وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ، فَذَهَبَ شَمُّهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ، مذهَبَ سَمْعُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ.
وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ إِذَا أذْهَبَهَا بِنَفْعِهَا، لَمْ تَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
كأنْفِ غيرِ (1) الأخْشَمِ.
وأمَّا المَخْزُومُ فأنْفُه كامِلٌ غيرَ أنَّه مَعِيبٌ، فأشْبَهَ العُضْوَ المرِيضَ.
وكذلك (2) تجبُ في أُذُنِ الأصَمِّ؛ لأَنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ في غيرِ الأُذُنِ، فلم يُؤثِّرْ في دِيَتِها، كالعَمَى لا يُؤثِّرُ في دِيَةِ الأجْفانِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
ولا نعلمُ فيه مُخالفًا.
4262 -
مسألة: (وإن قَطَعَ أنْفَه، فذَهَبَ شَمُّه، وَجَبَتْ دِيَتان)
لأَنَّ الشَّمَّ في غيرِ الأنْفِ، فلا تَدْخُلُ دِيَةُ أحَدِهما في الآخَرِ.
وكذلك إذا قَطَعَ أُذُنَه فذَهَبَ سَمْعُه تَجبُ دِيَتان؛ لأَنَّ السَّمْعَ في غَيْرِ الأُذُنِ، فَهُوَ كالبَصَرِ مع الأجْفانِ، والنُّطْقِ مع الشَّفَتَيْن.
4263 -
مسألة: (وسائِرُ الأعْضاءِ إذا أذْهَبَها بمَنْفَعَتِها، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)
كالعَيْنِ إذا قُلِعَتْ فذَهَبَ ضَوْؤُها، لم يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ12
..................................
واحِدَةٌ؛ لأَنَّ الضَّوْءَ فيها.
ومثلُ ذلك سائرُ الأعْضاءِ إذا أذْهَبَها بنَفْعِها، لم تَجبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ نَفْعَها [فيها، فدَخَلَتْ] 1 دِيَتُه في دِيَتِها، ولأَنَّ [مَنافِعَها تابِعَةٌ] 2 لها، تَذْهَبُ بذَهابِها، فوَجَبَتْ دِيَةُ العُضْوِ دُونَ المَنْفَعَةِ, كما لو قَتَلَه، لم تجبْ إلَّا دِيَتُه.
فَصْلٌ في دِيَةِ الْمَنَافِعِ:
وَفِى كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ وَهِىَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، والذَّوْقُ.
فصل في دِيَةِ المنافعِ: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وفى كلِّ حاسَّةٍ دِيَةٌ كاملةٌ؛ وهى السَّمْعُ، والبَصَرُ، والشَّمُّ، والذَّوْقُ) لا خِلافَ في وُجوبِ الدِّيَةِ بذَهابِ السَّمْعِ، قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ عَوامُّ أَهْلِ العلمِ على أنَّ في السَّمْعِ الدِّيَةَ.
رُوِى ذلك عن عمرَ.
وبه قال مُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهْلُ الشَّامِ، وأهلُ العِراقِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافهم.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وفى السَّمْعِ الدِّيَةُ» 2. وروَى أبو المُهَلَّبِ، عمُّ 3
..................................
أبى قِلابَةَ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بحَجَرٍ في رأسِه، فذهَبَ سَمْعُه وعَقْلُه ولِسانُه ونِكاحُه، فقَضَى فيه عمرُ بأرْبعِ دِيَاتٍ والرَّجُلُ حَىٌّ (1). ولأنَّها حاسَّةٌ تخْتَصُّ بنَفْعٍ، فكان فيها الدِّيَةُ، كالبَصَرِ.
وإن ذهَبَ السَّمْعُ مِن إحْدَى الأُذُنيْن، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو ذهبَ البَصَرُ مِن إحْدَى العَيْنَيْن.
4264 -
مسألة: وفِى البَصَرِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوَيْن وجَبَتِ الدِّيَةُ بذَهابِهما، وجَبَتْ بذَهابِ نَفْعِهما، كاليَدَيْن إذا أشَلَّهُما، وفى ذَهابِ بَصَرِ
2 إحداهما نِصْفُ الدِّيَةِ, كما لو أشَلَّ يدًا واحدةً، وليس في إذْهابِهما بنَفْعِهما أكْثَرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كاليدَيْن.
وإن جَنَى على رأسِه جِنايةً، ذهبَ بها بَصَرُه، فعليه دِيَتُه؛ لأنَّه ذهبَ بسَبَب جِنايَتِه، وإن لم يذهَبْ بها فداواها، فذهَبَ بالمُداواةِ، فعليه الدِّيَةُ؛ لأَنَّه ذهبَ بسَبَبِ فِعْلِه.1
..................................
4265 - مسألة: وفى الشَّمِّ الدِّيَةُ؛ لأنَّه حاسَّةٌ تخْتَصُّ بِمَنْفعَةٍ، فكان في ذَهابِها الدِّيَةُ، كسائرِ الحَواسِّ، ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
قال القاضى: في كتابِ عمرِو بنِ حَزْم عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «وفى المَشَامِّ الدِّيَةُ»
1.
فصل: وفى الذَّوْقِ الدِّيَةُ، وكذلك قال أبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ الذُّوْقَ حَاسَّةٌ، فأشْبَهَ الشَّمَّ.
وقِياسُ المذهبِ أنَّه لا دِيَةَ فيه، فإنَّه لا يُخْتَلَفُ في أنَّ لسانَ الأخْرَسِ لا دِيَةَ فيه، وقد نَصَّ أحمدُ على أن فيه ثُلُثَ الدِّيَةِ، ولو وَجَبَ في الذَّوْقِ دِيَةٌ، لوجبَتْ في ذَهابِه مع ذَهابِ اللِّسانِ بطَريقِ الأَوْلَى.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: قد نَصَّ الشافعىُّ على وُجوبِ الدِّيَةِ فيه.
ومنهم مَن قال: لا نَصَّ له فيه.
ومنهمِ مَن قال: قد نصَّ على أنَّ في لسانِ الأخْرَسِ حُكومةً وإن ذهبَ الذَّوْقُ بذهابِه.
قال شيْخُنا 2: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا دِيَةَ فيه؛ لأَنَّ في إجْماعِهِم على أنَّ لِسانَ الأخْرَسِ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه، إجْماعًا على أنَّها لا تكْمُلُ في ذَهابِ الذَّوْقِ بمُفْرَدِه؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوٍ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه بمَنْفَعَتِه، لا تكْمُلُ في مَنْفَعَتِه دُونَه، كسائرِ الأعْضاءِ.
ولا تَفرِيعَ على هذا القَوْلِ.
وَكَذَلِكَ تَجِبُ في الْكَلَامِ، وَالْعَقْلِ، وَالْمَشْىِ، وَالأَكْلِ، وَالنِّكَاحِ،
4266 - مسألة: (وكذلكْ تَجِبُ في الكَلامِ، والعَقْلِ، والمَشْى، والأكْلِ، والنِّكاحِ)
إذا جَنَى عليه فخَرِسَ، وجبَتْ دِيَتُه؛ لأَنَّ [كلَّ ما] (1) تعَلَّقَتِ الدِّيَةُ بإتْلافِه، تَعَلقَتْ بإتْلافِ مَنْفَعَتِه، كاليَدِ.
4267 -
مسألة: وفى ذَهابِ العَقْلِ الدِّيَةُ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا. رُوِى ذلك
2 عن عمرَ، وزيدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وإليه ذهبَ مَن بَلَغَنا قوْلُه مِن الفُقَهاء.
وفى كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى العَقْلِ الدِّيَةُ» 3. ولَأَّنه أكبرُ المعانى قَدْرًا، وأعْظَمُ الحواسِّ نَفْعًا؛ [فإنَّ به] 4 يتمَيَّزُ مِن البَهِيمةِ، ويعْرِفُ به حَقائِقَ المعلوماتِ، ويَهْتَدِى إلى مَصالِحِه، ويتَّقِى ما يَضُرُّه، ويدْخُلُ به في التَّكْليفِ، وهو شَرْطٌ في ثُبوتِ الولاياتِ، وصِحَّةِ التَّصَرُّفاتِ، وأداءِ العباداتِ، فكان بإيجابِ الدِّيَةِ أحَقَّ مِن بَقِيَّةِ الحواسِّ.
فإن نَقَصَ عَقْلُه نَقْصًا معْلُومًا، وجَبَ بقَدْرِه.
فصل: فإن ذهَبَ عَقْلُه بجنايةٍ لا تُوجِبُ أَرْشًا، كاللَّطْمَةِ، والتَّخْوِيفِ، ونحوِ ذلك، ففيه الدِّيَةُ لا غيرُ.
وإن أذْهَبَه بجِنايةٍ تُوجِبُ1
..................................
أَرْشًا، كالجِراحِ، أو قَطْعِ عُضْوٍ، وجَبَتِ الدِّيَةُ وأَرْشُ الجُرْحِ.
وبهذا قال مالكٍ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في القَديمِ: يدْخُلُ 1 الأقَلُّ منهما في الأكْثَرِ 2، فإن كانتِ الدِّيَةُ أكثرَ مِن أَرْشِ الجُرْحِ، وجَبَتْ وحدَها، وإن كان أَرْشُ الجُرْحِ أكْثَرَ 3، كأنْ قَطَعَ يدَيْه ورِجْلَيْه، فذهبَ عَقْلُه، وجبَتْ دِيَةُ الجُرْحِ، ودخَلَتْ دِيَةُ العَقْلِ فيه؛ لأَنَّ ذَهابَ 4 العَقْلِ تَخْتَلُّ معه مَنافِعُ الأعْضاءِ، فدَخَلَ أَرْشُها فيه، كالموتِ.
ولَنا، أنَّ هذه جِناية أذْهبَتْ منْفعَةً مِن غيرِ مَحَلِّها مع بَقاءِ النَّفْسِ، فلم يتَداخَلِ الأَرْشانِ، كما لو أَوضَحَه فذهبَ بَصَرُه أو سَمْعُه، ولأنَّه لو جَنَى على أنْفِه أو أُذُنِه، فذهبَ شَمُّه [أو سَمْعُه] 5، لم يدْخُلْ أَرْشُهما في دِيَةِ الأنْفِ والأذُنِ، مع قُرْبِهما منهما، فههُنا أوْلَى.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو دخَلَ أَرْشُ الجُرْحِ في ديَةِ العَقْلِ، لم يجبْ أَرْشُه إذا زادَ على دِيَةِ العَقْلِ، كما أنَّ دِيَةَ الأعْضاء كلِّها مع القتلِ لا يجبُ بها 6 أكثرُ مِن دِيَةِ النَّفْسِ.
ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّ منافعَ الأعْضاءِ تبْطُلُ بذَهابِ العَقْلِ.
فإنَّ المَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنافِعُه وأعْضاؤُه بعدَ ذَهابِ عَقْلِه بما تُضْمَنُ به مَنافِعُ الصَّحيحِ وأعضاؤُه، ولو ذهبت مَنافعُه
..................................
وأعْضاؤُه، لم تُضْمَنْ، كما لا تُضْمَنُ مَنافِعُ المَيِّتِ وأعْضاؤُه، وإذا جازَ أن تُضْمَنَ بالجِنايةِ عليها بعدَ الجِنايَةِ عليه، جازَ ضَمانُها مع الجِنايةِ عليه، كما لو جَنَى عليه فأذْهَبَ سَمْعَه وبصَرَه بجِرَاحةٍ في غيرِ مَحَلِّهما (1).
فصل: فإن جَنَى عليه فأذْهَبَ عقْلَه وشمَّه وبصَرَه وكَلامَه، وجَبَ أرْبَعُ دِياتٍ مع أَرْشِ الجُرْحِ.
قال أبو قِلَابَةَ (2): رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بحَجَرٍ، فذهبَ عقلُه وسمْعُه وبصرُه ولسانُه (3)، فقَضَى عليه عمرُ بأرْبَعِ دِياتٍ وهو حَىٌّ.
ولأنه أذْهَبَ مَنافِعَ في كلِّ واحدٍ منها (4) دِيَةٌ، فوجَبَتْ عليه دِياتُها، كما لو أذْهَبَها بجِناياتٍ.
فإن مات مِن الجِنايةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدَةٌ؛ لأن دياتِ المنافعِ كلُّها تدْخُلُ في دِيَةِ النَّفْسِ، كدِيَاتِ الأعْضاءِ.
4268 -
مسألة: وفى ذَهابِ المَشْى الدِّيَةُ؛ لأنُّها منْفَعَةٌ مقْصُودَةٌ، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ، كالكلامِ.
فصل: وفى كسرِ الصُّلْبِ الدِّيَةُ إذا لم ينْجَبِرْ؛ لِما رُوِى في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرِو بنِ حَزْمٍ: «وفى الصُّلْبِ الدِّيَةُ» 5. وعن سعيدِ بنِ1234
..................................
المُسَيَّبِ، قال: مضتِ السُّنَّةُ أنّ في الصُّلْبِ الدِّيَةَ (1). وهذا ينْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وبه قال زيدُ بنُ ثابتٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ.
وقال القاضى، وأصْحابُ الشافعىِّ: ليس في كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَة، إلَّا أن يذْهَبَ مَشْيُه (2) أو جِماعُه، فتجبُ الدِّيَةُ لتلك المَنْفَعَةِ؛ لأنَّه عُضْوٌ لم تَذْهَبْ منْفَعَتُه، فلم يجبْ فيه دِيَة كاملةٌ، كسائر الأعْضاءِ.
ولَنا، الخَبَرُ، ولأنَّه عُضْوٌ ليس في البَدَنِ مثلُه، فيه جَمالٌ ومنْفَعَةٌ، فوجَبَتْ فيه الدِّيَةُ بمُفْرَدِه، كالأنْفِ.
وإن ذهبَ مَشْيُه (2) بكسر صُلْبِه، ففِيه الدِّيَةُ في قولِ الجميعِ.
ولا يَجِبُ أكثرُ مِن دِيَةٍ؛ لأنَّها منْفَعَةٌ تَلْزَمُ كَسْرَ الصُّلْبِ غالِبًا، فأشبَهَ ما لو قطَعَ رِجْلَيْهِ.
4269 -
مسألة: وفى ذَهابِ الأكلِ الدِّيَةُ؛ لأنَّها مَنْفَعَة مَقْصُودَةٌ، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ، كالشَّمِّ والنِّكاحِ.
4270 -
مسألة: فإن كَسَرَ صُلْبَه، فذَهَبَ نِكاحُه، ففيه الدِّيَةُ أيضًا
3. رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّه نَفْعٌ مقْصُودٌ، فأشْبَهَ ذَهابَ المَشْى.
وإن ذهبَ جماعُه ومَشْيُه، وجبَتْ دِيَتان في ظاهرِ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ ابْنِه عبدِ اللَّهِ؛ لأنَّهُما منْفعَتانِ تجِبُ الدِّيَةُ بذَهابِ كلِّ واحدةٍ منهما مُنْفَرِدَةً، فإذا اجْتَمَعَتا وجَبتْ دِيَتان،12
وَتَجِبُ في الْحَدَبِ، وَالصَّعَرِ، وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَهُ فَيَصِيرَ الْوَجْهُ في
كالسَّمْعِ والبَصَرِ.
وعن أحمدَ، فيهما دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّهما نَفعُ عُضْوٍ واحدٍ، فلم يجبْ فيهما أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قَطَعَ لسانه فذهبَ كَلامُه وذَوْقُه.
وإن جَبَرَ صُلْبُه، فعادتْ إحْدَى المَنْفَعَتَيْن دُونَ الأُخْرَى، لم تجبْ إلَّا دِيَةٌ، إلَّا أن تَنْقُصَ الأُخْرَى، فتجبُ حُكومةٌ لنَقْصِها، أو تَنْقُصَ مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فيكونُ فيه حُكومة لنَقْصِها لذلك.
وإنِ ادَّعَى ذَهابَ جِماعِه، فقال رَجُلان مِن أَهْلِ الخِبْرَةِ: إنَّ مثْلَ هذه الجِنايَةِ تُذْهِبُ الجِماعَ.
فالقَوْلُ قولُ المَجْنِىِّ عليه مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا (1) يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَةِ ذلك إلَّا مِن جِهَتِه.
وإن كَسَرَ صُلْبَه، فشَلَّ ذكَرُه، اقْتَضَى كلامُ أحمدَ وُجوبَ دِيَتَيْن؛ لكَسْرِ الصُّلْبِ [واحدة، وللذَّكر أُخْرَى.
وفى قولِ القاضى ومذهبِ الشافعىِّ، يَجِبُ (2) في الذَّكَرِ دِيَةٌ، وحكُومةٌ لكَسْرِ الصُّلْبِ] (3). وإن أذْهَبَ ماءَه دُونَ جِماعِه.
احْتَمَلَ وجُوبُ الدِّيَةِ.
ويُرْوَى هذا عن مُجاهدٍ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: هو الذى يَقْتَضِيه مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه ذَهَبَ بمنْفَعَةٍ مقْصُودةٍ، فوجَبَتِ الدِّيَةُ، كما لو ذهَبَ بجماعِه أو كما لو قَطَعَ أنْثَيَيْه أو رَضَّهُما.
واحْتَمَلَ أن لا تجبَ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأَنَّه لم يَذْهبْ بالمنْفَعةِ كلِّها.
4271 -
مسألة: (وتَجِبُ في الحَدَبِ، والصَّعَرِ، وهو أن
123
جَانِبٍ.
يَضْرِبَه فيَصيرَ الوَجْهُ في جانبٍ) تجبُ الدِّيَةُ في الحَدَبِ؛ لأَنَّ في كتابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرِو بنَ حَزْمٍ: «وَفِي الصُّلب الدِّيَةُ» (1). ولأنَّه أبْطَلَ عليه منْفَعَةً مقْصُودةً وجَمالًا، أشْبَهَ ما لو أذْهَبَ مَشْيَه.
4272 -
مسألة: وفى الصَّعَرِ الدِّيَةَ، وهو أن يَضْرِبَهُ فيَصِيرَ الوَجْهُ إلى جانِبٍ. وأصْلُ الصَّعَرِ داءٌ يأخذُ البَعِيرَ [في عُنُقِه]
2، فيَلْتَوِى منه عُنُقُه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ 3. أى: لا تُعْرِضْ عنهم بوَجْهِكَ تَكَبرًا، كإمالةِ وَجْهِ البعيرِ الذى به الصَّعَرُ.
فمَن جَنَى على إنْسانٍ جِنايةً، فعوَّجَ عُنُقَه، حتى صارَ وَجْهُه في جانبٍ، فعليه دِيَةٌ كاملةٌ.
رُوِى ذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقال الشافعىُّ: ليس فيه1
وَفِي تَسْوِيدِ الْوَجْهِ إِذَا لَمْ يَزلْ،
إلَّا حُكومةٌ؛ لأنَّه إذْهابُ جَمالٍ مِن غيرِ منْفَعَةٍ.
ولَنا، ما روَى مَكْحُولٌ عن زَيدِ بنِ ثابتٍ أنَّه قال: وفى الصَّعَرِ الدِّيَةُ (1). ولم يُعْرَفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه أذْهبَ الجَمالَ والمَنْفَعَةَ، فوجَبَتْ فيه دِيَةٌ، كسائرِ المَنافِعِ.
وقولُهم: لم يُذْهِبْ منْفَعَةً.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لا يقْدِرُ على النَّظَرِ أمامَه، واتِّقاءِ ما يحْذَرُه إذا مَشَى، وإذا نابَه أمْرٌ، أو دَهَمَه عَدُوٌّ, لم يُمْكِنْه العِلْمُ (2) به، ولا اتِّقاؤُه، ولا يُمْكِنُه لَىُّ عُنُقِه ليَعْرِفَ (3) ما يُرِيدُ نَظَرَه، ويَعْرِفَ (4) ما يَضُرُّه ممَّا ينْفَعُه.
فصل: فإن جَنَى عليه، فصارَ الالتِفاتُ أو ابْتِلاعُ الماءِ عليه شاقًّا، ففيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ بالمَنْفَعَةِ كلِّها, ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُها.
وإن صار بحيثُ لا يُمْكِنُه ازْدِرادُ رِيقِه، فهذا لا يَكادُ يَبْقَى، وإن بَقِىَ مع ذلك، ففيه الدِّيَةُ؛ لأنه تَفْويتُ مَنْفَعَةٍ ليس لها مِثْلٌ في البَدَنِ.
4273 -
مسألة: (وفى تَسْوِيدِ الوَجْهِ إذا لم يَزُلِ)
الدِّيَةُ.
وقال1234
وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكِ الْغَائِطُ أوِ الْبَوْلُ، فَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
الشافِعِىُّ: فيه حُكومةٌ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لمُقَدَّرٍ.
ولَنا، أنّه فَوَّتَ الجَمالَ على الكَمالِ، فضَمِنَه بدِيته، كما لو قَطَعَ أُذُنَىِ الأصَمِّ، أو أنْفَ الأخْشَمِ.
وقولُه: ليس بنَظيرٍ لمُقَدَّرٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّه [نَظِيرٌ لقَطْعِ] (1) الأُذُنَيْن في ذَهابِ الجَمالِ، بل هو أعْظَمُ في ذلك، فيكون بإيجابِ الدِّيةِ أوْلَى.
فإن زالَ السوادُ رَدَّ ما أخَذَه لسَوادِه (2)؛ لزَوالِ سَبَبِ الضَّمانِ.
فأمَّا إنْ صَفَّرَ وَجْهَه أو حَمَّرَه، ففِيه حُكومة؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ بالجمالِ على الكَمالِ.
4274 -
مسألة: (وإذا لم يَسْتَمْسِك الغائِطُ أو البَوْلُ، ففى كلِّ واحدٍ مِن ذلك دِيَة كامِلَةٌ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّه إذا ضَرَبَ بَطْنَه فلم يَسْتَمْسِكِ الغائِطُ، أو المَثانَةَ فلم يَسْتَمْسِكِ البَوْلُ [وجَبَ فيه] 3 الدِّيَةُ.
وبهذا قال ابنُ جُرَيْجٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حَنِيفَةَ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا أنَّ ابنَ أبى مُوْسى ذَكَر12
..................................
في المثانَةِ رِوايةً أُخْرَى أنَّ فيها ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ لأنَّها باطِنَةٌ، فهى كإفضاءِ المَرْأةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ مِن هذين المَحَلَّين عُضْوٌ فيه مَنْفَعةٌ كَبِيرةٌ، ليس في البَدَنِ مِثْلُه، فوَجَبَ في 1 تَفْوِيتِ مَنْفَعتِه دِيَةٌ كامِلَةٌ، كسائرِ الأعضاءِ المَذْكُورَةِ، فإنّ نَفْعَ المثَانَةِ حَبْسُ البَوْلِ، وحَبْسُ البَطْنِ الغائِطَ مَنْفَعَةٌ مِثْلُها، والنَّفْعُ بهما كثِيرٌ، والضَّرَرُ بفَواتِهما عَظِيمٌ، فكان في كلِّ واحدٍ منهما الدِّيَةُ، كالسَّمْعِ والبَصَرِ.
وإن فاتتِ المَنْفَعتان بجِنايَةٍ واحدةٍ، وَجَب على الجانِى دِيَتان، كما لو ذَهَب سَمْعُه وبَصَرُه بجِنايَةٍ واحدةٍ.
وَفِي نَقْصِ شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِنْ عُلِمَ، بِقَدْرِهِ، مِثْلَ نَقْصِ الْعَقْلِ، بِأَنْ يُجَنَّ يَوْمًا وَيُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهَابَ بَصَرِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، أَوْ سَمْعِ إِحْدَى الأُذُنَيْنِ.
وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ بِالْحِسَابِ، يُقْسَمُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا.
4275 - مسألة: (وفى نَقْصِ شَىْءٍ مِن ذلك إن عُلِمَ بقَدْرِه، مِثْلَ نَقْصِ العَقْلِ، بِأنْ يُجَنَّ يَوْمًا ويُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهاب بَصَرِ إحْدَى العَيْنَيْن، أَوْ سَمْعِ إحْدَى الأُذُنَيْن) لأَنَّ ما وجَبَت فيه الدِّيَةُ، وجبَ بعْضُها في بعْضِه، كالأصابعِ واليدَيْن.
فصل: وإن نَقَصَ الذَّوْقُ نَقْصًا يَتَقَدَّرُ بأَن لا يُدْرِكَ أحَدَ المَذاقِ الخَمْسِ، وهى الحلاوةُ، والحُموضةُ، والمرارَةُ، والمُلوحةُ، والعُذوبة، فإذا لم يُدْرِكْ أحَدَها، وأدْرَكَ الباقِىَ، ففيه خُمْسُ الدِّيَةِ، وفى اثْنَيْن خُمْساها، وفى ثلاثٍ ثلاثةُ أخْماسِها.
وإن لم يُدْرِكْ واحدةً، فعليه الدِّيَةُ إذا قُلْنا: تجبُ الدِّيَةُ في ذَهابِ الذَّوْقِ.
وإلَّا ففيه حُكومةٌ.
4276 -
مسألة: (وفى بَعْضِ الكَلامِ بِالحِسابِ، يُقْسَمُ على ثَمانِيَةٍ وعِشْرِين حَرْفًا)
يُعْتَبَرُ ذلك بحُرُوفِ المُعْجَمِ، وهى ثمانيةٌ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ علَى الْحُرُوفِ الَّتِى لِلِّسَانِ فِيهَا عَمَلٌ دُونَ الشَّفَوِيَّةِ؛ كَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، والْمِيمِ.
وِعشرون حرفًا سِوَى «لا»، فإنَّ مخرجَها مَخْرَجُ اللامِ والألفِ، فمهما نقَصَ مِن الحُرُوفِ، نَقَصَ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِه؛ لأَنَّ الكلامَ يُتِمُّ بجَمِيعِها، فالذاهبُ يجبُ أن يكونَ عِوَضُه مِن الدِّيَةِ كقَدْرِه مِن الكلامِ، ففى الحَرْفِ الواحدِ رُبْعُ سُبْعِ الدِّيَةِ، وفى الحرْفَيْنِ نِصْفُ سُبْعِها، وفى الأرْبَعَةِ سُبْعُها, ولا فَرْقَ بينَ ما خَفَّ على اللِّسانِ مِن الحرُوفِ أو ثَقُلَ؛ لأن كل ما وجَبَ فيه المُقَدَّرُ لم يخْتلِفْ لاخْتِلافِ قَدْرِه؛ كالأصابعِ.
(ويَحْتَمِلُ أن تُقْسَمَ الدِّيَةُ على الحرُوفِ التى لِلِّسانِ فيها عَمَل دُونَ الشَّفَوِيَّةِ؛ وهى الباءُ، والميمُ، والفاءُ) والواوُ.
ودُونَ حُروفِ الحَلْقِ السِّتَّةِ؛ [وهى] 1 الهَمْزَةُ، والهاءُ، والحاءُ، والخاءُ، والعَيْنُ، والغَيْنُ.
فهذه عشَرةٌ، بقِى ثمانيةَ عشَرَ حَرْفًا للِّسانِ، تُقْسَمُ دِيَتُه عليها؛ لأَنَّ الدِّيَةَ تجبُ بقَطْعِ اللِّسانِ، وذَهابِ هذه الحروفِ وحْدَها مع بقائِه، فإذا وجَبَتِ الدِّيَةُ فيها بمُفْرَدِها، وجَبَ في بَعْضِها بقِسْطِه منها، ففى الواحدِ نِصْفُ تُسْعِ
..................................
الدِّيَةِ، وفى الاثْنَيْن تُسْعُها، وفى الثلاثةِ سُدْسُها.
وهذا قولُ بعضِ 1 أصْحابِ الشافعىِّ.
وإن جَنَى على شَفَتِه 2، فذَهَبَ بعضُ الحروفِ، وجَبَ فيه بقَدْرِه، وكذلك إن ذهبَ بعضُ حروف الحَلْقِ بجنايته.
وينْبَغِى أن يجبَ بقَدْرِه مِن ثَمانيةٍ وعشرين، وجْهًا واحدًا.
وإن ذهبَ حرف فعَجزَ عن كَلمةٍ، لم يجبْ فيه 3 غيرُ أَرْشِ الحرفِ؛ لأَنَّ الضَّمانَ إنَّما يجبُ لِمَا تَلِفَ.
وإن ذهبَ حرفٌ 4، فأبدَلَ مكانَه حرفًا آخرَ، كأن كان يقولُ: دِرْهَمٌ.
فصار يقول: دِلْهم.
أو دِعْهم 5. أو دِيْهَم.
فعليه ضَمانُ الحرفِ الذَّاهبِ؛ لأَنَّ ما تَبَدَّلَ لا يقومُ مَقامَ الذَّاهبِ في القراءةِ ولا غيرِها.
فإن جَنَى عليه فذهبَ البدلُ، وجَبَتْ دِيَتُه أيضًا؛ لأنَّه أصْلٌ.
وإن جَنَى عليه جانٍ، فأذْهَبَ بعضَ الحروفِ، وجَنَى عليه آخَرُ، فأذْهبَ بقِيَّةَ
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ، مِثْلَ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا، أَوْ نَقَصَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أو شَمُّهُ، أو حَصَلَ في كَلَامِهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ عَجَلَةٌ،
الكلامِ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما بقِسْطِه، كما لو ذهبَ الأَوَّلُ ببَصرِ إحْدَى العَيْنَيْن، وذهبَ الآخرُ ببَصرِ الأُخْرَى.
وإن كان ألْثَغَ مِن غيرِ جنايةٍ عليه، فذهبَ إنْسانٌ بكلامِه كلِّه، فإن كان مَأْيُوسًا مِن ذَهابِ لُثْغَتِه، ففيه بقِسْطِ ما ذهبَ مِن الحروفِ، وإن كان غيرَ مَأْيُوس مِن زَوالِها، كالصَّبِىِّ، ففيه الدِّيَةُ الكاملةُ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ زَوالُها.
وكذلك الكبيرُ إذا أمْكَنَ إزالَةُ لُثْغَتِه بالتَّعْليمَ.
4277 -
مسألة: (وإن لم يُعْلَمْ قَدْرُه، مِثْلَ أن صار مَدْهُوشًا)
يَفْزَعُ مِمَّا لا يُفْزَعُ منه (1)، ويَسْتَوْحِشُ إذا خلا، فهذا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه، فيجبُ فيه ما تُخْرِجُه الحُكومةُ؛ لأنَّه لا تَقْدِيرَ فيه.
4278 -
مسألة: (فإن نَقَصَ سَمْعُه، أو بَصَرُه، أو شَمُّه، أو حَصَلَ في كلامِه تَمْتَمَةٌ أو عَجَلةٌ)
أو فَأْفَأَةٌ، ففيه حُكومةٌ لِما حَصَلَ مِن النَّقْصِ والشَّيْنِ، ولم تَجِبِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ المَنْفَعَةَ باقيةٌ.
فإن جَنَى عليه جانٍ آخَرُ، فأذْهَبَ كلامَه، ففيه الدِّيَةُ كاملةً، كما لوِ جَنَى على عَيْنِه جانٍ فعَمِشَتْ، ثم جَنَى عليه آخَرُ فأذْهَبَ بَصَرَها.
فإن نقَصَ ذَوْقُه نَقْصًا غَيْرَ مُقَدرٍ، بأن يُحِسَّ المَذاقَ كلَّه إلَّا أنَّه لا يُدْرِكُه على الكمالِ، ففيه حُكومةٌ، كما لو نَقَصَ بَصَرُه أو سَمْعُه نَقْصًا لا يَتَقَدَّرُ.1
أَوْ نَقَصَ مَشْيُهُ، أَوِ انْحَنَى قَلِيلًا، أَوْ تَقَلَّصَتْ شَفَتُهُ بَعْضَ التَّقَلُّصِ، أَوْ تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ، أَوْ ذَهَبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْىِ المَرأةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
4279 - مسألة: (وإن نَقَص مَشْيُه أو انْحَنَى قليلًا، أو تَقَلَّصَتْ شَفَتُه بعضَ التَّقَلُّصِ، أو تَحَركَتْ سِنُّه، أو ذَهَبَ اللبنُ مِن ثَدْىِ المرْأةِ، ونحوُ ذلك، ففيه حُكومةٌ)
لِمَا ذكرْنا.
وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ، اعْتُبرَ أكْثَرُهُمَا؛ فَلَوْ ذَهَبَ رُبْعُ اللِّسَانِ وَنِصْفُ الْكَلَامِ، أَوْ رُبْعُ الْكَلَامِ وَنِصْفُ اللِّسَانِ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ،
4280 - مسألة: (وإن قَطَع بَعْضَ اللِّسانِ فَذَهَبَ بَعْضُ الكلامِ، اعْتُبِرَ أكْثَرُهما؛ فلو ذَهَب رُبْعُ اللِّسانِ ونِصْفُ الكَلامِ، أو رُبْعُ الْكَلامِ ونِصْفُ اللِّسانِ، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ)
إذا قَطَع بعض لِسانِه، فذهبَ بعض كلامِه، فإنِ اسْتَوَيا، مثلَ أن يَقْطَعَ رُبْعَ لِسانِه، فيَذْهَبَ رُبْعُ كلامِه، وجبَ رُبْعُ الدِّيَةِ بقَدْرِ الذَّاهبِ منهما، كما لو قَلَع 1 إحْدَى عيْنَيْه فذهَبَ بَصرُها.
وإن ذهبَ مِن أحَدِهما أكثرُ مِن الآخَرِ، كأن قَطَعَ رُبْعَ لِسانِه فذهبَ نِصْفُ كلامِه، أو قَطَع نِصْف لِسانِه فذهبَ رُبْعُ كلامِه، وجبَ بقَدْرِ الأكْثَرِ، وهو نِصْفُ الدِّيَةِ في الحالَيْن؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ مِن اللِّسانِ والكلامِ مَضْمُونٌ بالدِّيةِ مُنْفَرِدًا، فإذا انْفَرَدَ نِصْفُه بالذَّهابِ، وجَبَ النِّصْفُ، ألَا تَرَى أنه لو ذهبَ نِصْفُ الكلام ولم يذهبْ مِن اللِّسانِ شئٌ، وجبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، ولو ذهبَ نِصْفُ اللِّسانِ ولم يذهبْ مِن الكلامِ
فَإِنْ قَطَعَ رُبْعَ اللِّسَانِ فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ، فَعَلَى الأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى الثَّانِى نِصْفُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكومَةٌ لِرُبْعِ اللِّسَانِ.
شئٌ، وجبَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
4281 -
مسألة: (وإن قَطَع رُبْعَ اللِّسانِ فذَهَبَ نِصْفُ الكَلامِ، ثمُّ قَطَع الآخَرُ بَقِيَّتَه)
فَذَهَبَ بَقِيَّةُ الكَلامِ (فَعَلَى الأوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وعلى الثَّانِى نِصْفُها.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ، وحُكُومَةٌ لِرُبْعِ اللِّسانِ) في هذه المسألةِ ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، على الثانى نِصْف الدِّيَةِ.
وهذا قولُ القاضى.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ السُّالمَ نِصْفُ اللِّسانِ، وباقِيَه أشَلُّ، بدليلِ ذَهاب نِصْفِ الكلامِ.
والثانى 1، عليه نِصْفُ الدِّيَةِ، وحُكومةٌ للرُّبْعِ الأشَلِّ؛ لأنَّه لو كان جَمِيعُه أشَلَّ، لَكانت فيه حُكومةٌ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ، فإذا كان بعْضُه أشَلَّ، ففى ذلك البعضِ
..................................
حُكُومةٌ أيضًا.
والثالثُ، عليه ثَلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ.
وهذا الوَجْهُ الثانى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه قَطَع ثلاثةَ أرْباعِ لِسانِه فذهبَ نِصْفُ كلامِه، فوجَبَ عليه ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، كما لو قَطَعَه أوَّلًا.
ولا يَصِحُّ القولُ بأنَّ بعْضَه أشَلُّ؛ لأنَّ العُضْوَ متى كان فيه بعْضُ النَّفْعِ، لم يَكُنْ بعْضُه أشَلَّ، كالعَيْنِ إذا كان بَصَرُها ضَعِيفًا، واليَدِ إذا كان بَطْشُها ضَعِيفًا.
فصل: وإِن قَطَع نِصْفَ لِسانِه، فذهبَ رُبْعُ كلامِه، فعليه نِصْف دِيَتِه، وإن قَطَع الآخَرُ بقِيَّتَه 1، فعليه ثلاثةُ أرْبَاعِ الدِّيَةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
والآخَرُ، عليه نِصْفُ الدِّيَةِ 2؛ لأنَّه لم يقْطَعْ إلَّا نِصْفَ لِسانِه.
ولَنا، أنَّه ذهبَ بثلاثةِ أرْباعِ الكلامِ، فلَزِمَتْه ثلاثةُ أرْباعِ دِيَتِه، كما لو ذهبَ ثلاثةُ أرْباعِ الكلامِ بقَطْعِ نِصْفِ اللِّسانِ في الأَوَّلِ، ولأنَّه لو ذهبَ ثلاثةُ أرْباعِ الكلامِ مع بَقاءِ اللِّسانِ لَزِمَتْه ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، فَلأَنْ يجبَ بقَطْعِ نِصْفِ اللِّسانِ أوْلَى.
ولو لمْ يَقْطَعِ الثانى نصفَ اللِّسانِ، لكنْ جَنَى عليه جنايةً أذهَبَ بَقِيَّةَ كلامِه مع بَقاءِ لِسانِه، لَكانَ عليه ثلاثةُ أرْباعِ دِيَتِه؛ لأنَّه ذهبَ بثلاثةِ أرْباعِ ما فيه الدِّيَةُ، فكان عليه
..................................
ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، كما لو جَنَى على صَحيحٍ فذهبَ ثلاثةُ أرْباعِ كلامِه، مع بَقاءِ لِسانِه.
فصل: إذا قَطَعَ بعضَ لِسانِه عَمْدًا، فاقْتَصَّ المَجْنِىُّ عليه مِن مِثْلِ ما جَنَى عليه، فذهبَ مِنِ كلامَ الجانِى مثلُ ما ذهبَ مِن كلامَ المَجْنِىِّ عليه أو أكثرُ، فقد اسْتَوْفى حَقَّه، ولا شئَ في الزَّائدِ؛ لأنَّه 1 مِن سِرايةِ القَوَدِ، وهى غيرُ مَضْمُونةٍ، وإن ذهبَ أقَلُّ [مِن جنايته] 2، فللمُقْتَصِّ ديَةُ ما بَقِىَ؛ لأنَّه لم يَسْتَوْفِ بَدَلَه.
فصل: إذا كان لِلسانِه طَرَفان، فقَطَع أحَدَهما، فذهبَ كلامُه، ففيه الدِّيَةُ؛ لأَنَّ ذَهابَ الكلامِ بمُفْرَدِه يُوجِبُ الدِّيَةَ.
وإن ذهبَ بعضُ الكلامِ، نَظَرْتَ، فإن كان الطَّرَفان مُتَساوِيَيْن، وكان ما قَطَعَه بقَدْرِ ما ذهبَ من الكلام، وجبَ، وإن كان أحَدُهما أكبرَ 3، وجَبَ الأكْثَرُ 4، على ما مضَى، وإن لم يَذْهَبْ مِن الكلامِ شئٌ، وجبَ بِقَدْرِ ما ذهبَ مِن اللِّسانِ مِن الدِّيَةِ.
وإن كان أحَدُهما مُنْحَرِفًا عن سَمْتِ اللِّسانِ، فهو خِلْقَةٌ زائدةٌ، وفيه حُكومةٌ.
وإن قَطَع جميعَ اللِّسانِ، وجبَتِ الدِّيَةُ
وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا دِيَةٌ، وَإِنْ ذَهَبَا مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ، فَفِيهِ دِيَتانِ.
مِن غيرِ زِيادةٍ، سواءٌ كان الطَّرَفانِ مُتَساوِيَيْن أو مُخْتَلِفَيْن.
وقال القاضى: إن كانا مُتَساوِيَيْن، ففيهما الدِّيَةُ، وإن كان أحَدُهما مُنْحَرِفًا عن سَمْتِ اللِّسانِ، وجَبَتِ الدِّيَةُ، وحُكومةٌ في الخِلْقَةِ الزَّائدةِ.
ولَنا، أنَّ هذه الزِّيادةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ يُرَدُّ بها المَبِيعُ، وتَنْقُصُ مِن ثَمَنِه، فلم يجبْ فيها (1) شئٌ، كالسِّلْعَةِ في اليَدِ.
وربَّما عادَ القوْلان إلى شئٍ واحدٍ؛ لأَنَّ الحُكومةَ لا يَخْرُجُ بها شئٌ إذا كانتِ الزِّيَادةُ عَيْبًا.
4282 -
مسألة: (وإن قَطَع لِسانَه، فذَهَبَ نُطْقُه وذَوْقُه، لم يَجِبْ إلَّا ديَةٌ، وإن ذَهَبا مع بَقاءِ اللِّسانِ، وجَبَتْ ديَتان)
إذا جَنَى على لسانٍ ناطِقٍ، فأذْهبَ كلامَه وذَوْقَه، ففيه دِيَتانِ.
وَإن قَطَع لِسانَه فذهبَا معًا، لم يجبْ إلَّا دِيَة واحدةٌ؛ لأنَّهما يذْهَبانِ تَبَعًا لذَهابِه، فوجَبَتْ دِيَتُه دُونَ دِيَتِهما 2، كما لو قَتَلَ إنْسانًا، لم يجبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ.
ولو ذهَبَتْ1
..................................
مَنافِعُه مع بَقائِه، ففى كلِّ مَنْفَعَةٍ دِيَةٌ.
فصل: فإن جَنَى على لِسانِه، فذهبَ كلامُه أو ذَوْقُه، ثم عادَ، لم تجبِ الدِّيَةُ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه لمِ يَذْهَبْ، ولو ذهبَ لم يَعُدْ، وإن كان قد قَبَضَ الدِّيَةَ ردَّها.
وإن قَطَع لِسانه، فعادَ، لم تجبِ الدِّيَةُ، وإن كان قد أخَذَها رَدَّها.
قاله أبو بكرٍ.
وظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ، أنَّه لا يَرُدُّ؛ لأَنَّ العادةَ لم تَجْرِ بعَوْدِه، واخْتِصاصُ هذا بعَوْدِه يدُلُّ على أنَّها هِبَةٌ مُجَدَّدَةٌ 1. ولَنا، أنَّه عاد ما وجبَتْ فيه الدِّيَةُ، فوجبَ رَدُّ الدِّيَةِ، كالأسْنانِ وسائرِ ما يَعُودُ.
وإن قَطَع إنْسانٌ نِصْفَ لِسانِه، فذهبَ كلامُه كلُّه، ثم قَطَعَ آخَرُ 2 بقِيَّتَه فعادَ كلامُه، لم يجبْ رَدُّ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الكلامَ الذى كان باللِّسانِ قد ذهبَ، ولم يَعُدْ إلى اللِّسانِ، وإنَّما عادَ في مَحَلٍّ آخَرَ، بخِلافِ التى قبلَها.
وإن قَطَع لِسانَه فذهبَ كلامُه، ثم عادَ اللِّسانُ دُونَ الكلامِ، لم يَرُدَّ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قد ذهبَ ما تجبُ الدِّيَةُ فيه بانْفِرادِه.
وإن عادَ كلامُه دُونَ لِسانِه، لم يَرُدَّها أيضًا؛ لذلك.
وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَنِكَاحُهُ، فَفِيهِ دِيَتَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في نَقْصِ بَصَرِهِ، أَوْ سَمْعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمجَنِىِّ عَلَيْهِ،
4283 - مسألة: (وإن كَسَرَ صُلْبَه فذَهَبَ مَشْيُه ونِكاحُه، ففيه دِيَتان)
لأجْلِ ذَهابِ المَشْى والجِماعِ.
وعن أحمدَ، فيهما دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّهما نَفْعُ عُضْو واحدٍ، فلم يجبْ فيهما أكثرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قَطَع لِسانَه فذهبَ نُطْقُه وذَوْقُه.
4284 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في نَقْصِ سَمْعِه وبَصَرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه)
مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ذلك لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه، فيُحَلِّفُه الحاكمُ، ويُوجِبُ حُكومةً.
..................................
فصل: وإنِ ادَّعَى أنَّ إحْدَى عيْنَيْه نَقَصَ ضَوْؤُها، عُصِبَتِ المريضَةُ، وأُطْلِقَتِ الصَّحِيحَةُ، ونُصِبَ له شَخْصٌ وتَباعَدَ عنه، فكُلَّما قال: قد رأيْتُه.
ووصَفَ لَوْنَه، عُلِمَ صِدْقُه، حتى يَنْتَهِىَ، فإذا انْتَهَتْ رُؤْيَتُه، عُلِّمَ مَوْضِعُها، ثم تُشَدُّ الصَّحِيحةُ، وتُطْلَقُ المريضَةُ، ويُنْصَبُ له شَخْصٌ، ثم يذْهَبُ حتى تَنْتَهِىَ رُؤْيَتُه، ثم يُدارُ الشَّخْصُ إلى جانبٍ آخَرَ، فَيُصْنَعُ به مِثْلُ ذلك، ثم يُعَلَّمُ عندَ المَسافَتَيْنِ، وتُذْرَعان، ويُقابَلُ بينَهما، فإن كانتا سَواءً، فقد صَدَقَ، ويُنْظَرُ كم بينَ مَسافةِ رُؤْيَةِ العَلِيلَةِ والصَّحِيحَةِ، ويُحْكَمُ له مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ ما بينَهما، وإنِ اخْتَلَفَتِ المسافَتانِ، فقد كذَبَ، وعُلِمَ أنَّه قَصَّرَ مسافةَ رُؤْيةِ 1 المريضةِ ليُكَثِّرَ الواجبَ له، فيُرَدَّدُ حتى تَسْتَوِىَ المسافةُ بينَ الجانِبَيْن.
والأَصْلُ في هذا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
قال ابنُ المُنْذِرِ 2: أحْسَنُ ما قِيلَ في ذلك، ما قاله علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أَمَرَ بعَيْنِه فعُصِبَتْ، وأعْطىَ رَجُلًا بَيْضَةً، فانْطَلَقَ بها وهو ينْظُرُ، حتى انْتَهى بَصَرُه، ثم أمَر فخطَّ عندَ ذلك، ثم أمَر بعَيْنِه الأُخْرَى فعُصِبَتْ، وفُتِحَتِ الصَّحيحةُ، وأعْطى رَجُلًا بَيْضَةً، فانْطَلَقَ بها، [وهو ينْظُرُ] 3 حتى انْتَهَى بَصَرُه، ثم خَطَّ عندَ ذلك، ثم حَوَّلَ إلى مكانٍ آخَرَ، ففعلَ مثلَ ذلك، فوجدُوه سواءً، فأعْطاه بقَدْرِ ما نَقَصَ مِن بَصَرِه مِن مالِ
..................................
الآخَرِ 1. قال القاضى: وإذا زَعَمَ أهْلُ الطِّبِّ أنَّ بصَرَه يَقِلُّ إذا بَعُدَتِ المسافَةُ، ويَكْثُرُ إذا قَرُبَتْ، وأمْكَنَ هذا في المُذارَعَةِ، عُمل عليه.
وبَيانُه أنَّهم إذا قالوا: إنَّ الرَّجُلَ إذا كان يُبْصِرُ إلى مائةِ ذراع.
ثم أرادَ أن يُبْصِرَ إلى مِائَتَىْ ذِراعٍ، احْتاجَ للمائةِ الثَّانيةِ إلى ضِعْفَىْ ما يحْتاجُ إليه للمائةِ الأُولَى مِن البَصَرِ 2. فعلى هذا، إذا أْبصَرَ بالصَّحيحةِ إلى مائتيْن، وأبْصرَ بالعَلِيلةِ إلى مائةٍ، علِمْنا أنَّه قد نَقَصَ ثُلُثا [بَصَرِ عَيْنِه] 3، فيَجبُ له ثُلُثا دِيَتِها.
قال شيْخُنا 4: وهذا لا يَكادُ ينْضَبِطُ في الغالبِ، وكلُّ ما لا ينْضَبِطُ فيه حُكومةٌ.
وإن جَنَى على عَيْنَيْه، فنَدَرَتا 5، أو احْوَلَّتا، أو عَمِشَتا، ففى ذلك حُكومةٌ، كما لو ضربَ يَدَه فاعْوَجَّتْ.
والجنايةُ على الصَّبِىِّ والمَجْنونِ كالجِنايةِ على البالغِ والعاقلِ، لكنْ يفْتَرِقان في أنَّ البالغَ العاقلَ خصْمٌ لنفْسِه، والخَصْمُ للصَّبِىِّ والمَجْنُونِ وَلِيُّهما، فإذا توَجَّهَتِ اليَمِينُ عليهما لم يَحْلِفا, ولم يَحْلِفِ الوَلِىُّ عنهما، فإن بَلَغَ الصَّبِىُّ وأفاقَ المجنونُ، حَلَفا حينَئذٍ.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفصلِ كلِّه كمذْهَبِنا.
فصل: فإنِ ادَّعَى المَجْنِىُّ عليه نَقْصًا في سَمْعِ إحْدَى أذُنَيْه، سَدَدْنا
وَإِذَا اخْتَلَفَا في ذَهَابِ بَصَرِهِ، أُرِى أَهْلَ الْخِبْرَةِ، وَقُرِّبَ الشَّىْءُ إِلَى عَيْنهِ في وَقْتِ غَفْلَتِهِ.
العَلِيلةَ، وأطْلَقْنا الصَّحيحةَ، وأقَمْنا مَن (1) يُحَدِّثُه وهو يَتَباعَدُ إلى حَيْثُ (2) يقولُ: إنِّى لا أسمعُ.
فإذا قال ذلك، غَيَّرَ عليه, الصَّوْتَ والكلامَ، فإن بانَ أنَّه يسْمَعُ، وإلَّا فقد كَذَبَ، فإذا انْتَهَى إلى آخِرِ سَماعِه (3)، قَدَّرَ المَسافَةَ، وسَدَّ الصَّحيحةَ، وأُطْلِقَتِ المَريضَةُ، وحَدَّثَه وهو يتَباعَدُ، حتى يقولَ: إنِّى لا أسْمَعُ.
فإذا قال ذلك، غَيَّرَ عليه, الكلامَ، فإن تغَيَّرَتْ صِفتُه، لم يُقْبَلْ قولُه، وإن لم تَتَغَيَّرْ صِفَتُه، حَلَفَ، وقُبِلَ قولُه، وتُمسَحُ المسافتان، ويُنْظَرُ ما تَنْقُصُ العليلةُ، فيجبُ بقَدْرِه.
فإن قال: إنِّى أسْمَعُ العالِىَ، ولا أسْمَعُ الخَفِىَّ.
فهذا لا يُمْكِنُ تَقْديرُه، فيَجِبُ فيه حُكومةٌ.
فصل: فإن قال أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُرْجَى عَوْدُ سَمْعِه إلى مُدَّةٍ.
انْتُظِرَ إليها، وإن لم يَكُنْ لذلك غايةٌ، لم يُنْتظَرْ.
4285 -
مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ بَصَرِه، أُرِىَ أهْلَ الخِبْرَةِ)
فيُرْجَعُ في ذلك إلى قوْلِ مسلمَيْن عَدْلَيْن منهم 4؛ لأَنَّ لهما 5 طَرِيقًا إلى مَعْرِفَةِ ذلك، لمُشاهَدَتِهما العَيْنَ التى هى مَحَلُّ البَصَرِ، بخِلافِ123
وإنِ اخْتَلَفَا في ذَهَابِ سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ,
السَّمْعِ.
فإن لم يُوجَدْ أهْلُ الخِبْرَةِ، أو تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذلك، اعْتُبِرَ بأن يُوقَفَ في عَيْنِ الشَّمْسِ، ويُقَرَّبَ الشئُ إلى عَيْنِه في أوْقاتِ غَفْلَتِه، فإنْ طَرَفَ عَيْنَه، وخافَ مِن الذى يُخَوَّفُ به، فهو كاذِبٌ، وإلَّا حُكِمَ له.
وإذا عُلِمَ ذَهابُ بصَرِه، وقال أهْلُ الخِبْرَةِ: لا يُرْجَى عَوْدُه.
وَجَبَتِ الدِّيَة.
وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُه إلى مُدَّةٍ.
عَيَّنُوها، انْتُظِرَ إليها، ولم يُعْطَ الدِّيَةَ حتى تَنْقَضِىَ المُدَّةُ، فإن لم يَعُدِ اسْتَقَرَّتْ على الجانِى الدِّيَة.
فإن مات المَجْنِىُّ عليه قَبْلَ العَوْدِ، اسْتَقَرَّتِ الدِّيَةُ، سواءٌ مات في المُدَّةِ أو بَعْدَها.
فإن جاءَ أجْنَبِىٌّ، فقَلَعَ (1) عَيْنَه في المُدَّةِ، اسْتَقَرَّتْ على الأوَّل الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأنَّه أذْهَبَ البَصَرَ فلم يَعُدْ، وعلى الثانى حُكومةٌ؛ لأَنَّه أذْهَبَ عَيْنًا لا ضَوْءَ لها، يُرْجَى عَوْدُ ضَوْئِها.
وإن قال الأَوَّلُ: عادَ ضَوْؤُها.
وأنْكَرَ الثانى، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ معه، وإن صَدَّقَ المَجْنِىُّ عليه الأوَّلَ، سَقَطَ حَقُّه عنه، ولم يُقْبَلْ قولُه على الثانى.
فأمَّا إن قال أهْلُ الخِبْرَةِ: يُرْجَى عَوْدُه، لكن لا يُعْرَفُ له مُدَّةٌ.
وجَبَتِ الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأَنَّ انْتِظارَ ذلك إلى غيرِ غَايةٍ يُفْضِى إلى إسْقاطِ مُوجَبِ الجِنايةِ، والظَّاهرُ في البَصَرِ عَدَمُ العَوْدِ، والأَصْلُ يُؤيِّدُه، فإن عادَ قبْلَ اسْتِيفاء الواجبِ، سقطَ، وإن عادَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، وجَبَ رَدُّ ما أخذَ منه؛ لأنَّنَا تبَينا أنَّه لم يَكُنْ واجبًا.
4286 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ سَمْعِه)
فإنَّه يُتَغَفَّلُ1
..................................
ويُصاحُ به ويُنتظَرُ اضْطِرَابُه، ويُتأمَّلُ عِنْدَ صَوْتِ الرَّعْدِ والأصْواتِ المُزْعِجَةِ، فإن ظَهَرَ منه انْزِعاجٌ، أو الْتِفاتٌ، أو ما يَدُلُّ على السَّمْعِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الجانِى مع يَمِينِه؛ لأَنَّ ظُهورَ الأماراتِ يدُلُّ على أنَّه سَمِيعٌ (1)، فغلَبَتْ جَنبةُ المُدَّعِى، وحَلَفَ؛ لجَوازِ أن يكونَ ما ظهرَ منه اتِّفاقًا، وإن لم يوجدْ شئٌ مِن ذلك، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه مع يَمينه؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ السَّمْعِ، وحَلَفَ؛ لجَوازِ أن يكونَ احْتَرَزَ وتصَبَّرَ.
وإِنِ ادَّعى ذلك في إحداهما، سُدَّتِ الأُخْرَى، وتُغُفِّلَ (2) على ما ذكَرْنا.
4287 -
مسألة: وإنِ ادَّعَى ذَهابَ شَمِّه،
جَرَّبْناه بِالرَّوائِحِ الطَّيِّبةِ والمُنْتِنَةِ، فإن هَشَّ لِلطَّيبِ، وتَنَكَّرَ للمُنْتِنِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الجانِى مع يَمِينِه، وإن لم يبنْ منه ذلك، فالقَوْلُ قَوْلُ المَجْنِىٍّ عليه، كقَوْلِنا في اخْتِلافِهم في السَّمْعِ والبَصَرِ.
وإنِ ادعَىِ المَجْنِىُّ عليه نقْصَ شَمِّه، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى معْرِفةِ ذلك إلَّا مِن جِهَتِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في انْقِضاءِ عِدَّتِها بالأقْراءِ، ويجبُ له مِن الدِّيَةِ ما تُخْرِجُه الحُكومةُ.
وإن ذهبَ شَمُّه ثم عادَ قَبْلَ أخْذِ الدِّيَةِ، سقَطَتْ، وإن كان بعدَ أخْذِها، رَدَّها؛ لاننا تبَينا أنَّه لم يَكُنْ ذهبَ.
وإن رُجِىَ عَوْدُ شَمِّه إلى مُدَّةٍ، انْتُظِرَ إليها.
وإن ذهبَ شَمُّه مِن أحَدِ مَنْخَرَيْه، ففيه نِصْفُ12
أَوْ ذَوْقِهِ، صِيحَ بِهِ في أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَتُتُبِّعَ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ، وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ فَمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوِ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ، أَوِ الطَّعْمِ الْمُرِّ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ، الدِّيَةِ، كما لو ذهبَ بصَرُه مِن إحْدَى عيْنَيْه.
4288 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في ذَهابِ ذَوْقِه، أُطْعِمَ الأشْياءَ المُرَّةَ)
فإن عَبَس للطَّعْمِ المُرِّ (سَقَطَتْ دَعْواه) لظُهورِ ما يَدُلُّ على خِلافِ ما ادَّعاه (وإلَّا فالقولُ قولُه مع يَمِينِه) لأنَّه لا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كالمسْألَةِ التى قَبْلَها.
فصل
: (ولا تجبُ دِيَةُ الجُرْحِ حتى يَنْدَمِلَ) لأنَّه لا يُدْرَى أقَتْلٌ هو أم ليس بقَتْلٍ، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ ليُعْلَمَ 1 حُكْمُه, وما الواجبُ فيه، ولهذا لا يجوزُ الاسْتِيفاءُ في العَمْدِ قبلَ الانْدِمالِ، فكذلك لا يجوزُ أخْذُ الدِّيَةِ قبلَه، فنقولُ: أحَدُ 2 مُوجَبَى الجِنايةِ.
فلا يجوزُ قبلَ الانْدِمالِ كالآخَرِ 3.
وَلَا دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفْرِ، وَلَا مَنْفَعَةٍ، حَتَّى يُيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا.
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ كَبِيرٍ أَوْ ظُفْرَهُ ثُمَّ نَبَتَ، أَوْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ،
4289 - مسألة: (ولا)
تَجبُ (دِيَةُ سِنٍّ، ولا ظُفْرٍ، ولا مَنْفَعَةٍ، حتى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها) لأَنَّ ذلك مما يَعُودُ، فلا يجبُ شئٌ مع احْتِمالِ العَوْدِ، كالشَّعَرِ، وإنَّما يُعْرَفُ ذلك بقَوْلِ عدْلَيْن مِن أَهْلِ الخِبْرَةِ: إنَّها لا تَعُودُ أبدًا.
4290 -
مسألة: (فلو قَلَع سِنَّ كَبِير أو ظُفْرًا ثُمَّ نَبَتَ، أو رَدَّه فالْتَحَمَ)
لم تَجِبِ الدِّيَةُ.
نَصَّ أحمدُ في السِّنِّ على ذلك، في رِوايةِ جعفرِ
..................................
ابنِ محمدٍ.
وهو قولُ أبى بكرٍ.
والظُّفْرُ في مَعْناها.
وقال القاضى: تَجبُ دِيَتُها.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقد ذكَرْنا تَوْجيهَهما فيما إذا قَطَعَ أَنْفَه فرَدَّه فالْتَحَمَ.
فعِلى قولِ أبى بكرٍ، تجبُ عليه حكَومةٌ لنَقْصِها إن نَقَصَتْ، وضَعْفِها إن ضَعُفَتْ.
وإن قَلَعَها قالعٌ بعدَ ذلك، وجَبَتْ دِيَتُها؛ لأنَّها سِنٌّ 1 ذاتُ جَمالٍ ومَنْفَعَةٍ، فوَجَبَت دِيَتُها، كما لو لم تَنْقَلِعْ.
وعلى قولِ القاضى، ينْبنِى حُكْمُها على وُجوبِ قَلْعِها، فإن قُلْنا: يجبُ.
فلا شئَ على قالِعِها 2؛ لأنَّه قد أحْسَنَ بقَلْعِ ما يجبُ قَلْعُه.
وإن قُلْنا: لا يجبُ قَلْعُها.
احْتَمَلَ أن تُؤْخَذَ دِيَتُها؛ لِمَا ذكَرْنا، واحْتَمَلَ أن لا تُؤْخَذَ دِيَتُها؛ لأنَّه قد وجَبَتْ له دِيَتُها مَرَّةً، فلا تجبُ ثانيةً، ولكنْ فيها حُكومةٌ.
فأمَّا إن جَعَلَ مكانَها سِنًّا أُخْرَى، أو سِنَّ حَيوانٍ، أو عَظْمًا، فثَبَتَ 3، وجبَتْ دِيَتُها، وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ سِنَّه ذهبتْ بالكُلِّيَّةِ،
..................................
فوجَبَتْ دِيَتُها، كما لو لم يجْعَلْ مكانَها شيئًا.
وإن قُلِعَتْ هذه الثَّانيةُ، لم تجِبْ دِيَتُها؛ لأنَّها ليستْ سِنًّا له، ولا هى مِن بَدَنِه، ولكنْ يجبُ فيها حُكومةٌ؛ لأنَّها جِناية أزالتْ جَمالَه ومَنْفَعَتَه، فأشْبَهَ ما لو خاطَ جُرْحَه بخَيْطٍ، فالتَحَمَ، فقَلَعَه إنْسانٌ، فانْفَتَحَ الجُرْحُ، وزال التِحامُه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ شئٌ؛ لأنَّه أزالَ ما ليس مِن بَدَنِه، فأَشْبَهَ ما لو قَلَعَ أنْفَ الذَّهَبِ الذى جعلَه المَجْدُوعُ مكانَ أنْفِه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ هذا كان قد الْتَحَمَ، بخِلافِ أنْفِ الذَّهَبِ، فإنَّه يُمْكِن إعادَتُه كما كان, وهذا إذا أعادَه قد لا
أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ، سَقَطَتْ دِيَتُهُ, وَإِنْ كَانَ قَدْ أخَذَهَا رَدَّهَا، وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ أَوِ الظُّفْرُ قَصِيرًا أَوْ مُتَغَيِّرًا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ.
يَلْتَحِمُ.
4291 -
مسألة: (وإن ذَهَبَ سَمْعُه، أو بَصَرُه، أو شَمُّه، أو ذَوْقُه، أو عَقْلُه، ثم عاد، سَقَطَتْ دِيَتُه)
لزَوالِ سَبَبِها (وإن كان قد أخَذَها رَدَّها) لأنَّا تبَيَّنَّا أنَّه أخَذَها بغيرِ حَقٍّ.
4292 -
مسألة: (وإن عاد ناقِصًا، أو عادَتِ السِّنُّ أو الظُّفْرُ قَصِيرًا
وَعَنْهُ في قَطْعِ الظُّفْرِ إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ، خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ، فَفِيهِ عَشَرَةٌ.
وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ وَيُئسَ مِنْ عَوْدِهَا، وَجَبَتْ دِيَتُهَا.
وَقَالَ
أو مُتَغَيِّرًا، فعليه أَرْشُ نَقْصِه) [لأنَّه نَقْصٌ] (1) حصلَ بجِنايَتِه، أشْبَهَ ما لو نَقَصَه مع بقَائِه.
4293 -
مسألة: (وعنه في الظُّفْرِ إذا نَبَتَ على صِفَتِه، خَمْسَةُ دَنانِيرَ، وإن نَبَتَ أَسْوَدَ)
مُتَغَيِّرًا (عَشَرَةٌ) والتَّقْدِيراتُ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا نَعلمُ فيه تَوْقِيفًا، والقِياسُ أنَّه لا شئَ فيه إذا عاد على صِفَتِه.
وإن نَبَتَ مُتَغَيِّرًا ففيه حُكومةٌ.
4294 -
مسألة: (وإن قَلَعَ سِنَّ صَغيرٍ ويئسَ مِنْ عَوْدِها، وَجَبتْ دِيَتُها)
لأنَّه أذْهَبَها بجِنايَته إذْهابًا مُسْتَمِرًّا، فوجَبَت دِيَتُها، كسِنِّ الكبيرِ1
الْقَاضِى: فِيهَا حُكُومَةٌ.
وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْجَانِى عَوْدَ مَا أذْهَبَهُ، فَأنْكَرَ الْوَلِىُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِىِّ.
وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ في قَدْرِ مَا أَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وقال القاضى: فيها حُكومةٌ) لأَنَّ العادةَ عوْدُها، فلم تَكْمُلْ دِيَتُها كالشَّعَرِ.
والصَّحيحُ الأوَّل؛ لأَنَّ الشَّعَرَ لو لم يَعُدْ، وجَبَتْ دِيَتُه، مع أنَّ العادةَ عَوْدُه.
4295 -
مسألة: (وإن مات المَجْنِىُّ عليه وادَّعَى الجانِى عَوْدَ ما أذْهَبَه، فأنْكَرَ الوَلِى، فالقَوْلُ قَوْلُه)
وإن الأَصْلَ عَدَمُ العَوْدِ (وإن جَنَى على سِنِّه اثْنان واخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه في قَدْرِ ما أتْلَفَ كل واحدٍ منهما) لأَنَّ ذلك لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى نَقْصَ سَمْعِه أو بَصَرِه.
فَصْلٌ: وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ؛ وَهِىَ، شَعَرُ الرَّأْسِ، واللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ.
فصل
: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وفى كلِّ واحدٍ مِن الشُّعُورِ الأرْبعةِ الدِّيَةُ؛ وهى شَعَرُ الرَّأْسِ، واللِّحْيَةِ، والحاجِبَيْن، وأهْدابُ العَيْنَيْن) وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ 1. وممَّن أوْجَبَ في الحاجِبَيْن الدِّيَةَ؛ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وقَتادةُ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، وزيدِ ابنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قالا: في الشَّعَرِ الدِّيَةُ.
وقال مالكٍ، والشافعىُّ: فيه حُكومةٌ.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه إتْلافُ جمالٍ مِن غيرِ مَنْفَعَةٍ، فلم تجِبْ فيه الدِّيَةُ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ، والعَيْنِ القائمةِ.
ولَنا، أنَّه أذْهبَ الجمالَ على الكَمالِ، فوجبَ فيه دِيَةٌ كاملةٌ، كأُذُنِ
وَفِى كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا، وَفِى كُلِّ هُدْبٍ رُبْعُهَا، وَفِى بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ.
الأصَمِّ، وأنْفِ الأخْشَمِ.
وقولُهم: لا منْفَعةَ فيه.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الحاجِبَ يَرُدُّ العَرَقَ عن العَيْنِ ويُفرِّقُه، وهُدْبَ العَيْنِ يَرُدُّ عنها ويَصُونُها، فجَرَى مَجْرَى أجْفانِها.
وما ذكَرُوه يَنْتَقِضُ بالأصْلِ الذى قِسْنا عليه، واليَدُ الشَّلَّاءُ ليس جَمالُها كامِلًا.
4296 -
مسألة: (وفى كلِّ حاجِبٍ نِصْفُها، وفى كلِّ هُدْبٍ رُبْعُها)
وجلةُ ذلك، أنَّ في إحْدَى الحاجِبَيْن نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ كلَّ شَيْئَيْن فيهما الدِّيَةُ، في أحدِهما نِصْفُها، كاليَديْن.
وفى كلِّ هُدْبٍ رُبْعُها؛ لأَنَّ الدِّيَةَ إذا وجَبَتْ في أرْبَعَةِ أشْياءَ، وجَبَ في كلِّ واحدٍ رُبْعُها، كالأجْفانِ.
4297 -
مسألة: (وفى بَعْضِ ذلك بقِسْطِه مِن الدِّيَةِ)
يُقَدَّرُ بالمِسَاحَةِ، كالأُذُنَيْن ومارِنِ الأنْفِ، ولا فَرْقَ في هذه الشُّعُورِ بينَ كوْنِها كَثِيفَةً أو خَفِيفَةً، جَمِيلَةً 1 أو قَبِيحَةً، أو كونِها مِن صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ؛ لأنَّ سائرَ ما فيه الدِّيَةُ مِن الأعْضاءِ لا تَفْتَرِقُ الحالُ فيه بذلك.