَ، فقد انْتَقَلَ حَقُّه في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ إلى وارِثِه، وإن كان المُتَّهِبَ، فلم يُوجَدِ الإِذْنُ لوَارِثِه، فلم يَمْلِكِ القَبْضَ بغيرِ إذْنٍ.
والله أعلمُ.

2608 -

مسألة: (وإن أْبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينِه، أو وَهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَ وإن رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه)

لأنَّه إسْقاطٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبُولِ، كإسْقاطِ القِصاصِ والشُّفْعَةِ وحَدِّ القَذْفِ، وكالعِتْقِ

..................................  والطَّلاقِ.
وكذلك إن قال: تَصَدَّقْتُ به عليك.
فإنَّ القُرْآنَ وَرَد في الإِبْراءِ بلَفْظِ الصَّدَقَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَىَ أهْلِه إلَّا أن يَصَّدَّقُوا﴾ 1. وإن قال: عَفَوْتُ لك عنه.
صَحَّ، قال الله تعالى: ﴿إلَّا أن يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 2. يُرِيدُ به الإبراءَ

..................................  مِن الصَّداقِ.
فإن قال: أسْقَطْتُه عنك.
صَحَّ؛ لأنَّه أتَى بحَقِيقَةِ اللَّفْظِ.
وكذلك إن قال: مَلَّكْتُكَ.
لأنَّه بمَنْزِلَةِ هِبَتِه إيّاه.
فإن وَهَب الدَّينَ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ، قِياسًا على البَيعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيها على المُتَّهِبِ ولا الواهِبِ، فصَحَّ، كهِبَةِ الأعْيانِ.

..................................  فصل: وتَصِحُّ البَراءَةُ مِن المَجْهُولِ، إذا لم يكنْ لهما سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِه.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ مُطْلَقًا.
وقال الشافعيِّ: لا تَصِحُّ، إلَّا أول إذا أراد ذلك، قال: أبرَأتكَ مِن درْهَمٍ إلى ألْفٍ.
لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنِعَتْ لأجْلِ الغَرَرِ، فإذا رَضِيَ بالجُملَةِ فقد زال الغَرَرُ وصَحَّتِ البَراءَةُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرَجُلَين اخْتَصَما إليه في مَوارِيثَ دَرَسَتْ: «اقْتَسِما، وتَوَخَّيَا الحَقَّ 1، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثم تَحَالَّا».
رَواه أبو داودَ 2. ولأنَّه إسْقاطٌ، فصَحّ في المَجْهُولِ، كالطَّلاقِ والعِتَاقِ، وكما لو قال: من دِرْهَم إلى ألْفٍ.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بما فيها، فلو وَقَفَت صِحَّةُ البَراءَةِ على العِلْمِ، لكان سَدًّا لبابِ عَفْو الإِنْسانِ عن أخِيه المُسْلِمِ وتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه، فلم يَجُزْ

..................................  ذلك، كالمَنْعِ مِن العِتْقِ.
فأمّا إن كان مَن عليه الحَقُّ يَعْلَمُه ويَكْتُمُه المُسْتَحِقَّ؛ خوْفًا مِن أَنه إذا عَلِمَه لم يَسْمَحْ بإبْرائِه منه، فيَنْبَغِي أن لا تَصِحَّ البَراءَةُ فيه؛ [لأنَّ فيه] 1 تَغْرِيرًا بالمُبْرِئَ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه.
وقال أصحابُنا لو أبرَأه مِن مائةٍ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّه لا شيءَ عليه، وكان له عليه مائةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسْقَطَتْه، كما لو عَلِمَها.
والثانِي، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه أبْرَأَه ممّا لا يَعْتَقِدُ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ ذلك إبْراءً في الحَقِيقةِ.
وأصْلُ الوَجْهَين ما لو باع مالًا كان لمَوْرُوثِه، يَعْتَقِدُ أنَّه باقٍ لمَوْرُوثِه، وكان مَوْرُوثُه قد مات وانْتَقلَ مِلْكُه إليه، فهل يَصِحُّ؟ فيه وَجْهان.
وللشافعيِّ قَوْلان في البَيعِ، وفي صِحَّةِ الإِبراءِ وَجْهان.

..................................  فصل: فإن كان المَوْهُوبُ له طِفْلًا أو مَجْنُونًا، لم يَصِحَّ قَبْضُه ولا قَبُولُه؛ لأنَّه مِن غيرِ أهْلِ التَّصَرُّفِ، ويَقْبضُ له أبوه إن كان أمِينًا؛ لأنَّه أشفَقُ عليه وأقْرَبُ إليه.
فإن لم يكنْ له أبٌ، قَبَض له وَصِيُّ أبِيه؛ لأنَّ الأبَ أقامَه مُقامَ نَفْسِه، فجَرَى مَجْرَى وَكِيلِه.
وإن كان الأبُ غيرَ مَأْمُونٍ، أو كان مَجْنُونًا، أو 1 لا وَصِيَّ له، قَبِل له الحاكِمُ.
ولا يَلِي ماله غيرُ هؤلاء الثلاثةِ، وأمِينُ الحاكِمِ يَقُومُ مَقامَه، وكذلك وَكِيلُ الأبِ الأمِينِ ووَصِيُّه، يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ منهما مَقامَ الصبِيِّ والمَجْنُونِ في القَبُولِ والقَبْضِ إنِ احْتِيجَ إليه؛ لأنَّه قَبُولٌ لِما للصَّبِيِّ أو المَجْنُونِ فيه حَظٌّ، فكان إلى الوَلِيِّ، كالبَيعِ والشِّراءِ.
ولا يَصِحُّ القَبْضُ مِن غيرِ هؤلاءِ، قال أحمدُ، في رِوايَةِ صالِح، في صَبِيٍّ وُهِبَتْ له هِبَةٌ، أو تُصُدِّقَ عليه بصَدَقَةٍ، فقَبَضَتِ الأُمُّ ذلك وأبوه حاضِر، فقال: لا أعْرِفُ للأمِّ قَبْضًا، ولا يكونُ إلَّا للأبِ.
وقاق عُثْمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه: أحَقُّ مَن يَحُوزُ للصَّبِيِّ أبوه.

..................................  وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، لا أعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ القَبْضَ إنَّما يكونُ مِن المُتَّهِبِ أو نائِبِه، والوَلِيُّ نائِبٌ بالشَّرْعِ، فصَحَّ قَبْضُه له، أمّا غيرُه فلا نِيابَةَ له.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ القَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِهم عندَ عَدَمِهِم؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، فإنَّ الصَّبِيَّ قد يكونُ في مكانٍ لا حاكِمَ فيه، وليس له أبٌ ولا وَصيٌّ، ويكونُ فقيرًا لا غِنَى به عن الصَّدَقاتِ، فإن لم يَصِحَّ قَبْضُ غيرِهم له انْسَدَّ بابُ وُصُولِها إليه، فيَضِيعُ ويَهْلِكُ، ومُراعاةُ حِفْظِه عن الهَلاكِ أوْلَى مِن مُراعاةِ الولايةِ.
فعلى هذا، للأمِّ القَبْضُ له، وكلِّ مَن يَلِيه مِن أقْارِبِه وغيرِهم.

..................................  فصل: فإن كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، فحُكْمُه حُكْمُ الطِّفْلِ في قِيامِ وَلِيِّه مَقامَه؛ لأنَّ الولايةَ لا تَزُولُ عنه قبلَ البُلُوغِ، إلَّا أنَّه إذا قَبِل لنَفْسِه وقَبَض لها، صَحَّ؛ لأَنَه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ بَيعُه وشِراؤه بإذْنِ الوَلِيِّ، فههُنا أوْلَى.
ولا.
يَحْتاجُ إلى إذْنِ الوَلِيِّ ههُنا؛ لأنه مَصْلَحَة لا ضَرَرَ فيه، فَصَحَّ مِن غيرِ إذْنِ وَلِيِّه، كوَصِيَّته وكَسْبِه المُباحاتِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ صِحَّةُ القَبْضِ منه على إذْن وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ؛ لأنَّ القَبْضَ يَحْصُلُ به مُسْتَوْلِيًا على المالِ، فلا يُؤْمَنُ تَضْيِيعُه له وتَفْرِيطُه فيه، فيتَعَيَّنُ حِفْظُه عن ذلك بتَوَقُّفِه على إذْنِ وَلِيِّه، كقَبْضِه لوَدِيعَتِه، بخِلافِ القَبُولِ، فإنّه يَحْصُلُ له به المِلْكُ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجاز مِن غيرِ إذْنٍ، كاحْتِشاشِه واصْطِيادِه.
فصل: فإن وَهَب الأبُ لوَلَدِه الصَّغِيرِ شيئًا، قام مَقامَه في القَبْضِ والقَبُولِ، إنِ احْتِيجَ إليه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ إذا وَهَب لوَلَدِه الطِّفْلِ دارًا بعَينها، أو عَبْدًا بعَينه، وقَبَضَه له مِن نَفْسِه، وأشْهَدَ عليه، أن الهِبَةَ تامَّة.
هذا قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
ورُويَ مَعْنَى ذلك عن شرَيح،

..................................  وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
فإن كان المَوْهُوبُ ممّا يَفْتَقِرُ إلى قَبْض، اكْتُفِيَ بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لابنِي، وقَبَضْتُه له.
لأنه يُغْني عن القَبُولِ، كما ذَكَرْنا.
ولا يَكْفِي قَوْلُه: قد قَبِلْتُه.
لأن القَبُولَ لا يُغْنِي عن القَبْضِ.
وإن كان ممّا لا يَفْتَقِرُ، اكْتُفِي بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لابني.
ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ قَبْضٍ ولا قَبُولٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ الفقَهاءُ على أن هِبَةَ الأبِ لوَلَدِه الصَّغِيرِ في حِجْرِه لا تَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، وأنَّ الإشْهادَ فيها يُغْنِي عن القَبْضِ، وإن وَلِيهَا أبوه؛ لِما رَواه مالِكٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عُثْمانَ قالْ: مَن نَحَل وَلَدًا له صَغِيرًا لم يَبْلُغْ أن يَحُوزَ نِحْلَةً، فأعْلَنَ ذلك وأشْهَدَ على نَفْسِه، فهي جائِزَةٌ، وإن وَلِيَها أبُوه 1. وقال القاضي: لابُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ مِن أن يقولَ: قَبِلْتُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الهِبَةَ عندَهم لا تَصِحُّ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ.
وقد ذَكَرْنا مِن قبلُ أنَّ قَرائِنَ الأحْوالِ ودَلالتَها تُغْنِي عن لَفظِ القَبُولِ، ولا أدَلَّ على القَبُولِ مِن كونِ القابلِ هو الواهِبَ، فاعْتِبارُ لَفْظٍ لا يُفِيدُ مَعْنًى مِن غيرِ وُرُودِ الشَّرْعِ به تَحَكُّمٌ لا مَعْنَى له، مع مُخالفَتِه لظاهِرِ حالِ أمْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابتِه.
وليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ، فقد قال، في رِوايَةِ حَرْبٍ، في رجلٍ أشْهَدَ بسَهْمٍ مِن ضَيعَتِه، وهي مَعْرُوفَةٌ، لأبيه، وليس له وَلَدٌ غيرَه، فقال: أُحِبُّ أن يقولَ عندَ الإشْهادِ: قد قَبَضْتُه له.
قِيلَ 2 له: فإن سَهَا.
قال: إذا كان مُفْرَزًا رَجَوْتُ.
فقد ذَكَر أحمدُ أنَّه يُكْتَفَى بقَوْلِه:

..................................  قد قَبَضْتُه له.
وأنَّه يَرْجُو أن يُكْتَفَى مع التَّمْيِيزِ بالإشْهادِ فحَسْبُ.
وهذا مُوافِقٌ للإجْماعِ المَذْكُورِ عن سائِرِ العُلَماءِ.
وقال بعضُ اُصحابِنا: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظين، إمّا أن يقولَ: قد قَبِلْتُه.
أو: قد قَبَضْتُه.
لأنَّ القَبُولَ يُغْنِي عن القَبْضِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ ما ذَكَرْناه.
ولا فَرْقَ بينَ الأثْمانِ وغيرِها فيما ذكَرْنا.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالِكٌ: إن وَهَب له ما لا يُعْرَفُ بعَينه؛ كالأثْمانِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن يَضَعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتْلِفُ ذلك، أو يَتْلَفُ بغيرِ سَبَبه، فلا يُمْكِنُ أن يُشهِدَ على شيءٍ بعَينه، فلا يَنْفَعُ القَبْضُ شيئًا.
ولَنا، أنَّ ذلك ممّا يَصِحُّ هِبَتُه، فإذا وَهَبَه لابنِه الصَّغِيرِ وقَبَضَه له، صَحَّ، كالعُرُوضِ.
فصل: فإن كان الواهِبُ للصَّبِيِّ غيرَ الأبِ مِن أوْلِيائِه، فقال أصحابُنا: لابُدَّ أن يُوَكِّلَ مَن يَقْبَلُ للصَّبِيِّ ويَقْبِضُ له؛ ليكونَ الإِيجابُ منه، والقَبولُ والقَبْضُ مِن غيرِه، كما في البَيعِ، بخِلافِ الأبِ؛ فإنَّه يَجُوزُ أن يُوجِبَ ويَقْبَلَ ويَقْبضَ، لكَوْنِه يَجُوزُ أن يَبِيعَ لنَفْسِه.
قال شيخُنا 1. والصَّحِيحُ عندِي أنَّ الأبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَجُوزُ أن يَصْدُرَ منه ومِن وَكِيلِه، فجاز أن يَتَولَّى طَرَفَيه، كالأبِ.
وفارَقَ البَيعَ؛ فإنَّه لا 2 يَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يَشْتَرِي له، ولأنَّ البَيعَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ ومُرابَحَةٍ، فيُتَّهَمُ في عَقْدِه لنَفْسِه، والهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لا تهْمةَ فيها، وهو وَلِيٌّ، فجاز

..................................  أن يتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ، كالأبِ، ولأنّ البَيعَ إنَّما مُنِع منه لِما يَأْخُذُه مِن العِوَضِ لنَفْسِه مِن مالِ الصَّبِيِّ، وهو ههُنا يُعْطِي ولا يَأْخُذُ، فلا وَجْهَ لمَنْعِه مِن ذلك وتَوْقِيفِه على تَوْكِيلِ غيرِه، ولأننا قد ذَكَرْنا أنه يُستَغْنَى بالإيجابِ والإشْهادِ عن القَبْضِ والقَبُولِ، فلا حاجَةَ إلى التَّوْكِيلِ فيهما مع غِناه عنهما.
فصل: فأمّا الهِبَةُ مِن الصَّبِيِّ لغيرِه، فلا تَصِحُّ، سَواءٌ أذِنَ فيها الوَلِيُّ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّ نَفْسِه، فلم يَصِح تَبَرُّعُه، كالسَّفِيهِ.
فأمّا العَبْدُ فلا يَجُوزُ أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزالةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغيرِ إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ.
وقد ذَكَرْنا في جَوازِ الصَّدَقَةِ مِن قُوتِه بالرَّغِيفِ ونحوه رِوايَةً أنَّ ذلك جائِزٌ، وذَكَرْنا دَلِيلَه في الحَجْرِ 1. وللعَبْدِ أن يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ والهِبَةَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه تَحْصِيل للمالِ للسَّيِّدِ، فلم يُعْتَبَرْ إذنه فيه، كالالتِقاطِ والاصْطِيادِ ونحوه.
فصل: والقَبْضُ في الهِبَةِ كالقَبْضِ في البَيعِ، وقد ذَكَرْنا ذلك والاخْتِلافَ فيه في كِتابِ البَيعِ، وهذا مَقِيسٌ عليه.

وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ،

2609

  • مسألة: (و تَصِحُّ هِبَةُ المُشَاعِ) وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
    وسَواءٌ في ذلك ما أمْكَنَ قِسْمَتُه أو لم يُمْكِنْ.
    وقال أصحابُ الرَّأْي: لا تَصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ الذي يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في الهِبَةِ، ووُجُوبُ القِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ وتَمامَه، وتَصِحُّ هِبَة ما لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لعَدَمِ ذلك فيه.
    فإن وَهَب واحِدٌ اثْنَين شيئًا ممّا يَنْقَسِمُ، لم يَجُزْ عندَ أبي حنيفةَ، وجاز عندَ صاحِبَيه.
    وإن وَهَب اثْنان اثْنَين شيئًا ممّا يَنْقَسِمُ، لم يَصِحَّ في قِياسِ قَوْلِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن المُتَّهِبَينِ قد وُهِب له جُزْءٌ مُشاعٌ.
    ولَنا، أنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمّا جاءُوا يَطْلبون مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَرُدَّ عليهم ما غَنِمَه منهم، قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ».
    رَواه البُخارِيُّ 1. وهو هِبَةُ

..................................  مُشاعٍ.
وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء رجلٌ ومعه كُبَّةٌ 1 مِن شَعْرٍ، فقال: أخَذْتُ هذه مِن الْمَغْنَمِ لأُصلِحَ بها بَرْذَعَةً لي، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا كَانَ لي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فهُوَ لكَ» 2. وروَى عُمَيرُ بنُ سَلَمَةَ الضَّمْرِيُّ، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَينا الرَّوْحاءَ، فرَأينا حِمارَ وَحْشٍ مَعْقُورًا، فأرَدْنا أخْذَه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ، فإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجِئَ صَاحِبُه».
فجاء رجلٌ مِن بَهْزٍ، وهو الذي عَقَرَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، شَأْنُكُم بالحِمارِ.
فأمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[أبا بكرٍ] 3 أن يَقسِمه بينَ النّاسِ.
رَواهُ الإمامُ أحمدُ، والنَّسائِيُّ 4. ولأنه يجوزُ بَيعُه، فجازَتْ هِبَتُه، كالذي لا يَنْقَسِمُ.
وقولُهم: إنَّ وُجُوبَ القِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه في البَيعِ، فكذا ههُنا.
ومتى كانتِ الهِبَةُ لاثْنَين، فَقَبَضاه بإذْنِه، ثَبَت مِلْكُهما فيه، وإن قَبَضَه أحَدُهما، ثَبَت المِلْكُ في نَصِيبِه دُونَ نَصِيبِـ 5 صاحِبِه.

وَكُلِّ مَا يَجُوزُ بَيعُهُ.

2610 - مسألة: (و)

تَصِحُّ هِبَةُ (كلِّ ما يَجُوزُ بَيعُه) لأنَّه تَمْلِيكٌ في الحَياةِ، فصَحَّ، كالبَيعِ.
وتَصِحُّ هِبَةُ الكَلْبِ وما 1 يُباحُ الانْتِفاعُ به مِن النَّجاساتِ؛ لأنه تَبَرُّعٌ، فجاز في ذلك، كالوَصِيَّةِ.
ومتى قُلْنا: إنَّ القَبْضَ شَرْط في الهِبَةِ.
لم تَصِحَّ الهِبَةُ فيما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشّارِدِ، والمَغْصُوبِ لغيرِ غاصِبِه، ممّن لا يَقْدِرُ على أخْذِه منه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ،

..................................  أشْبَه البَيعَ.
فإن وَهَب المَغْصُوبَ لغاصِبِه، أو لمَن يَتَمَكَّن مِن أخْذِه منه، صَحّ؛ لإمكانِ قَبْضِه.
وليس لغيرِ الغاصِبِ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ.
فإن وَكَّلَ المالِكُ الغاصِبَ في تَقْبِيضِه، صَحَّ.
وإن وَكَّلَ المتَّهِبُ الغاصِبَ في القَبْضِ له، فقَبِلَ 1 ومَضَى زَمَنٌ يُمْكِن قَبْضه فيه، صار مَقْبُوضًا، ومَلَكَه المُتَّهِبُ، وبَرِئَ الغاصِبُ مِن ضَمانِه.
وإن قُلْنا: القَبْضُ ليس شَرْطًا في الهِبَةِ.
فما لا يعْتَبر فيه القَبْضُ ذلك يَحْتَمِلُ أن لا يُعْتَبرَ في صِحَّةِ هِبَتِه القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بلا عِوَضٍ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ هِبَتُه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعه، أشْبَهَ الحَمْلَ في البَطْنِ.
وكذلك يخَرَّجُ في هِبَةِ الطَّيرِ في الهَواءِ، والسَّمَكِ في الماء، إذا كان مَمْلُوكًا.

وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ،

2611 - مسألة: (ولا تَصِح هِبَةُ المَجْهُولِ)

كالحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه، فلم تَصِحَّ هِبَتُه، كما لا يَصِحُّ بَيعُه.
وفي الصُّوفِ على الظَّهْرِ وَجْهان، بِناءً علىٍ صِحَّةِ بَيعِه.
ومتى أذِنَ له في جَزِّ الصُّوفِ، وحَلْبِ الشّاةِ، كان إباحَة، وإن وَهَب دُهْنَ سِمْسِمِه قبلَ عَصْرِه، أو زَيتَ زَيتُونِه، أو جَفْتَه 1، لم يَصِحَّ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا.
ولا تَصِحُّ هِبَةُ المَعْلُومِ، كالذي تَحْمِلُ أمَتُه أو شَجَرَتُه؛ لأنَّ الهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ في الحَياةِ، فلم تَصِحَّ في هذا كلِّه، كالبَيعِ.

..................................  فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ هِبَةَ المَجْهُولِ لا تَصِحُّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ، وحَرْبٍ.
وبه قال الشافعيُّ.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَهْلَ إذا كان مِن الواهِبِ مَنَع الصِّحَّةَ؛ لأنَّه غَرَرٌ في حَقِّه، وإن كان مِن المَوْهُوبِ له لم يَمْنَعْها؛ لأنَّه لا غَرَر في حَقِّه، فلم يُعْتَبَرْ في حَقِّه العِلْمُ بما يُوهَبُ له، كالوَصِيةِ.
وقال مالِكٌ: تصِحُّ هِبَة المَجْهُولِ؛ لأنَّه تبَرُّعٌ، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والوَصِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بالشُّرُوطِ، فلم يَصِحَّ في المَجْهُولِ، كالبَيعِ، بخِلافِ النَّذْرِ

وَلَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْط، وَلَا شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ أَلَّا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا.
والوَصِيَّةِ.
فأمّا (ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه) فتَصِحُّ هِبَتُه، في أحَدِ الاحْتِمالين، إذا قُلْنا: إنَّ القَبْضَ ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ الهِبَةِ.
وقد ذَكَرناه.

2612 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، ولا شَرْطُ ما يُنافِي مُقْتَضاها، نحوَ أنَّ لا يَبِيعَها ولا يَهَبَها)

لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الهِبَةِ على شَرْطٍ، لأنَّها تَمْلِيكٌ لعَين في الحَياةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، كالبَيعِ.
فإن عَلَّقَها على شَرْطٍ، كقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمِّ سَلَمَةَ: «إنْ

وَلَا توْقِيتُهَا، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً.
رَجَعَتْ هَدِيَّتنَا إلَى النَّجَاشِيِّ، فَهِيَ لَكِ» (1). كان وَعْدًا، لا هِبَةً.
ومتى شَرَط شَرْطًا يُنافِي مُقْتَضاها، نحوَ أنَّ لا يَبِيعَها ولا يَهَبَها، أو بشَرْطِ أنَّ يَبِيعه أو يَهَبَه، أو أنَّ يَهَبَ فُلانًا شيئًا، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، رِوايَةً واحِدَةً.
وفي صِحَّةِ الهِبَةِ وَجْهان، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.

2613 -

مسألة: (ولا تَوْقِيتُها، كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً)

إذا وَقَّتَ الهِبَةَ، كقَوْلِه: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً، ثم يَعُودُ إلَيَّ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ لعَين، فلم يصِحَّ مُؤْقَّتًا، كالبَيعِ.
فصل: وإن وَهَب أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطنها، صَحَّ في قِياسِ قولِ أحمدَ، في مَن أعْتَقَ أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطنها؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بالأمِّ واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها،1

إلا فِي الْعُمْرَى؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ.
أوْ: أَرْقَبْتُكَهَا.
أَوْ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ.
أوْ: حَيَاتَكَ.
فَإنَّهُ يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
أشْبَهَ العِتْقَ.
وبه يقولُ في العِتْقِ النَّخَعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ويتَخَرَّجُ أنَّ لا يَصِحَّ، كما لو باع أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها، وقد ذَكَرْناه في البَيعِ (1). وقال أصْحابُ الرأي: تَصِحُّ الهِبَةُ ويَبْطُلُ الاسْتِثَناءُ.
ولَنا، أنَّه لم يَهَبِ الوَلَدَ، فلم يَمْلِكْه المَوْهُوبُ له، كالمُنْفَصِلِ وكالمُوصَى به.

2614 -

مسألة: (إلَّا في العُمْرَى)

والرُّقْبَى (وهو أنَّ يقولَ: أعْمَرْتُكَ هذه الدّارَ.
أو: أرْقَبْتُكَها.
أو: جَعَلْتُها لك عُمُرَكَ.
أو: حَياتَكَ.
فإنه يَصِحُّ، وتكونُ للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه مِن بعدِه) العُمْرَى والرُّقْبَى، نَوْعان مِن أنْواعِ الهِبَةِ، يَفْتَقِرَان إلى ما يَفْتَقِرُ إليه سائِرُ الهِبَاتِ، مِن الإيجابِ والقَبُولِ والقَبْضِ، أو ما يَقُومُ مَقامَ ذلك عندَ مَن اعْتَبَرهُ.
وصُورَةُ العُمْرَى أنَّ يقولَ: أعْمَرْتُكَ دارِي هذه.
أو: هي لك عُمُرَكَ.1

..................................  أو: ما عِشْتَ.
أو: مُدَّةَ حَياتِكَ.
أو: ما حَيِيتَ.
أو نحوَ هذا.
سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِ ما بالعُمُرِ.
والرُّقْبَى أنَّ يقولَ: أرْقَبْتُكَ هذه الدّارَ.
أو: هي لك حَياتَكَ، على أنَّكَ إن مِتَّ قبلِي عادت إلَيَّ، وإن مِت قبلَك، فهي لك ولعَقِبِك.
فكأنَّه يقولُ: هي لآخِرِنا مَوْتًا.
ولذلك سُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه.
وهما جائِزان في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وحُكِيَ عن بعضِهم أنَّها لا تَصِحُّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا» 1. ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «العُمْرَى جَائِزَةٌ لِأهْلِها، والرُّقْبَى جَائِزَة لِأهْلِها».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 2. وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
فأمّا النَّهْي فإنَّما وَرَد على وَجْهِ الإِعْلامِ لهم إنَّكم إن أعْمَرْتُمْ أو أرْقَبْتُم يَعُدْ للمُعْمَر والمُرْقَبِ، ولم يَعُدْ إليكم منه شيءٌ.
وسِياقُ الحديثِ يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: «فمَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا وعَقِبِهِ».
ولو أُرِيدَ به حَقِيقةُ النَّهْي، لم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها، فإنَّ النَّهْيَ إنَّما يَمْنَعُ صِحَّةَ ما يُفِيدُ المَنْهِيُّ

..................................  عنه فائِدَةً، أمّا إذا كان صِحّةُ المَنْهِيِّ عنه 1 ضَرَرًا على مُرْتَكِبِه، لم يَمْنَعْ صِحَّتَه، كالطَّلاقِ في زَمَنِ الحَيضِ، وصِحّةُ العُمْرَى ضَرَر على المُعْمِرِ، فإنَّ مِلْكَه يَزُولُ بغيرِ عِوَضٍ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ العُمْرَى تَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُعْمَرِ.
وبهذا قال جابِرُ بنُ عبدِ الله، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وشُرَيحٌ، ومجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ: العُمْرَى تَمْلِيكُ المَنافِعِ، لا تُمْلَكُ بها رَقَبَةُ المُعْمِرِ بحالٍ، ويكونُ للمُعْمَرِ السُّكْنَى، فإذا 2 مات، عادت إلى المُعْمِرِ.
وإن قال: له ولعَقِبِه.
كان سُكْناها لهم، فإذا انْقَرَضُوا عادت إلى المُعْمِرِ.
واحْتَجُّوا 3 بما روَى يَحْيَى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَسْألُ القاسِمَ بنَ محمدٍ عن العُمْرَى،

..................................  ما يقولُ الناسُ فيها؟ فقال القاسِمُ: ما أدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا على شُروطِهِم في أمْوالِهم، وما أعْطَوْا.
وقال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ، عن ابنِ الأعْرابِيِّ: لم يَخْتَلِفِ العَرَبُ في العُمْرَى، والرُّقْبَى، والإِفْقارِ 1، والمِنْحَةِ 2، والعارِيَّةِ، والسُّكْنَى، والإِطْراقِ، أنَّها على مِلْكِ أرْبابِها، ومَنافِعُها لمَن جُعِلَتْ له.
ولأنَّ التَّمْلِيكَ لا يَتَأقَّتُ، كما لو باعَه إلى مُدَّةٍ، فإذا كان لا يَتأقَّتُ حُمِل قَوْلُه على تَمْلِيكِ المَنافِعِ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَوْقِيتُه.
ولنا، ما روَى جابِرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكُوا عَلَيكُم أمْوالكُم ولَا تُفْسِدُوهَا، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهِيَ لِلَّذِي أعْمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا ولِعَقِبِه».
رَواه مسلمٌ 3. وفي لَفْظٍ: قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَى لمَن وُهِبَتْ له.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وروَى ابنُ ماجه 5، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال

..................................  رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا رُقْبَى، فَمَنْ أرْقِبَ.
شَيئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاتَه وَمَوْتَه».
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ العمْرَى للوارِثِ 1. وقد روَى مالِكٌ حديثَ العُمْرَى في «مُوَطَّئِه» 2. وهو صحيحٌ رَواه جابِرٌ، وابن عُمَرَ، وابن عباسٍ 3، ومُعاويةُ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو هُرَيرَةَ 4. وقولُ القاسِمِ لا يُقْبَل في مُخالفَةِ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ والتّابِعِين، فكيف يُقْبَلُ في مُخالفَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِين! ولا يَصِحُّ دَعْوَى إجْماعِ أهْلِ المَدِينَةِ، لكَثْرَةِ مَن قال بها منهم، وقَضَى بها طارِقٌ 5 بالمَدِينةِ بأمْرِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ.
وقولُ ابنِ الأعْرابِيِّ: إنَّها عندَ العَرَبِ تَمْلِيكُ المَنافِعِ.
لا يَضرُّ إذا نَقَلَها الشَّرْعُ إلى تَمْلِيكِ الرقَبَةِ، كما نَقَل الصلاةَ مِن الدُّعاءِ إلى الأفْعالِ المَنْظومَةِ، ونَقَل الظِّهارَ والإيلاءَ مِن الطَّلاقِ إلى أحْكامٍ مَخْصوصَةٍ.

وَإِنْ شَرَطَ رَجُوعَهَا إلَى الْمُعْمِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَال: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا.
صَحَّ الشَّرْطُ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ.
قَوْلُهم: إنَّ التَّمْلِيكَ لا يتَأقَّت.
قلْنا: فلذلك أبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَها، وجَعَلَها تَمْلِيكًا مُطْلَقًا.
فإن قال في العُمْرَى: إنَّها للمُعْمَرِ وعَقِبِه.
كان تَوْكِيدًا لحُكْمِها، وتكون للمُعْمَرِ ولوَرَثَتِه.
وهو قول جَمِيعِ القائِلِين بها.

2615 -

مسألة: (وإن شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْط. وعنه، لا يَصِحُّ، وتكون للمُعْمَرِ ولِوَرَثَتِه)

مِن بعدِه.
أمّا إذا شَرَط رُجُوعَها إلى المُعْمِرِ عندَ مَوْتِه، أو قال: هي لآخِرِنا مَوْتًا.
أو: إذا مِتَّ عادَتْ إلَيَّ إن كُنْتُ حَيًّا.
أو: إلى وَرَثَتِي.
ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، صِحَّةُ العَقْدِ والشرْطِ، ومتى مات المُعْمَر رَجَعَتْ إلى المُعْمِرِ.
وبه قال القاسِمُ بن محمدٍ، ويزيدُ بنُ

جارٍ التحميل