الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 247-286

كِتَابُ الشَّهادَاتِ

صفحات 247-286

كتابُ الشَّهاداتِ والأصلُ فيها الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ الله تِعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 1. وقال سبحانه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2. وقال جل وعزَّ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (1). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى وائلُ بنُ حُجْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: جاءَ رجلٌ مِن حضْرَمَوْتَ، ورجلٌ من كِنْدَةَ، إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِى على أرضٍ لى.
فقال الكِنْدِي: هى أرْضِى وفى يَدِى، وليس له فيها حَقٌّ.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - للحَضْرَمِىِّ: «ألكَ بَيِّنَةٌ؟».
فقال: لا.
قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ».
قال: يا رسولَ اللهِ، الرجلُ فاجِرٌ لا يُبالِى على ما حَلَف عليه، وليس يَتَوَرَّعُ مِن شئٍ.
قال: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ

..................................  إلَّا ذَلِكَ».
قال: فانْطلَقَ الرجلُ لِيَحلِفَ له، فقال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -[لَمَّا أدبرَ] 1: «لَئِنْ حلفَ عَلَى مَالِهِ لِيأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ الله وَهُوَ عَنْهُ مُعرِضٌ» 2. قال التِّزمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيح.
ورَوَى محمدُ ابنُ عُبَيْدِ 3 اللهِ العَرْزَمِيُّ 4، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْبينةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْه» 5. قال التِّرمِذِىُّ 6: هذا حديث في إسْنادِه مَقالٌ، والعَرْزَمِىُّ (4) يُضَعَّفُ في الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِه، ضَعَّفَه ابنُ المُبارَكِ وغيرُه، إلَّا أنَّ أهلَ العِلمِ أجْمَعُوا على هذا.
قال التِّرْمِذِى: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ مِن أصْحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم.
ولأنَّ العِبْرَةَ تَقْتَضِى مَشْرُوعِيَّةَ الشَّهادَةِ، فإنًّ الحاجَةَ داعِيَة إليها، لحُصولِ التَّجاحُدِ بينَ الناسِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إليها.
قال شُرَيْح: القَضاءُ جَمْرٌ، فنَحِّه عنكَ بعُوديْن - يعنى الشّاهِدَيْن - وإنَّما الخَصمُ داءٌ، والشُّهودُ شِفَاءٌ، فأفْرِغِ الشِّفاءَ على الدَّاءِ 7. واشْتِقاق الشَّهادةِ مِن المُشاهدَةِ؛ لأنَّ الشاهِدَ يُخْبِرُ عمّا شاهَدَه.

تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وَأدَاؤها فرض عَلَى الْكِفَايَةِ، إذَا قَامَ بِها مَن يَكْفِىِ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وإنْ لَمْ يَقُف بِها مَنْ يَكْفِى، تَعَيَّنَتْ عَلى مَنْ وُجِدَ.
وقِيل: لأنَّ الشّاهِدَ يُخْبِرٌ، ويَجْعَلُ الحاكِمَ كالمشاهِدِ (1) للمَشْهودِ عليه.
وتُسَمَّى بَيِّنَةً؛ لأنَّها تُبَيِّنُ ما الْتَبَسَ (2)، وتَكْشِفُ الحقَّ في المُخْتَلَفِ فيه.

5012 -

مسألة: (تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ وأداؤُها فَرضٌ على الكِفايَةِ، إذا قام بها مَن يَكْفِى، سَقَطَتْ عن الباقِين، وإن لم يَقُف بها)

أحَدٌ (تَعَيَّنَتْ على مَن وُجدَ) لقولِ الله تِعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 3. وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 4. وإنَّما12

..................................  خَصَّ القلبَ بالإثْمِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ العِلْمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أمانَةٌ، فلزِمَ أداؤها، كسائرِ الأماناتِ.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 1. إذا ثَبَتَ هذا، فإذا دُعِىَ إلى تَحَمُّلِ شَهادةٍ في نِكاحٍ أو دَيْن أو عِدَّةٍ، لَزِمَتْه الإجابَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ 2. فإنْ قام بالفرضِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ اثنان، سَقَط عن الجميعِ، وإنِ امتَنَعَ الكُلُّ أثِمُوا، وإنَّما يأثَمُ الممتَنِعُ إذا لم يكُنْ عليه ضَرَرٌ، وكانت شَهادَتُه تنْفَعُ، فإن كان عليه ضَرَر في التَّحَمُّلِ أو الأداءِ، أو كان ممَّن لا تُقْبَلُ شهادَتُه، أو يَحْتاجُ إلى التَّبَذُّلِ في التَّزْكِيَةِ، لم تَلْزَمه؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 3. وقولِ النبىّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 4». ولأنَّه لا يَلْزَمُه أنْ يَضُرَّ نَفْسَه لنَفْعِ غيرِه.
وإذا كان ممَّن لا تُقْبَلِ شهادَتُه، لم تجِبْ عليه؛ لأنَّ مقْصُودَ الشَّهادَةِ لا يحصُلُ منه.
وهل يَأثَمُ بالامتِناعِ

..................................  إذا وُجِدَ غيره ممَّن يقوم مَقامَه؟ فيه وَجهان؛ أحدهما، يأْثَمُ؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بدُعائِه، ولأنَّه مَنْهِىٌّ عن الامتِناعِ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
والثاني، لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ غيرَه يقوم مَقامَه، فلم تَتَعَيَّنْ في حَقِّه، كما لو لم يُدْعَ إليها.
فأمّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
فقد قُرِئ بالفَتْحِ والرَّفْعِ، فمَن رفَعَ فهو خَبَرٌ معناه النَّهْىُ، ويَحتَمِلُ معنَيَيْن؛ أحدهما، أن يكونَ الكاتِبُ فاعلاً؛ أى لا يَضُرَّ الكاتِبُ؛ والشَّهِيد مَن يَدعوه، بأن لا يجِيبَ، أو يَكْتبَ ما لم يسْتَكْتَبْ، أو يَشْهدَ بما لم يُسْتَشْهد به 1. والثاني، أنْ يكونَ ﴿يضارّ﴾ فِعْلَ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فيكون مَعْناه ومَغنَى الفَتْحِ واحدًا؛ أى لا يضَرُّ الكاتِبُ والشَّهِيدُ بأن يَقْطَعَهما 2 عن شُغْلِهما بالكِتابةِ والشَّهادَةِ، ويُمْنَعا حاجَتَهما.

قَالَ الخِرَقِىُّ: وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَقُومَ بِها عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِها وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ.

5013 - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: ومَن لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، فعليه أن يَقُومَ بها على القَرِيب والبَعِيدِ، لا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن إقامَتِها وهو قادِرٌ على ذلك)

قد ذكَرنا أنًّ أداءَ 1 الشَّهادَةِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ، فإنْ تعَيَّنَتْ عليه، بأن لا يَتَحمَّلَها مَن يَكْفِى فيها سِواهُ، لَزِمَه القِيامُ بها.
وإن قام بها مَن يَكْفِى غيرُه، سقَطَ عنه أداؤها، إذا قَبِلَها 2 الحاكِمُ.
فإن كان تَحَمَّلَها جماعة، فأداوها واجِبٌ على الكُلِّ، إذا امْتَنَعوا أثِمُوا كلُّهم،

..................................  كسائرِ فُروضِ الكِفاياتِ، ودليلُ وُجُوبِها قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ 1. وفى آيَةٍ أخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ 2. ولأنَّ الشَّهادةَ أمانة، فلزِمَه أداوها، كالوَدِيعَةِ.

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أخْذُ الأجْرَةِ عَلَيْها، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، [345 و] فِى أصَحِّ الْوَجْهيْنِ.

5014 - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَعَينَّتْ عليه أخْذُ الأجْرَةِ عليها، ولا يَجُوزُ ذلك لمَن لم تَتَعَيَّنْ عليه، في أصَحِّ الوَجْهيْنِ)

مَنِ له كِفايَةٌ، فليس له أخْذُ الجُعلِ على الشَّهادَةِ؛ لأنَّها أداءُ فرض، فإن فرضَ الكِفايَةِ إذا قام به البَعضُ وقعَ منهم فَرضًا.
وإن لم تكُنْ له كِفايَةٌ، ولا تَعَينَّتْ عليه،

..................................  حلَّ له أخْذُ الجُعلِ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ على عِيالِه فَرضُ عَيْن، فلا يَشْتَغِلُ عنه بفَرضِ الكِفايةِ، فإذا أخَذَ الرِّزْقَ جمعَ بينَ الأمرَيْن.
فإن تعيَّنَتْ عليه الشَّهادةُ، احتَمَلَ ذلك أيضًا، واحتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لئلَّا يأخُذَ العِوَضَ عن أداءِ فُروضِ الأعْيانِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ

وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهادَة فِى حَد لِلّهِ تَعَالَى، أبِيحَ إِقامَتُها، وَلَم يُسْتَحَبَّ، وَلِلْحَاكِمِ أن يُعَرِّضَ لَهُم بِالْوُقُوفِ عَنْها، فِى أحدِ الْوَجْهيْنَ.
لمَن تعَيَّنَتْ عليه، وهل يَجُوزُ لغيرِه؟ على وَجْهيْنِ.

5015 -

مسألة: (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة في حَدٍّ لله تِعالى، أُبِيحَ إقامَتُها، ولم يُسْتَحَبَّ، وللحاكِمِ أن يُعَرِّضَ له بالوُقُوفِ عنها، في أحَدِ الوَجْهيْن)

يجوزُ للشّاهدِ إقامَةُ الشَّهادَةِ في حُدودِ الله تِعالى، مِن غيرِ تقَدُّمِ دَعوَى؛ لأنَّ أبا بَكْرَةَ وأصحابَه شَهِدُوا على المُغِيرَةِ 1، وشَهِدَ الْجَارودُ وأبو هُرَيْرَةَ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُربِ الخمرِ، مِن غيرِ تَقَدُّم دَعوَى 2. فأجِيزَتْ شَهادَتُهم.
ولا يُسْتَحَبُّ أداوها؛ لقولِ رسولِ اللهِ

..................................  - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ 1، سَتَرَهُ الله فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» 2. وللحاكمِ أن يُعَرضَ للشّاهدِ بالوُقوفِ عن الشَّهادَةِ، في أظْهرِ الوَجْهيْن 3؛ لِما روَى صالحٌ، في «مَسائِلِه»، عن أبى عُثْمانَ النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجل إلى عُمَرَ، فشَهِدَ على المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، فتَغَيَّرَ لوْنُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ، فشَهِدَ، فاسْتَنْكَرَ ذلك عمرُ 4، ثم جاء شابٌّ يخْطُرُ بيدَيْه، فقال عمرُ: ما عندَك يا سَلْحَ العُقابِ؟ وصاحَ به عمرُ صَيْحَة، فقال أبو عُثمانَ: اللهِ لقد كِدتُ 5 يُغْشى علىَّ.
فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، رأيتُ أمْرًا قَبيحًا.
فقال: الحمدُ للهِ الذى لم يُشَمِّتِ الشَّيْطانَ بأصحاب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. قال 6: فأمَرَ بأولئِك النَّفَرِ فجُلِدوا.
وفى رِوايةٍ، أَنَّ عمرَ لَمّا شُهِدَ 7 عندَه على المُغِيرةِ، شَهِدَ ثَلاثة، وبَقِىَ واحِدٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسَنًا، وأرجُو أن لا يَفْضَحَ اللهُ على لِسانِه

..................................  رجلاً مِن أصحابِ محمد - صلى الله عليه وسلم - 1 وهذا تَعرِيضٌ ظاهِرٌ.

وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهادَةُ لآدَمِىٍّ يَعلَمُها، لَمْ يُقِمها حَتَّى يَسْألهُ، فَإنْ لَم يَعلَمها، اسْتُحِبَّ لَهُ إعلَامُه بِها، وَلَهُ إقَامَتُها قَبْلَ ذَلِكَ.

5016 - مسألةْ (ومَن كانَتْ عندَه شَهادَة لآدَمِىٍّ يَعلَمها، لم يقِمها حتى يَسْأَلَهُ، فإن لم يَعلَفها، اسْتحبَّ له إعلامُه بها، وله إقامَتُها قبلَ ذلك)

إذا كان المَشْهُود له يَعلَمُ له شَهادةً عندَ إنسانٍ، لم يُقِفها الشّاهِدُ حتى يَسْأله صاحِبها؛ لِما روِى عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قرني، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونهْم، ثمِ يأتِى قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ 1، وَيَشْهدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخونُون وَلَا يُؤْتَمَنونَ».
رواه البخارىُّ 2. فإن كان لا يَعلَمها، اسْتحِبَّ له إعلامُه بها؛ لأنَّها أمانَةٌ [8/ 221 و] يُسْتَحَبُّ إعلامُ صاحِبِها 3، كالوَدِيعَةِ.
وله أداؤها قبلَ إعلامِه؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ

وَلَا يَجُوزُ ان يَشْهدَ إلَّا بِمَا يَعلَمُهُ بِرُويَةٍ أَوْ سَمَاعٍ.
- صلى الله عليه وسلم -: «ألَا أنبئُكُم بِخَيْرِ الشُّهدَاءِ؛ الَّذِى يأْتِى بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْأَلَهَا».
روَاه أبو داودَ، وأحمدُ، ومسلمٌ، وابنُ ماجه (1). فيتَعَيَّنُ حَملُ الحديثِ على هذه الصُّورَةِ، جَمعًا بينَ الخَبَريْن.

5017 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَشْهدَ إلَّا بما يَعلَمُه برُويَةٍ أو سَماع)

وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّهادةَ لا تجوزُ إلَّا بما يَعلَمُه، بدليلِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 2. وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ 3. وتخْصِيصُ هذه الثلاثةِ بالسُّؤالِ؛ لأنَّ العلمَ بالفُؤادِ، وهو يَسْتَنِدُ إلى السَّمعِ والبصرِ؛ لأنَّ مدرَكَ الشهادةِ الرُّؤْيَةُ والسَّماعُ،1

..................................  وهما بالبَصرِ والسمعِ 1. وقد رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الشَّهادةِ، قال: «هلْ تَرَى الشَّمْسَ؟».
قال: نعم.
قال: «عَلَى مِثْلِها فَاشهد أوْ دَعْ».
روَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه في «جامِعِه» 2. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ مدرَكَ العلمِ الذى تَقَعُ به الشَّهادَةُ اثنان، السَّمعُ والبَصَرُ، وما عداهما مِن 3 مَدارِكِ العلمِ؛ كالشَّمِّ، والذَّوْقِ، واللَّمسِ، لا حاجةَ إليها في الشَّهادةِ في الأغْلَبِ.

وَالرُّويَةُ تَخْتَصُّ بِالأفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغصبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشربِ الْخَمرِ، وَالرضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَغَيْرِها.
وَالسمَاعُ عَلَى ضَربَيْنِ؛ سَمَاع مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، نحوَ الإقْرَارِ، وَالْعُقُودِ، وَالطَلاقِ، وَالعَتَاقِ.

5018 - مسألة: (والرُّؤْيَةُ تَخْتص بالأفْعالِ؛ كالقَتْلِ، والغَصبِ، والسَّرِقَةِ، وشُربِ الخَمرِ، والرضاعِ، والوِلادَةِ، وغَيْرِها)

فهذا لا تُتَحَمَّلُ الشَّهادةُ فيه (1) إلَّا بالرويَة؛ لأنَّه لا (1) يُمكِنُ الشهادةُ عليه قطعًا، ومِن ذلك الصِّفاتُ المَرئِيَّةُ (2)؛ كالعيوبِ (3) في المبيعِ، ونحوِها، فلا يُرجَعُ إلى غيرِ ذلك.
5019 -

مسألة: (والسَّماع على ضربَيْن؛ سَماعٌ مِن المَشْهُودِ عليه، نحوَ الإقْرارِ، والعُقُودِ، والطَّلاقِ)

ونحو ذلك، فيُحتاجُ أن يُسْمَعَ كلامُ المُتَعاقِدَيْن يَقِينًا، ولا تُعتَبَرُ رُويَةُ المُتَعاقِدَيْن إذا عرَفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه123

..................................  كلامُهما.
وبهذا قال ابنُ عباس، والزُّهْرى، ورَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ.
وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ 1 لا تجوزُ حتى يُشاهِدَ القائِلُ المَشْهودَ عليه؛ لأنَّ الأصواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشْهدَ عليها مِن غيرِ زُؤيَةٍ، كالخَطِّ.
ولَنا، أنَّه عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، فجازَتْ شَهادَتُه عليه، كما لو رآه.
وجوازُ اشْتِباهِ الأصواتِ، كجَوازِ اشْتِباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تَجوزُ الشَّهادةُ لمَن عرَفَ المشْهودَ عليه يَقِينًا، وقد يحصُلُ العِلمُ بالسَّماعِ يَقِينًا، وقد اعتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايَةُ الأعْمَى، ورِوايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ.
فصل: إذا عرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضِرًا كان أو غائِبًا، وإنْ لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أنْ يَشْهدَ عليه حاضِرًا بمَعرفةِ عَيْنه.
نصَّ عليه أحمدُ.
قال مُهنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجل يَشْهدُ لرَجُل بحقٍّ له على آخَرَ، وهو لا يعرِف اسْمَ هذا، ولا اسْمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا كذا 2. وهما شاهِدَانِ جميعًا، فلا بأسَ، وإذا كان

..................................  غائبًا، فلا يَشْهدُ حتى يَعْرِفَ اسْمَه.
والمرأةُ كالرَّجُلِ، في أنَّه إذا عرَفَ اسْمَها ونَسَبَها 1، جازَ أنْ يشْهدَ عليها مع غَيْبَتِها.
وإنْ لم يعرِفْها، لم يَشهد عليها إلَّا في حالِ حُضُورِها.
قال أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ: لا يَشْهدُ إلَّا لمَن يعرِفُ، وعلى مَن يَعرِفُ، ولا يَشْهدُ إلَّا على امرأةٍ قد عرَفَها، وإن كانتْ ممَّن عرَفَ اسْمَها، ودُعِيَتْ، وذَهبَتْ، في جاءتْ، فَلْيَشْهد، وإلَّا فلا يَشْهَدْ، فأمَّا إنْ لم يَعْرِفْها، فلا يجوزُ أن يشهدَ مع غَيْبَتِها.
ويجوزُ أن يَشْهدَ على عَينها إذا عرَفَ عَيْنَها، ونظَرَ إلى وَجْهها.
قال أحمدُ: ولا يَشْهَدُ على امرأةٍ، حتى ينْظُرَ إلي وَجْهِها.
وهذا محمولٌ على الشَّهادةِ على مَن لم يتَيقَّنْ مَعرفَتَها.
فأمَّا مَن يَتَيَقنُ معرِفَتَها، ويَعرِفُ صَوْتَها 2 يَقِينًا، فيجوزُ أن يشْهدَ عليها إذا تيقَّنَ صَوْتَها، على ما قَدَّمناه في المسألةِ قبلَها.
فإن لم يعرِفِ المشْهودَ عليه، فعرَّفَه عندَه مَن يَعرِفُه، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يَشْهدُ على شَهادَةِ غيرِه إلَّا بمعرِفَتِه لها.
وقال: لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يقولَ للرَّجلِ: أشْهدُ أنَّ هذه فلانةُ.
ويَشْهدَ على شهادَتِه.
وهذا صريحٌ في المَنْعِ مِن الشَّهادةِ على مَن لا يعرِفُه بتَعرِيفِ غيرِه.
وقال القاضى: يجوزُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتحبابِ، لتَجْوِيزِه الشَّهادةَ بالاسْتِفاضَةِ.
وظاهرُ قولِه المنعُ منه.
وقال أحمدُ: لا يَشْهدُ على امرأةٍ إلَّا بإذْنِ زَوْجِها.
وهذا يَحتَمِلُ أنَّه

..................................  لا يَدخُلُ عليها بَيْتَها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها؛ لِما رَوَى عمرُو بنُ العاصِ، قال: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسْتأذَنَ على النِّساءِ إلَّا بإذْنِ أزْواجِهنَّ.
رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه» 1. فأمَّا الشَّهادةُ عليها في غيرِ بييها فجائزَة؛ لأنَّ إقْرارَها صحيح، وتَصَرُّفَها إذا كانتْ رَشِيدَةً صحيحٌ، فجازَ أن يَشْهدَ عليها به.
فصل: وإذا عَرَفَ الشّاهدُ خطَّه، ولم يذْكُرِ الشَّهادَةَ، فهل يجوزُ أنْ يَشْهدَ بذلك؟ على رِوايَتَيْن؛ إحداهما، لا يجوزُ.
قال أحمدُ في رِوايةِ حربٍ، في مَن يَرَى خَطَّه وخاتَمَه ولا يذْكرُ الشهادةَ: لا يَشْهدُ إلَّا بما يَغلَمُ.
وقال في رِوايةٍ: يَشْهدُ إذا عرَفَ خَطَّه، وكيفَ تكونُ الشَّهادةُ إلَّا هكذا؟.
وقال في موضع آخَرَ: إذا عَرَفَ خَطَّه، ولم يحْفَظْ، فلا يَشْهدُ، إلَّا أنْ يكونَ مَنْسوخًا عندَه، مَوْضوعًا تحتَ خَتْمِه وحرزِه، فيَشْهدُ وإن لم يَحفَظْ.
وقال أيضًا: إذا كان رَدِئَ الحِفْظِ 2، فيَشْهَدُ ويَكتُبُها عندَه.
وهذه رِوايةٌ ثالثةٌ، وهو أنْ يَشْهدَ إذا كانت مَكْتوبةٌ عندَه بخَطِّه في حِرزِه، ولا يَشْهدُ إذا لم تَكُنْ كذلك، [بمَنْزِلةِ القاضى، في إحدَى الرِّوايتَيْنِ، إذا وجدَ حُكْمَه بخَطِّه تحت خَتْمِه أمضاه] 3 4، ولا يُمضِيه إذا لم يكُنْ كذلك (3).

وَسَمَاعٌ مِنْ جِهةِ الاسْتِفَاضَةِ، فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فِى الغَالِبِ إِلَّا بِذلِكَ؛ كَالنَّسبِ، وَالْمَوْت، وَالْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالوَقْفِ وَمصرِفِهِ، وَالْعِتْقِ، وَالوَلَاءِ، وَالْوِلَايةِ، وَالْعَزْلِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ.

5020 - مسألة: الضَّرْبُ الثانِى (سماعٌ مِن جِهةِ الاسْتِفاضَةِ، فيما يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ في الغالِبِ إلَّا بذلك؛ كالنَّسَبِ، والمَوْتِ، والمِلْكِ، والنكاحِ، والخُلْعِ، والوَقْفِ، ومَصرِفِه، والعِتْقِ، والوَلاءِ، والوِلَايةِ، والعَزْلِ، وما أشْبَة ذلك)

قال الخِرَقِىُّ: وما تَظاهرَتْ به الأخْبارُ، واسْتَقرَّتْ معرِفَتُه في قَلْبِه، شَهِدَ به، كالشَّهادةِ على النَّسَبِ والوِلادَةِ.
أجْمَع أهلُ العلمِ على صِحَّةِ الشَّهادةِ بالنَّسَبِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلَمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ مَنعَ منه، ولو مُنِعَ ذلك 1 لاسْتَحالَتْ مَعرِفتُه؛ إذ لا سَبِيلَ إلى مَعرفَتِه قطعًا بغيرِه، ولا تُمكِنُ المُشاهدَةُ فيه، ولو اعتُبِرَتِ المُشاهدَةُ 2 لمَا عَرَفَ أحدٌ أباه، ولا أمَّه،

..................................  ولا أحدًا مِن أقارِبِه.
وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ 1. وكذلك الوِلادةُ.
واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيما تجوزُ الشهادةُ عليه بالاسْتِفاضَةِ، غيرِ النسَبِ والوِلادةِ، فقال أصْحابُنا: هو تِسعةُ أشْياءَ؛ النِّكاحُ، والمِلْكُ المُطْلَقُ، والوَقْفُ، ومَصرِفُه، والمَوْتُ، والعِتْقُ، والوَلاءُ، والوِلايةُ، والعَزْلُ.
وبهذا قال أبو سعيدٍ الإصظَخْرِىُّ، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: لا تجوزُ في الوَقْفِ والوَلاء والعِتْقِ.
والزَّوْجِيةِ؛ لأنَّ الشهادَةَ مُمكِنَةٌ فيه بالقَطْعِ، ولأنَّه 2 شَهادَة بعَقْدٍ، فأشْبَهُ سائرَ العُقودِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُقْبَلُ إلَّا في النِّكاحِ والموْتِ، ولا تُقْبَلُ في المِلْكِ المُطْلَقِ؛ لأنَّه (2) شهادة بمالٍ، فأشْبَة الدَّيْنَ.
وقال صاحِباه: تُقْبَلُ في الوَلاءِ، مثلَ عِكْرِمَةَ مولَى ابنِ عبَّاسٍ.
ولَنا، أنَّ هذه تَتَعذرُ الشَّهادةُ عليها في الغالبِ بمُشاهدَتِها، أو مُشاهدَةِ أسْبابِها، لجازَتِ الشَّهادةُ عليها بالاسْتِفاضَةِ، كالنَّسَبِ.
قال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يَشْهدُ على أحباسِ 3 أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلا بالسَّماعِ.
وقال: السَّماعُ في الأحْباسِ 4 والوَلاءِ

..................................  جائِرٌ.
وقال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: اشْهد أنَّ دارَ بَخْتانَ لبَخْتَانَ، وإن لم يُشْهِدكَ.
وقيلَ له: تَشْهدُ أنَّ فُلانةَ امرأةُ فلانٍ، ولم تَشْهَد 1؟ فقال: نعم، إذا كانَ مُسْتَفيضًا، فأشْهدُ، أقولُ: إنَّ فاطمةَ بنتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّ خَديجةَ وعائشةَ زَوْجَتاه، وكُلُّ أحدٍ يشهدُ بذلك مِن غيرِ مُشاهدةٍ.
فإن قيلَ: يُمكِنُه العِلمُ بذلك 2 بمُشاهدَةِ السَّبَبِ.
قُلْنا: وُجودُ السَّبَبِ لا يُفِيدُ العِلْمَ بكَوْنِه سَبَبًا يَقِينًا، فإنَّه يجوزُ أن يَشْتَرِىَ ما ليس بمِلْكِ البائعِ، ويَصْطادَ صيدًا صادَه غيرُه، ثم انْفلَتَ منه، وإن تُصُوِّرَ ذلك، فهو نادرٌ.
وقولُ أصْحابِ الشافعىِّ: تُمكِنُ الشَّهادةُ على الوَقْفِ باللَّفْظِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّهادةَ ليستْ بالعُقودِ ههُنا، إنَّما يُشْهدُ بالوَقْفِ

..................................  الحاصِلِ بالعَقْدِ، فهو بمَنْزِلةِ المِلْكِ، وكذلك يُشْهدُ بالزَّوْجِيَّةِ دونَ العَقْدِ، وكذلك الحُرِّيّةُ والوَلَاءُ، وهذه جَمِيعُها لا يُمكِنُ القَطْعُ بها، كما لا يمكِنُ القَطْعُ بالمِلْكِ؛ لأنَّها مُرَتَّبَةٌ عليه، فوَجب أنْ تجوزَ الشَّهادةُ فيها بالاسْتِفاضَةِ، كالمِلْكِ سَواءً.

وَلَا تُقْبَلُ الاسْتِفَاضَةُ إلَّا مِنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ القَاضِى: تُسْمَعُ مِنْ عَدلَيْنِ فَصَاعِدًا

5021 - مسألة: (ولا تُقْبَلُ الاسْتِفاضَةُ إلَّا مِن عَدَدٍ يَقَعُ العِلمُ بِخَبَرِهم، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ وَالخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: تُسْمَعُ مِن عَدلَيْنِ فَصَاعِدًا [ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرَقِى، أنّه لا يَشْهدُ بالاسْتِفاضَةِ، حتى يسمعَ مِن عَدَدٍ كثيرٍ، يَحصُلُ العلمُ بخَبَرِهم.
وذكرَ القاضى في «المُجَرَّدِ» أنَّه يَكْفِى أن يَسْمَعَ مِن اثنين عدلَين، يَسْكُنُ قَلْبُه إلى خَبَرِهما]

1؛ لأنَّ الحُقوقَ تَثْبُتُ بقَوْلِ اثْنَيْنِ.
وهذا قَوْلُ المتأخرينَ مِن أصْحابِ الشَّافعىِّ.
والقولُ الأوَّلُ هو الذى تَقْتَضِيهِ لَفْظَةُ الاسْتِفاضَةِ، فإنَّها مَأخُوذَةٌ مِن فَيْضِ الماءِ؛ لكَثْرَتِه، ولأنَّه لو اكْتُفِىَ فيه بقَوْلِ اثْنَيْنِ،

..................................  لاشْتُرِط 1 فيه ما يُشتَرَطُ في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بمُجَرَّدِ السَّماعِ.
وقد ذكرَ شيْخُنا، في كتابِ «المُقْنِعِ» 2 الخُلْعَ فيما يثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ، ولم يذْكُره في «المُغْنِى»، ولا في «الكَافِى»، ولا رأَيْتُه في كتابٍ غيرِه، ولعَله قاسَه على النِّكاحِ، والأوْلَى أنَّه لا يثْبُتُ، قِياسًا على الطَّلاقِ والنّكاحِ؛ [لأنَّه يَشْتَهِرُ] 3، بخِلافِ الخُلْعِ.

[345 ظ] وإنْ سَمِعَ إنْسَانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، او ابْنٍ، فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، جَازَ انْ يَشْهَدَ بِهِ، وَإنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يَشْهَدْ، وَإنْ سَكَتَ، جَازَ أنْ يَشْهَدَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ.

5022 - مسألة: (وإن سَمِعَ إنْسانًا يُقِرُّ بِنَسَبِ أبٍ، أو ابنٍ، فَصَدَّقَه المُقَرُّ لَه، جاز أن يَشْهَدَ)

له (به، وإن كَذَّبَه، لم يَشْهَدْ، وإن سَكَتَ، جَازَ أن يَشْهَدَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَشْهَدَ حَتَّى يَتَكَرَّرَ) إذا سمِعَ رجلًا يقولُ للصَّبِىِّ: هذا ابنى.
جازَ أن يَشْهَدَ به؛ لأنَّه مُقِرٌّ بنَسَبِه.
وإنْ سمِعَ الصَّبِىَّ يقولُ: هذا أبي.
فسكتَ الأبُ، جازَ أن يَشْمهَدَ 1 أيضًا؛

..................................  ، لأنَّ سُكوتَ الأبِ إقْرار له، والإقْرارُ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، فجازَتِ الشَّهادةُ به، وإنَّما أُقِيمَ السُّكوتُ ههنا مُقامَ الإقْرارِ؛ لأنَّ الإِقْرارَ على الانْتِسَابِ الباطِلِ غيرُ جائز، بخِلافِ سائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّ النَّسَبَ يغْلِبُ فيه الإِثْباتُ، ألا تَرَى أنَّه يَلْحَقُ بالإِمْكانِ في النِّكاحِ 1. ويَحْتَمِلُ أن لا يَشْهدَ حتى يَتَكَرَّرَ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ السُّكوتَ ليس بإقْرار

وإنْ رَأَى شَيْئًا فِى يَدِ إنْسَانٍ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرفَ المُلَّاكِ؛ مِنَ النقْضِ، وَالْبِنَاءِ، وَالإجَارَةِ، وَالإعَارَةِ، وَنَحْوِها، جَازَ أنْ يَشْهدَ بالْمِلْكِ لَهُ.
وَيَحتَمِلُ أنْ لَا يَشْهدَ إلأ بَالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ.
حَقِيقِىٍّ، وإنَّما أقِيم مُقامَه، فاعتُبِرَتْ تَقْوِيتُه بالتَّكْرارِ، كما اعتُبِرَتْ تَقْويَةُ اليَدِ في العَقارِ بالاسْتِمرارِ.

5023 -

مسألة: (وإن رَأى شيئًا فِى يَدِ إنْسانٍ، يَتَصَرَّفُ فيه تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ؛ مِن النقْضِ، والبِنَاءِ، والإجارَةِ، والإعَارَةِ، ونَحوها، جاز أن يَشْهدَ له بِالْمِلْك)

قال ذلك أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والإصْطَخْرِىِّ مِن أصحاب الشافعىِّ (ويَحتَمِلُ أن لا يشْهدَ إلَّا باليَدِ والتَّصَرُّفِ) ذكَرَه القاضى؛ لأنَّ اليدَ ليستْ مُنْحصِرَةً في المِلْكِ،

..................................  فإنَّه قد تكونُ بإجارَةٍ وإعارَةٍ وغَصْبٍ ووَكَالَةٍ.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أن اليدَ دليلُ المِلكِ، واسْتِمرارُها مِن غيرِ مُنازِعٍ يُقَوِّيها، فجرَتْ مَجْرَى الاسْتِفاضَةِ، فجازَ أن يَشْهدَ بها، كما لو شاهدَ سَبَبَ اليَدِ، مِن بَيْعٍ، أو إرثٍ، أو هِبَةٍ، واحتمالُ كَوْنِها عن 1 غَصْبٍ أو 2 إجارَةٍ أو نحوِ ذلك، يُعارِضُه اسْتِمرارُ اليَدِ مِن غيرِ مُنازِعٍ، فلا يبقَى مانِعًا، كما لو شاهدَ سَبَبَ اليَدِ؛ فإنَّ احتِمالَ كَوْنِ البائعِ غيرَ المالكِ والوارِثِ والواهِبِ، لا يَمنَعُ الشَّهادةَ، كذا ههُنا.
فإن قيلَ: فإذا بَقِىَ الاحتِمالُ لم يَحصُلِ العلمُ، ولا تجوزُ الشَّهادةُ إلَّا بما يَعلَمُ.
قُلْنا: الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ 3؛ ولا سبيلَ إلى العلمِ اليَقِينىِّ ههُنا، فجازَتْ 4 بالظَّنِّ.

فصل: وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ، فَلَا بدَّ مِنْ ذِكْر شُرُوطِهِ، وأنَّهُ تزَوّجَها بِوَلِى مرشِدٍ، وَشاهِدَىْ عَدلٍ، وَرِضَاهَا.
فصل: قال الشيِخ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن شَهِدَ بالنِّكاحِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ شُروطِه، وأنَّه تزَوَّجَها بوَلِى مرشِدٍ، وشاهِدَىْ عَدلٍ، ورِضاها) لأنَّ النَّاسَ يخْتَلِفُون في شُروطِه، فيَجِبُ ذِكْرُها، لئَلَّا يكونَ الشاهِدُ مُعتَقِدًا صِحَّةَ النِّكاحِ وهو فاسِدٌ.
فإن شَهِدَ بعَقْدٍ سِواهُ؛ كالبَيْعِ، والإِجارَةِ،

وَإن شَهِدَ بِالرَّضَاعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكرِ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ، وَأَنَّهُ  فهل يُشْتَرطُ ذِكْرُ شُروطِه؟ على رِوايَتَيْن مَبْنِيَتّيْن على الرِّوايَتَيْن فيما إذا (1) ادَّعاها، وقد ذكَرناه.

5024 -

مسألة: (وإن شَهِدَ بالرَّضاعِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ عَدَدِ

1

شَرِبَ مِنْ ثَديها، أوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ.
وإنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ، احتَاجَ أنْ يَقُولَ: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ.
أوْ: جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ.
أَوْ: مَاتَ مِنْ ذَلِكَ.
فَإنْ قَالَ: جَرَحَهُ فَمَاتَ.
لَمْ يحكم بِهِ.
الرَّضَعاتِ، وأنَّه شَرِبَ مِن ثَديِها، أو مِن لَبَن حُلِبَ منه) لأنَّ الناسَ يَخْتَلِفُون في الرَّضَعاتِ، وفى الرَّضاعِ المُحَرِّمِ.
فإن شَهِدَ أنَّه ابْنُها مِن الرضاع، لم يَكْفِ؛ لاخْتِلافِ الناسِ فيما يصِيرُ به ابنها، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ أنَّ ذلك في الحَوْلَيْنِ.

5025 -

مسألة: (وإن شَهِدَ بالقَتْلِ، احتَاجَ أن يَقُولَ: ضَرَبَه بالسَّيْفِ. أو: جَرَحَه فقَتَلَه. أو: مات مِن ذلك. فإن قال: جَرَحَه فماب لم يحْكَم به)

لجَوازِ أن يكونَ ماتَ بغيرِ هذا.
وقد رُوِىَ عن شرَيح، أنَّه شهِدَ عندَه رجل، فقال: اتَّكَأَ عليه بمِرْفَقِه 1 فماتَ.
فقال له 2 شُرَيْح: فماتَ منه، أو فقتلَه؟ فأعادَ القولَ الأوَّلَ، فأعادَ عليه شُرَيْحٌ سُؤالَه، فلم يقُلْ: فقتَلَه.
ولَا: ماتَ منه.
فقال له شُرَيْحٌ: قُم، فلا شهادةَ لكَ.
رَواه سَعِيدٌ.

وإنْ شَهِدَ بِالزِّنَى، فَلَا بُدَّ أنْ يَذْكُرَ بِمَنْ زَنَى، وَأيْنَ زَنَى، وَكَيْفَ زَنَى، وَأنهُ رأى ذَكَرَهُ فِى فَرْجِهَا.
وَمِن أصحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُحتَاجُ الَى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بِها، وَلَا ذِكْرِ الْمَكَانِ.

5026 - مسألة: (وإن شَهِدَ بالزِّنَى، فلا بُدَّ أن يَذْكُرَ بِمَن زَنَى، واينَ زَنَى، وأنَّه رَأى ذَكَرَه في فَرجِها)

لأنَّ اسْمَ الزِّنَىٍ يُطْلَقُ على ما لا يُوجِبُ الحَدَّ، وقد يعتَقِدُ الشَّاهِدُ ما ليس بزِنًى زِنًى، فاعتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِه؛ ليَزُولَ الاحتِمالُ، واعتُبِرَ ذِكْرُ المرأةِ؛ لئَلَّا تكونَ ممَّن تَحِلُّ له، أو له في وَطْئِها شُبْهةٌ، وذِكْرُ المكانِ؛ لئَلَّا تكونَ الشهادةُ منهم على فِغلَيْن (ومِن أصحابِنا مَن قال: لا يُحتاجُ إلى ذِكْرِ الْمَزْنِىِّ بها، ولا ذِكْرِ المكانِ) لأنَّه محَلُّ الفِعلِ، فلا يُعتبرُ ذِكْرُه، كالزمانِ.
والأوَّلُ أولَى، والزَّمانُ ممنوع، في أحَدِ الوَجْهيْن، فإنَّه يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ؛ لتَكُونَ شهادَتهم على فعل واحدٍ، لجوازِ أنْ يكونَ ما شَهِدَ به أحدُهما غيرَ ما شَهِدَ به الآخَرُ، ولأنَّ الناسَ اخْتَلَفُوا في الشهادةِ في الحَدِّ مع تَقادُمِ الزمانِ، فقال ابنُ أبى موسى: لاتُقْبَلُ؛ لأنَّ عمرَ قال: مَن شَهِدَ على رجلٍ بحَدٍّ، فلم يَشْهَدْ

[416 و] وَمَنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالنِّصَابِ، وَالْحِرزِ، وَصِفَةِ السرِقَةِ.
وَإنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ، ذَكَرَ المَقْذُوفَ وَصِفَةَ الْقَذْفِ.
وَإنْ شَهِدَا أنَّ هذَا العَبْدَ ابنُ أَمَةِ فُلَانٍ، لَمْ يُحكم لَهُ بِهِ حَتَّى يَقُولَا: وَلَدَتْهُ فِى مِلْكه.
حينَ يُصِيبُه، فإنَّما يشْهدُ على ضِغْن (1). وقال غيرُه مِن أصحابِنا: تُقْبَلُ؛ لأنَّها شهادةٌ بحقٍّ، فجازَتْ مع تَقادُمِ الزمانِ، كالقِصاصِ، ولأنَّه قد يَعرِضُ له ما يَمنَعُه الشَّهادةَ في حِينها، ويتَمَكَّنُ منها بعدَ ذلك.

5027 -

مسألة: (ومَن شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِن ذِكْرِ المَسْرُوقِ منه، والنِّصابِ، والحِززِ، وصِفَةِ السَّرِقَةِ)

لاخْتِلافِ العُلَماءِ في ذلك.
5028 -

مسألة: (وإن شَهِدَ بِالْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَقْذُوفِ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ)

لذلك.
5029 -

مسألة: (وإن شَهِدا أنَّ هذا العَبْدَ ابنُ أمَةِ فُلانٍ، لم يُحكَم له به حَتَّى يَقولا: وَلَدَتْهُ في مِلْكِه)

إذا ادَّعَى عبدًا أنَّه له، فشَهِدَ له شاهِدان1

..................................  أنَّه ابنُ أمَتِه، أو ادَّعَى ثَمَرةَ شَجَرَة، فشَهِدَتْ له البَينةُ أنَّها ثَمَرَةُ شَجَرَتِه، لم يُحكم له بها؛ لجَوازِ أنْ تكونَ ولَدَتْه 1 قبلَ تَملُّكِها، وأثْمَرتِ الشَّجَرَةُ هذه الثَّمَرةَ قبلَ مِلْكِه إيَّاها.
وإن قالتِ البَيِّنَةُ: ولَدَتْه في مِلْكِه.
أو 2: أثْمَرتْها في مِلْكِه.
حُكِمَ له بالوَلَدِ والثَّمرَةِ؛ لأنَّها شَهِدَتْ أنَّها نَماءُ مِلْكِه، [ونماءُ مِلْكِه مِلْكُه] 3، ما لم يَرِد سبب ينْقُلُه عنه.
فإن قيل: فقد قُلْتُم: لا تُقْبَلُ شَهادَةٌ بالمِلْكِ السَّابِقِ على الصَّحِيحِ، وهذه شَهادَةٌ بمِلْكٍ سَابِقٍ.
قُلْنا: الفَرقُ بينَهما على تقْديرِ 4 التَّسْلِيمِ، أنَّ النَّماءَ تَابعٌ للمِلْكِ في الأصلِ، فإثْباتُ مِلْكِه في الزَّمَنِ الماضِى على وَجْهِ التَّبَعَ 5، وجَرَى مَجْرَى ما لو قال: مَلَكْتُه منذُ سَنَةٍ.
وأقامَ البَيِّنَةَ بذلك، فإنَّ مِلْكَه يثبت في الزَّمَنِ الماضِى تَبعًا للحالِ، فيكونُ له النّماءُ فيما مَضَى، ولأنَّ البَيِّنَةَ ههُنا شَهِدَتْ بسَبَبِ المِلْكِ، وهو وِلادَتُها، أو 6 وُجُودُها في مِلْكِه، فقَوِيت بذلك، ولهذا لو شَهِدَتْ بالسَّبَبِ 7 في الزَّمَنِ

وإنْ شَهِدَا أنَّهُ اشْتَرَاها مِنْ فُلَانٍ، او وَقَفَها عَلَيْهِ، او أعتَقَها، لَمْ يحكَم لَهُ بِها حَتَّى يَقُولَا: وَهِىَ فِى مِلْكِهِ.
وإنْ شَهِدَا أنَّ هذَا الغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، أوِ الطَّيْرَ مِنْ بَيْضَتِهِ، وَالدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، حُكِمَ لَهُ بِها.
الماضِى، فقالتْ: أقْرَضَه ألفًا.
أو: بَاعَه.
ثَبَت المِلْكُ وإن لم يذْكُره، فمع ذِكْرِه أوْلَى.

5030 -

مسألة: (وإن شَهِدَتْ أنَّه اشْتَراها مِن فُلَانٍ، أو وَقَفَها عليه، أو أعتَقَها، لم يحكم بها حتى يَقُولَا: وَهِى في مِلْكِهِ)

لما ذكَرنا في المسألةِ قبلَها، ولأنَّه يجوزُ أن يَبِيعَ ويَقِفَ ويُعتِقَ ما لا يَملِكُ.
5031 -

مسألة: (وإن شَهِدَا 1 أن هذَا الْغَزْلَ مِن قُطنهِ، أو الطَّائِرَ مِن بَيْضَتِهِ، أو الدَّقِيقَ مِن حِنْطَتِهِ، حُكِمَ له بها) لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ الطيرُ مِن بَيْضَتِه قبلَ مِلْكِه البَيْضَةَ، وكذلك الغَزْلُ والدقِيقُ، ولأنَّ الغزْلَ عَيْنُ القُطْنِ، وإنَّما تغَيَّرَتْ صِفَتُه، والدقِيقَ أجْزاءُ الحِنْطَةِ

وإذَا مَاتَ رَجُلٌ، فَادعَى آخَرُ أنهُ وَارِثُهُ، فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ أنَّهُ وَارِثُهُ، لَا يَعلَمَانِ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِ، سَوَاء كَانَا مِنْ أهْلِ الخِبْرَةِ البَاطِنَةِ أوْ لَمْ يَكُونَا.
وإنْ قَالَا: لَا نعلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِى هذَا الْبَلَدِ.
احتَمَلَ أنْ يُسَلمَ الْمَالُ إلَيْهِ، وَاحتَمَلَ أنْ لَا يُسَلَّمَ إلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَكْشِفَ القَاضِى عَنْ خبَرِهِ فِى الْبُلْدَانِ الَّتِى سَافَرَ إلَيْها.
تفَرقَتْ، والطيرَ هو البَيْضُ اسْتَحَالَ، فكأنَّ البَينةَ قالتْ: هذا غَزْلُه ودَقيقُه وطَيْرُه.
وليس كذلك الوَلَدُ والثَّمَرَةُ، فإنَّهما غيرُ الأمِّ والشجَرَةِ.
ولو شَهِدَا (1) أن هذه البَيْضَةَ من طَيْرِه، /لم يحكم له بها حتى يقولَا (2): باضَها في مِلْكِه.
لأنَّ البَيْضَةَ غيرُ الطيرِ، وإنَّما هى من نَمَائِه، فهى كالوَلَدِ.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصلِ على ما ذكَرْنا.

5032 -

مسألة

..................................  ذلك، أنَّ مَن ادَّعَى أنَّه وارِثُ فُلانٍ الميِّتِ، فشَهِد له شاهِدَان أنَّه وارِثُه، لا يَعلَمانِ له وارِثًا غيرَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وسُلِّمَ المالُ إليه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ أبى ليلَى: لا تُقْبَلُ حتى 1 يُبَيِّنَا أنَّه لا وارِثَ له سِوَاه.
ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا يُمكِنُ عِلْمُه، فَكَفَى فيه الظاهِرُ مع شَهادَةِ الأصلِ بعَدَم وارِثٍ آخَرَ.
قال أبو الخَطَّابِ: سَواءٌ كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونَا.
وكذلك ذَكَرَه شيْخُنا.

..................................  ويَحتَمِلُ أنْ لا تُقْبَلَ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ؛ لأنَّ عدَمَ عِلْمِهمِ بوارِثٍ آخَرَ ليسَ بدَليلٍ على عَدَمِه، بخِلافِ أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له وارِثٌ آخَرُ، لم يَخْفَ عليهم.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
فأمَّا إن قالَا: لا نَعلَمُ له وارِثًا بهذه البَلْدَةِ، أو: بأرضِ كذا وكذا.
احتَمَل أنْ يُسَلَّمَ المالُ إليه.
وبه قال أبو حنيفةَ، كما لو قال: لا نَعلَمُ له وارِثًا.
وذُكِرَ ذلك مذْهبًا لأحمدَ.
واحتَمَلَ أنَّ هذا ليس بدَليلٍ على عَدَمِ وارِثٍ سِوَاهُ؛ لأنَّهما قد يعلَمان أنَّه لا وارِثَ له في تلك الأرضِ، ويَعلَمان له وارِثًا في غيرِها، فلم تقْبَلْ شَهادَتُهما، كما لو قال: لا نعلَمُ له وارِثًا في هذا 1 البَيْتِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ.
وهو أوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

..................................  فصل: إذا ماتَ رجلٌ، فشَهِدَ رجُلان أنَّ هذا الغلَامَ ابنُ فُلانٍ 1 الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، وشَهِدَ آخَرَان لآخَرَ أنَّ هذا الغلامَ ابن هذا الميِّتِ، لا نعلم له وارِثًا سِواه، فلا تَعارضَ بينَهما، وثَبَتَ نَسَبُ الغلَامَيْن منه، ويكون الإرْثُ بينَهما؛ لأنَّه يجوزأنْ تعلَمَ كلُّ بَينةٍ ما لم تعلَمه الأُخْرَى.

جارٍ التحميل