وَيَثْبُتُ الإحْصَانُ لِلذِّمِّيِّيَّن.
وَهَلْ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
كان أحدُهما ناقِصًا، لم يَكْمُلِ الوَطْءُ (1)، فلا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ، كما لو كانا غيرَ كامِلَيْن، وبهذا فارَق ما قاسُوا عليه.
4400 -
مسألة: (ويَثْبُتُ الإِحْصانُ للذِّمِّيَّيْن. وهل تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مسلمًا؟ على رِوايَتَيْن)
لا يُشْتَرَطُ الإِسْلامُ في الإِحْصانِ.
وبه قال الزُّهْرِىُّ، والشافعىُّ.
فعلى هذا، يكونُ الذِّمِّيّان مُحْصَنَيْن، فإن تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيَّةً فوَطِئَها، صارا مُحْصَنَيْن.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ الذِّمِّيَّةَ لا تُحْصِنُ المسلمَ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ: هو شَرْطٌ في الإحْصانِ، فلا 2 يكونُ الكافِرُ مُحْصَنًا، ولا تُحْصِنُ الذِّميَّةُ مسلمًا؛ لأَنَّ ابنَ عمرَ رَوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» 3. ولأنَّه إحْصانٌ مِن شَرْطِه 4 الحُرِّيَّةُ،1
..................................
فكان الإِسلامُ شَرْطًا فيه، كإِحْصانِ القَذْفِ.
وقال مالكٌ كقولِهِم، إلَّا أنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ المسلمَ، يِناءً على أصْلِه في أنَّه لا يَعْتَبِرُ الكمالَ في الزَّوْجَيْن، ويَنْبَغِى أن يكونَ ذلك قولًا للشافعىِّ.
ولَنا، ما رَوَى [مالِكٌ، عن] 1 نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: جاء اليهودُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذَكَرُوا له أنَّ رجلًا وامرأةً زَنَيا.
وذَكَر الحديثَ، فأمَرَ بهما رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرُجِما.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأَنَّ الجِنايَةَ بالزِّنَى اسْتَوَتْ مِنِ المسلمِ والذِّمِّىِّ، فيَجِبُ أن يَسْتَويا في الحَدِّ.
وحديثُهم لم يَصِحَّ، ولا نعْرفُه في مُسْنَدٍ 3. وقِيلَ: هو مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ.
ثم يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على إحْصانِ القَذْفِ، جَمْعًا بينَ الحَدِيثَيْن، فإنَّ راوِيَهما واحِدٌ، وحديثُنا صريحٌ في الرَّجْمِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِهم على الإِحْصانِ الآخَرِ.
فإن قالوا 4: إنَّما رَجَم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اليَهودِيَّين بحُكْمِ التَّوْراةِ، بدليلِ أنَّه
..................................
راجَعَها، فلمَّا تَبَيَّنَ له أنَّ ذلك حكمُ اللَّهِ تعالى عليهم، أقامَه فيهم، وفيها أنزلَ اللَّهُ سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ 1. قلنا: إنَّما حَكَم عليهم بما أنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليه، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ 2. ولأنَّه لا يَسُوغُ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الحُكْمُ بغيرِ شَرِيعَتِه، ولو ساغ ذلك له ساغ لغيرِه، وإنَّما راجَعَ التَّوْراةَ لتَعْرِيفِهم أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ مُوافِقٌ لِما يَحْكُمُ به عليهم، وأنَّهم تارِكُونَ شَرِيعَتَهم، مُخالِفُون لحُكْمِهِم.
ثم هذا حُجَّةٌ لنا، فإنَّ حكمَ اللَّهِ في وُجوبِ الرَّجْمِ إن كان ثابتًا في حَقِّهم يجبُ أن يُحْكَمَ به عليهم، فقد ثَبَت وُجودُ الإِحْصانِ فيهم، فإنَّه لا مَعْنى له سِوَى وُجوبِ الرَّجْمِ على مَن زَنَى منهم بعدَ وُجودِ شُروطِ الإحْصانِ فيه، وإن مَنَعُوا ثُبوت الحكمِ في حَقِّهم، [فَلِمَ حَكَم] 3 به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ ولا يَصِحُّ القِياسُ على إحْصانِ القَذْفِ؛ لأَنَّ مِن شَرْطِه العِفَّةَ، وليست شَرْطًا ههُنا.
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مِنَ امْرأتِهِ فَقَالَ: مَا وَطِئْتُهَا.
لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ.
4401 - مسألة: (وإن كان لرجلٍ وَلَدٌ مِن امرأتِه فقال: مَا وَطِئتُها. لم يَثْبُتْ إحْصَانُه)
ولا يُرْجَمُ إذا زَنَى.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُرْجَمُ؛ لأَنَّ الوَلَدَ لا يكونُ إلَّا مِن وَطْءٍ.
فقد حَكَم بالوَطْءِ ضَرُورةَ الحُكْمِ بالوَلَدِ.
ولَنا، أنَّ الوَلدَ يُلْحَقُ بإمْكانِ الوَطْءِ واحْتِمالِه، والإِحْصانُ لا يَثْبُتُ إلَّا بحَقِيقَةِ الوَطْءِ 1، فلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ ما يُكْتَفَى فيه بالإِمْكانِ وُجُودُ ما تُعْتَبَرُ فيه الحَقِيقةُ.
وهو أحقُّ الناسِ بهذا، فإنه قال: لو تَزَوَّجَ امرأةً بحَضرَةِ الحاكمِ في مجلِسِه، ثم طَلَّقَها فيه، فأتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه.
مع العلمِ بأنَّه لم يَطَأها في الزَّوْجيَّةِ، فكيفَ يُحْكَمُ بحَقِيقةِ الوَطْءِ مع تحَقُّقِ انْتِفائِه! وهكذا لو كان لامرأَةٍ وَلَدٌ من زَوْجٍ، فأنْكَرَتْ أن يكون وَطِئها، لم يَثْبُتْ إحْصانُها لذلك.
فصل: ولو شَهِدَتْ بَيِّنةُ الإِحْصانِ أنَّه دَخَل بزَوْجَتِه، فقال أصحابُنا: يَثْبتُ الإِحْصانُ به؛ لأَنَّ المَفْهومَ مِن لفظِ الدُّخُولِ كالمَفْهومِ من لَفْظِ المُجامَعَةِ.
وقال محمد بنُ الحسنِ: لا يُكْتَفَى به حتى [تقولَ: جامَعَها.
أو: باضَعَها] 2. أو نحوَها؛ لأَنَّ الدُّخولَ يُطْلَقُ على الخَلْوَةِ
..................................
بها، ولهذا تثْبُتُ بها أحكامُه.
قال شيخُنا 1: وهذا أصَحُّ القَوْلَيْن، إن شاء اللَّه تعالى.
أمَّا إذا قالت: جامَعَها.
أو: باضَعَها.
أو نحوَه.
فلا نعلمُ خِلافًا في ثُبُوتِ الإِحْصانِ، وكذلك يَنْبَغِى إذا قالتْ: وَطِئَها.
وإن قالتْ: باشَرَها.
أو: مَسَّها.
أو: أصابَها.
أو: أتاها.
فيَنْبَغِى أن لا يَثْبُتَ به الإِحْصانُ؛ لأَنَّ هذا يُسْتَعْمَلُ فيما دُونَ الجماعِ في الفَرْجِ كثيرًا، فلا يَثْبُتُ به الإِحْصانُ الذى يَنْدَرِئُ بالاحْتِمالِ.
فصل: وإذا جُلِدَ الزَّانِى على أنَّه بكْرٌ، ثم بان مُحْصَنًا، رُجِمَ؛ لِما رَوَى جابرٌ، أنَّ رجلًا زَنَى بامرأةٍ، فأمَرَ به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فجُلِدَ الحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أنَّه مُحْصَنٌ، فرُجِمَ.
رَواه أبو داودَ 2. ولأنَّه إن وَجَب الجمعُ بينَهما، فقد أتَى ببعضِ الواجبِ، فيجبُ إتْمامُه، وإن لم يجبِ الجمعُ بينَهما، تَبَيَّنَ أنَّه لم يَأْتِ بالحدِّ الواجِبِ.
فصل: وإذا رُجِمَ الزَّانِيان، غُسِّلا، وصُلِّى عليهما، ودُفِنا إذا كانا مسلمَيْن.
أمَّا غَسْلُهما ودَفْنُهما، فلا خِلافَ فيه بين أهلِ العلمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ الصلاةَ عليهما.
قال الإِمامُ أحمدُ: سُئِلَ علىٌّ عن شُراحَةَ، وكانَ رَجَمَها، فقال: اصْنَعُوا بها ما تَصْنَعُونَ بمَوْتاكم.
وصلَّى علىٌّ
..................................
عليها 1. وقال مالكٌ: مَن قَتَله الإِمامُ في حَدٍّ، فلا يُصَلَّى عليه؛ لأَنَّ جابِرًا قال في حديثِ ماعِز: فرُجِمَ حتى ماتَ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خيرًا، ولم يُصَلِّ عليه.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ووَجْهُ الأَوَّلِ ما رَوَى أبو داودَ 3، بإسْنادِه، عن عِمْرانَ بنِ الحُصَيْنِ، في حديثِ الجُهَنِيَّةِ: فأمرَ بها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرُجِمَتْ، ثم أمَرَهم فصَلَّوا عليها، فقال عمَرُ: يا رسولَ اللَّهِ تُصَلِّى عليها وقد زَنَتْ؟ فقال: «والَّذِى نَفْسِى بيَدِه، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسِمَت بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وهَلْ وَجَدْتَ أفْضَلَ مِن أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا؟».
ورَواه التِّرْمِذِىُّ، وفيه: فرُجمَتْ، وصَلَّى عليها.
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (3). وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» 4. ولأنَّه مسلم لو فاتَ قبلَ الحَدِّ صُلِّىَ عليه، فيُصَلَّى عليه
وَإِنْ زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَغُرِّبَ عَامًا إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
بعدَه، كالسَّارِقِ.
وأمَّا حديثُ ماعِزٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحْضُرْه، أو اشْتَغَلَ عنه بأمْرٍ، أو غيرِ ذلك، فلا يُعارِضُ ما رَوَيْناه.
4402 -
مسألة: (وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ)
[وإن كان ثَيِّبًا] 1. ولا خِلافَ في وُجُوبِ الجَلْدِ على الزَّانِى إذا لم يَكُنْ مُحْصَنًا، وقد جاء بَيانُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى، بقولِه سبحانه وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 2. وجاءتِ الأحاديثُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُوافِقَةً لِما جاء به الكتابُ.
ويجبُ مع الجَلْدِ تَغْرِيبُه عامًا، في قولِ الجُمْهورِ.
رُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وعن أُبَىٍّ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وإليه ذَهَب عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ أبى لَيْلى، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ: يُغَرَّبُ الرَّجلُ دونَ المرأةِ؛ لأَنَّ المرأةَ تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ وصِيانةٍ، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن التَّغْرِيبِ بمَحْرَمٍ أو بغيرِ مَحْرَمٍ، لا يجوزُ بغيرِ محْرَمٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ
..................................
وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» 1. ولأَنَّ تَغْرِيبَها بغيرِ مَحْرَم إغْراءٌ لها بالفُجُورِ، وتضْيِيعٌ لها، وإن غُرِّبَتْ بمَحْرَمٍ، أفْضَى إلى تَغْرِيبِ مَن ليس بزانٍ، ونَفْىِ مَن لا ذَنْبَ له، وإن كُلِّفَتْ أُجْرَتَه، ففى ذلك زيادةٌ على عقوبَتِها بما لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كما لو زادَ ذلك على الرجلِ، والخبرُ الخاصُّ في 2 التَّغْرِيبِ إنَّما هو في حَقِّ الرجلِ، وكذلك فَعَل الصحابةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، والعامُّ يجوزُ تخْصِيصُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن العملِ بعُمُومِه مُخالفةُ مَفْهُومِه، فإنَّه دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس على الزَّانِى أكثرُ من العُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ فيه، وإيجابُ التَّغْرِيبِ على المرأةِ، يَلْزَمُ منه الزِّيادةُ على ذلك، وفَواتُ حِكْمَتِه 3؛ لأَنَّ الحَدَّ وَجَب زَجْرًا عن الزِّنَى 4، وفى تَغْريبِها إغْراءٌ به، وتَمْكِينٌ منه، مع أنَّه قد يُخَصَّصُ في حَقِّ الثَّيِّبِ بإسْقاطِ الجَلْدِ 5 في قولِ الأَكْثَرِين، فتَخْصِيصُه ههُنا أوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا يَجِبُ التَّغْرِيبُ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: حَسْبُهما مِن الفِتْنَةِ أن يُنْفيا 6. وعنِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ غَرَّبَ رَبِيعةَ ابنَ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ في الخمرِ إلى خيْبَرَ 7، فلَحِقَ بهِرَقْلَ فتَنَصَّرَ، فقال
..................................
عُمَرُ: لا أُغَرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا 1. ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَر بالجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ، فإيجابُ التَّغْرِيبِ زيادةٌ على النَّصِّ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ» 2. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وزيدُ ابنُ خالدٍ، أنَّ رجلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال أحدُهما: إنَّ ابنى كان عَسِيفًا على هذا، فَزنَى بامْرأتِه، وإنَّنِى افْتَدَيْتُ منه بمائةِ شاةٍ ووَلِيدَةٍ، فسألتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالوا: إنَّما على ابْنِكَ جلدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عام، والرَّجْمُ على امْرَأةِ هذا.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ».
وجَلَد ابنَه مِائَةً 3، وغرَّبَه عامًا، وأمَر أُنَيْسًا الأَسْلَمِىَّ يأتِى امْرَأةَ الآخَرِ، فإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها، فاعْتَرَفَتْ، فرَجَمَها.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وفى الحديثِ: فسألْتُ رجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالُوا: إنَّما على ابْنِكَ جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عام.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ هذا كان مَشْهُورًا عندَهم، مِن حُكْمِ اللَّهِ، وقَضاءِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقد قِيلَ: إنَّ الَّذى قال له 5 هذا أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
ولأَنَّ التَّغْرِيبَ فَعَله الخلفاءُ الراشدون، ولا نعْرفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأَنَّ
وَعَنْهُ، أنَّ الْمَراة تُنْفَى إِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
الخبَرَ يَدُلُّ على عُقوبَتَين في حَقِّ الثَّيِّبِ، فكذلك في حَقِّ البِكْرِ، وما رَوَوْه عن علىٍّ لا يَثْبُتُ؛ لضَعْفِ رُواتِه (1) وإرْسالِه.
وقولُ عمرَ: لا أُغَرِّبُ بعدَه (2) مسلمًا.
فلَعَلَّه أرادَ تَغْرِيبَه في الخمرِ الَّذى أصابَتِ الفِتْنَةُ رَبيعةَ فيه.
قال شيخُنا (3): وقولُ مالكٍ يُخالِفُ عُمُومَ الخبرِ والقِياسَ؛ لأَنَّ ما كان حَدًّا في الرجلِ، يكونُ حَدًّا في المرْأةِ، كسائِرِ الحُدودِ، وقولُ مالكٍ فيما يَقَعُ لى، أصَحُّ الأقْوالِ وأعْدَلُها، وعُمومُ الخبرِ مَخْصُوصٌ بخبرِ النَّهْى عن سَفَرِ المرأةِ بغيرِ مَحْرَمٍ، والقياسُ على سائِرِ الحُدُودِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَسْتَوى الرجلُ والمرأةُ في الضَّرَرِ الحاصلِ بها، بخِلافِ هذا الحَدِّ، ويُمْكِنُ قَلْبُ هذا القياسِ، بأنَّه حَدٌّ، فلا تُزادُ فيه المرأةُ على ما على الرجلِ، كسائرِ الحُدودِ.
فصل: ويُغَرَّبُ البِكْرُ الزَّانِى حَوْلًا، فإن عاد قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، أُعِيدَ تَغْرِيبُه حتَّى يُكْمِلَ الحَوْلَ مُسافِرًا، ويَبْنِى على ما مَضَى.
ويُغَرَّبُ الرجلُ إلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ لأَنَّ ما دُونَها في حُكْمِ الحَضَرِ، بدليلِ أنَّه لا يَثْبُبُ في حَقِّه أحْكامُ المُسافِرِين، ولا يَسْتَبِيحُ شيئًا من رُخَصِهم.
4403 -
مسألة: (وعنه، أنَّ المرأةَ تُنْفَى إلى دونِ مَسافَةِ القَصْرِ)
123
..................................
وقِيلَ عنه: إن خَرَج معها مَحْرَمُها، نُفِيَتْ إلى مَسافَةِ القَصْرِ.
وإن لم يَخْرُجْ معها مَحْرَمُها، فنُقِلَ عن أحمدَ، أنَّ المرأةَ تُغَرَّبُ إلى مَسافَةِ القَصرِ، كالرجلِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ورُوِىَ عنه، أنَّها تُغَرَّبُ إلى دُونِ مَسافَةِ القَصْرِ؛ لتَقْرُبَ مِن أهْلِها، فيَحْفَظُوها.
ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ أن لا يُشْتَرَطَ في التَّغْرِيبِ مَسافةُ القَصْرِ فيهما، فإنَّه قال، في رِوايةِ الأَثْرَمِ: يُنْفَى مِن عملِه إلى عمل غيرِه.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لو نفِىَ [مِن قَرْيَةٍ] 1 إلى قريةٍ أُخْرى، بينَهما مِيلٌ أو أقَلُّ، جاز.
وقال إسحاقُ: يجوزُ [أن يُنْفَى] 2 مِن مِصْرٍ إلى مِصْرٍ.
ونحوَه قال ابنُ أبى ليلى؛ لأَنَّ النَّفْىَ وَرَد مُطْلَقًا غيرَ مُقَيَّدٍ 3، فيَتَناوَلُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، والقَصْرُ يُسَمَّى سَفَرًا، تجوزُ فيه صلاةُ النَّافِيَةِ على الرَّاحِلةِ.
ولا يُحْبَسُ في البلدِ الَّذى نُفِىَ 4 إليه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يُحْبَسُ.
ولَنا، أنَّها زِيادةٌ لم يَرِدْ بها الشَّرْعُ، [فلم تُشْرَعْ] (1)، كالزِّيادَةِ على العامِ.
وَيَخْرُجُ مَعَهَا مَحْرَمُهَا، فَإِنْ أَرَادَ أُجْرَةً، بُذِلَتْ مِنْ مَالِهَا، فَإِنْ
فصل (1): وإن زَنَى الغَرِيبُ، غُرِّبَ إلى بَلَدٍ غيرِ وَطَنِه.
وإن زَنَى في البَلَدِ الَّذى غُرِّبَ إليه، غُرِّبَ منه إلى غيرِ البلدِ الَّذِى غُرِّبَ منه؛ لأَنَّ الأمْرَ بالتَّغْرِيبِ يَتَناولُه (2) حيثُ كان، ولأنَّه قد أنِسَ بالبَلَدِ الَّذى يَسْكُنُه، فيُبْعَدُ عنه.
4404 -
مسألة: (ويَخْرُجُ مع المرأةِ مَحْرَمُها)
ليُسْكِنَها في مَوْضِعٍ، ثم إن شاء رَجَع إذا أمِنَ عليها، وإن شاء أقامَ معها حتَّى يَكْمُلَ حَوْلُها، وإن أبَي الخُرُوجَ معها، بَذَلَتْ له الأُجْرَةَ.
قال أصحابُنا: وتَبْذُلُ مِن مالِها؛ لأد هذا مِن مُؤْنَةِ سَفَرِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ ذلك عليها؛12
تَعَذَّرَ، فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أبَى الْخُرُوجَ مَعَهَا، اسْتُؤْجِرَتِ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، نُفِيَتْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ،
لأَنَّ الواجِبَ عليها التَّغْرِيبُ بنَفْسِها، فلم يَلْزَمْها زِيادةٌ عليه كالرَّجُلِ، ولأَنَّ هذا مِن مُؤْنَةِ إقامةِ الحَدِّ، فلم يَلْزَمْها، كأُجْرَةِ الجَلَّادِ.
فعلى هذا، تُبْذلُ الأُجْرَةُ مِن بيتِ المالِ.
وعلى قولِ أصحابِنا، إن لم يَكُنْ لها مالٌ، بُذِلَتْ مِن بَيْتِ المالِ.
فإن أربى مَحْرَمُها الخُروجَ معها، لم يُجْبَرْ، وإن لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، غُرِّبَتْ مع نِساءٍ ثِقاتٍ.
والقولُ في أُجْرَةِ مَن يُسافِرُ معها منهُنَّ، كالقولِ في أُجْرَةِ المَحْرَم، فإن أعْوَزَ، فقال أحمدُ: تُنْفَى بغيرِ مَحْرَمٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّهَ لا سَبِيلَ إلى تَأْخِيرِهِ، فأشْبَهَ سَفرَ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ النَّفْىُ.
الهِجْرَةِ، والحَجِّ إذا ماتَ المَحْرَمُ في الطَّريقِ (ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ النَّفْىُ) إذا لم تَجِدْ مَحْرَمًا، كما يَسْقُطُ سَفَرُ الحَجِّ، إذا لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ 1، فإنَّ تَغْرِيبَها على هذه الحالِ إغْراءٌ لها بالفُجُورِ، وتَعْريضٌ لها للفِتْنَةِ، وعُمُومُ الحديثِ مَخصُوصٌ بعُمُومِ النَّهْى عن سَفَرِها بغيرِ مَحْرَمٍ.
فصل: ويَجِبُ أن يَحْضُرَ الحَدَّ 2 طائِفةٌ مِن المؤمنين؛ لقولِ اللَّهِ.
تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 3. قال أصحابُنا: والطَّائِفَةُ واحدٌ فما فوقَه.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، ومُجاهِدٍ.
والظّاهِرُ
..................................
أنَّهم أرادُوا واحدًا مع الَّذى يُقِيمُ الحَدَّ؛ لأَنَّ الَّذى يُقِيمُ الحدَّ حاصِلٌ ضَرُورَةً، فيَتَعَيَّنُ صَرْفُ الأَمْرِ إلى غيرِه.
وقال عَطاءٌ، وإسحاقُ: اثْنان.
فإن [أرادا به] 1 واحدًا مع الَّذى يُقِيمُ الحَدَّ، فهو كالقَوْلِ الأَوَّلِ، وإن أرادا 2 اثنينِ غيرَه، فوَجْهُه أنَّ الطّائِفَةَ اسْمٌ لِما زاد على الواحِدِ، وأقَلُّه اثْنانِ.
وقاك الزُّهْرِىُّ: ثلاثةٌ؛ لأَنَّ الطّائِفَةَ جماعةٌ، وأقَلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.
وقال مالكٌ: أرْبَعَةٌ؛ لأنَّه العَدَدُ الَّذى يَثْبُتُ به الزِّنَى.
وللشافعىِّ قَوْلان، كَقَوْلِ 3 الزُّهْرِىِّ ومالكٍ.
وقال رَبِيعَةُ: خمسةٌ.
وقال الحسنُ: عَشَرَةٌ.
وقال قَتادَةُ: نَفَرٌ.
واحْتَجَّ أصحابُنا بقولِ ابنِ عباسٍ، فإنَّ اسْمَ الطّائِفَةِ يَقَعُ على الواحدِ، بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾.
ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ 4. وقِيلَ في قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ 5. إنَّه مَخْشِىُّ 6 بنُ حُمَيِّرٍ وحدَه 7. ولا يَجِبُ أن يَحْضُرَ الإِمامُ، ولا الشُّهُودُ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفة: إن ثَبَت الحَدُّ بِبَيِّنَةٍ، فعليها
..................................
الحُضُورُ، والبَداءَةُ بالرَّجْمِ، وإن ثَبَت باعْتِرافٍ، وَجَب على الإِمامِ الحُضُورُ، والبَدَاءَةُ بالرَّجْمِ؛ لِما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الرَّجْمُ رَجْمان؛ فما كان منه بإقْرارٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ الإِمامُ، ثم النَّاسُ، وما كان ببَيِّنَةٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثم الناسُ.
رَواه سعيدٌ بإسْنادِه 1. ولأنَّه إذا لم تَحْضُرِ البَيِّنَةُ ولا الإِمامُ، كان في ذلك شُبْهَةٌ، والحَدُّ يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر برَجْمِ ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ، ولم يَحْضُرْهُما، وِالحَدُّ ثَبَت باعْتِرافِهما.
وقال: «يَا أُنَيْسُ، اغْدُ إِلى امْرَأَة هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا» 2. ولم يَحْضُرْها.
ولأنَّه حَدٌّ، فلم يَلْزَمْ أن يَحْضُرَه الإِمامُ ولا البَيِّنَةُ، كسائِرِ الحُدودِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ تَخَلُّفَهم عن الحُضُورِ، ولا امْتِناعَهم مِن البَداءَةِ بالرَّجْمِ شُبْهَةٌ.
وأمَّا قولُ على، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهو على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ والفَضِيلَةِ.
قال أحمدُ: سُنَّةُ الاعْتِرافِ أن يَرْجُمَ الإِمامُ، ثم النَّاسُ.
ولا نعلمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ ذلك، والأَصْلُ فيه قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد رُوِى في حديثٍ، رَواه أبو بَكْرَةَ 3، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه رَجَم امرأةً، فحَفَر لها إلى الثَّنْدُوَةِ، ثم رَماهَا بحَصاةٍ مثلِ الحِمَّصَةِ، ثم قال: «ارْمُوا، واتَّقُوا الوَجْهَ».
أخرَجَه أبو داودَ 4.
وإِنْ كَانَ الزَّانِى رَقِيقًا، فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يُغَرَّبُ.
4405 - مسألة: (وإن كان الزَّانِى رَقِيقًا، فحَدُّه خَمْسُونَ جَلْدَةً بكلِّ حالٍ، ولا يُغَرَّبُ)
حَدُّ العبدِ والأمَةِ خمْسون جَلْدَةً، بِكْرَيْن كانا أو وثَيِّبَيْن.
في قولِ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم عمرُ، وعلىٌّ، وابنُ مسعودٍ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، [ومالكٌ] 1، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ عباسٍ، وأبو عُبَيْدٍ: إن كانا مُزَوَّجَيْن فعليهما نِصْفُ الحَدِّ، ولا حَدَّ على غيرِهما؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ 2. فيدُلُّ بخِطابِه على أنَّه لا حَدَّ على غيرِ المُحْصناتِ.
وقال داودُ: على الأمَةِ نِصْفُ الحَدِّ إذا زَنَتْ بعدَ ما زُوِّجَتْ، وعلى العبدِ جَلْدُ مِائَةٍ بكُلِّ حالٍ.
وفى الأمَةِ إذا لم تُزَوَّجْ رِوايتان؛ إحداهما، لا حَدَّ عليها.
والأُخْرَى، تُجْلَدُ مِائَةً؛ لأَنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 3. عام، خَرَجَتْ منْه الأمَةُ المُحْصَنَةُ بقولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
فيَبْقَى العبدُ والأمَةُ التى لم تُحْصَنْ على مُقْتَضَى العُمُومِ.
..................................
ويَحْتَمِلُ دَلِيلُ الأمَةِ 1 في الخِطابِ أن لا حَدَّ عليها، كقولِ ابنِ عباسٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا لم يخْصَنا بالتَّزْويجِ، فعليهِما نصفُ الحدِّ، وإن أُحْصِنَا فعليهما الرَّجْمُ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيه، ولأنَّه حَدٌّ لا 2 يَتَبَعَّضُ، فوَجَب تَكْمِيلُه، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ ابنِ عبدِ اللَّهِ، [عن أبى هُرَيْرَةَ] 3 وزَيدِ بنِ حالدٍ 4، قالوا: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الأمَةِ إذا زَنَتْ ولم تُحْصَنْ، فقال: «إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَت فَبِيعُوهَا ولَوْ بِضَفِيرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 5. قال ابنُ شِهابٍ: [لا أدْرِى أبعدَ الثالثةِ أو الرابعةِ] 6. وهذا نَصٌّ جَلْدِ الأمَةِ إذا لم تُحْصَنْ، وهو حُجَّة على ابنِ عباسٍ ومُوافِقِيه وداودَ.
وجَعْلُ داودَ عليها مِائَةً إذا لم تُحْصَنْ، وخمسين إذا كانت مُحْصَنةً، خِلافُ ما شَرَع اللَّهُ تعالى، فإنَّ اللَّهَ تعالى ضاعَفَ عُقوبَةَ المُحْصَنَةِ على غيرِها، فجَحَل الرَّجْمَ على المُحْصَنَةِ،
..................................
والجَلْدَ على البِكْرِ، وداودُ ضاعَفَ عُقوبَةَ البِكْرِ على المُحْصَنَةِ، واتِّباعُ شَرْعِ اللَّهِ تعالى أوْلَى.
وأمَّا دَليلُ الخِطابِ، فقد رُوِى عن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إحْصانُها إسْلامُها 1. وقَرَأَهَا بفَتْحِ الألفِ.
ثم دليلُ الخِطابِ إنَّما يكونُ دَلِيلًا إذا لم يَكُنْ للتَّخْصِيصِ بالذِّكْرِ فائِدَةٌ سِوَى اخْتِصاصِه بالحُكْمِ، ومتى كانت له فائِدَةٌ أُخرَى 2، لم يَكُنْ دليلًا، مثلَ أن يَخْرُجَ مَخْرَجَ الغالبِ، أو للتَّنْبِيهِ، أو لمَعْنًى مِن المعانِى، ولهذا قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِى فِي حُجُورِكُمْ﴾ 3. ولم يَختَصَّ التَّحْرِيمُ باللَّائى في حُجُورِهم.
ؤقال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (3). وحَرُمَ حلائلُ الأبناءِ مِن الرَّضاعَ، وأَبْناء الأبناءِ.
وقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 4. وأُبِيحَ القَصْرُ بدونِ الخَوْفِ.
وأمَّا العَبْدُ فلا فَرْق بينَه وبينَ الأمَةِ، فالتَّنْصِيصُ على أحَدِهما يَثْبُتُ حُكْمُه في حَقِّ الآخَرِ، كما أنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ» 5. ثَبَتَ حُكْمُه في حَقِّ الأمَةِ.
ثم المَنْطُوقُ أوْلَى منه على كلِّ حالٍ.
وأمَّا أبو ثَوْرٍ، فخالَفَ نَصَّ قولِه تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ
..................................
مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}.
وعَمِلَ به فيما لم يَتَناوَلْه النَّصُّ، وخَرَق الإِجْماعَ في إيجابِ الرَّجمِ على المُحْصَناتِ، كما خَرَق داودُ الإِجْماعَ في تَكْمِيلِ الجَلْدِ على العَبِيدِ 1، وتَضْعيفِ حَدِّ الأبكارِ على المُحْصَناتِ.
فصل: ولا تَغْرِيبَ على عَبْدٍ ولا أمَةٍ.
وبهذا قال الحسنُ، وحمادٌ، ومالكٌ، وإسحاقُ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُغَرَّبُ نِصْفَ عام؛ لقولِه تعالى: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وجَلَد [ابنُ عُمَرَ] 2 مملوكًا له ونَفاهُ إلى فَدَكَ 3. وعن الشافعىِّ قَوْلان كالمذهَبَيْن 4. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَه بعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام» 5. ولَنا، الحديثُ المذكورُ في حُجَّتِنا، ولم يَذْكُرْ فيه تَغريبًا، ولو كان واجِبًا لذَكَرَه؛ لأنَّه لا يجوزُ تَأْخيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، وحديثُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: يا أَيُّها الناسُ، أَقِيمُوا على أرِقَّائِكُمُ الحَدَّ، مَن أحْصَن منهم 6، ومَن لم يُحْصِنْ، فإنَّ أمَةً لرسولِ اللَّهِ ووفي زَنَتْ، فأمَرَنى أن أجْلِدَها.
وذكرَ
..................................
الحديثَ.
رَواه أبو داودَ 1. ولم يَذْكُرْ أنَّه غَرَّبَها.
وأمَّا الآيَةُ، فإنَّها حُجَّةٌ لنا؛ فإنَّ العَذابَ المذْكورَ في القُرْآنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ لا غيرُ، فيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إليه دُونَ غيرِه، بدليلِ أنَّه لم يَنْصَرِفْ إلى 2 تَنْصِيفِ الرَّجمِ، ولأَنَّ التَّغْرِيبَ في حَقِّ العَبْدِ عُقُوبَةٌ لسَيِّدِه دونَه، فلم يَجِبْ في الزِّنى، كالتَّغْرِيمِ، ثم بَيانُ ذلك، أنَّ العَبْدَ لا ضَرَرَ عليه في تَغْرِيبِه؛ لأنَّه غَرِيبٌ في مَوْضِعِه، وَيَتَرَفَّهُ بتَغْرِيبِه مِن الخِدْمَةِ، ويَتَضَرَّرُ سَيِّدُه بتَفْوِيتِ خِدْمَتِه، والخَطَرِ بخُروجِه مِن تحتِ يَدِه، والكُلْفَةِ في حِفْظِه، والإِنْفاقِ عليه مع بُعْدِه عنه، فيَصيرُ الحَدُّ مَشْرُوعًا في حَقِّ غيرِ الزَّانِى، والضَّررُ على غيرِ الجانِى، وما فَعَل ابنُ عمرَ، ففى حقِّ نفسِه وإسْقاطِ حَقِّه، وله فِعْلُ ذلك مِن غيرِ زنى ولا جِنايَةٍ، فلا يكونُ حُجَّةً في حَقِّ غيرِه.
فصل: إذا زَنَى العبدُ، ثم عَتَقَ، فعليه حَدُّ الرَّقِيقِ؛ لأنَّه إنَّما يُقامُ عليه الحَدُّ الَّذى وَجَب عليه.
ولو زَنَى حُرٌّ ذِمِّىٌّ، ثم لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ثم سُبِىَ فاسْتُرِقَّ، حُدَّ حَدَّ الأحْرارِ؛ لأنَّه وَجَب عليه وهو حُرٌّ.
ولو كان أحَدُ الزّانِيَيْن رَقِيقًا، والآخَرُ حُرًّا، فعلى كلِّ وِاحدٍ منهما حَدُّهُ؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما إنَّما تَلْزَمُه عُقُوبَةُ جِنايَتِه.
ولو زَنَى بعدَ العِتْقِ، وقبلَ العِلْمِ به، فعليه حَدُّ الأحْرارِ؛ لأنَّه زَنَى وهو حُرٌّ.
وإن أقِيمَ عليه حَدُّ الرَّقِيقِ قبلَ العِلْمِ بحُرِّيّتِه، ثم عُلِمَتْ بعدُ، تُمِّمَ عليه حَدُّ الأحْرارِ.
وإن عَفَا السَّيِّدُ
وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً، وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُغَرَّبَ.
عن عَبْدِه، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، في قولِ عامَّةِ أهل العلمِ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال.
يَصِحُّ عَفْوُه.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه حَقٌّ للَّهِ تَعالى، فلا يَسْقُطُ بإسْقاطِ سَيِّدِه، كالعِباداتِ، وكالحُرِّ إذا عَفا عنه الإِمامُ.
فصل: فإن فَجَر بأمَةٍ، ثُمَّ قَتَلَها، فعليه الحَدُّ وقِيمَتُها.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو يوسفَ: إذا أوْجَبْتُ (1) عليه قِيمَتَها، أسْقَطْتُ الحَدَّ عنه؛ لأنَّه يَمْلِكُها بغَرامَتِه إيَّاها، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في سُقُوطِ الحَدِّ.
ولَنا، أنَّ الحَدَّ وَجَب عليه، فلم يَسْقُطْ بقَتْلِ المَزْنِىِّ بها، كما لو كانت حُرَّةً فغَرِمَ دِيَتَها.
وقولُه: إنَّه يَمْلِكُها.
غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه إنَّما غَرِمَها بعدَ قَتْلِها، ولم تَبْقَ مَحَلًّا للمِلْكِ، ثم لو ثَبَت أنَّه (2) مَلَكَها، [فإنَّما مَلَكَها] (3)، بعدَ وُجُوبِ الحَدِّ، فلم يَسْقُطْ عنه، كما لو اشْتَراها.
4406 -
مسألة: (وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَحَدُّهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً، وَتَغْرِيبُ نِصْفِ عَامٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُغَرَّبَ)
أمَّا الرَّجْمُ، فلا123
..................................
يَجِبُ عليه وإن كان مُحْصَنًا؛ لأَنَّ الحُرِّيَّةَ لم تَكْمُل فيه، وعليه نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ خَمْسُونَ جَلْدَةً، ونِصْفُ حَدِّ العَبْدِ خمسٌ وعشرون، فيكونُ عليه خَمسٌ وسبعونَ جَلْدَةً، ويُغَرَّبُ نِصْفَ عامٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُغَرَّبَ؛ لأَنَّ حَقَّ السيِّدِ في جميعِه في كلِّ الزَّمانِ، ونَصِيبُه مِن العبدِ لا تَغْرِيبَ عليه، فلا يَلْزَمُه تَرْكُ حَقِّه في بعضِ الزَّمانِ بما لا يَلْزَمُه، ولا تأخِيرُ حَقِّه بالمُهايَأَةِ مِن غيرِ رِضاه.
وإن قُلْنا بِوُجُوبِ تَغْرِيبِه، فيَنْبَغِى أن يكونَ زَمَنُ التَّغْرِيبِ مَحْسُوبًا على العَبْدِ مِن نَصِيبِه الحُرِّ، وللسَّيِّدِ نِصْف عام بَدَلًا عنه، وما زاد عن الحُرِّيَّةِ أو نَقَصَ عنها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثلَ أن يكونَ ثُلُثُه حرًّا، فمُقْتَضَى 1 ما ذكَرْنا أن يَلْزَمَه ثُلثَا حَدِّ الحُرِّ، وهو ستٌّ وستُّون جَلْدَةً وثُلُثان، فيَنْبَغِى أن يَسْقُطَ الكسرُ؛ لأَنَّ الحَدَّ متى دار بينَ الوُجُوبِ والإِسْقاطِ، سَقَط.
والمُدَبَّرُ والمُكاتَبُ وأمُّ الولَدِ بمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رَقِيقٌ كلّه، وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» 2.
وَحَدُّ اللُّوطِىِّ كَحَدِّ الزَّانِى سَوَاءً.
وَعَنْهُ، حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ.
4407 - مسألة: (وَحَدُّ اللُّوطِىِّ كَحَدِّ الزَّانِى سَوَاءً. وَعَنْهُ، حَدُّهُ الرَّجْمُ بِكُلِّ حَالٍ)
أجْمَعَ أهلُ العلمٍ على تَحْرِيمِ اللِّواطِ، وقد ذمَّه اللَّهُ تعالى في كتابِه، وعاب مَن فَعَلَه، وذمَّه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ 1. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، [لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْم لُوطٍ] 2، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» 3. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أَحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في حَدِّه؛
..................................
فرُوِىَ عنه، أنَّ حَدَّه الرَّجْمُ، بِكْرًا كان أو ثَيِّبًا.
وهذا قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ مَعْمَرٍ 1، والزُّهْرِىِّ، وأبى حَبِيبٍ 2، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وهو أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، أنّ حَدَّه حَدُّ الزِّنَى.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وهو المَشْهُورُ مِن قَوْلَى 3 الشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرّجُلَ، فَهُمَا زَانِيَانِ» 4. ولأنَّه إيلاجٌ في فَرْج من آدَمِىٍّ، لا مِلْكَ له فيه، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكانَ زِنًى، كالإِيلاجِ في فَرْجِ المرأةِ.
وإذا ثَبَت كَوْنُه زِنًى، دَخَلَ في عُموم الآيةِ والأخْبارِ فيه، ولأنه فاحِشَةٌ، فكان زِنًى، كالفاحِشَةِ بينَ الَرجُلِ
..................................
والمرأةِ.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّديقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أمَر بتَحْرِيقِ اللُّوطِىِّ.
وهو قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ؛ لِما روَى صَفْوانُ بنُ سُلَيْمٍ، عن خالدِ ابنِ الوليدِ، أنَّه وَجَد في بعضِ ضَواحِى العربِ رجُلًا يُنْكَحُ كما تُنْكَحُ المرأةُ، فكَتَب إلى أبى بكرٍ، فاسْتَشارَ أبو بكرٍ الصحابةَ فيه، فكان علىٌّ أشَدَّهم قَوْلًا فيه، فقال: ما فَعَل هذا إلَّا أُمَّةٌ مِن الأُممِ واحدةٌ، وقد عَلِمْتُم ما فَعَل اللَّهُ بها، أَرىَ أن يُحَرَّقَ بالنَّارِ.
فكَتَب أبو بكرٍ إلى خالدٍ، فحَرَقَه 1. وقال الحكمُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ ليس بمَحَلٍّ للوَطْءِ، أشْبَهَ غيرَ الفَرْجِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ والمَفْعُولَ بهِ».
رَواه أبو داودَ 2. وفى لَفْظٍ: «فَارْجُمُوا الأعلَى وَالأَسْفَلَ» 3. ولأنَّه
..................................
إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّهم أجْمَعُوا على قَتْلِه، وإنَّما اخْتَلَفوِا في صِفتِه.
واحْتَجَّ أحمدُ بعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهَ عنه، أنَّه كان يَرَى رَجْمَه.
ولأَنَّ اللَّهَ تعالى عَذَّبَ قَوْمَ لُوطٍ بالرَّجْمِ، فيَنْبَغِى أن يُعاقَبَ مَن فَعَل فِعْلَهم بمثْلِ عُقُوبَتِهم.
وقولُ مَن أسْقَطَ الحَدَّ عنه يُخالِفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، وقِياسُ الفَرْجِ على غيرِه لا يَصِحُّ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يكونَ في مَمْلُوكٍ له أو أجْنَبِىٍّ، لأَنَّ الذَّكَرَ ليسَ بمَحَل لوَطْءِ الذَّكَرِ، فلا يوثِّرُ مِلْكهُ له.
ولو وَطِئَ زَوْجَتَه أو مَمْلُوكَتَه في دُبُرِها، كان مُحَرَّمًا، ولا حَدَّ فيه؛ لأَنَّ المرأةَ مَحَلٌّ لِلوَطْءِ في الجُمْلَةِ، وقد ذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى حِلِّه، فكان ذلك شُبْهَةَ مانِعَةً مِن الحَدِّ، بخِلافِ التَّلَوُّطِ.
وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِىِّ عِنْدَ الْقَاضِى.
وَاخْتَارَ الْخِرَقِىُّ وَأَبُو بَكْرٍ، أَنَّهُ يُعَزَّرُ.
وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ.
4408 - مسألة: (وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ اللُّوطِىِّ عِنْدَ الْقَاضِى. وَاخْتَارَ الْخِرَقِىُّ وَأَبُو بَكْرٍ، أَنَّهُ يُعَزَّرُ. وَتُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ)
اخْتَلَفَت الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في الَّذى يَأْتِى البَهِيمَةَ، فرُوِىَ عنه، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه.
اخْتارَه الخِرَقِى، وأبو بكرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وإسْحاقَ.
وهو قولٌ للشافعىِّ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، حُكْمُه حُكمُ اللَّائِطِ سَواءً.
وقال الحسنُ: حَدُّه حَدُّ الزَّانِى.
وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ: يُقْتَلُ هو والبهيمةُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً، فَاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوهَا مَعَهُ».
رَواه أبو داودَ 1. ووَجْهُ الرِّوايَةِ
..................................
الأُولَى 1، أنَّه لم يَصِحَّ فيه نَصٌّ، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على الوَطْءِ في فَرْجِ الآدَمِىِّ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ لها، وليس بمَقْصودٍ يُحْتاجُ في الزَّجْرِ عنه إلى الحَدِّ، فإنَّ النُّفُوسَ تَعافُه، وعامَّتُها (1) تَنْفِرُ منه، فيَبْقَى على الأَصْلِ في انْتِفاءِ الحَدِّ، والحديثُ يَرْوِيه عمرُو بنُ أبى عَمْرٍو، ولم يُثْبِتْه أحمدُ.
وقال الطَّحاوِىُّ: هو ضَعِيفٌ.
ومذهبُ ابنِ عباسٍ خِلافُه، وهو الَّذى رُوِى عنه.
قال أبو داودَ: هذا يُضْعِفُ الحديثَ عنه.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يَأْتِى البَهِيمَةَ، فوَقَف عندَها، ولم يُثْبِت حديثَ عمرِو بن أبى (1) عمرٍو في ذلك.
ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يجوزُ أن يَثْبُتَ بحديثٍ فيه هذه الشُّبْهَةُ والضَّعْفُ، لكنَّه يُعَزَّرُ ويُبالَغُ في تَعْزِيرِه؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ، لا شُبْهَةَ له فيه، لم يُوجِبِ الحَدَّ، فأوْجَبَ التَّعْزِيرَ، كوَطْءِ المَيِّتَةِ.
..................................
فصل: وتُقْتَلُ البَهِيمَةُ.
وهذا قولُ أبى سَلمَةَ بن عبدِ الرحمنِ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وسَواءٌ كانتْ مملوكةً له أو لغيرِه، مَأْكُولَةً أو غيرَ مأكولةٍ.
وذَكَر ابنُ أبى موسى في «الإِرْشَادِ» في وُجُوبِ قَتْلِها رِوايَتَيْن.
وقال أبو بكرٍ: الاخْتِيارُ قَتْلُها، وإن تُرِكَتْ فلا بَأْسَ.
وقال الطَّحاوِىُّ: إن كانت مأكولةً ذُبِحَتْ، وإلَّا لم تُقْتَلْ.
وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ذَبْحِ الحيوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ 1. ووَجْهُ الأَوَّلِ؛
..................................
الحديثُ المَذْكُورُ، وفيه الأمْرُ بقَتْلِ البَهِيمَةِ، فلم يُفَرِّقْ بينَ كَوْنِها مَأْكُولةً أو غيرَ مَأْكُولَةٍ، ولا بينَ مِلْكِه وملكِ غيرِه.
فإن قِيلَ: الحديثُ ضَعِيفٌ، ولم تَعْمَلُوا به في قَتْلِ الفاعِلِ الجانِى، ففى حَقِّ حَيوانٍ لا جِنايَةَ منه أوْلَى.
قُلْنا: إنَّما لم يُعْمَلْ به في قَتْلِ الفاعِلِ على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، لوَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه 1 حَدٌّ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهذا إتْلافُ مالٍ، فلا تُؤَثِّرُ الشُّبْهَةُ فيه.
الثانى، أنَّه إتْلافُ آدَمِىٍّ، وهو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ حُرْمَةً، فلم يَجُزِ التَّهَجُّمُ 2 على إتْلافِه إلَّا بدَليلٍ في غايَةِ القُوَّةِ، ولا يَلْزَمُ مثلُ هذا
وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا.
وَهَلْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
في إتْلافِ مالٍ ولا حَيوانٍ سِواهُ.
فعلى هذا، إن كان الحَيوانُ للفاعِلِ، ذَهَبَ هَدْرًا، وإن كان لغيرِه، فعلى الفاعلِ غَرامَتُه؛ لأنَّه سَبَبُ إتْلافِه، فيَضْمَنُه، كما لو نَصَب له شَبَكَةً فتَلِفَ بها.
4409 -
مسألة: (وَكَرِهَ احْمَدُ أَكْلَ لَحْمِهَا. وَهَلْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)
وللشافعىِّ أيضًا في ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، يَحِلُّ أكلُها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ 1. ولأنَّه حَيوانٌ ذَبَحَه مَن هو مِن أَهْلِ الذَّكاةِ، يجوزُ أكْلُه، فأشْبَهَ ما لو لم يُفْعَلْ به هذا الفعلُ، ولكن يُكْرَهُ أكلُه؛ لشُبْهَةِ التَّحْريمِ.
والثانى، لا يَحِلُّ أكْلُها؛ لِما رُوِى عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قِيلَ له: ما شأْنُ البَهيمةِ؟ قال: ما أُراه قال ذلك إلَّا
..................................
أنَّه كَرِه أكْلَها، وقد فُعِلَ بها هذا الفِعْلُ 1. ولأنَّه حَيوانٌ يَجِبُ قَتْلُه لحَقِّ اللَّهِ تعالى، فلم يَجُزْ أكلُه، كسائِرِ المقْتُولاتِ.
واخْتُلِف [في عِلَّةِ] 2 قتْلِها، فقِيلَ: إنَّما قُتِلَتْ لِئَلَّا يُعَيَّرَ 3 فاعِلُها 4، ويُذَكَّرَ برُؤْيَتِها.
وقد روَى ابنُ بَطَّةَ، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ وَجَدْتموهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ، واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما بالُ البَهِيمةِ؟ قال: «لا يُقَالُ هَذِهِ وَهَذِه».
وقيل: لِئَلَّا تَلِدَ خَلْقًا مُشَوَّهًا.
وقيلِ: لِئَلَّا تُؤْكَلَ.
وإليه أشارَ ابنُ عباس في تَعْلِيلِه.
ولا يَجِبُ قَتْلُها حتَّى يَثْبُت هذا العَمَلُ بها ببَيِّنَةٍ، فأمَّا إن أقَرَّ الفاعِلُ، فإن كانتِ البَهِيمَةُ له، ثَبَت بإقْرارِه، وإن كانت لغيرِه، لم يَجُزْ قَتْلُها بقَوْلِه؛ لأنَّه إقْرارٌ على مِلْكِ غيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بها لغيرِ مالكِها.
وهل يَثْبُت هذا بشاهِدَين عَدْلَيْن، وإقْرارٍ مَرَّةً، ويُعْتَبَرُ فيه (3) ما يُعْتَبَرُ في الزِّنَى؟ على وَجْهَيْن، نَذْكُرُهما في مَوْضِعِهما، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَطَأَ فِى الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا.
فصل
: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَطَأَ فِى الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَن وَطِئَ امرأةً في قُبُلِها حَرامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زانٍ 1 يجبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه.
والوَطْءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيه 2 ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوَطْءِ في القُبُلِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ 3: الآية، ثم بَيَّنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قد جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا: «البِكْر بالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ» 4. والوَطْءُ في الدُّبُرِ فاحِشَةٌ، لقولِ اللَّهِ تعالى في قومِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ 5. يعنى الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجالِ.
ويُقالُ: أوَّلُ ما بَدَأ قومُ لُوطٍ بوَطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ.
وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الْفَرْجِ، فَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ،
4410 - مسألة: (وَأَقَلُّ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الفَرْجِ)
لأَنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به، ولا تَتَعَلَّقُ بما دُونَه.
4411 -
مسألة: (فإنْ وَطِئَ دُونَ الفَرْجِ)
فلا حَدَّ عليه؛ لِما روَى ابنُ مسعودٍ أنَّ رَجُلًا جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنِّى وَجَدْتُ امْرأةً في البُسْتانِ، فأصَبْتُ منها كلَّ شئٍ، غيرَ أنِّى لم أنْكِحْها، فافْعَلْ بى ما شِئْتَ.
فَقَرَأَ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية 1. رَواه النَّسائِىُّ 2. وعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه مَعْصِيَةٌ ليس فيها حَدٌّ ولا كَفَّارَةٌ، فأشْبَهَ ضَرْبَ النَّاسِ والتَّعَدِّىَ عليهم.
وظاهِرُ الحديثِ يَدُلُّ على أنَّه لا تَعْزِيرَ عليه إذا جاء تائِبًا؛
أَوْ أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا.
لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه، ويفارِقُ ضَرْبَ الناسِ والتَّعَدِّىَ عليهم، لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ.
4412 -
مسألة: (وإنْ أَتَتِ الْمَرْأةُ الْمَرْأةَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا)
إذا تَدالَكَتِ امرأتانِ، فهما مَلْعُونَتان؛ لِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا أَتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ، فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (1). ولا حَدَّ عليهما؛ لأنَّه لا يتَضَمَّنُ إيلاجًا، فأشْبَهَ المُباشَرَةَ دُونَ الفَرْجِ، وعليهما التَّعْزِيرُ، لأنَّه زِنًى لا حَدَّ فيه، فأشْبَهَ مُباشَرَةَ الرجلِ المرأةَ مِن غيرِ جِماعٍ.
فصل
: ولو وُجدَ رجلٌ مع امرأةٍ، يُقَبِّلُ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه، ولم يُعْلَمْ هل وَطِئَها أو لا؟ فلا حَدَّ عليهما، فإنْ قالا: نحنُ زَوْجانِ.
واتَّفَقا على ذلك، فالقولُ قَوْلُهما.
وبه قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
فإن شُهِدَ عليهما بالزِّنَى، فقالا: نحن زَوْجانِ.
فقِيلَ: عليهما الحَدُّ إن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ بالنِّكاحِ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ الشَّهادَةَ بالزِّنَى تَنْفِى كَوْنَهما زَوْجَيْن، فلا تَبْطُلُ بمُجَرَّدِ قولِهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ الحَدُّ إذا لم يُعْلَمْ كَوْنُها أجْنَبِيَّةً منه؛ لأَنَّ ما ادَّعَياهُ مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً، كما لو شُهِدَ عليه بالسَّرِقَةِ، فادَّعَى1
فَصْلٌ: الثَّانِى، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَوْ لِوَلَدِهِ، أنَّ المَسْرُوقَ مِلْكُه.
فصل
: (الثَّانِى، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَوْ لِوَلَدِهِ) [أُدِّبَ ولم يُبْلَغْ به الحَدُّ] 1. وجملةُ ذلك، أنَّ مَن وَطِئَ جارِيةَ وَلَدِه، فإنَّه لا حَدَّ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، وأهلُ المَدينةِ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يجبُ 2 عليه الحَدُّ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه إجْماعٌ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، أشْبَهَ وَطْءَ جارِيَةِ أبِيه.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلا يجبُ به الحَدُّ، كوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ، والدَّلِيلُ على تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 3.
أَوْ وَجَدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ، ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، أَوْ دَعَا الضَّرِيرُ
فأضافَ مالَ ولدِه إليه، وجَعَلَه له، فإذا لم تَثْبُتْ حَقِيقَةُ المِلْكِ، فلا أقلَّ مِن جَعْلِه شُبْهَةً دارِئَةً للحَدِّ الَّذى يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ القائِلِين بانْتِفاءِ الحَدِّ في عَصْرِ مالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، ومَن وافَقَهُما، قد اشْتَهَرَ قولُهم، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان ذلك إجْماعًا.
وكذلك إن كان لوَلَدِه فيها شِرْكٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا حَدَّ على الجارِيَةِ؛ لأَنَّ الحَدَّ انْتَفَى عن الواطِئَ لشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَنْتَفِى عن المَوْطُوءَةِ، كوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، ولأَنَّ المِلْكَ مِن قَبِيلِ المُتَضَايِفاتِ، إذا ثَبَت في أحَدِ المُتَضَايِفَينِ ثَبَت في الآخَرِ، فكذلك شُبْهَتُه، ولا يَصِحُّ القِياسُ على وَطْءِ جارِيَةِ الأبِ؛ لأنَّه لا مِلكَ للولدِ فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، بخِلافِ مسألَتِنا.
وحَكَى (1) ابنُ أبى موسى قولًا في وَطْء جارِيَةِ الأبِ [والأُمِّ] (2)، أنَّه لا يُحَدُّ؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه، أشْبَهَ الأَبَ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، وعليه عامَّةُ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْنا.
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بوَطْءِ جاريَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَه وبينَ غيرِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأَىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ.
ولَنا، أنَّه فَرْجٌ له فيه مِلْكٌ، فلا يُحَدُّ بوَطْئِه، كالمُكاتَبَةِ والمَرْهُونَةِ.
4413 -
مسألة: (أو وَجَد امرأةً)
نائِمَةً (على فِراشِه، ظَنَّها امرأتَه12
امْرَأتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا، فَوَطِئَهَا،
أو جَارِيَتَه، أو دَعا الضَّرِيرُ امْرَأتَه أو جَارِيَتَه، فأجابَه غيرُها، فوَطِئَها) فلا حَدَّ عليه.
وجملةُ ذلك، أنَّ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ زَوْجَتِه، وقيل له: هذه زَوْجَتُك.
فَوَطِئَها يَعْتَقِدُها زَوْجَتَه، فلا حَدَّ عليه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن لم يُقَلْ له: هذه زوجتُك.
أو وَجَد على فِراشِه امرأةً ظَنَّها امرأتَه أو جارِيَتَه، فوَطِئَها، أو دعا زوْجَتَه [أو جارِيَتَه] 1 فجاءَتْه غيرُها، فوَطِئَها يَظُنُّها المَدْعُوَّةَ، أو اشْتَبَهَ عليه ذلك؛ لعَماهُ 2، فلا حَدَّ عليه.
وبه قال الشافعىُّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في مَحَلٍّ [لا مِلْكَ] 3 له فيه.
ولَنا، أنَّه وَطْء اعْتَقَدَ إباحَتَه بما يُعْذَرُ مثْلُه فيه، فأشْبَهَ ما لَو قِيل له: هذه زَوْجَتُك.
ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهذه مِن أعْظَمِها.
فأمَّا إن دَعَا مُحَرَّمَةً عليه، فأجابَه غيرُها فوَطِئها يَظُنُّها المَدْعُوَّةَ، فعليه الحَدُّ، سَواءٌ كانتِ المَدْعُوَّةُ ممَّن له فيها 4 شُبْهَةٌ، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، أولم يَكُنْ؛ لأنَّه لا يُعْذَرُ بهذا، فأشْبَهَ ما لو قَتَل رَجلًا يَظُنُّهُ ابنَه، فبانَ أجْنَبِيًّا.
أَوْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِهِ، أو وَطِئَ امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا، أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا،
4414 - مسألة: (أَوْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِهِ، أو وَطِئَ امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا، أَوْ حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا)
لا يجبُ الحَدُّ بالوَطْءِ 1 في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ في صِحَّتِه، كنِكاحِ المُتْعَةِ، والشِّغَارِ، والنِّكاحِ بلا وَلِىٍّ، والتَّحْلِيلِ، والنِّكاحِ بغيرِ شُهُودٍ، ونكاحِ الأُخْتِ في عِدَّةِ أُخْتِها، والخامِسَةِ في عِدَّةِ الرَّابعةِ البائنِ، ونِكاحِ المَجُوسِيَّةِ.
وهذا قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأَنَّ الاخْتِلافَ في إباحةِ الوَطْءِ فيه شُبْهَةٌ، والحُدُودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وحُكِىَ عن ابنِ حامدٍ وُجُوبُ الحَدِّ بالوَطْء في النِّكاحِ بِلا وَلِىٍّ.
والمذهبُ الأَوَّلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 2: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ