الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 251-290

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 251-290

..................................  إلَّا بنِيَّةٍ؛ [لقوْلِه 1: وإذا أتى بصريحِ الطَّلاقِ، وقعَ، نَواه أو لم يَنْوِه.
فمفهومُه أنَّ غيرَ الصَّريحِ لا يَقعُ إلَّا بنيَّةٍ] 2، لأنَّه كنايةٌ، فأشْبَهَ سائِرَ الكِناياتِ.
فصل: إذا ثَبَتَ اعْتِبارُ النِّيَّةِ، فإنَّها تُعْتبرُ [مُقارِنةً للفظهِ] 3، فإن وُجِدَتْ في ابْتدائِه، وعزَبتْ عنه في سائِرِه، وقَعَ الطَّلاقُ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لا يقَعُ، فلو قال: أنتِ بائنٌ.
يَنْوِى الطَّلاقَ، وعزَبتْ عنه 4 حينَ قال: أنت بائِنٌ.
لم يَقَعْ، لأَنَّ القَدْرَ الذى صاحَبَتْه النِّيَّةُ لا يقَعُ به شئٌ.
ولَنا، أنَّ ما يُعْتَبَرُ له النِّيَّةُ يُكْتَفَى فيه بوُجودِها فىِ أوَّلِه، كالصلاةِ وسائرِ العباداتِ.
فأمَّا إنْ تلَفَّظَ بالكنايةِ غيرَ ناوٍ، ثم نوَى بها بعدَ ذلك، لم يَقَعْ بها الطَّلاقُ، كما لو نَوَى الطَّهارةَ بالغُسْلِ بعدَ فَراغِه منه.

إِلَّا أَنْ يَأتِىَ بِهَا فِى حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.

3458 - مسألة: (إلَّا أَنْ يَأتِىَ بِهَا فِى حالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ، فَعَلى رِوَايَتَيْن)

ذكَرَهما أبو بكرٍ، والقاضى، وأبو الخَطَّابِ؛ إحْداهما، يَقَعُ الطَّلاقُ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
قال في روايةِ المَيْمُونِىِّ: إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ حُرَّةٌ لوَجْهِ اللَّهِ.
في الغَضبِ، فأخْشَى أن يكونَ طَلاقًا.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، ليس بطَلاقٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ يقولُ في: اعتَدِّى، واخْتارِى، وأمْرُك بيَدِك.
كقَوْلِنا في الوُقوعِ.
واحْتَجَّا بأنَّ هذا ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولم يَنوِه، فلم يَقَعْ به الطَّلاق، كحالِ الرِّضَا، ولأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لا يتَغَيَّرُ بالرِّضا والغَضبِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ ما كان مِن الكِناياتِ لا يُسْتَعْمَلُ في غيرِ الفُرْقةِ إلَّا نادِرًا، نحوَ قولِه: أنتِ حُرَّةٌ لوَجْهِ اللَّهِ.
و: اعْتَدِّى.
و: اسْتَبْرِئِى رَحِمَكِ.
و: حَبْلُكِ

..................................  على غارِبِكِ.
و: أنتِ بائنٌ.
وأشباهُ ذلك، أنَّه يقَعُ في حالِ الغَضبِ وجوابِ سؤالِ الطَّلاقِ مِن غيرِ نيَّةٍ، وما كَثُرَ [اسْتِعْمالُه لغيرِ ذلك، نحوَ: اخْرُجى.
و: اذْهَبِى.
و: رُوحِى.
و 1: تَقَنَّعِى.
لا يقَعُ الطَّلاق به إلَّا بنِيَّةٍ.
ومذهبُ أبى حنيفةَ قريبٌ مِن هذا.
وكلامُ الخِرَقِىِّ إنَّما ورَدَ في قولِه: أنتِ حُرَّةٌ.
وهو ممَّا لا يَسْتَعْمِلُه الإِنْسانُ في حَقِّ زَوْجَتِه غالبًا إلَّا كِنايةً عن الطَّلاقِ، ولا يَلْزَمُ مِن الاكتِفاءِ بذلك 2 بمُجَرَّدِ الغضَبِ وُقوعُ غيرِه مِن غيرِ نِيَّةٍ، لأَنَّ ما كثُرَ] 3 اسْتِعْمالُه يُوجَدُ كثيرًا غيرَ مُرادٍ به الطَّلاقُ في حال الرِّضا، فكذلك في حالِ الغَضبِ، إذْ لا حَجْرَ عليه في اسْتِعْمالِه والتَّكَلُّمِ [به، بخِلافِ] 4 ما لم تَجْرِ العَادةُ بذِكْرِه، فإنَّه لمَّا قَلَّ اسْتعمالُه في غيرِ الطَّلاقِ، كان مُجَرَّدُ ذِكْرِه يُظَنُّ منه إرادةُ الطَّلاقِ،

..................................  فإذا انْضَمَّ إلى ذلك مَجِيئُه عَقِيبَ سُؤالِ الطَّلاقِ أو في حالِ الغَضبِ، قَوِىَ الظَّنُّ، فصارَ ظَنًّا غالبًا.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُخْرَى، أن دَلالةَ الحالِ تُغَيِّرُ حُكْمَ الأقْوالِ والأفْعالِ؛ فإنَّ مَنْ قالَ لرجلٍ: يا عفيفُ ابن العفيفِ.
حالَ تَعْظِيمِه كان مَدْحًا له، وإنْ قالَه في حالِ شَتْمِه [وتَنَقُّصِه] 1 كان قذْفًا وذَما.
ولو قال: إنَّه لا يَغْدِرُ بذِمَّةٍ، ولا يَظْلِمُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ، وما أحدٌ أوْفى ذِمَّةً منه.
في حالِ المدْحِ كان مَدْحًا بَلِيغًا، كما قال حسَّانُ 2: فما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها … أبَرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً مِن مُحَمَّدِ ولو قالَه في حالِ الذَّمِّ كان هجْوًا قَبِيحًا، كقولِ النَّجَاشِىِّ 3: قُبَيِّلَةٌ 4 لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ … ولا يَظِلمونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ وقال آخرُ 5: كأنَّ رَبِّىَ لم يَخْلُقْ لخَشْيَتِه … سِواهُمُ مِن جَميعِ النَّاسِ إنْسانًا وهذا في هذا الموضعِ هجاءٌ قَبِيحٌ وذمٌّ، حتى حُكِىَ عن حسَّانَ أنَّه قال:

وَإِنْ جَاءَتْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلاقَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقَعُ بِهَا الطَّلاقُ.
وَالأَوْلَى فِى الأَلفَاظِ الَّتِى يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا لِغَيْرِ الطَّلاقِ، نَحْوَ: اخْرُجِى، وَاذْهَبِى، وَرُوحِى، أنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
ما أراه إلَّا قد سَلَحَ (1) عليهم.
ولولا القَرينةُ ودَلالةُ الحالِ كان مِن أحسن المدْحِ وأبلَغِه.
وفى الأفْعالِ لو أنَّ رجلًا قصدَ رجلًا بسيفٍ، والحالُ تَدُلُّ على المَزْحِ واللَّعِبِ، لم يَجُزْ قَتْلُه، ولو دلَّتِ الحالُ على الجِدِّ، جازَ دَفْعُه بالقَتْلِ.
والغضبُ ههُنا [يَدُلُّ على قَصْدِ] (2) الطَّلاقِ، فيقومُ مَقامَه.

3459 -

مسألة: (وإنْ جَاءَتْ جَوَابًا لسُؤالِهَا الطَّلاقَ، فَقَالَ أصحَابُنا: يَقَعُ بِهَا الطَّلاقُ)

لدَلالةِ الحالِ عليه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أتَى بها في حالِ الغَضبِ، على ما فيه مِن الخلافِ والتَّفْصيلِ.
والوَجْهُ لذلك ما تَقَدَّمَ مِن التَّوْجيهِ.
قال شيخُنا: (والأَوْلَى في الألْفاظِ التى يَكْثُرُ اسْتعمالُها لغيرِ الطَّلاقِ، نحوَ: اخْرُجِى، و: اذْهَبِى، و: رُوحِى، أنَّه لا يقَعُ بها طلاقٌ حتى يَنْوِيَه) بخلافِ ما لا يُسْتَعْمَلُ في غيرِ الطَّلاقِ إلَّا نادِرًا.
وقد ذكَرْنا في المسألةِ التى قبلَها دَليلَ ذلك.12

..................................  فصل: فإنِ ادَّعَى أنَّه لم يَنْوِ، فالمنْصوصُ عن أحمدَ ههُنا، أنَّه لا يُصَدَّقُ في عَدمِ النِّيَّةِ.
قال في روايةِ أبى 1 الحارثِ: إذا قال: لم أنْوِه.
صُدِّقَ في ذلك إذا لم تَكُنْ سأَلَتْه الطَّلاقَ، وإن كان بينَهما غَضبٌ، قُبلَ ذلك.
ففَرَّقَ بينَ كونِه جوابًا للسُّؤالِ وكَوْنِه في حالِ الغَضبِ؛ وذلك لأَنَّ الجوابَ يَنْصَرِفُ إلى السُّؤالِ، فلو قال: لى عندَك دينارٌ؟ قال: نعم.
أو: صدَقْتَ.
كان إقْرارًا به، ولم يُقْبَلْ منه (1) تَفْسيرُه بغيرِ الإقْرارِ.
ولو قال: زَوَّجْتُك ابْنَتِى.
أو: بعْتُك ثَوْبِى هذا.
قال: قَبِلْتُ.
كَفَى هذا، ولم يحْتَج إلى زيادَةٍ عليه.
ولو أرادَ بالكِنايةِ حالَ الغَضبِ أو سُؤالِ الطَّلاقِ غيرَ الطَّلاقِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه لو أرادَه بالصَّريحِ لم يقَعْ، فالكنايةُ أوْلَى.
وإذا ادَّعَى ذلك دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ ظاهرُ كلامِ أحمدَ في رِوايةِ أبى (1) الحارثِ، أنَّه يُصَدَّقُ إن كان في حالِ 2 الغَضبَ ولا يُصَدَّقُ إن كان جوابًا لسُؤالِ الطَّلاقِ.
ونُقِلَ عنه في موضِعٍ آخَرَ أنَّه قال: [إذا قال] 3: أنتِ خَلِيَّةٌ.
أو: بَرِيَّةٌ.
أو: بائنٌ.
ولم يَكُنْ بينَهما ذِكْرُ طَلاقٍ ولا غضبٌ، صُدِّقَ.
فمَفْهومُه أنَّه لا يُصَدَّقُ مع

وَمَتَى نَوَى بِالْكِنَايَةِ الطَّلاقَ، وَقَعَ بِالظَّاهِرَةِ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً.
وُجودِهما.
وحُكِىَ هذا عن أبى حنيفةَ، إلَّا في الأربعةِ المذْكورةِ.
والصَّحيحُ أنَّه يُصَدَّقُ؛ لِما روَى سعيدٌ (1) بإِسْنادِه، أنَّ رجلًا خطَبَ إلى قومٍ فقالوا: لا نُزَوِّجُكَ حتى تُطَلِّقَ امرأتَك.
فقال: قد طَلَّقْت ثلاثًا.
فزَوَّجُوه (2)، ثم أمْسَك امرأتَه، فقالوا: ألم تَقُلْ إنَّكَ طَلَّقْتَ ثلاثًا؟ قال: ألم تعْلموا أنِّى تَزَوَّجْتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها، ثم تَزَوَّجتُ فلانةَ ثم طَلَّقْتُها، ثم تَزَوَّجتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها.
فسُئِلَ عثمانُ عن ذلك، فقال: له نِيَّتُه.
ولأنَّه أمْرٌ تُعْتَبَرُ نِيَّتُه فيه، فقُبِلَ قولُه فيما يَحْتَمِلُه، كما لو كرَّر لفظًا، قال: أرَدْتُ التَّوْكيدَ.
واللَّهُ أعلمُ.

3460 -

مسألة: (ومَتَى نَوَى بالكِنايَةِ الطَّلاقَ، وَقَعَ بالظَّاهِرَةِ ثلاثٌ وإنْ نَوَى وَاحِدَةً)

هذا ظاهرُ المذهبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن إجْماعِ12

وَعَنْهُ، يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَقَعُ بِهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً.
الصَّحابةِ (وعنه، يقعُ ما نَوَاهُ) وهو مذهبُ الشافعىِّ، كالكِناياتِ الخَفِيَّةِ، ولحديث رُكانةَ 1 (وعنه، تَقَعُ واحدةً بائنةً) وهى رِوايةُ

وَيَقَعُ بِالْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ.
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، وَقَعَ وَاحِدَةً.
حَنْبَلٍ؛ لِما ذَكَرنا مِن قبلُ (ويقَعُ بالخَفِيَّةِ ما نَوَاهُ) لأنَّه مُحْتَمِلٌ له 1. وهو قولُ الشافعىِّ.
إلَّا إذا قال: أنتِ واحدةٌ.
فإنَّه لا يقعُ بها إلَّا واحدةً وإن نَوَى ثلاثًا؛ لأنَّها لا تَحْتَمِل غيرَ الواحدةِ.
ذكَرَه شيخُنا.

وَأَمَّا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ، نَحْوَ: كُلِى، وَ: اشْرَبِى، وَ: اقْعُدِى، وَ: اقْرُبِى، وَ: بَارَكَ اللَّه عَلَيْكِ، وَ: أَنْتِ مَلِيحَةٌ، أَوْ: قَبِيحَة، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَى.
فصل: والطَّلاقُ الواقعُ بالكِناياتِ رَجْعِىٌّ، ما لم يَقَعْ به الثَّلاثُ، في ظاهِرِ المذهبِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: كلُّها بَوائنُ، إلَّا: اعْتَدِّى، و: اسْتَبْرئِى رَحِمَك، و: أنتِ واحدةٌ؛ لأنَّها تَقْتَضِى البَيْنُونةَ، فتَقَعُ، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ صادفَ مَدْخولًا بها، مِن غيرِ عِوَضٍ ولا اسْتِيفاءِ عَدَدٍ، فوَجَبَ أَنْ يكونَ رَجْعِيًّا، كصَريحِ الطَّلاقِ وما سَلَّمُوه من الكِناياتِ.
وقولُهم: إنَّها تَقْتَضى البَيْنُونَةَ.
قُلْنا: فيَنْبَغِى أن تَبِينَ بثلاثٍ؛ لأَنَّ المدْخولَ بها لا تبِينُ إلَّا بعِوَضٍ أو ثلاثٍ.

3461 -

مسألة: (وَأمَّا مَا لا يَدُلُّ عَلَى الطَّلاقِ، نَحْوَ: كُلِى، و: اشْرَبِى، و: اقْعُدِى، و: اقْرُبِى، و: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكِ، و: أنْتِ مَلِيحةٌ، أَوْ: قَبِيحَةٌ)

وقُومِى، و: أطْعِمِينِى، و: اسْقِينِى، و: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ، و: ما أحْسنَكِ.
وأشْبَاهُ ذلِكَ، فليسَ بِكِنَايَةٍ، وَلَا تَطْلُقُ به (وإنْ نَوَى) لأَنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ، فلو

..................................  وقعَ به الطَّلاقُ وقعَ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يَقَعُ بها.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعىِّ في قولِه: كُلِى، و: اشْرَبِى.
فقال بعْضُهم كقَوْلِنا، وقال بعضُهم: هو كناية؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: كُلِى ألَمَ الطَّلاقِ، و: اشْرَبى كَأسَ الفِراقِ.
فوقَع، كقَوْلِه: ذُوقِى 1، و: تَجَرَّعِى.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ لا يستَعْمَلُ بمفْرَدِه إلَّا فيما لا ضَرَرَ فيه، كنحْوِ قولِه تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 2. وقال: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 3. فلم يَكُنْ كنايةً، كقولِه: أطْعِمِينى.
وفارَقَ: ذُوقِى، و: تَجرَّعِى.
فإنَّه يُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ؛ كقَوْلِه 4 سبحانه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ 5. وَ ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ 6. و: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ 7. وكذلك التَّجَرُّعُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ 8. فلم يَصِحَّ أن يلحَقَ بهما ما ليس مثْلَهما.

وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا طَالِقٌ.
فَإِنْ قَالَ: أنَا مِنْكِ طَالِقٌ.
فَكَذَلِكَ.
وَيَحْتَمِل أنَّهُ كِنَايَةٌ.

3462 - مسألة: (وكذلِك قَوْلُه: أنا طالِقٌ)

لأَنَّ الزَّوْجَ ليس مَحَلًّا للطَّلاقِ (وإن قال: أنا منكِ طَالِقٌ) لم تَطْلُقْ زَوْجَتُه.
نَصَّ عليه في رِوايةِ الأَثْرَمِ، في رجل جَعَلَ أمَرَ امْرأتِه بيَدِها، فقالت: أنتَ طالقٌ.
لم تَطْلُقْ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ 1، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (ويَحْتَمِلُ أنَّه كنايةٌ) تَطْلُقُ 2 به إذا نَوَى.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، [والنَّخَعِىِّ] 3، والقاسِمِ، وإسْحاقَ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ إزالَةُ النِّكاحِ، وهو مُشتَرَكٌ بينَهما، فإذا صَحَّ في أحَدِهما صَحَّ في الآخَرِ.
ولا خِلافَ في أنَّه لا يَقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ لا يَقَعُ الطَّلاقُ إذا أضافَه إليه مِن غيرِ نِيَّةٍ، فلم يَقَعْ وإنْ نَوَى، كالأجْنَبِىِّ، ولأنَّه لو قال: أنا طالقٌ.
ولم يَقُلْ: منكِ.
لم يقَعْ،

وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ.
أَوْ: حَرَامٌ.
فَهَلْ هُوَ كِنَايَةٌ، أَوْ لَا؟ عَلى وَجْهَيْنِ.
ولو كان مَحَلًّا للطَّلاقِ لوَقَعَ بذلك، كالمرأةِ، ولأَنَّ الرَّجلَ مالكٌ في النِّكاحِ، والمرأةَ مَمْلُوكةٌ، فلم تَقَعْ إِزالةُ المِلْكِ بالإِضافةِ إلى المالِكِ، كالعِتْقِ، ويَدُلُّ على هذا أنَّ الرَّجلَ لا يُوصَف بأنَّه مُطلَّقٌ، بخِلافِ المرأةِ.
وجاء رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ فقال: ملَّكْتُ امْرأتِى أمْرَها، فطَلَّقَتْنِى ثلاثًا.
فقال ابنُ عباسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوْأَهَا (1)، إنَّ الطَّلاقَ لك وليس لها عليك.
روَاه أبو عُبَيْدٍ (2)، والأَثْرَمُ.
واحْتَجَّ به أحمدُ.

3463 -

مسألة: (وإن قال: أنا مِنْكِ بائنٌ. أو: حَرَامٌ. فهل هو كِنَايَةٌ أَوْ لا؟ على وَجْهَيْن)

إذا قال: أنا منكِ بائنٌ.
أو: بَرِئٌ.
فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عنها.
وقال أبو عبدِ 3 اللَّهِ ابنُ حامدٍ: يَتَخَرَّجُ 4 على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا يَقَعُ؛ لأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لا يَقَعُ12

..................................  الطَّلاقُ بإضافةِ صريحِه إليه، فلم يَقَعْ بإضافةِ كنايتِه إليه، كالأجْنَبِىِّ.
والثَّانى، يَقَعُ؛ لأَنَّ لفظَ البَيْنُونةِ والبراءةٍ والتَّحْريمِ يُوصَفُ به كُل واحدٍ مِن الزَّوْجَيْن، يُقال: بانَ منها، وبانتْ منه [وبَرِئَ منها، وبَرِئَتْ منه] 1، وحَرُمَ عليها، وحَرُمَتْ عليه.
وكذلك لَفْظُ الفُرْقَةِ يُضافُ إليهما، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ 3. ويُقالُ: فارَقَتْه المرأةُ وفارَقَها.
ولا يُقالُ: طَلَّقَتْه ولا سَرَّحَتْه، ولا تَطَلَّقَا ولا تَسَرَّحا.
فإن قال: أنا بائنٌ.
ولم يقُلْ: منكِ.
فذكر القاضى فيما إذا قال لها: أمرُكِ بيَدِك.

فَإنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ كَظَهْرِ أُمِّى.
يَنْوِى بهِ الطَّلاقَ، لَمْ يَقَعْ، وَكَانَ ظِهَارًا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ.
أَوْ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَىَّ حَرَامٌ.
فَفِيهِ ثَلَاثُ  فقالت: أنتَ بائنٌ.
ولم تَقُلْ: مِنِّى.
أنَّه لاْ يَقَعُ، وجْهًا واحدًا.
وإن قالت: أنا بائنٌ.
ونَوَتْ، وَقَع.
وإن قالتْ: أنتَ مِنِّى بائنٌ.
فعلى الوَجْهَيْن، فيُخرَّجُ ههنا مثلُ ذلك.

3464 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ عَلَىَّ كظَهْرِ أُمِّى. يَنْوِى به الطَّلاقَ، لم يَقَعْ، وكان ظِهارًا)

لأنَّه صَريحٌ [في الظِّهارِ] (1)، فلم يكُنْ كنايةً في الطَّلاقِ، كما لا يَكُونُ الطَّلاقُ كِنايةً في الظِّهارِ، ولأَنَّ الظِّهارَ تَشْبِيهٌ (2) بمَن هى مُحَرَّمَةٌ على التَّأْبِيدِ، والطَّلاقُ يُفيدُ (3) تَحْريمًا غيرَ مُؤَبَّدٍ، فلم تَصِحَّ الكنايةُ بأحَدِهما عَن الآخَرِ.
ولو صرَّحَ به فقال: أعْنِى به الطَّلاقَ.
لم يَصِرْ طَلاقًا؛ لأنَّه لا تَصْلُحُ الكِنايةُ به عنه.
3465 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ علَىَّ حَرَامٌ. أو: ما أحَلَّ اللَّهُ

123

رِوَايَاتٍ؛ إِحْدَاهُنَّ، أَنَّهُ ظِهَارٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَالثَّانِيَةُ، كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ.
وَالثَّالِثَةُ، هُوَ يَمِينٌ.
عَلَىَّ حَرَامٌ.
فَفيه ثَلاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أنَّه ظِهَارٌ وإن نَوَى الطَّلاقَ.
اخْتَارَه الخِرَقِىُّ.
والثانية، كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ.
والثالثةُ، هو يَمِينٌ) إذا قال ذلك وأطْلَقَ، فهو ظِهارٌ.
وقال الشافعىُّ: لا شئَ عليه.
وله قولٌ آخَرُ: عليه كَفَّارةُ يَمِينٍ، وليس بيَمينٍ.
وقال أبو حنيفةَ: هو يَمِينٌ.
وقد رُوِى ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وابنِ مسعودٍ.
وقال سعيدٌ 1: ثَنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وابنَ مسعودٍ قالوا في الحرامِ: إنَّه يَمِينٌ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ.
وعن أحمدَ ما يدُلُّ على ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ 2. ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ 3. وقال ابنُ عباسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ

..................................  أُسْوَةٌ 1 حَسَنَةٌ} 2. ولأنَّه تحْريمٌ للحلالِ، أشْبَهَ تحْريمَ الأمَةِ.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه تحْريمٌ للزَّوْجةِ بغيرِ طَلاقٍ، فَوَجَبَتْ به كَفَّارةُ الظِّهارِ، كما لو قال: أنتِ علىَّ حرامٌ كظَهْرِ أُمِّى.
فأمَّا إن نَوَى غيرَ الظِّهارِ، فالمنْصوص عن أحمدَ في رِوايةِ جماعةٍ 3، أنَّه ظِهارٌ، نَوَى الطَّلاقَ أو لم

..................................  يَنْوِه.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وممَّن قال: إنَّه ظِهارٌ؛ عثمانُ بنُ عفانَ، وأبو قِلابَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وميْمونُ بنُ مِهْرَانَ، والبَتِّىُّ.
ورَوَى الأَثْرَمُ بإِسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، في الحرامِ، أنَّه تحْريرُ 1 رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، أو إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكينًا.
ولأنَّه صَريحٌ في تحْريمِها، فكان ظِهارًا وإنْ نوَى غيرَه، كقَوْلِه: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى.
وعن أحمدَ، أنَّه إذاْ نَوَى به الطَّلاقَ [كان طلاقًا.
قال: إذا قال: ما أحَلَّ اللَّهُ عليه حَرامٌ.
يَعْنِى به الطَّلاقَ] 2، أخافُ أن يكونَ ثلاثًا، ولا أُفْتِى به.
وهذا مثلُ قولِه في الكِناياتِ الظَّاهرةِ، فكأنَّه جَعلَه مِن كِناياتِ الطَّلاقِ، يَقَعُ به الطَّلاقُ إذا نَوَاه.
ونَقَلَ عنه البَغَوِىُّ 3 في رجلٍ قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيَدِك.
فقالتْ: أنا عليك حَرامٌ.
فقد حَرُمَتْ عليه.
فجعلَه منها كنايةً في الطَّلاقِ، فكذلك مِنَ الرَّجلِ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ.
وممَّن رُوِى عنه أنَّه 4 طلاقٌ ثلاثٌ؛ علىٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، والحسنُ

..................................  البَصْرِىُّ، وابنُ أبى ليلَى.
وهو مذهبُ مالكٍ في المدْخولِ بها؛ لأنَّ الطَّلاقَ نَوْعُ تحْريمٍ، فصَحَّ أن يُكْنَى به عنه، كقولِه: أنتِ بائنٌ.
فإن لم يَنْوِ الطَّلاقَ، لم يَكُنْ طَلاقًا بحالٍ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، فإذا لم يَنْوِه لم يَقَعْ به طَلاقٌ، كسائرِ الكِناياتِ.
وإن قُلْنا: إنَّه كِنايةٌ في الطَّلاقِ.
ونوى به، فحُكْمُه حُكْمُ الكناياتِ الظَّاهرةِ، على ما مَضَى مِن الاخْتلافِ فيها.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، كُلٌّ على أصْلِه.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على الكناياتِ الخَفِيَّةِ إذا قُلْنا: إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرِّمَةٌ؛ لأَنَّ أقَلَّ ما تَحْرُمُ به الزَّوجَةُ طَلْقةٌ رَجْعيَّةٌ، فحُمِلَ على اليَقِينِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ ما يدُلُّ عليه؛ فإنَّه 1 قال: إذا قال: أنتِ عَلَىَّ حَرامٌ، أعْنِى به طَلاقًا.
فهى واحدةٌ.
ورُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، والزُّهْرِىِّ.
وقد رُوِى عن

..................................  مَسْروقٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، والشَّعْبِىِّ: ليس بشئٍ؛ لأنَّه قولٌ هو كاذِبٌ فيه.
وهذا يَبْطُلُ بالظِّهارِ؛ لأنَّه مُنْكَرٌ 1 مِن القَوْلِ وزُورٌ، وقد أوْجبَ الكَفَّارَةَ، ولأَنَّ هذا إيقاعٌ للطَّلاقِ، فأشْبَهَ قولَه: أنتِ بائنٌ -و- أنتِ طالقٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه إذا نَوَى اليَمِينَ كان يمينًا؛ [فإنَّه قال في روايةِ مُهَنَّا: إنَّه إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ.
ونَوَى يمينًا، ثم تَرَكَها أربعةَ أشْهرٍ، قال: هو يَمِينٌ، إنَّما الإيلاءُ أن يَحْلِفَ باللَّهِ لا يَقْرَبُ امرأتَه.
فظاهر هذا أنَّه إذا نَوَى اليمينَ كانت يمينًا] 2. وهذا مذهبُ ابنِ مسعودٍ، وقولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وممَّن رُوِى عنه: عليه كَفَّارةُ يَمِينٍ؛ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وعمرُ، وابن عباسٍ، وعائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهم.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وسُليمانَ بنِ يَسَارٍ، وقَتادةَ، والأوْزَاعِىِّ.
وفى المُتَّفَقِ عليه 3، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّه سَمِعَ ابنَ عباسٍ يَقولُ: إذا حرَّمَ

وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَىَّ حَرَامٌ، أَعْنِى بِهِ الطَّلاقَ.
فَقَالَ أحْمَدُ: تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: أَعْنِى بِهِ طَلَاقًا.
طَلُقَتْ وَاحِدَةً.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا.
الرَّجلُ عليه امرأتَه، فهى يَمِينٌ يُكَفِّرُها.
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فجعلَ الحرامَ يَمِينًا.
ومعنى قولِه: نوَى يَمينًا -واللَّهُ أعلم- أنَّه نوَى بقَوْلِه: أنتِ علىَّ حرامٌ.
تَرْكَ وَطْئِها واجْتِنابَها، وأقامَ ذلك مُقامَ: واللَّهِ لا وَطِئْتُكِ.

3466 -

مسألة: (وَإِنْ قَالَ: ما أحَلَّ اللَّهُ عَلَىَّ حَرَامٌ، أعْنِى بِهِ الطَّلاقَ. فقال أحمَدُ: تَطْلُقُ امرأتُه ثَلاثًا. وإن قال: أعْنِى به طَلاقًا. طَلُقَتْ وَاحِدَةً)

روَاه جماعةٌ 1 عن أحمدَ؛ فرَوَى أبو عبدِ اللَّهِ النَّيْسابُورِىُّ 2، أنَّه قال: إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ، أُريدُ به الطَّلاقَ.

..................................  كنتُ أقولُ: إنَّها طالقٌ، يُكَفِّرُ كفَّارة الظِّهارِ.
وهذا كأنَّه رُجوعٌ عن قولِه: إنَّه طلاقٌ.
ووجْهُه أنَّه صَرِيحٌ في الظِّهارِ، فلم يَصِرْ طَلاقًا بقولِه: أُرِيدُ به الطَّلاقَ.
كما لو قال: أنتِ علىَّ كظَهْر أُمِّى، أعْنِى به الطَّلاقَ.
قال القاضى: ولكِنَّ جماعةَ أصحابِنا على أنَّه طَلاقٌ.
وهى الرِّوايةُ المَشْهورةُ التى روَاها عنه الجماعةُ؛ لأنَّه صَرَّحَ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فكان طلاقًا، كما لو ضربَها وقال: هذا طَلاقُكِ.
وليس هذا صَريحًا في الظِّهارِ، إنَّما هو صَريحٌ في التَّحْرِيمِ، [والتَّحْرِيمُ] 1 يتَنَوَّعُ إلى تحْريمٍ بالظِّهارِ وإلى تحْريمٍ بالطَّلاقِ، فإذا بَيَّنَ بلَفْظِه إرادةَ تحْريمِ الطَّلاقِ، وجبَ صَرْفُه إليه.
وفارَقَ قولَه: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى.
فإنَّه صَريحٌ في الظِّهارِ، وهو تَحْريمٌ لا يَرْتَفِعُ إلَّا بالكَفَّارةِ، فلم يُمْكِنْ جعْلُ ذلك طَلاقًا، بخلافِ مسألتِنا.
ثم إن قال: أعْنِى به الطَّلاقَ.
أو نوَى به ثلاثًا، فهى ثلاثٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه أتَى بالألفِ واللَّامِ التى للاسْتِغْراقِ، تفْسيرًا للتَّحْريمِ، فدَخلَ فيه الطَّلاقُ كلُّه، وإذا نَوَى الثَّلاثَ، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه مِن الطَّلاقِ، فوَقَعَ، كما لو قال: أنتِ بائنٌ.
وعنه، لا يَكونُ ثلاثًا حتى 2

..................................  يَنْويَها، سواءٌ كانت فيه الألفُ واللَّامُ أو لم تَكُنْ؛ لأَنَّ الألفَ واللَّامَ تكونُ لغيرِ الاسْتغراقِ في أكثرِ أسْماءِ الأجْناسِ.
وإنْ قال: أعْنِى به طلاقًا.
فهى واحدةٌ؛ لأنَّه ذكَرَه مُنَكَّرًا، فيكونُ طلاقًا واحدًا.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال في روايةِ حَنْبَلٍ: إذا قال: أعنى طلاقًا.
فهى واحدةٌ أو اثْنَتان، إذ لم يَكُنْ فيه ألِفٌ ولامٌ (وعنه، أنَّه ظِهارٌ فيهما) وقد ذَكَرْناه

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمَ.
وَقَعَ مَا نَوَاهُ مِنَ الطَّلاقِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وذَكَرْنا دَليلَه.

3467 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ عَلَىَّ كالمَيْتَةِ والدَّم. وَقَع ما نَواه مِن الطَّلاقِ والظِّهَارِ واليَمِينِ. وإن لم يَنْوِ شَيْئًا، فهل يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْن)

أمَّا إذا نَوَى الطَّلاقَ، كان طلاقًا؛ لأنَّه يصْلُحُ أن يكونَ كِنايةً فيه، فإذا اقْتَرَنَتْ به النِّيَّةُ 1، وقعَ به الطَّلاقُ، ويَقَعُ ما نَوَاه مِن عَدَدِ الطَّلاقِ، فإن لم يَنْوِ شيئًا، وقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّه مِن الكِناياتِ الخَفِيَّةِ، وهذا حُكْمُها.
وإنْ نَوَى به الظِّهارَ، وهو أن يَقْصِدَ تَحْريمَها عليه مع بقاءِ نِكاحِها، احْتَمَلَ أن يكونَ ظِهارًا، كما قُلْنا في قولِه: أنتِ علىَّ حرامٌ.
واحْتَمَلَ أن لا يكونَ ظِهارًا، كما لو قال: أنتِ علىَّ كظَهْرِ البَهِيمَةِ -أو- كظهرِ أبى.
[وإن] 2 نَوَى اليَمِينَ، وهو أَنْ يُريدَ بذلك

..................................  تَرْكَ وَطْئِها، لا تحْريمَها ولا طَلاقَها، فهو يَمِينٌ.
وإن لم يَنْوِ شيئًا، لم يَكُنْ طَلاقًا؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، لا 1 ولو نَوَاهُ به.
وهل يَكُونُ ظِهارًا أو يَمِينًا؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يكونُ ظِهارًا؛ لأَنَّ معناه: أنتِ حَرامٌ علىَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ.
فإنَّ تَشْبِيهَها بهما يَقْتَضِى التَّشْبيهَ بهما في الأمْرِ الذى اشْتَهَرَا 2 به، وهو التَّحْريمُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى فيهما: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ 3. والثانى، يكونُ يَمِينًا، لأَنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ، فإذا أتَى بلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ ثَبتَ فيه أقلُّ الحُكْمَيْنِ؛ لأنَّه اليقينُ، وما زادَ مشْكوكٌ فيه، فلا نُثْبِتُه بالشَّكِّ، ولا نزُولُ عن الأَصْلِ إلَّا بيَقِينٍ.
وعندَ الشافعىِّ، هو كقَوْلِه: أنتِ حرامٌ.
سواءً.

وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ.
وَكَذَبَ، لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ فِى الْحُكمِ، وَلَا يَلْزَمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

3468 - مسألة: (وإن قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ. وكَذَبَ، لَزِمَه إقْرارُه في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُه فيما بينه وبينَ اللَّهِ تعالى)

وإنْ قَالَ: حَلُفْتُ بالطَّلاقِ.
أَوْ قَالَ: عَلَىَّ يَمِينٌ بالطَّلاقِ.
ولَمْ يَكُنْ حَلَفَ، لَمْ يَلْزَمْه شَئٌ فيما بينَهُ وبينَ اللَّهِ تَعَالى، ولَزِمَهُ مَا أقَرَّ بِهِ فِى الحُكْمِ.
ذكَرَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه، ويَلْزَمُهُ في الحُكْمِ؛ لأنَّه خِلافُ ما أقَرَّ به.
وقال أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، في الرَّجُلِ يقولُ: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ.
ولم يَكُنْ حَلَفَ: هى كِذْبَةٌ، ليس عليه يَمِينٌ.
وذلك لأَنَّ قولَه: حَلَفْتُ.
[ليس بحَلِفٍ] 1، وإنَّما هو خَبَرٌ عن الحَلِفِ، فإذا كان كاذِبًا فيه، لم يَصِرْ حالفًا، كما لو قال: حَلَفْتُ باللَّهِ.
وكان كاذِبًا.
واخْتارَ أبو بكرٍ أنَّه يَلْزَمُه ما أقَرَّ به 2. وحَكَى في «زادِ المُسافِرِ» عن المَيْمُونِىِّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ.

..................................  ولم يَكُنْ حَلَفَ، يَلْزَمُه الطَّلاقُ، ويُرْجَعُ إلى نِيَّتِه في الطَّلاقِ الثَّلاثِ أو الواحدةِ.
وقال القاضى: مَعْنى قولِ أحمدَ: يَلْزَمُه الطَّلاقُ.
أى في الحُكْمِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ يَلْزَمُه الطَّلاقُ 1 إذا نَوَى به الطَّلاقَ، فجعلَه كنايةً عنه، ولذلك 2 قال: ويُرْجَعُ إلى نِيَّتِه.
أمَّا الذى قَصَدَ الكَذِبَ [ولا] 3 نِيَّةَ له في الطَّلاقِ، فلا يقَعُ به شئٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولا نَوَى الطَّلاقَ، فلم يقَعْ به طلاقٌ، كسائِرِ الكنايْاتِ.
وذكَرَ القاضى في كتابِ الأيْمانِ في مَن قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ.
ولم يَكُنْ حَلَفَ، هل يَقَعُ به؟ على رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه شئٌ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ، واليَمِينُ إنَّما تكونُ بالحَلِفِ.
والثانيةُ، يَلْزَمُه ما أقَرَّ به.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه إذا أقَرَّ ثم قال: كَذَبْتُ.
كان جُحُودًا بعدَ الإِقْرارِ، فلا يُقْبَلُ، كما لو أقَرَّ بدَيْنٍ ثم أنْكَرَ.
ويُرْجَعُ إلى نِيَّتِه؛ لأنَّه أعلمُ بحالِه.

فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِامْرأَتِهِ: أمْرُكِ بِيَدِكِ.
فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَىَ وَاحِدَةً، وَهُوَ فِى يَدِهَا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ.

فصل

: والقولُ قولُه قى قَدْرِ ما حَلَفَ به، وفى الشَّرْطِ الذى علَّقَ اليَمينَ به؛ لأنَّه 1 أعلمُ بحالِه.
ويُمْكِنُ حملُ كلامِ أحمدَ على هذا، وهو أن يكونَ قولُه: ليس عليه يَمِينٌ.
يَعْنِى 2 فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى.
وقَوْلُه: يَلْزمُه الطَّلاقُ.
أى في الحُكْمِ.
[قال القاضى: ومَعْنَى قولِ أحمدَ: يَلْزَمُهُ الطَّلاقُ.
أى يَلْزَمُهُ إقرَارُه في الحُكْمِ] 3؛ لأنَّه يتَعلَّقُ بحَقِّ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، فلم يُقْبَلْ في الحُكْمِ، وفيما بينَه وبينَ اللَّهِ سبحانه إذا عَلِمَ أنَّه لم يَحْلِفْ، فلا شئَ عليه.
فصل: قالَ الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإذا قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِك.
فلَها أَنْ تُطَلِّقَ ثلاثًا وإنْ نَوَى واحدةً، وهو في يَدِها ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فَصْلَيْن؛ أحدُهما، أنَّه إذا قال لامْرأِته: أمْرُكِ بيَدِك.
كان لها أن تُطَلِّقَ ثلاثًا وإنْ نَوَى أقَلَّ منها.
هذا ظاهرُ المذهبِ؛

..................................  لأنَّها من الكناياتِ الظَّاهرةِ.
وقد مَضَى الكلامُ فيها.
رُوِى ذلك عن عثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ أيضًا، وفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، قالوا: إذا طَلَّقَتْ ثلاثًا فقال: لم أجْعَلْ إليها إلَّا واحدةً.
لم يُلْتَفَتْ إلى قولِه، والقَضاءُ ما قَضَتْ.
وعن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، أنَّها طَلْقَةٌ واحدةٌ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والقاسمُ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال الشافعىُّ: إن نَوَى ثلاثًا فلَها أن تُطَلِّقَ ثلاثًا، وإن نوَى غيرَ ذلك لم تُطَلِّقْ ثلاثًا، والقولُ قولُه في نِيَّتِه.
قال القاضى: ونقَلَ عبدُ اللَّهِ عنِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه إذا نَوَى واحدةً فهى واحدةٌ؛ لأنَّه نوْعُ تخْيِيرٍ، فيُرْجَعُ إلى نِيَّتِه فيه، كقوْلِه: اخْتارِى.
ولَنا، أنَّه لفظٌ يَقْتَضِى العُمومَ في جميعِ أمْرِها؛ لأنَّه اسمُ جِنْس مُضافٌ، فيَتناولُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، كما لو قال: طَلِّقِى نفْسَكِ ما شِئْتِ.
ولا يُقْبَلُ قولُه: أردْتُ 1 واحدةً.
لأنَّه خِلافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، [ولا يُدَيَّنُ] 2 في هذا؛ لأنَّه مِن الكناياتِ الظَّاهرةِ، والكناياتُ الظَّاهرةُ تَقْتَضِى ثلاثًا.

..................................  الفصْلُ الثانى، أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ، ويكونُ في يَدِها ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ.
وإنْ جعلَ أمْرَها في يَدِ غيرِها، فكذلك في الفصلِ الأَوَّلِ والثانى.
وَوافقَ الشافعىُّ في أنَّه إذا جعلَه في يدِ غيرِها، أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجْلِسِ؛ لأنَّه وَكيلٌ 1. وإذا قال له: جَعَلْتُ أمْرَ امرأتِى بيدِك 2 -أو- جَعَلْتُ لكَ الخِيارَ في طلاقِ امْرأتِى -أو- طَلِّقِ امْرأتِى 3. فالجميعُ سواءٌ في أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: ذلك مقْصُورٌ على المجلسِ؛ لأنَّه نَوْعُ تخْيِيرٍ، أشْبَهَ ما لو قال: اخْتارِى.
ولَنا، أنَّه تَوْكيلٌ مُطْلَقٌ،

وَإِنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِى نَفْسَكِ.
لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ الَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلَّا مَا دَامَتْ فِى الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
فكان على التَّراخِى، كالتَّوْكيلِ في البَيْعِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ له أن يُطَلِّقَ ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ، وله أَنْ يُطَلِّقَ ثلاثًا وواحدةً، كالمرأةِ.
فإنْ فَسَخَ الوَكالةَ، بطلَتْ، كسائِرِ الوَكالاتِ، وكذلك إن وَطِئَها؛ لأنَّه يدُلُّ على الفَسْخِ، أشْبَهَ ما لو فَسَخَ بالقَوْلِ.

3469 -

مسألة: (وإن قال: اخْتَارِى نَفْسَكِ.
لم يَكُنْ لها أن تُطَلِّقَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إليها أكْثَرَ مِن ذلك، وليس لها أن تُطَلَّقَ إلَّا ما دَامَتْ في المَجْلِسِ، ولم يتشاغلا بما يَقْطَعُه)

وجملةُ ذلك، أنَّ لفظَةَ التَّخْييرِ لا تَقْتَضِى بمُطْلَقِها أكْثَرَ مِن طَلْقةٍ رَجْعِيَّةٍ.
قال أحمدُ: هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرَ، وعائشةَ، رَضِىَ

..................................  اللَّهُ عنهم.
ورُوِىَ ذلك عن جابرٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو 1. وقال أبو حنيفةَ: هى واحدةٌ بائنةٌ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لأَنَّ اخْتِيارَها نَفْسَها يَقْتَضِى زَوالَ سُلْطانِه، ولا يكونُ إلَّا بالبَيْنُونةِ.
وقال مالكٌ: هى ثلاثٌ في المدْخولِ بها؛ لأَنَّ المدخولَ بها لا تَبِينُ إلَّا بالثَّلاثِ، إلَّا أن تكونَ بعِوَضٍ 2. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ مَن سَمَّيْنا منهم قالوا: إنِ اخْتَارَتْ نَفْسَها، فهى واحدةٌ، وهو أحَقُّ بها.
روَاه النَّجَّادُ عنهم بأسانِيدِه.
ولأَنَّ قولَه: اخْتارِى.
تَفْويضٌ مُطْلَقٌ، فيتَنَاولُ 3 أقَلَّ ما يقَعُ عليه الاسمُ، وذلك طلقةٌ واحدةٌ، ولا تكونُ بائنًا؛ لأنَّها طَلْقةٌ بغير عِوَضٍ، لم يَكْمُلْ بها العَدَدُ بعدَ الدُّخولِ، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَها واحدةً 4. ويخالفُ قولَه: أمْرُكِ بيَدِك.
فإنَّه للعُموم؛ لأنَّه اسمُ جِنْسٍ مُضافٌ، فيَتناولُ جميعَ أمْرِها.
لكنْ إنْ جعلَ لها أكثرَ مِن ذلك، فلها ما جَعَلَ إليها، سَواء جَعلَه بلَفْظِه، بأنْ يقولَ: اخْتارِى ما شِئْتِ -أو- اخْتارِى الطَّلَقاتِ إن شِئْتِ.
فلها أن تخْتارَ ذلك، أو جعلَه

..................................  بنِيَّتِه، وهو أن يَنْوِىَ بقولِه: اخْتارِى.
عَددًا، فإنَّه يُرْجَعُ إلى ما نَوَاه؛ لأَنَّ قولَه: اخْتارِى.
كنايةٌ خَفِيَّةٌ، فيُرْجَعُ في [قَدْرِ ما يَقَعُ بها] 1 إلى نِيَّتِه، كسائرِ الكناياتِ الخَفِيَّةِ.
فإن نَوَى ثلاثًا أوِ اثْنَتَيْن أو واحدةً، فهو على ما نَوَى، وإن أطْلَقَ 2 فهى واحدةٌ، وإن نوَى ثلاثًا فطَلَّقَتْ أقلَّ منها، وقعَ ما طَلَّقَتْه؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ قولُهما 3 جميعًا، كالوَكِيلَيْنِ إذا طَلَّقَ أحدُهما واحدةً والآخَرُ ثلاثًا.
(وليس لها أن تُطَلِّقَ إلَّا ما دامَتْ في المجلسِ، ولم يتَشاغَلا بما يَقْطَعُه) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، أنَّ التَّخْييرَ على الفَوْرِ إنِ اخْتارَتْ في وَقْتِها، وإلَّا فلا خِيارَ لها بعدَه.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، وجابرٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومُجاهِدٌ، والشعبىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ

..................................  الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، ومالكٌ في روايةٍ: هو على التَّراخِى، ولها الاخْتيارُ في المجلسِ وبعدَه، ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ.
واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشةَ: «إنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلَا عَليْكِ أن لا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أبَوَيْكِ» 1. وهذا يَمْنَعُ قَصْرَه على المجلسِ.
ولأنَّه جعلَ أمْرَها إليها، أشْبَهَ ما لو قال: أمْرُكِ بيَدِك.
ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، فرَوَى النّجَّاد 2 بإسْنادِه، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: قَضَى عمرُ وعثمانُ، في الرَّجلِ يُخَيِّرُ امْرأتَه، أنَّ لَها الخِيارَ ما لم يتَفَرَّقا 3. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، قال: ما دامتْ في مَجْلِسِها.
ونحوُه عن ابنِ مسعودٍ وجابرٍ 4. ولم نعْرِفْ لهم 5 مُخالفًا في الصحابةِ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه خِيارُ تَمْلِيكٍ، فكان على الفَوْرِ،

..................................  كخيارِ القَبُولِ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جعلَ لها الخِيارَ على التَّراخِى، [وخِلافُنا في المُطْلَقِ] (1). فأمَّا: أمْرُكِ بيَدِك.
فهو تَوْكيلٌ، والتَّوْكيلُ يَعُمُّ الزَّمانَ ما لم يُقَيِّدْه بقيْدٍ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.

3470 -

مسألة: وليس لهَا أن تُطَلِّقَ إلَّا ما داما في المَجْلِسِ، ولم يتَشَاغَلَا بما يَقْطَعُه وذلك بأنْ لا يَخْرُجَا مِن الكلامِ [الذى كانا فيه]

1 إلى غيرِ ذِكْرِ الطَّلاقِ، فإن تَفَرَّقا عن ذلك الكلامِ إلى كلامٍ غيرِه، بَطَلَ خِيارُها.
قال أحمدُ: إذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى.
فلها الخِيارُ ما دامُوا في ذلك الكلامِ، فإن طال المجلسُ، وأخذُوا في كلام غيرِ ذلك ولم تَخْتَرْ، فلا خِيارَ لها.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
ونحوُه مذهبُ الشافعىِّ، على اخْتلافٍ عنه، فقِيلَ عنه: إنَّه يتَقَيَّدُ بالمجْلِسِ.
وقِيلَ: هو على الفَوْرِ.
وقال أحمدُ: الخِيارُ على مُخاطَبَةِ الكلامِ أن 2 [تُجارِيَه ويُجارِيَها] 3، إنَّما هو جوابُ كلام، إن أجابَتْه مِن ساعَتِه، وإلَّا فلا شئَ.
ووَجْهُه أنَّه تَمْلِيكٌ مُطلَقٌ تأخَّرَ قَبُولُه عن أوَّلِ حالِ الإمْكانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قامَتْ مِن مَجْلِسِها.
فإنْ قامَ أحدُهما عن المجلسِ قَبْلَ اخْتِيارِها، بَطَلَ خِيارُها.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْطُلُ بقيامِها دُونَ قِيامِه.
بناءً 4 على أصْلِه

فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ، أَوْ جَعَلَ أمْرَهَا بِيَدِهَا فَرَدَّتْهُ، أَوْ  [في أنَّ] (1) الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ، وعندَنا أنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، فبَطَلَ [بقيامِه، كما يَبْطُلُ] (2) بقيامِها.
وإن كان أحدُهما قائمًا فركِبَ أو مَشَى، بَطل الخِيارُ، وإن قَعَدَ لم يَبْطُلْ، لأَنَّ القِيامَ يُبْطِلُ الفِكْرَ والارْتِياءَ في الخِيارِ، فيكونُ إعْراضًا، والقُعُودُ بخِلافِه.
ولو كانت قاعِدَةً فاتَّكَأَتْ، أو مُتَّكِئَةً فقَعَدَتْ، لم يَبْطُلْ، لأَنَّ ذلك لا يُبْطِلُ الفِكْرَةَ.
وإنْ تَشاغَلَتْ (3) بالصلاةِ، بَطَل الخِيارُ.
وإن كانت في صلاةٍ فأتَمَّتْها، لم يَبْطُلْ خِيارُها.
وإن أضافَتْ إليها ركْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، بَطَل خِيارُها.
وإن أكَلَتْ شيئًا يسيرًا (4)، أو قالت: بسمِ اللَّهِ.
أو سبَّحَتْ شيئًا يسيرًا، لم يَبْطُلْ؛ لأَنَّ ذلك ليس بإعْراضٍ.
وإن قالت: ادْعُ (5) لى شُهودًا أُشْهِدُهم على ذلك.
لم يَبْطُلْ خيارُها (4). وإن كانت راكبةً فسارتْ، بَطَلَ (6) خيارُها.
وهذا كلُّه قولُ أصحابِ الرَّأْى.

3471 -

مسألة: (فإن جَعَلَ لها الخِيارَ اليومَ كُلَّه، أو جَعَلَ أمْرَها

123456

رَجَعَ فِيهِ، أَوْ وَطِئَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا.
هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِى كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الأُخْرَى.
بِيَدِها فرَدَّتْهُ، أو رَجَعَ فيه، أو وَطِئَها، بَطَلَ خِيارُها.
هذا المَذْهَبُ) إذا جعلَ لها الخِيارَ اليومَ كلَّه، أو أكثرَ مِن ذلك، أو متى شاءتْ، فلها ذلك 1 في تلك المُدَّةِ.
وإن قال: اخْتارِى إذا شِثْتِ -أو- متى شِئْتِ -[أو- متى ما شئتِ] 2. فلها ذلك؛ لأَنَّ هذه تُفِيدُ جَعْلَ الخِيارِ لها في عُموم الأوْقاتِ.
فإن رَدَّتْ ذلك، أو جَعَلَ أمْرَها بيَدِها فرَدَّتْه، بَطَلَ خِيارُهَا؛ لأنَّها إنَّما مَلَكَتْه بالوَكالةِ، فهى كالوَكيلِ إذا رَدَّ 3 الوَكالةَ.
وإنْ رَجَعَ فيما مَلَّكَها، بَطَلَ أيضًا، كما إذا رَجَعَ المُوكِّلُ فيما وَكَّلَ فيه.
وإن وَطِئَها، فهو رُجوعٌ أيضًا؛ لأنَّه يدُلُّ على الرُّجوعِ، أشْبَهَ ما لو رَجَع بالقَوْلِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْفَسِخَ الوَكالةُ، كما لو وَكَّلَه في بَيْعِ دارٍ وسَكَنَها.
ذَكَرَه ابنُ أبى موسى.
وإن قال: اخْتارِى اليومَ وغدًا وبعدَ غدٍ.
فلها ذلك، فإن رَدَّتِ الخِيارَ في الأَوَّلِ، بَطَلَ كلُّه.
وإن قال لها: لا تَعْجَلى حتى تَسْتَأْمِرِى أبَوَيْكِ.
ونحوَه، فلها الخِيارُ على التَّراخِى؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ذلك لعائشةَ 4، فدَلَّ على أنَّ خِيارَها لا يَبْطُلُ بالتَّأْخيرِ.

..................................  وإن قال: اخْتارِى نفْسَكِ اليومَ، واخْتارِى نَفْسَكِ غدًا.
فرَدَّتْه في اليومِ الأَوَّلِ، لم يَبْطُلْ في الثانى.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَبْطُلُ في المسألةِ الأُولَى أيضًا؛ لأنَّهما خِيَارانِ في وَقْتَيْن، فلم يَبْطُلْ أحدُهما برَدِّ الآخرِ، قياسًا على المسألةِ الثَّانيةِ.
ولَنا، أنَّه خِيارٌ واحدٌ في مُدَّةٍ واحدةٍ، فإذا بَطَلَ أوَّلُه بَطَلَ ما بعدَه، كما لو كان الخِيارُ في يوم واحدٍ، وكخيارِ الشَّرْطِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّهما خِيارانِ، وإنَّما هو خِيار واحدٌ في يَوْمَيْنِ، وفارقَ ما إذا قال: اخْتارِى نفْسَكِ اليومَ، واخْتارِى نفْسَكِ غدًا.
فإنَّهما خِيارانِ؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما 1 ثَبَت بسَبَبٍ مُفرَدٍ.
فصل: ولو خَيَّرَها شَهرًا، فاخْتارَتْ نفسَها 2، ثم تَزَوَّجَها، لم يَكُنْ لها عليه خِيارٌ، وعندَ أبى حنيفةَ لها الخيارُ.
ولَنا، أنَّها اسْتَوْفَتْ ما جَعلَ لها في هذا العَقْدِ، فلم يَكُنْ لها في عقْدٍ ثانٍ، كما لو اشْتَرَطَ الخِيارَ في سِلْعَةٍ مُدَّةً، ثم فَسَخَ، ثم اشْتَراها بعَقْدٍ آخَرَ في تلك المُدَّةِ.
ولو لم تَخْتَرْ نَفْسَها و 3 اخْتارَتْ زَوْجَها، وطَلَّقَها الزَّوْجُ، ثم تَزَوَّجَها، بَطَل خيارُها (2)؛ لأَنَّ الخِيارَ المَشْروطَ في عَقْدٍ لا يَثْبُت في عقدٍ سِوَاه، كما في البيعِ.
والحُكمُ في قولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
في هذا كلِّه، كالحُكْمِ في التَّخْيِيرِ؛ لأنَّه نَوْعُ تخْيِيرٍ.
ولو قال لها: اخْتارِى -أو- أمْرُكِ بيَدِك،

..................................  اليومَ وبعدَ الغَدِ.
[فرَدَّتْ في اليومِ الأَوَّلِ] 1، لم يَبْطُلْ في 2: بعدَ غدٍ؛ لأنَّهما خِيارانِ يَنْفَصِلُ أحدُهما عن 3 صاحِبِه، فلم يَبْطُلْ أحدُهما ببُطْلانِ الآخَرِ، بخِلافِ ما إذا كان الزَّمان مُتَّصِلًا واللَّفظُ واحدًا، فإنَّه خِيارٌ واحدٌ، فبَطَلَ كلُّه ببُطْلانِ بعْضِه.
وإن قال: لكِ الخِيارُ يومًا -أو- أمْرُكِ بيَدِك يومًا.
فأبْتداؤُه مِن حينَ نَطَقَ به إلى مِثْلِه مِن الغَدِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِكْمالٌ يوم بتَمامِه إلَّا بذلك.
وإن قال: شهرًا.
فمِن ساعةِ نَطقَ إلى اسْتِكْمالِ ثلاثينَ يومًا إلى مثلِ تلك الساعةِ.
وإن قال: الشَّهْرَ -أو- اليومَ -أو- السَّنَةَ.
فهو على ما بَقىَ مِن اليوم والشَّهْرِ والسَّنةِ (وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ في كُلِّ مسألةٍ وَجْهًا مثلَ حُكْمِ الأُخرَى) أى خَرَّجَ في قولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
وَجْهًا أنها لا تَطْلُقُ أكثرَ مِن واحدةٍ، وأنها تَتَقَيَّدُ بالمجلسِ، بشَرْطِ أن لا يتَشاغَلا بما يَقْطَعُ كلامَهما، وفى قولِه: اخْتارِى نَفْسَكِ.
أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ، وأنَّ لها أن تُطَلِّقَ أكثرَ مِن واحدةٍ عندَ الإطْلاقِ، قياسًا لكُلِّ واحدَةٍ منهما على الأُخْرَى.
فصل: فإن خَيَّرَها فاخْتارَتْ زَوْجَها، أو رَدَّتِ الخيارَ أو الأمْرَ، لم يَقَعْ شئٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ الجماعةِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وهو قولُ

..................................  عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن الحسنِ: تَكونُ واحدةً رَجْعِيَّةً.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ورَواه إسْحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، قال: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها، فواحدةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فثلاثٌ 1. قال أبو بكرٍ: انْفَردَ بهذا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، والعملُ على مما رَوَاه الجماعةُ.
ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، أنَّ التَّخْيِيرَ كِنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ، فَوقعَ بها بمُجَرَّدِها 2، كسائِرِ كناياتِه.
وكقَوْلِه: انْكِحى مَنْ شِئْتِ.
ولَنا، قولُ عائشةَ: قد خَيَّرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أفكان 3 طلاقًا؟ وقالتْ: لمَّا أُمِرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَخْيِيرِ أزْواجِه بدأَ بى فقال: «إِنِّى لمُخْبِرُكِ خَبَرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ».
ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ حتى بلَغَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 4. فقلتُ: في أىِّ هذا أسْتَأْمِرُ أبَوَىَّ! فإنِّى أُريدُ اللَّهَ ورسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ.
قالتْ: ثم فَعَلَ أزْوِاجُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ ما فعلْتُ.
مُتَّفَقٌ عليهما 5. قال مَسْروقٌ: ما أُبالى خيَّرْتُ امْرأتِى واحدةً أو

جارٍ التحميل