الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 334-374

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 334-374

..................................  طالقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أو جُزْءًا منها وإن قَلَّ.
وقَعَ طَلْقَةٌ كاملةٌ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا داودَ، قال: لا تَطْلُقُ بذلك.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّها تَطْلُقُ بذلك؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وأبو عُبَيْدٍ.
قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ مالكٍ، وأهلِ الحجازِ، وأهلِ العِراقِ، وذلك لأَنَّ ذِكْرَ ما لا يتَبَعَّضُ في الطَّلاقِ ذكْرٌ لجَمِيعِه, كما لو قال: نِصْفُكِ طالقٌ.
فإن قال: نِصْفَىْ طَلْقَةٍ.
وقَعَتْ طَلْقَةٌ؛ لأَنَّ نِصْفَى الشَّئِ كُلُّه.
وإن قال: أنت طالقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْن.
طَلُقَتْ 1 واحدةً؛ لأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْن طَلْقَةٌ.
وذَكَرَ أصحابُ الشافعىِّ وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يقَعُ طَلْقتانِ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِى النِّصْفَ من كُلِّ واحدةٍ منهما، ثم يُكَمَّلُ.
وما ذكَرْناه أوْلَى؛ لأَنَّ التَّنْصِيفَ يتَحَقَّقُ به، وفيه عَمَلٌ باليَقِينِ، وإلْغاءُ الشَّكِّ، وإيقاعُ ما أوْقَعَه مِن غيرِ زيادةٍ، فكان أوْلَى.

وَإِنْ قَالَ: نِصْفَىْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْن.

3486 - مسألة: (وإن قال: نِصْفَىْ طَلْقَتَيْن. وَقَعَتْ طَلْقَتان)

لأَنَّ نِصْفَىِ الشئِ جَمِيعُه، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَيْنِ.
3487 -

مسألة: (وإن قال: ثَلَاثةَ أنْصَافِ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْن)

لأَنَّ ثلاثةَ الأنْصافِ طَلْقَةٌ ونِصْفٌ، فكُمِّل النِّصْفُ، فصارَ طَلْقَتَيْن.
وهذا وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ.
ولهم وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها لا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه جعلَ الأنْصافَ من طَلْقَةٍ واحدةٍ، فيَسْقُطُ ما ليس منها، ويَقَعُ طَلْقَةٌ؛ لأَنَّ إسْقاطَ الطَّلاقِ المُوقَعِ من [الأهلِ في المحَلِّ] 1 لا سَبِيلَ إليه، وإنَّما الإِضافةُ إلى الطَّلْقَةِ الواحدةِ غيرُ صَحيحةٍ، فَلَغَتِ الإِضافَةُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَ ثَلاثِ طَلَقاتٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ؛ لأَنَّ نِصْفَها طَلْقَةٌ ونصفٌ، ثم يُكَمَّلُ النِّصْفُ، فيَصِيرُ طَلْقَتَيْنِ.

وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ طَلْقَتَيْنَ.

3488 - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: ثَلاثةَ أنْصَافِ طَلْقَتَيْن. طَلُقَتْ ثَلاثًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ طَلْقَتَيْن)

نصَّ أحمدُ على وُقوعِ الثَّلاثِ في روايةِ مُهَنَّا.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: تَقَعُ طَلْقتانِ؛ لأَنَّ مَعْناه ثَلاثةُ أنْصافٍ مِن طَلْقَتَيْن، وذلك طَلْقةٌ ونِصْفٌ، ثم تُكَمَّلُ فتَصِيرُ طَلْقَتَيْن.
وقيلَ: بل لأَنَّ النِّصْفَ الثَّالِثَ مِن طَلْقَتَيْن مُحالٌ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ.
ولَنا، أنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْن طَلْقةٌ، وقد أوْقَعَه 1 ثلاثًا،

وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، سُدْسَ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَ وَثُلُثَ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَةً.
فيَقَعُ ثلاثٌ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثَ طَلَقاتٍ.
وقولُهم: معناه ثلاثةُ أنْصافٍ من طَلْقَتَيْن.
تأْويلٌ يُخالِفُ ظاهِرَ اللَّفْظِ؛ فإنَّه على ما ذكَرَه يكونُ ثلاثةَ أنْصافِ [طَلْقَةٍ، ويَنْبَغِى أن يكُونَ ثلاثةُ أنْصافِ] (1) طَلْقَتَيْن مُخالِفَةً لثلاثةِ أنْصافِ طَلْقَةٍ.
وقولُهم: إنَّه مُحالٌ (2). قُلْنا: وُقوعُ نِصْفِ الطَّلْقَتَيْن عليها ثلاثَ مَرَّاتٍ ليس بِمُحالٍ، فوَجَبَ أن يَقَعَ.

3489 -

مسألة: (وإنْ قال: نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، سُدْسَ طَلْقَةٍ، أو نِصْفَ وثُلُثَ وسُدْسَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَةً)

لأنَّه لم يعْطِفْ بواوِ الغَطْفِ، فيَدُلُّ على أنَّ هذه الأجْزاءَ من طَلْقةٍ غيرِ مُتغايِرَةٍ، وأنَّ الثَّانِىَ ههُنا يكونُ بدَلًا من الأَوَّلِ، والثَّالثَ من الثَّانِى، والبَدَلُ هو المُبْدَلُ أو بعضُه، فلم يقْتَضِ 3 المُغايَرَةَ.
وعلى هذا التَّعْليلِ لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً، نِصْفَ طَلْقةٍ.
أو: طَلْقَةً طَلْقَةً.
لم تَطْلُقْ إلَّا طَلْقَةً.
وكذلك إن قال: نِصْفًا وثُلُثًا وسُدْسًا.
لم يَقَعْ إلَّا طَلْقةٌ؛ لأَنَّ هذه أجْزاءُ الطَّلْقَةِ،12

وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
إلَّا أن يُرِيدَ مِن كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا، فتَطْلُقُ ثلاثًا.
ولو قال: أنتِ طالقٌ نصفًا وثُلُثًا ورُبْعًا.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْن؛ لأنَّه يَزِيدُ على الطَّلْقةِ نصفَ سُدْسٍ (1)، ثم يُكَمَّلُ.
وإن أرادَ مِن كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا، طَلُقَتْ ثلاثًا.
وإن قال: أنتِ طَلْقةٌ.
أو: أنتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ.
[أو: أنتِ نِصْفُ طَلْقةٍ] (2) ثُلُثُ طَلْقةٍ سُدْسُ طَلْقةٍ.
أو: أنتِ نصفُ طالقٍ.
وقَعَ بها طَلْقَةٌ؛ بِنَاءً على قوْلِنا في قولِه: أنتِ الطَّلاقُ (3). أنَّه صَرِيحٌ في الطَّلاقِ، وههُنا مثلُه.

3490 -

مسألة: (وإن قال: نِصْفَ طَلْقَةٍ وثُلُثَ طَلْقَةٍ وسُدْسَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثَلاثًا)

ذكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّه عطَفَ جُزْءًا مِن طَلْقَةٍ على جُزْءٍ مِن طَلْقَةٍ، فظاهِرُه أنَّها طَلَقاتٌ مُتغايِرَةٌ، ولأنَّه لو كانتِ الثَّانيةُ هى الأُولَى، لجاءَ بها بلامِ التَّعْريفِ فقال: ثُلُثَ الطَّلْقَةِ وسُدْسَ الطَّلْقَةِ.
فإنَّ أهْلَ العربيَّةِ قالوا: إذا ذُكِرَ 4 لَفْظٌ، ثم أُعِيدَ مُنَكَّرًا، فالثَّانِى غيرُ الأَوَّلِ، وإن أُعِيدَ مُعرَّفًا بالألفِ واللَّامِ، فالثَّانِى هو الأَوَّلُ، [كقولِه تعالى] 5:123

وَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، أو: اثْنَتَيْنِ، أَوْ: ثَلَاثًا، أَوْ: أَرْبَعًا.
وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ.
[﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (1). فالعُسْرُ الثَّانى هو الأَوَّلُ] (2)؛ لإِعادَتِه مُعَرَّفًا، [واليُسْرُ] (3) الثَّانى غيرُ الأَوَّلِ؛ لإِعادَتِه مُنَكَّرًا.
ولهذا قِيلَ: لَن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ (4). وقيلَ: لو أرادَ بالثَّانيةِ الأُولَى، لذكَرَها بالضَّمِيرِ؛ لأنَّه الأَوْلَى.

3491 -

مسألة: (وإذا قال لأرْبَعِ)

نِسْوَةٍ: (أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، أو: اثْنَتَيْنِ، أَوْ: ثَلاثًا، أَوْ: أرْبَعًا.
وَقَعَ بكُلِّ واحِدَةٍ طَلْقَةٌ) إذا قال: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقةً.
وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ منْهُنَّ طَلْقَةٌ.
كذلك قال الحسنُ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى قَسْمَها بَيْنَهنِّ، لكُلِّ واحدةٍ رُبْعُها، ثم تُكَمَّلُ.
وإن قال: بَيْنَكُنَّ طَلْقةٌ.
فكذلك.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأَنَّ مَعْناه: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقَةً.
وإن قال: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقَتَيْن.
فكذلك.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ1234

وَعَنْهُ، إِذَا قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا: مَا أَرَى إِلَّا قَدْ بِنَّ مِنْهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِى.
أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وقال أبو بكرٍ، والقاضى: يقَعُ بكُلِّ واحدةٍ طَلْقتان.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه رُوِى عنه، في رجلٍ (قال: أوْقَعْتُ بيْنَكُنَّ ثلاثَ) تَطْلِيقاتٍ: (ما أرَى إلَّا قد بِنَّ منه) ووَجْهُ ذلك، أنَّا إذا قَسَمْنا كُلَّ طَلْقَةٍ بيْنَهُنَّ، حَصَلَ لكُلِّ واحدةٍ جُزْءٌ 1 من طَلْقَتَيْن، ثم يُكَمَّلُ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ.
طَلُقَتْ واحدةً، ويُكَمَّلُ نَصِيبُها مِن الطَّلاقِ في واحدةٍ، فيكونُ لكلِّ واحدةٍ نصفٌ، ثم يُكَمَّلُ طَلْقةً واحدةً، وإنَّما يُقْسَمُ بالأجْزاءِ مع الاخْتِلافِ، كالدُّورِ ونحوِها مِن المخْتَلِفاتِ، أمَّا الجُمَلُ المتَساوِيَةُ من جِنْسٍ كالنُّقُودِ، فإنَّما تُقْسَمُ بِرُءوسِها، ويُكَمَّلُ نَصِيبُ كُلِّ واحدٍ مِن واحدٍ، كأرْبعةٍ لهم دِرْهمان صَحيحان، فإنَّه يُجْعَلُ لكُلِّ واحدٍ نصْفٌ مِن دِرْهَمٍ واحدٍ، والطَّلَقَاتُ لا اختلافَ 2 فيها؛ ولأَنَّ فيما ذَكَرْناه أخْذًا باليَقِينِ، فكان

وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا.
فَعَلَى الأَوَّلِ، يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ.
أوْلَى من إيقاعِ طَلْقَةٍ زَائدةٍ بالشَّكِّ.
فأمَّا إن أرادَ قِسْمةَ كُلِّ طَلْقَةٍ بَيْنَهُنَّ، فهو على ما قال أبو بكرٍ.
وإن قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثلاثًا، أو: أرْبعًا.
فعلى قَوْلِنا يَقَعُ بكُلِّ واحدةٍ طَلْقَةٌ، وعلى قَوْلِهما يَطْلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا.

3492 -

مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا. وَقعَ بِكُلِّ واحِدَةٍ طَلْقَتَانِ)

وبه قال الحسَنُ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ واحدةٍ تَطْلِيقَةٌ ورُبْعٌ، ثم تُكَمَّلُ.
وكذلك إن قال: ستًّا، أو: سَبْعًا، أو: ثمانيًا.
وإن قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ تِسْعًا.
وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ ثلاثٌ، على القَوْلَيْن جميعًا.

فصل

: فإنْ قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً وطَلْقَةً وطَلْقةً.
وقَعَ بكُلِّ واحدةٍ منهنّ ثلاثٌ؛ لأنَّه لَمَّا عطَفَ، وَجَبَ قَسْمُ كُلِّ طَلْقةٍ على حِدَتِها،

..................................  ويَسْتَوِى في ذلك المدْخُولُ بها وغيرُها في قياسِ المذهبِ؛ لأَنَّ الواوَ لا تَقْتَضِى تَرْتِيبًا.
وقيلَ: يقَعُ بها واحدةٌ على الأُولى خاصَّةً, كما إذا قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثلاثًا.
ذَكَرَه صاحِبُ «المُحَرَّرِ» 1. وإنْ قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ وثُلُثَ طَلْقةٍ وسُدْسَ طَلْقةٍ.
فكذلك؛ لأَنَّ هذا يَقْتَضِى وُقوعَ ثلاثٍ على ما قَدَّمْنا.
وإن قال: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً فطَلْقَةً فطَلْقَةً.
أو 2: طَلْقَةً، ثم طَلْقَةً [ثم طلقةً] 3. أو: أَوْقعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً، وأوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقةً، [وأَوقَعْتُ بيْنَكُنَّ طَلْقَةً] 4. طَلُقْنَ ثلاثًا، إلَّا التى لم يَدْخُلْ بها، فإنَّها لا تَطلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّها بانَتْ بالأُولَى، فلم يَلْحَقْها ما بعدَها.
فصل: فإن قال لنِسائِه: أنْتُنَّ طوالِقُ 5 ثلاثًا.
أو: طَلَّقْتُكُنَّ ثَلاثًا.
طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا 6. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأَنَّ قوْلَه: طلَّقْتُكُنَّ.
يَقْتَضِى

فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: نِصْفُكِ، أَوْ: جُزءٌ مِنْكِ، أَوْ: إِصْبَعُكِ، أَوْ: دَمُكِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ.
تَطْلِيقَ كلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ وتَعْمِيمَهُنَّ به، ثم وَصَفَ ما عمَّمَهُنَّ به مِن الطَّلاقِ بأنَّه ثَلاثٌ، فصارَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثٌ، بخِلافِ قولِه: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثلاثًا.
فإنَّه يَقْتَضِى قِسْمَةَ الثَّلاثِ عليهنَّ، لكُلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ جُزْءٌ منها، وجُزْءُ الواحدةِ مِن الثَّلاثِ ثلاثةُ أرْباعِ تَطْليقةٍ.

فصل

: (إذا قال: نِصْفُكِ، أو: جُزْءٌ منك، أو: إِصْبَعُكِ، أو دَمُكِ طالِقٌ.
طَلُقَتْ) متى طَلَّق جُزْءًا مِنَ المرأةِ مِن أجْزائِها الثَّابِتَةِ، طَلُقَتْ كلُّها، سَواءٌ كان شائِعًا، كنِصْفِها أو سُدْسِها، أو جُزْءًا مِن ألْفِ جُزْءٍ منها، أو جُزْءًا مُعَيَّنًا؛ كيَدِها، أو رَأْسِها، أو إِصْبَعِها.
وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ القاسمِ مِن أصحابِ مالكٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: إن أضافَه إلى جُزْءٍ شائِعٍ، أو واحدٍ مِن أعْضاءٍ خمسةٍ، الرَّأْسِ، والوَجْهِ، والرَّقَبةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ،

..................................  طَلُقَتْ، وإن أضافَه إلى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جُزْءٌ تَبْقَى الجُمْلَةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعَبَّرُ به عن الجُمْلَةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافَةِ الطَّلاقِ إليه، كالسِّنِّ والظُّفْرِ.
ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتَباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجُزْءَ الشَّائِعَ والأعْضاءَ الخَمْسَةَ، ولأنَّها جُملَةٌ لا تَتَبَعَّضُ في الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتَضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فَغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ, كما لو اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ ومَجُوسِىٌّ في

وَإِنْ قَالَ: شَعَرُكِ، أَوْ: ظُفُرُكِ، أَوْ: سِنُّكِ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ.
قَتْلِ صَيْدٍ، وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ (1)، فإنَّ الشَّعَرَ والظُّفْرَ يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّها (2) الطَّهارةَ.

3493 -

مسألة: (وإن قال: شَعَرُكِ، أَوْ: ظُفْرُكِ، أَوْ: سِنُّكِ طَالِقٌ. لم تَطْلُقْ)

وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ.
ذَكَرَه12

وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الرِّيقِ، وَالدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْحَمْلِ، لَمْ تَطْلُقْ.
صاحِبُ «المُحَرَّرِ».
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تَطْلُقُ بذلك.
ونحوُه عن الحسنِ؛ لأنَّه جُزْءٌ يُسْتَباحُ بنِكاحِها، فتَطْلُقُ بطَلاقِه، كالإِصْبَعِ.
ولَنا، أنَّه جُزْءٌ يَنْفَصِلُ عنها في حالِ السَّلامةِ، وفارقَ الإِصْبَعَ، فإنَّها لا تَنْفَصِلُ في حالِ السَّلامةِ، والسِّنُّ تَزولُ مِن الصغيرِ، ويُخْلَقُ (1) غيرُها، وتَنْقَلِعُ مِن الكبيرِ، بخِلافِ الإِصْبَعِ، فلم تَطْلُقْ بطَلاقِه، كالحَمْلِ والرِّيقِ، ولأَنَّ الشَّعَرَ لا رُوحَ فيه، ولا يَنْقُضُ الوُضوءَ مَسُّه، فأشْبَهَ العَرَقَ واللَّبَنَ.

3494 -

مسألة: (وإن أضافَه إلى الرِّيقِ، والحَمْلِ، والدَّمْعِ، والعَرَقِ، لم تَطْلُقْ)

لا نَعْلمُ فيه خلافًا؛ لأَنَّ هذه ليستْ مِن جِسْمِها، فإنَّ الرِّيقَ والدَّمْعَ والعَرَقَ فَضَلاتٌ 2، والحَمْلُ وإن كان مُتَّصلًا بها، إلَّا1

وَإِنْ قَالَ: رُوحُكِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَطْلُقُ.
أنَّ مآله إلى الانْفِصالِ، فلذلك لم تَطْلُقْ به، وهو مُودَعٌ فيها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (1). [قيل: مُسْتَوْدَعٌ] (2) في بَطنِ الأُمِّ.

3495 -

مسألة: (وإن قال: رُوحُكِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ)

لأَنَّ الحياةَ لا تبْقَى بدُونِ رُوحِها، فهى 3 كالدَّمِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ في الطَّلاقِ والْعَتاقِ والظِّهار والحَرامِ، أنَّ هذه الأشْياءَ لا تَقَعُ إذا12

..................................  ذَكَرَ أرْبعةَ أشْياءَ؛ الشَّعَرَ والسِّنَّ والظُّفْرَ والرُّوحَ، جَرّدَ القولَ عنه مُهَنَّا

..................................  ابنُ يحيى، والفَضْلُ بنُ زِيادٍ القَطَّانُ، فبذلك أقولُ.
وَوجْهُه أنَّ الرُّوحَ ليستْ عُضْوًا، ولا شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ به.

فَصْلٌ فِيمَا تُخَالِفُ بِهِ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا

إِذَا قَالَ لمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إِفِهَامَهَا.
فصل فيما تُخالِفُ به المَدْخولُ بها غيرَها

3496 -

مسألة: (إذا قال لمَدْخُولٍ بِها: أنتِ طالِقٌ، أنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ بالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ أَوْ إفْهَامَهَا)

إذا قال لامرأتِه المدْخولِ بها: أنْتِ طالقٌ.
مَرَّتَيْنِ.
ونَوَى بالثَّانيةِ إيِقاعَ طَلْقةٍ ثانيةٍ، وقَعَتْ بها طَلْقَتانِ بلا خلافٍ، وإن نَوَى بها إفْهامَها أنَّ الأُولَى قد وَقَعَت بها، أو التَّأْكِيدَ، لم تَطْلُقْ إلَّا واحدةً، وإن لم تَكُنْ له نيَّةٌ وقعَتْ طَلْقتانِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وهو الصَّحيحُ مِن قَوْلَى 1 الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: تَطْلُقُ واحدةً؛ لأَنَّ التَّكْرارَ يكونُ للتَّأْكِيدِ والإِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ الإِيقاعَ، فلا نُوقِعُ طَلْقةً بالشَّكِّ.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ للإِيقاعِ، ويَقْتَضِى الوُقوعَ، بدليلِ ما لو لم 2 يَتَقدَّمْه مثلُه، وإنَّما يَنْصَرِفُ عن ذلك بنيَّةِ

..................................  التَّأْكِيدِ والإِفْهامِ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك وقَعَ مُقْتضاهُ, كما يجبُ العَمَلُ 1 بالعُمومِ في العامِّ إذا لم يُوجَدِ المُخَصِّصُ، وبالإِطْلاقِ في المُطْلَقِ إذا لم يُوجَدِ المُقَيِّدُ.
فأمَّا غيرُ المدْخولِ بها، فلا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً، سَواءٌ نَوَى الإِيقاعَ أو غيرَه، وسَواءٌ قال ذلك مُنْفَصِلًا أو مُتَّصِلًا.
وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذكَرَه الحَكَمُ 2 عن علىٍّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وابنِ مسعودٍ.
وقال مالكٍ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ: يقَعُ بها طَلْقَتانِ، وإن قال ذلك ثلاثًا، طَلُقَتْ ثلاثًا، إذا كان مُتَّصِلًا؛ لأنَّه طَلَّقَ ثلاثًا بكَلامٍ مُتَّصِلٍ، أشْبَهَ قولَه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ مُفَرَّقٌ في غيرِ المدْخولِ بها، فلم يَقَعْ إلَّا

..................................  الأُولَى, كما لو فَرَّقَ كلامَه، ولأَنَّ غيرَ المدْخُولِ بها تَبينُ بطَلْقَةٍ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتُصادِفُها الطَّلْقَةُ الثَّانيةُ بائنًا، فلا يَقَعُ الطَّلاقُ بها؛ لأنَّها غيرُ زَوْجةٍ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، ولا نَعْلَمُ لهم مُخالفًا في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا.
فصل: فأمَّا إن قال: أنتِ طالقٌ.
ثم مَضَى زمنٌ طويلٌ، ثم أعادَ ذلك للمَدْخولِ بها، طَلُقَتْ ثانيةً، ولم يُقْبَلْ قولُه: نوَيْتُ التَّوْكِيدَ.
لأَنَّ التَّوْكِيدَ تابعٌ للكلامِ، فشَرْطُه أن يكونَ مُتَّصِلًا به، كسائرِ التَّوابعِ؛ مِن العطْفِ والصِّفَةِ والبَدَلِ.

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ.
أَوْ: ثُمَّ طَالِقٌ.
أَوْ: بَلْ طَالِقٌ.
أَوْ: طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ.
أَوْ: بَلْ طَلْقَةً.
أَوْ: طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: قَبْلَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدخُولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا.

3497 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ فطالِقٌ. أو: ثم طَالِقٌ. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلْقَتَيْنِ. أو: بل طَلْقَةً. أو: طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَها طَلْقَةٌ. أو: قَبْلَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ طَلْقَتَين)

إن كانت مَدْخُولًا بها (وإن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم يَلْزَمْهَا ما بعدَها) وعنه فيما إذَا قَالَ:

..................................  أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلْقَةً.
أَوْ: طالِقٌ بل طالِقٌ.
أنَّه لا يَقَعُ بالمَدْخُولِ بِها إلَّا طَلْقَةٌ، بِناءً على ما إذا قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ بل دِرْهَمٌ.
ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ».
كُلُّ طلاقٍ مُرَتَّبٍ في الوُقوعِ يَأتى بعْضُه بعدَ بعضٍ، لا يقَعُ بغيرِ المدْخولِ بها منه أكْثَرُ مِن واحدةٍ؛ لِما ذَكَرْناه.
ويقَعُ بالمدْخولِ بها ثلاثٌ إذا أوْقَعَها، كقولِه: أنْتِ طالقٌ، فطالِقٌ، فطالقٌ 1. أو: أنْتِ طالقٌ، ثم طالِقٌ، [ثم طالقٌ] 2. أو: أنتِ طالقٌ، [ثم طالقٌ، وطالقٌ] (2).

..................................  أو: فطالقٌ.
وأشْباهُ ذلك؛ لأَنَّ هذه حروفٌ تَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فتَقَعُ بها الأُولَى فتُبِينُها، فتَأتِى الثَّانيةُ فتُصادِفُها بائنًا غيرَ زَوْجةٍ، فلا تَقَعُ بها.
وأمَّا المدْخولُ جمها فتأْتِى الثَّانيةُ فتصادِفُ 1 محِلَّ النِّكاحِ، فتَقَعُ، وكذلك الثَّالثةُ.
وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ، بل طالقٌ، وطالقٌ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلَ طَلْقةٍ.
أو: بعدَ طَلْقةٍ.
أو:

وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ.
فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِى.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ, تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ.
بعدَها طَلْقةٌ.
أو: طلقةً فطلقةً.
أو: طَلْقةً ثم طَلْقةً.
وقَعَ بغيرِ المدْخولِ بها طَلْقَةٌ، وبالمدْخولِ بها اثْنَتانِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ هذا يَقْتَضِى طَلْقةً بعدَ طَلْقةٍ.

3498 -

مسألة: (وَإن قالَ: أنتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قبلَها طَلْقَةٌ. فكذلِكَ عندَ القَاضِى)

وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: لا

..................................  يقعُ بغيرِ المدْخولِ بها شئٌ.
بِنَاءً على قوْلِهم في السُّرَيْجِيَّةِ 1. وقال أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ: يقَعُ اثْنَتانِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتحالَ 2 وُقوعُ الطَّلْقَةِ الأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ المُوقَعَةِ، فوقَعَتْ معها؛ لأنَّها لَمَّا تأَخَّرَت عن الزَّمنِ الذى قَصَد إيقاعَها فيه لكَوْنِه زمنًا ماضِيًا، وَجَبَ إيقاعُها في أقْرَبِ الأزْمِنَةِ، وهو معها، ولا يَلْزَمُ تأَخُّرُها إلى ما بعدَها؛ لأَنَّ قبلَه زمَنًا يُمْكِنُ الوُقوعُ فيه، وهو زَمنٌ قَرِيبٌ، فلا يُؤَخَّرُ إلى البَعيدِ.
ولَنا، أنَّ هِذا طَلاقٌ بعْضُه قبلَ بعضٍ، فلم يقَعْ بغيرِ المدْخولِ بها جَميعُه, كما لو قال: طَلْقةً بعدَ طلقةٍ.
أو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً غدًا وطَلْقةً اليومَ.
ولو قال: جاءَ زيدٌ بعدَ عمرٍو، أو: جاء زيدٌ وقبلَه عمرٌو.
أو: أعْطِ زيدًا بعدَ عمرٍو.
كان كلامُه صحيحًا، يُفِيدُ تأخيرَ المُتقدِّمِ لفظًا عن المذْكُورِ بعدَه، وليس هذا طَلاقًا في زَمَنٍ ماضٍ، وإنَّما يقَعُ إيقاعُه في المُسْتَقْبَلَ على الوَجْهِ الذى رَتَّبَه، ولو قُدِّرَ أنَّ إحْداهما مُوقَعَةٌ

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: مَعَ طَلْقَةٍ.
أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
في زمنٍ ماضٍ، لامْتَنَعَ وُقوعُها وحدَها (1) وَوَقَعَتِ الأُخْرَى، وهذا تعليلُ القاضى؛ لكَوْنِه لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ.
قال شيْخُنا (2): والأَوَّلُ مِن التَّعْلِيلِ (3) أصَحُّ، إن شاءَ اللَّه تعالى.

3499 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ طَلْقَةً معها طَلْقَةٌ. أو: مع طَلْقَةٍ. أو: طَالِقٌ وطالِقٌ. طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ)

إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً معها طلقةٌ.
وقعَ بها طَلقَتانِ، سواءٌ في ذلك المدْخولُ بها أو غيرُها.
وإن قال: معها اثْنَتانِ.
وقَعَ بها ثلاثٌ، في قياسِ المذهبِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو يُوسفَ: تقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ الطَّلْقَةَ إذا وَقَعَت مُفْرَدَةً، لم يُمْكِنْ أن يكونَ معها شئٌ.
ولَنا، أنَّه أوْقَعَ ثَلاثَ طَلَقاتٍ بلَفْظٍ يَقْتَضِى وُقُوعَهُنَّ معًا، فوقَعْنَ كلُّهُنَّ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ، ثلاثًا.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ الطَّلْقَةَ تَقَعُ مُفْرَدَةً، فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بمُجَرَّدِ اللَّفْظِ به، إذْ لو وقَعَ بذلك، لَما صَحَّ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ، ولا صَحَّ وَصْفُه بالثَّلاثِ ولا بغيرِها.123

..................................  فصل: إذا قال لغيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ.
وقَعَتْ بها 1 طَلقَتانِ.
وإن قال: أنتِ طَالقٌ وطَالِقٌ وطالقٌ.
طَلُقَتْ ثلاثًا.
وبه قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، ورَبِيعةُ، وابنُ أبى لَيلَى.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ في القديمِ ما يَدُلُّ عليه.
وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ: لا يقَعُ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه أوْقَعَ الأُولَى قبلَ الثَّانيةِ، فلم يَقَعْ عليها شئٌ آخَرُ, كما لو فَرَّقَها.
وذكَرَه ابنُ أبى موسى، في «الإِرْشادِ» وَجْهًا في المذهبِ.
ولَنا، أنَّ الواوَ تَقْتضِى الجَمْعَ، ولا تَرْتِيبَ فيها، فيكونُ مُوقِعًا للثَّلاثِ جَمِيعًا، فيَقَعْنَ عليها، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
أو: طَلْقَةً معها طَلْقتانِ.
ويُفارِقُ ما إذا فَرَّقَها، [فإنَّها لا تَقَعُ] 2 جميعًا، وكذلك إذا عَطَفَ بعْضَها على بعضٍ بحرفٍ يَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فإنَّ الأُولَى تَقَعُ قبلَ الثَّانيةِ بمُقتَضَى إيقاعِه، وههُنا لا تَقَعُ الأُولَى حينَ نُطْقِه بها حتى يَتِمَّ كلامُه، بدَليلِ أنَّه لو ألْحَقَه اسْتِثْناءً أو شرْطًا، لَحِقَ به، ولم يَقَعِ الأَوَّلُ مُطْلَقًا، ولو كان يقَعُ حينَ نُطْقِه، لم يَلْحَقْه شئٌ مِن ذلك، وإذا ثَبَتَ أنَّه يَقِفُ وُقوعُه على

..................................  تَمامِ الكَلامِ، فإنَّه يقعُ عندَ تَمامِ كلامِه على الوَجْهِ الذى اقْتَضاه لَفْظُه، ولَفْظُه يَقْتَضِى وُقوعَ الطَّلَقاتِ الثلاثِ مُجْتَمِعاتٍ.
فإن قيلَ: إنَّما وقَفْنَا 1 أوَّلَ، الكلامِ على آخرهِ مع الشَّرْطِ والاسْتِثْناءِ؛ لأنَّه مُغَيِّرٌ 2 له، والعَطْفُ لا يُغَيِّرُ 3، فلا يتَوَقَّفُ عليه، ونَتَبَيَّنُ أنَّه وقَعَ أوَّلَ ما لَفَظَ به، ولذلك 4 لو قال لها: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ.
قُلْنا: ما لم يَتِمَّ الكلامُ فهو عُرْضةٌ للتَّغْييرِ، إمَّا بما يَخُصُّه بزَمنٍ، أو يُقَيِّدُه بقيدٍ كالشَّرْطِ، وإمَّا بما يَمْنَعُ بعضَه كالاسْتِثْناءِ، وإمَّا بما يُبَيِّنُ عددَ الواقعِ، كالصِّفَةِ بالعَدَدِ، وأشْباهِ هذا، فيَجِبُ أن يكونَ واقعًا، ولولا ذلك لَما وقَعَ بغيرِ المدْخولِ بها ثلاثٌ بحالٍ؛ لأنَّه لو قال لها: أنت طالقٌ ثلاثًا.
فوقعَتْ بها طَلقَةٌ قبل قولِه: ثلاثًا.
لم يُمْكِنْ أن يقعَ شئٌ آخَرُ.
وأمَّا إذا قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ 5. فهاتانِ جُمْلَتانِ لا تَتعلَّقُ إحْداهما بالأُخْرَى، ولو تَعَقَّبَ إحْداهما شرطٌ أو اسْتِثْناءٌ أو صِفَةٌ، لم يَتناوَلِ الأُخْرَى، فلا وَجْهَ لوُقوفِ إحْداهما على الأُخْرَى، والمعطوفُ مع المعطوفِ عليه شئٌ واحدٌ، لو تَعَقَّبَه شَرْط لَعادَ إلى الجميعِ، ولأَنَّ

..................................  المعْطوفَ لا يَسْتَقِلُّ بنَفْسِه، ولا يُفِيدُ بمُفْردِه، بخلافِ قولِه: أنتِ طالقٌ.
فإنَّها جُمْلَةٌ مُفيدَةٌ لا تَعَلُّقَ.
لها بالأُخْرَى، فلا يَصِحُّ قياسُها عليها.
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتين ونِصْفًا.
فهى عندَنا كالتى قبلَها، تَقَعُ الثَّلاثُ.
وقال مُخالِفُونا: تَقَعُ طَلْقتانِ.
فصل: وإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً بعدَها طلْقةٌ.
ثم قال: أرَدْتُ أن أُوقِعَ بعدَها طلقةً.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً قبلَها طَلْقةٌ.
وقال: أرَدْتُ أنِّى طَلَّقتُها قبلَ هذا في نِكاحٍ آخَرَ.
أو: أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَها.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقْبَلُ.
والثانى، لا يُقْبَلُ.
والثالثُ، يُقْبَلُ إن كان وُجِدَ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يُقْبَلُ إذا لم يَكُنْ وُجِدَ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ ما قالَه.
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ.
وقال: أرَدْتُ التَّوْكِيدَ.
قُبِلَ منه؛ لأَنَّ الكلامَ يُكَرَّرُ للتَّأْكيدِ، كقولِه عليه السلامُ: «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» 1. وإن قَصَدَ الإِيقاعَ وتَكَرُّرَ اللَّفَظَاتِ 2 طَلُقَتْ ثلاثًا.
وإن لم يَنْوِ شيئًا، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بينَهما بحرفٍ يَقْتَضِى المُغايَرَةَ، فلا تَكُنَّ مُتَغايرَاتٍ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ.
وقال: أرَدْتُ بالثَّانيةِ التَّأْكيدَ.
لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه غايرَ بينَها وبينَ الأُولَى بحرفٍ يَقْتَضِى العطفَ والمُغايرَةَ، وهذا يَمْنَعُ.
وأمَّا الثَّالثةُ، فهى

..................................  كالثَّانيةِ في لَفْظِها.
فإن قال: أردتُ بها التَّوْكيدَ.
دُيِّنَ، وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتيْنِ؛ إحْداهما، يُقْبلُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه كَرَّرَ لفظَ الطَّلاقِ مثلَ الأَوَّلِ، فقُبِلَ تَفْسِيرُه بالتَّأْكيدِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ حوفَ العَطْفِ للمُغايَرَةِ، فلا يُقْبَلُ منه ما يُخالِفُ ذلك, كما لا يُقْبَلُ في الثَّانيةِ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ.
أو: أنتِ طالقٌ، ثم طالقٌ، ثم طالقٌ.
فالحُكْمُ فيها كالتى عَطَفَها بالواوِ.
فإن غايرَ بينَ الحروفِ فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، ثم طالقٌ.
[أو: طالقٌ، ثم طالقٌ وطالقٌ.
أو] 1: طالقٌ [وطالقٌ] 2 فطالقٌ.
ونحو ذلك، لم يُقْبَلْ في شئٍ منها إرادةُ التَّوْكيدِ؛ لأَنَّ كُلَّ كلمةٍ مُغايِرَةٌ لِما قبلَها، مُخالِفةٌ لها في لَفْظِها، والتَّوْكيدُ إنَّما يكونُ بتَكْريرِ الأَوَّلِ بصُورَتِه 3. فصل: فإن قال: أنتِ مُطَلَّقةٌ، أنتِ مُسَرَّحَةٌ، أنتِ مُفارَقَةٌ.
وقال: أردتُ التَّوْكيدَ بالثَّانيةِ والثَّالثةِ.
قُبِلَ؛ لأنَّه لم يُغايِرْ بينَهما بالحروفِ الموْضوعَةِ للمُغايرَةِ بينَ الألْفاظِ، بل أعادَ اللَّفْظَةَ بمَعْناها، ومثلُ هذا يُعادُ تَوْكيدًا.
وإن قال: أنتِ مُطلَّقةٌ 4 ومُسَرَّحَةٌ ومُفارَقَةٌ.
وقال: أردْتُ التَّوْكيدَ.
احْتَمَلَ أن يُقْبَلَ منه؛ لأَنَّ اللَّفْظَ المُخْتَلِفَ يُعْطَفُ بعضُه على

وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنْجَزِ في هَذَا،  بعضٍ تَوْكيدًا، كقولِه (1): فأَلْفَى (2) قَوْلَها كذِبًا وَمَيْنَا ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ الواوَ تَقْتَضِى المُغايرةَ، فأشْبَهَ ما لو كان بلفظٍ واحدٍ.

3500 -

مسألة: (وَالمعَلَّقُ كالمُنْجَزِ)

في حُكْمِ المَدْخُولِ بِهَا وغيرِها، فلو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وطالقٌ [وطالقٌ] 3. فدخَلتِ الدَّارَ، طَلُقَتْ ثلاثًا.
وبه قال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ، وأصحابُ الشافعىِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
وقال أبو حنيفةَ: يقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ 4 إذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ، يكونُ كأنَّه أوْقَعه في الحالِ على تلك الصِّفَةِ، ولو أوْقَعَه كذلك لم يقَعْ إلَّا واحدةٌ.
ولَنا، أنَّه وُجِدَ شَرْطُ وُقوعِ ثلاثِ طَلَقاتٍ غيرِ مُرَتَّباتٍ، فوقَع الثَّلاثُ, كما لو قال: إن دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
وكَرَّرَ ذلك ثلاثًا، فدَخَلَتْ، فإنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا في قولِ الجميعِ.12

فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
أو: طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ.
أَوْ: مَعَ طَلْقَةٍ.
فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.

3501 - مسألة: (وإن قال: إن دَخلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طالقٌ طَلْقَةً معها طَلْقَةٌ. فَدَخَلَت، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ)

وذَكَرَ مِثْلَ هذَا بَعْضُ أصحابِ الشافعىِّ، ولم يحْك عنهم فيه خِلافًا.
وكذلِك إذا قال: طَلْقَةً مع طَلْقَةٍ.
فَدَخَلَتْ.

وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ: ثُمَّ طَالِقٌ.
فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً، إِنْ كَانَتْ غَيْئرَ مَدْخُولٍ بِهَا.
وَاثْنَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.

3502 - مسألة: وإن قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أنْتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثُمَّ طالقٌ، إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. أو

وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَدَخَلَتْ، طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ.
الشَّرْطَ، فلم يَجُزْ وُقوعُها بدُونِه، كما لو لم يعْطِفْ عليها، ولأنَّه جَعلَ الأُولَى جزاءً (1) للشَّرْطِ، وعقَّبَه إيَّاها بفاءِ التَّعْقِيبِ الموْضُوعةِ للجزاءِ، فلم يَجُزْ تَقْديمُها عليه، كسائِرِ نَظائِرِه، ولأنَّه لو قال: إن دخلَ زَيدٌ دارِى، فأعْطِه دِرْهمًا ثُمَّ دِرْهَمًا.
لم يَجُزْ أن يُعْطِيَه قبلَ دُخولِه.
فكذا ههنا.
وما ذكَرُوه تحَكُّمٌ، ليس له شاهِدٌ في اللُّغَةِ، ولا أصْلٌ في الشَّرْعِ.
فأمَّا إن قال لمدْخولٍ بها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ.
لم يقَعْ بها شئٌ حتى تَدْخُلَ الدَّارَ، فتَقَعُ بها الثَّلاثُ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وذهب القاضى إلى وُقوعِ طَلْقَتَيْن في الحالِ، وتَبْقَى الثَّالثةُ مُعَلَّقَةً بالدُّخولِ.
وهو ظاهِرُ الفَسادِ، فإنَّه يجْعلُ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ للمعْطوفِ دُونَ المعطوفِ عليه، ويُعَلِّقُ به ما يَبْعُدُ عنه، دُونَ ما يَلِيه، ويجعلُ جَزِاءَه ما لم تُوجَدْ فيه الفاءُ التى يُجازَى بها، دُونَ ما وُجِدَتْ فيه، تحَكُّمًا، لا نعْرِفُ عليه دليلًا، ولا نَعْلمُ له نَظِيرًا.
وإن قال لها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ.
فدَخَلَتْ، طَلُقَتْ ثلاثًا في قولِهم جميعًا.

3503 -

مسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتِ فأنتِ طالقٌ، إن دَخَلْتِ فأنتِ طَالِقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ بكُلِّ حَالٍ)

وإن كَرَّرَ ذلك ثلاثًا،1

..................................  [طَلُقتْ ثلاثًا] 1 في قولِ الجميعِ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ، فاقْتَضَى وقُوعَ الثَّلاثِ 2 دَفْعةً واحدةً.
واللَّه أعلمُ.

بَابُ الِاستِثْنَاءِ في الطَّلَاقِ

حُكِىَ عَنْ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ في الطَّلَاقِ.
وَالمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُون النِّصْفِ، وَلا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَفِى النِّصْفِ وَجْهَانِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً.
طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ،  بابُ الاسْتِثْناءِ في الطَّلاقِ (حُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في الطَّلاقِ.
والمذهبُ على أنَّه يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دُونَ النِّصْفِ، ولا يَصِحُّ فيما زادَ عليه، وفى النِّصْفِ وَجْهانِ) إذا اسْتَثْنَى في الطَّلاقِ بلسانِه صَحَّ اسْتِثْناؤُه.
وهو قولُ جُمْلَةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ الرَّجُلَ (إذا قال) لامْرأتِه: (أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
أنَّها تَطْلُقُ طَلْقَتَيْن) منهم الثَّورِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّ الاسْتِثْناءَ لا يُؤَثِّرُ في عَددِ الطَّلَقاتِ، ويَجوزُ في المُطَلَّقاتِ،

..................................  فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
وقَعَ الثَّلاثُ، ولو قال: نِسائِى طَوالِقُ إلَّا فُلانةَ.
لم تَطْلُقْ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ إيقاعِه، والاسْتِثْناءُ يَرْفَعُه لو صَحَّ.
وما ذكَرَه مِن التَّعْليلِ 1 باطِلٌ بما سلَّمَه مِن الاسْتِثْناءِ في المُطلَّقاتِ، وليس الاسْتِثْناءُ رَفْعًا لِما وقعَ، إذ لو كان كذلك، لَمَا صَحَّ في المُطَلَّقاتِ والإِعْتاقِ، ولا في الإِقْرارِ ولا الإِخْبارِ، وإنَّما هو مُبَيِّن أنَّ المُسْتَثْنَى 2 غيرُ مُرادٍ في الكلامِ، فهو يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ فيه ما لَوْلاهُ لَدخلَ، فقولُه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ 3. عبارةٌ عن تِسْعِمائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا.
وقولُه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ 4. [تَبَرُّؤٌ مِن غيرِ] 5 اللَّهِ، فكذلك

..................................  قولُه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
عبارةٌ عن اثْنَتَيْن لا غيرُ.
وحرفُ الاسْتِثْناءِ المُسْتَوْلِى عليه «إلَّا»، ويشَبَّهُ به أسْماءٌ وأفْعالٌ وحروفٌ؛ فالأسْماءُ غيرُ وسِوَى، والأفعالُ ليس [ولا يكونُ] 1 وعدَا، والحروفُ حَاشَا وخَلَا، فبأىِّ كلمةٍ اسْتَثْنَى بها صَحَّ الاسْتِثْناءُ.

..................................  فصل: ولا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكْثرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وقَعَ ثلاثٌ.
والأكْثَرونَ على أنَّ ذلك جائزٌ، إلَّا أنَّ أهلَ العربيةِ إنَّما أجازُوه في القليلِ مِن الكثيرِ.
حُكِىَ ذلك عن جماعةٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغةِ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً.
وقعَ اثْنَتانِ.
ولو قال: إلَّا اثْنَتَيْنِ.
وقعَ ثلاثٌ.
وإن قال: طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَقَعُ طَلْقَةٌ.
والثانى، طَلْقتانِ.
بِناءً على صِحَّةِ استِثْناءِ النِّصْفِ، هل يَصِحُّ أَوْ لا؟ على وَجْهَيْنِ.

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا.
أَوْ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ.
أَوْ: خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا.
أَوْ: ثَلَاثًا إِلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.

3504 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالقٌ ثَلاثًا إلَّا ثَلاثًا. أو: ثلاثًا إلَّا اثْنَتَينِ. أو: خَمْسًا إلَّا ثلاثًا. أو: ثَلاثًا إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ. طَلُقَتْ ثَلاثًا)

إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا.
وقَعَ ثلاثٌ بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ لِرَفْعِ بَعضِ 1 المُسْتَثْنَى منه، فلا يَصِحُّ أن يُرْفَعَ جَمِيعُه.
وإن قال: ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ.
فعندنا يَقَعُ ثلاثٌ، بِناءً على أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكْثرِ.
وسنذْكُرُ ذلك، والخِلاف فيه ودَليلَ كُلِّ واحدٍ مِن القَوْلَيْنِ في كتابِ الإِقْرارِ 2، إن شاء اللَّهُ تعالى.
وإن قال: أنتِ طالقٌ خَمْسًا إلَّا ثلاثًا.
وقعَ

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ثلاثٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ إن عادَ إلى الخمْسِ، فقد اسْتَثْنَى الأكْثرَ، وإن عادَ إلى الثَّلاثِ التى يَمْلِكُها، فقد رَفَعَ جَمِيعَها، وكِلاهُما لا يَصِحُّ.
وإن قال: خمسًا إلَّا طَلْقةً.
ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يقَعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الكلامَ مع الاسْتِثْناءِ كأنَّه نَطَقَ بما عَدا المُسْتَثْنَى، فكَأنَّه قال: أنتِ طالقٌ أرْبعًا.
والثانى، يقَعُ اثْنَتَانِ.
ذكَرَه القاضى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى ما مَلَكَه مِن الطَّلَقاتِ، وما زادَ عليهَا يَلْغُو، وقد اسْتَثْنَى واحدةً مِن الثَّلاثِ، فيَصِحُّ ويقَعُ طَلْقَتانِ.
وإن قال: (ثلاثٌ إلَّا رُبْعَ طَلْقَةٍ.
طَلُقَتْ ثلاثًا) لأَنَّ الطَّلْقَةَ النَّاقِصةَ تُكَمَّلُ فتَصِيرُ ثلاثًا.

3505 -

مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْن إلَّا واحدةً. فعلى وَجْهَيْن)

ذَكَرْناهما، وَذلكَ مَبْنِىٌّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ أرْبعًا إلَّا اثْنَتَيْن.
فعلى أحدِ 1 الوَجْهَيْنِ، يَصِحُّ

جارٍ التحميل